كشف الغمة 399- كتاب الصيد والذبائح (01) ما يجوز اقتناؤه من الكلاب وقتل الأسود البهيم

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة - 399-  كتاب الصيد والذبائح (01) ما يجوز اقتناؤه من الكلاب وقتل الأسود البهيم

صباح الأربعاء 16 شعبان 1447هـ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

كتاب الصيد والذبائح 

وما يجوز اقتناؤه من الكلاب وقتل الأسْوَد البَهيم 

"قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول: "من اتبع الصيد غفِل، ومن سكن البادية جفا، ومن أتى أبواب السلطان افتتن"، وكان ﷺ يقول: "من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط"، وكان ﷺ يأمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية، وفي رواية: "لولا أن الكلاب أمَّة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسْوَد البَهيم".

قال جابر -رضي الله عنه-: فكنا حين أُمِرنا بقتل الكلاب تدخل المرأة من البادية ومعها كلبها فنقتله، ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتلها عموماً وقال: "عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان"، والله سبحانه وتعالى أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مُكرِمنا بشريعته الغرَّاء، وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل محبة الله وقربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

ابتدأ الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- يتكلم عن الصيد والذبائح وما وَرَد في ذلك؛ وذلك لاستيعاب الشرع المصون لحركة حياة الناس وكل ما يطرأ لهم فيها، وترتيب ذلك بنظام الحق -جل جلاله وتعالى في علاه-.

فالصَّيدُ: مصدر صاد يصيد صيدًا؛ فيُطلق على المعنى المصدري وهو فعل الاصطياد، كما يُطلق على المَصِيد. يُقال: "صيد فلان صيدٌ كثير"، والمراد به المَصِيد. كما قال: (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ) [لقمان: 11] أي: مخلوقه؛ وصيد فلان أي: مصيدُه. قال تعالى: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ) [المائدة: 95].

ويقول أهل الفقه في تعريفه: 

  • إنه اسم لِمَا يَتَوَحَّش ويَمتَنِع، ولا يمكن أخذه إلا بحِيلة؛ إمَّا لطيرانِه أو لِعَدْوِه. وهذا التعريف ينطلق إلى المَصِيد. 
  • وعرَّفه بعضهم وقال: الصيد: اقتناصُ حيوانٍ متوحِّشٍ طبعًا، غير مملوكٍ ولا مقدورٍ عليه. 
  • وهكذا قالوا: إنَّ الصَّيد حيوان مُقتَنص حلال، متوحش طبعًا، غير مملوكٍ ولا مقدورٍ عليه؛ فخرج الحرام كالذئب؛ والإنسي مثل الإبل ونحوها، ما يُعدُّ وما يطلق عليه اسم الصَّيد.

ثم قال: "كتاب الصيد والذبائح"

الذبائح: جمع ذبيحة، والمراد بالذبيحة الحيوان المذبوح، فهي بمعنى مفعول مصدر ذبح يذبح. 

  • ويُطلق الذبح في اللغة: على الشقِّ.
  • واستُعمل في مصطلح الفقهاء: لقطع الحلقوم والمريء. 
  • وكذلك في اصطلاح الفقهاء يذهب معنى الذبح: القطع في الحلق، وهو ما بين اللبَّة واللحيين من العنق. واللبَّة: الثغرة بين الترقوتين أسفل العنق. 

ويُريد الفقهاء هذا المعنى، يقولون: 

  • يُستحب في الغنم ونحوها في الذبح أن تُقطع في حلقها لا في لبَّتها. 
  • وكذلك يطلقونه على القطع في الحلق أو اللَّبة، وهذا أعم يشمل القطع في اللبة. 

ويقولون: الحياة المُستقرة ما فوق حركة المذبوح، وهي الحركة الشديدة التي يتحرَّكها الحيوان حينما يقارب الموت، -هذه حركة مذبوح بعد القطع- سواء كان ذلك القطع في الحلق أو في اللبَّة؛ بالنسبة للجمال تقطع في لبتها. 

فإذًا يطلقون الذبح: على ما يُتوصل به إلى حِلّ الحيوان المأكول، سواءً كان قطعًا في الحلق أو في اللبَّة من حيوانٍ مقدورٍ عليه.

قال: "كتاب الصيد والذبائح، وما يجوز اقتناؤه من الكلاب، وقَتْل الأسود البهيم من الكلاب".

