(339)
(394)
(9)
(617)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 394- كتاب الحج والعمرة (39) ما يستحب للمولود عند ولادته
صباح الثلاثاء 3 رجب الأصب 1447هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"وكان ﷺ يقول: "لا فرع ولا عتيرة"، والفرع أول النتاج كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة كانوا يذبحونها في رجب، ثم رخص ﷺ فيها وقال: "اذبحوا لله وأبروا لله وأطعموا في أي شهر كان"، واستقر الأمر كذلك، وفي رواية: "على أهل كل بيت أن يذبحوا شاة في رجب".
وكان ﷺ ينهى عن ذبح الجن فسئل الزهري عن ذلك فقال: كان أهل الجاهلية إذا اشترى أحدهم الدار أو البئر أو نحوها يذبح لها ذبيحة للطير دفعاً لأذى السكان من الجان، وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: "لما ولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ سرّ به رسول الله ﷺ كثيراً، وكانت قابِلَتُهُ سلمى امرأة أبي رافع، ولما بَشر أبو رافع رسول الله ﷺ بولادة إبراهيم أعطاه عبداً، وحلق شعره يوم سابع ولادته ودفن شعره بعد أن تصدق بزنته فضة وسماه، ثم دفعه إلى أم سيف بالمدينة لترضعه؛ لكون مارية كانت مشغولة بخدمة رسول الله ﷺ، فكان ﷺ يذهب إلى أم سيف فتُناوِله إبراهيم -عليه السلام- فيشمه ويقبله ثم يدفعه إليها".
قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "وذبح رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين كل واحد كبشين"، في رواية عنه: "كبشاً واحداً وقال لفاطمة: احلقي شعرهما وتصدقي بوزنه من الورق"، قال أنس -رضي الله عنه-: وكان زنة شعر كل واحد درهماً أو بعض درهم، قال: "وأذَّن رسول الله ﷺ في أُذُنِ الحسين حين ولدته فاطمة بالصلاة وقرأ في أُذُنِهِ سورة الإخلاص"، وكان مولد الحسن -رضي الله عنه- في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة ثم ولد الحسين بعده في شعبان سنة أربع من الهجرة، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكرِمنا بالشريعة الغَرَّاء، وبيانها على لسان خير الورى سيدنا محمد، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وأهل بيته الذين حُبُوا به طُهرًا، وعلى أصحابه الذين حازوا به قدرًا، وعلى من تبعهم بإحسانٍ سِرّاً وجَهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القُرب من رب العالمين باطنًا وظاهرًا، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويواصل الشيخ ذكر ما يتعلق بالعقيقة وتوابعها، وذَكَر ما جاء في الذبح في شهر رجب، وأن ذلك مَنُوطٌ ومربوطٌ بأن يذبح باسم الله تبارك وتعالى، ويضعها في موضعها من الصدقة؛ وأما ما يستعمله بعض الناس من ذبح شيء يقولون أنهم يعطونه الجان، ويرمونه بعد ذلك ولا يُطعِمُونه الفقراء فذلك ممنوعٌ في الشرع وهو باطل، وإتلافُ مالٍ وإضاعةُ لَحمٍ في غير مَحَلِّه، ولكن ما يُذبح يُؤكَل ويُتَصَدَّق به على ذوي الحاجة والفقراء.
"وكان ﷺ ينهى عن ذبح الجن فسئل الزهري عن ذلك فقال: كان أهل الجاهلية إذا اشترى أحدهم الدار أو البئر أو نحوها يذبح لها ذبيحة للطير -يرمونها في الأرض- دفعاً لأذى السكان من الجان".
وذلك مما نُهي عنه في الإسلام وفي الشريعة، فلا يجوز أن تُذبح شيئ من الإبل والبقر والغنم إلا للإطعام؛ لأجل إطعام الناس؛ ما بين إطعام الذابح، وما بين إطعام أهله، وما بين إطعام قرابته وصلة الرحم، وما بين الصدقة، وما بين إكرام ضيفه، إلى غير ذلك من المقاصد الصحيحة في الشرع المَصُون.
"وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: "لما ولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ سرّ به رسول الله ﷺ كثيراً".
وقد توفي القاسم وهو صغير، وهو المكنى به -أبو القاسم-، وتوفي عبد الله الطيب الطاهر وهو صغير، وبقيت البنات الأربع: سيدتنا زينب، سيدتنا رقية، سيدتنا أم كلثوم، وسيدتنا فاطمة الزهراء؛ ثم توفي في حياته بعد ذلك زينب ورقية وأم كلثوم، وبقيت فاطمة -رضي الله عنها وعنهن أجمعين- فتوفيت بعده بستة أشهر، وهي ما بين الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين من عمرها -رضي الله تعالى عنها-.
قال: "وكانت قابِلَتُهُ -أي: إبراهيم ابن النبي ﷺ- سلمى امرأة أبي رافع، ولما بَشَّر أبو رافع رسول الله ﷺ بولادة إبراهيم أعطاه عبداً "؛ لأجل بشارته به؛ وفيه أن من بُشِّر بأمر يحبه ينبغي أن يكافئ المُبَشِّر ويُهدي له شيء، وأبو رافع لما بَشَّر النبي ﷺ أنه وُلد له من جاريته وسُرِّيَّته مارية القبطية وَلد -إبراهيم-، أعطاه عبدًا ملَّكه إياه.
"وحلق شعره يوم سابع ولادته"، وتَقدَّم معنا أن هذه هي العقيقة، إزالة شعر المولود الذي وُلِدَ به فهو عقيقته، ويُذبح أيضًا في ذلك اليوم.
"ودفن شعره بعد أن تصدق بزنته فضة"، وما يخرج من الإنسان في صِغره وكِبَره من شعر وظفر ونحوه ينبغي أن يدفنه، وإذا دفنه في مكان طيب بأن يكون فيما يُدفن فيه الموتى الصالحون وما إلى ذلك فهو أفضل، فيدفن ما يخرج من أجزاء بدنه، فإن ذلك ذا كرامة، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70]، فلا ينبغي أن يرميه في الزبالة ولا في المجاري، ولكن ما كان من شعر وظفر ونحوه يخرج من ابن آدم ينبغي أن يعتني به فيدفنه في مكان طيب.
قال: "ودفن شعره -شعر الابن إبراهيم- بعد أن تصدق بزنته فضة وسماه" إبراهيم. وجاءه سيدنا جبريل بعد ذلك وكَنَّاه وقال: "يا أبا إبراهيم".
"ثم دفعه إلى أم سيف بالمدينة لترضعه؛ لكون مارية كانت مشغولة بخدمة رسول الله ﷺ، فكان ﷺ يذهب إلى أم سيف". وكان زوجها أيضًا دبَّاغ، وكان يأتي وريح القِرَض عندهم وأثر الدباغة، فيتحمل كل ذلك، وربما جلس في الدخان حتى يُخرجوا له الولد.
قال: "فتناوله إبراهيم عليه السلام فيشمه ويقبله -والتقبيل وَضْعُ الشفتين والشم بالأنف- ثم يدفعه إليها". فيمر ﷺ يتفقد الطفل في كل يوم عليهم، فيقدموه له، يقبله ويشمه ويقرأ عليه ويدعو له، ويناولهم إياه ويرجع صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ ما أحسن تربيته.
"قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "وذبح رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين كل واحد كبشين"، وفي رواية عنه: "كبشاً واحداً -لكل واحد فيُجزئ في العقيقة ما يجزئ في الأضحية- وقال لفاطمة: احلقي شعرهما وتصدقي بوزنه من الورق -أي: الفضة- "، فإن كان موسرًا ذا سعة واستطاعة فيزنه بالذهب، وإلا فبالفضة، ويتصدق به -بوزن ذلك الشعر-.
إذًا يُجزئ في العقيقة ما يجزئ في الأضحية:
إما بَدَنَة، وإما بقرة، وإما شاة، وهذا معروف ومتفق عليه.