أيضًا يقول الفقهاء: 

  • لا يجوز اقتناء الكلب لغير حاجة. الحاجة: كالصيد والحراسة وغيرهما من وجوه الانتفاع المباحة شرعًا؛ وجوه الانتفاع التي لم ينهَى عنها الشارع يجوز؛ أما لغير ذلك فلا. 
  • قال المالكية: يُكره اتخاذ الكلب لغير زرع أو ماشية أو صيد.

وأورد لنا في الحديث، بعد أن ذكر عموم ما يتعلق بالصيد في قوله: "من اتبع الصيد غفل".

إذا شُغله الصيد، ويظل طول عمره مُعلَّق بالصيد، ولهذا أحبوا إذا خرجوا للصيد أن يصحبوا معهم الذكر، ويصحبوا معهم العلم، ويصحبوا معهم إقامة الجماعات.. وما إلى ذلك؛ حتى لا تتمادى بهم الغفلة.

وإذا كان اتِّباع الصيد يؤدي إلى الغفلة، فكيف باتباع برامج الغافلين والفاسقين والمجرمين؟! ما تؤدِّي إلى غفلة؛ بل إلى أمر شديد! 

"ومن سكَنَ البادية جفا -ويتأثر بخلق أهل البادية- ومن أتى أبواب السلطان افتتن" -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وتعرَّض للفتنة.

"وكان ﷺ يقول: "من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط"، وهكذا أصل الحديث في صحيح مسلم. بل أيضًا في صحيح البخاري: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ".

والقيراط: مثل جبل أحد؛ يروح عليه من أجره كل يوم، لأنه يتخذ الكلب لغير حاجة. 

هكذا جاء أصل الحديث في البخاري، وهذا اللفظ للإمام مسلم: "من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط". جاء أيضًا في رواية عن ابن عمر يقول: "مَنِ اقْتَنى كَلْبًا، إلّا كَلْبَ صَيْدٍ، أوْ ماشِيَةٍ، نَقَصَ مِن أجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قِيراطانِ.". أيضًا جاء في رواية عند الإمام مُسلم؛ ففي رواية أبي هريرة قيراط؛ وفي رواية ابن عمر قيراطان.

  • وأما إذا كان للزرع أو الماشية أو الصيد فلا يضر.
  • وأما لحفظ البيوت، فكذلك عند الجمهور: إذا كان يقوم بأداء مهمة الحراسة، أنه يجوز اقتناؤه. 
  • وابن قدامى من الحنابلة قال: لا يجوز على الأصح؛ قال: لزرع أو لماشية أو لصيد فقط، ليس لحفظ البيوت. 
  • ولكن قال الشافعية وغيرهم: بحسِب الحاجة يجوز أن يقتنى لحفظ البيوت وغيرها، وكل غرض صحيح لم ينهَ عنه الشارع.

لكن إذا زالت الحاجة التي يجوز اقتناء الكلب من أجلها؟ وجب عليه إزالت يده عنه ويتركه؟ 

ويجوز قالوا أيضاً أن يربي الجرو الذي يتوقع منه أن يتعلم؛ يجوز أن يربيه حتى يُعلّمه حراسة الماشية أو الزرع أو يعلمه الصيد.

وهكذا يقول الفقهاء -كما في المغني- عند ابن قدامة: إن من اقتنى كلباً لصيد ثم ترك الصيد مدة ولكن يريد العودة إليه، لم يحرم اقتناؤه في مدة تركه؛ لأن ذلك لا يمكن التحرز منه، مثل صاحب الزرع؛ السنة هذه ما زرع لكنه ينوي أن يزرع، فيجوز أن يقتنيه ليزرعٍ. وكذلك لو أخذه لحراسة الماشية فهلكت ماشيته لكنه أراد شراء غيرها، فله إمساك كلبها من أجل أن يشتري ثانية.

فإذا كان اقتنى كلباً للصيد ولكنه ما يصيد؟ كيف هذا؟ أيعطيه غيره ولا يحتمل أنه في المستقبل ينوي يصيد؟  أو كيف؟ 

قالوا: إذا أخذنا بعموم قوله "إلا كلب صيد"، وهذا مُعلَّم للصيد، فيجوز اقتناؤه، انتفع به  هو أو غيره.

يقول بعض أهل الفقه: يحرم اقتناؤه؛ لأنه أنت ما تصيد، كيف تأخذ كلب صيد؟

يقول: "وكان ﷺ يأمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية، وفي رواية: "لولا أن الكلاب أمَّة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسْوَد البَهيم"، كما جاء في رواية: "فإنه شيطان"؛ الأسود البهيم: شديد السواد، الأسود الخالص، فيكون له أثر غير الألوان الأخرى.