ويُستحب أن يقول أيضًا عند العقيقة:
حلق الرإس:
فمن الذي يقدم العقيقة؟
الأصلُ: الذي تلزمه النفقة هو المخاطب بالعقيقة، فيسلمها من ماله أو يشتريها من ماله ويعق بها عن مولوده؛ ولكن عندنا النبي هو الذي عَقَّ عن الحسن والحسين، وكانت النفقة على سيدنا علي؛ إما أن يكون بإذن أبيهما عَقَّ عن المولود نيابةً عن أبيهما وهو أبو الكل ﷺ، أو كان قد تكفل بنفقتهما ﷺ.
"قال أنس -رضي الله عنه-: وكان زنة شعر كل واحد درهماً أو بعض درهم، قال: "وأذَّن رسول الله ﷺ في أُذُنِ الحسين حين ولدته فاطمة بالصلاة وقرأ في أُذُنِهِ سورة الإخلاص"، أخرجه الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير.
"وكان مولد الحسن -رضي الله عنه- في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة ثم ولد الحسين بعده في شعبان سنة أربع من الهجرة"، فبينهما أحد عشر شهرًا؛ وُلِد الحسن في رمضان السنة الثالثة من الهجرة، وكان تزوج سيدنا علي بالسيدة فاطمة في صفر في السنة الثانية، فدخلت السنة الثالثة من الهجرة فولدته في رمضان، ثم في السنة التي بعدها الرابعة في شعبان ولدت الحسين، فبينهما في السن أحدى عشر شهر.
قال: "والله سبحانه وتعالى أعلم".
ثم ولدت بزينب، وآخر من ولدت أم كلثوم، وهي التي تزوجها سيدنا عمر رغبة في مصاهرة بيت النبوة، وكان يناديها "يا ابنةَ الأكرمين"، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
وفي ذكر العَتِيرَة التي تقدم: كانوا أول نتاج يُنتج لهم يذبحونه لآلهتهم في الجاهلية، وكذلك يذبحون في رجب يتقربون بها أهل الجاهلية، فنَسْخ الفَرَع والعتيرة بأن يُذبح لغير الله تبارك وتعالى، ولكن في رجب وغيره يذبح لله -سبحانه وتعالى- لا لصنم ولا لغير الله -جل جلاله وتعالى في علاه-؛ فكانوا أول ولد تلده الناقة أو الشاة يذبحونه لآلهتهم، ونُهي عن ذلك، وجاءت في الشريعة الأضحية والعقيقة تذبح لله تبارك وتعالى.
وجاء عن الحارث بن عمرو أنه لقي النبي ﷺ في حجة الوداع، فقال رجل من الناس: يا رسول الله، العتائر والفرائع؟ قال: "من شاء عَتَرَ ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فَرَّعَ ومن شاء لم يُفَرِّع" جاء في رواية النسائي بسند ضعيف.
وأيضًا جاء عن لَقِيط بن عامر أنه سأل النبي ﷺ: إنا كنا نذبح في رجب ذبائح فنأكل منها ونُطعم منها مَن جاءنا؟ فقال ﷺ: "لا بأس بذلك"؛ مادام تذبحونها لله وتأكلون وتطعمون منها ما في إشكال؛ إنما الإشكال في ذبحها للآلهة والأصنام هذا الممنوع في الشرع المَصُون.
وكان مما حصل في زواج سيدتنا أم كلثوم بسيدنا عمر بن الخطاب نَجِمَ أنه في تفقده للرعية خرج ليلة، وإذا بخيمة في أطراف المدينة ما كانت في الليلة السابقة، فدنا يرى ما هذا، وإذا به يسمع صوت أنينٍ، فقوي قلقه ونادى: مَن في الخيمة؟ خرج له رجل؛ قال: من أين أنتم؟ ما كانت هذه الخيمة بالأمس هنا؟ قال: نعم نحن من البادية، ضاق بنا الحال وقَربنا إلى المدينة لِيَصِلَنَا رِفْدُ عمر؛ قال: ولكني أسمع أنين في الخيمة عندك؟ قال: مُرَّ في طريقك -كان ما يعرف سيدنا عمر- لا فضول لك! قال: بلى، لا أنصرف حتى تقول ما هذا الأنين؟ قال: لا حاجة لك! دعنا في حالنا؛ قال: أبدًا؛ قال: معي زوجتي تتوجع للولادة؛ قال: عندك قابلة لها؟ قال: لا؛ قال: معك لها نفقة؟ قال: لا؛ قال: اصبر آتيك بالنفقة ومن يساعدها؛ فجاء إلى بيته -سيدنا- عمر، قال: يا ابنة الأكرمين -يخاطب سيدتنا أم كلثوم-، قالت: لبيك!؛ قال: هل لك في خير ساقه الله إليك؟؛ قالت: وما ذاك؟؛ قال: فقراء وصلوا من البادية، رجل معه زوجة تتوجع للولادة وتلد؛ قالت: أتولَّاها أنا؛ قال: فأعِدِّي ما تحتاجه المرأة؛ فقامت وأعدت ما تحتاجه المرأة عند الولادة، وجاب دقيق وزيت وسمن، وأخذه معه حمله وقال: يلا، وخرج بها إلى خارج المدينة إلى عند الخيمة؛ نادى صاحب الخيمة: اخرج، هذه المرأة تتولى مساعدة أهلك؛ خرج وقال: هيا أصلح لنا موقد هنا سنطبخ لكم عشاء؛ فنصبوا أحجارًا وجلس سيدنا عمر عند النار يطبخ هو وإياه، ودخلت سيدتنا أم كلثوم إلى الخيمة، -وعلى نضج هذا- صَلَّحَ له السمن والدقيق وصلَّح له العشاء، هو يقرب له ويساعده وسيدنا عمر قاعد يطبخ لهم، على ما نضج هذا، وقفت سيدتنا أم كلثوم على الباب تقول: يا أمير المؤمنين، أخبر الرجلَ أنه ولدت زوجته بولد ذكر وهي بخير؛ هذا سمِع يا أمير المؤمنين، رجع إلى ورائه، ضحك سيدنا عمر قال: اقرب، أنا عمر بن الخطاب وهذه أم كلثوم بنت علي؛ بكى الرجل وقال: بنت رسول الله؟ بنت فاطمة تُولِّد زوجتي وأمير المؤمنين يطبخ لي؟! قال له: إنها تربت في بيت النبوة، هكذا رباها أبوها وجدها وأمها، قال: خذ عشاءكم الآن، وادخل عند زوجتك، ويصلك الرِّفْدُ منا، وإن كان لك حاجة فتعال؛ وأخذ زوجته أم كلثوم وعاد إلى البيت.
فهذه حياة أمير المؤمنين وحياة آل بيت النبوة، وكيف وعوا خطاب الله وقاموا بحق الله، وأدوا شأن الخلافة على الأرض، حتى لقوا الله مترقبين مرافقة مصطفاه ﷺ في البرزخ والقيامة ودار الكرامة؛ فما أعجب إيمانهم ويقينهم وصدقهم مع عالم سرهم وإعلانهم -جل جلاله-! وما أطيب ما رباهم عظيم الأخلاق ﷺ وحبيب الخلاق ﷺ!.
الله يملأنا بمحبته و يرزقنا حسن متابعته.
سؤال:
إن بعض مؤسسات الخير يذبحون الأضاحي للناس، ورأس الأضحية يرفض الذابحون تصفيته، يذهب هَدْر؟
رزقنا الله تعظيم الشعائر، وأصلح لنا الباطن والظاهر، وصفَّى السرائر ونوَّر البصائر، وفرَّج على أمة الحبيب كل كرب، وكشف عنهم كل غمة، وحوَّل أحوالهم إلى خير الأحوال، وأثبتنا في خيرهم وأنفعهم لهم وأبركهم عليهم ظاهرًا وباطنًا
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
05 رَجب 1447