  • وهذا إن كان عقوراً فبالاتفاق -عقور: يؤذي-؛ فبالاتفاق يُقتل. 
  • وإن لم يكن عقوراً قال: ذهب كثير من علماء المالكية وقالوا: إنه لا يقتل أسود ولا غيره إلا أن يكون عقوراً مؤذي.

وقالوا: إن الأمر بقتل الكلاب نُسخ بقوله: "لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً"، فأدخلوا في ذلك الكلاب.

وذكروا الحديث الذي جاء في الصحيح: أن الذي وجد الكلب يلهث عطشاً فسقاه، فشكر الله له وغفر له.

 فما يُؤمر بقتل الكلاب مطلقاً. وقال ﷺ: "في كل كبد رطبة أجر"، إذا كان الأجر في الإحسان إليه، فالوزر في الإساءة إليه.

وأما ما جاء في الحديث: أن الكلب الأسود شيطان، قالوا: نعم، لكن هذا ما يدل على طلب قتله. 

وهكذا يقول الشافعية: الكلب: إما عقور وإما محترم، وإما ما ليس فيه نفع أو ضر، يقولوا: كلب السوق؛ لا يؤذي أحداً ولا ينفع.

قال: 

  • فأما العقور: فهذا لا خلاف في ندب قتله بالإجماع. 
  • وأما المحترم: الذي أُعِدَّ لصيد وحراسة ماشية فهذا محترم أيضاً بلا خلاف.
  •  لكن الذي فيه الخلاف ما لا نفع فيه ولا ضرر: 
    • المعتمد أنه لا يجوز قتله، كما رجحه ابن حجر والرملي، ما يجوز قتله، وضع  فيه كلام الإمام النووي الذي اعتُمد بعده ابن حجر والرملي أنه يحرم.
    •  قال زكريا الأنصاري: يجوز قتله لعموم القتل إلا ما استثني للصيد أو الحراسة.
    • وهكذا يقول الحنابلة: قتل الكلب المُعلَّم حرام، وقاتله مسيء ظالم، وكل كلب مباح إمساكه لأنه محلٌّ منتفع به، يباح اقتناؤه فيحرم إتلافه. 

وهكذا علمنا ما قال الأئمة في الكلاب، وجاء أيضاً أخذ النسخ من الأمر بقتل الكلاب في رواية عند الإمام مسلم، يقول: "أَمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بقَتْلِ الكِلابِ، ثُمَّ قالَ: ما بالُهُمْ وَبالُ الكِلابِ؟"، وكأنه نهى عن قتلها أو رفع ذاك الحكم. ولكن يبقى الكلب العقور في مكانه، وقد ذكره ﷺ  من الخمسة التي تُقتل حتى في الحرم.

فما آذى الناس وضرّهم في أنفسهم وأموالهم يباح قتله بلا خلاف؛ لأنه يؤذي بلا نفع. بل اختلفوا: هل يجب قتله أو يندب؟ فإذاً مع اتفاقهم على جواز قتل الكلب العقور حتى في الحرم من أجل حديث الخمسة التي تقتل في الحِل والحرم -الفواسق-: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، حتى صرّح الحنابلة بوجوب قتله.

يقول: "قال جابر -رضي الله عنه-: فكنا حين أُمِرنا بقتل الكلابحتى تدخل المرأة من البادية ومعها كلبها فنقتله، ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتلها عموماً، وَقالَ: "علَيْكُم بالأسْوَدِ البَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ؛ فإنَّه شَيطَانٌ".

ولهذا اختلفوا أيضاً: إذا مرَّ الكلب الأسود بين يدي المصلي؛ فهل يقطع الصلاة؟ الكلب الأسود دون غيره من الكلاب.

قالوا: صح أنه ﷺ أمر بقتل الكلاب مرة، ثم صح أنه نهى عن قتلها. قالوا: واستمر الشرع عليه على التفصيل الذي ذكره: غير العقور والعقور.

وكما ذكرنا قالوا: 

  • كلب محترم باتفاق، وهو الذي اتخذ لصيد أو حراسة. 
  • وكلب عقور فهو مدعوٌ إلى قتله باتفاق.
  • وكلب لا نفع فيه ولا ضر فهذا الذي اختلفوا فيه، ورجح الكثير عدم جواز قتله.

جعلنا الله وإياكم من المقتدين بحبيبه صلى الله عليه وسلم في جميع الشؤون، وتولانا بما هو أهله في الظهور والبطون، ولا وكلنا إلى أنفسنا ولا لأحد من خلقه طرفة عين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

04 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

21 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام