كشف الغمة 400- كتاب الصيد والذبائح (02) فصل فيما جاء في صيد الطلب المعلم والباز ونحوهما

كشف الغمة
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة - 400-  كتاب الصيد والذبائح (02) فصل فيما جاء في صيد الطلب المعلم والباز ونحوهما

صباح الثلاثاء 29 شعبان 1447هـ.

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

فصل فيما جاء في صيد

الكلب المعلم والباز ونحوهما

"قال أبو ثعلبة الخشني -رضي الله عنه-: ‏"قلت: يا رسول الله : إنا بأرض صيد فتارة أصيد بقوسي، وتارة بكلبي المعلم وتارة بكلبي الذي ليس بمعلم، فما يصلح لي منها؟ فقال: ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل"، وكان سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- يقول: إذا قتل الكلب المعلم فكل وإن لم يبق إلا بضعة واحدة.

وقال نافع: رميت طيرين بحجر وأنا بالجرف فأصبتهما، فأما أحدهما فمات فطرحه عبد الله، وأما الآخر فذهب عبد الله بن عمر يذكيه بقدوم فمات قبل أن يذكيه فتركه عبد الله بن عمر. وقال عدي بن حاتم -رضي الله عنه-: قال لي رسول الله ﷺ: ‏"إذا أرسلت كلبك المعلم أو بازك المعلم فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن أخذَ الكلب ذكاة"، وفي رواية: "فكله فإنه أمسك عليك، وهو دليل على الإباحة سواء قتله الكلب جرحاً أو خنقاً".

وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول في الكلب المعلم : ‏"كل ما أمسك عليك إن قتل وإن لم يقتل"، وفي رواية: ‏"وإن أكل وإن لم يأكل"، وكان إبراهيم التيمي يقول: إذا أرسلت كلبك فقتل فكل، وإن أكل فلا تأكل، وإذا أرسلت بازك فأكل منه فلا بأس فإنه لا يحفظ حتى يأكل".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مكرمنا بشريعته الغراء، وبيانها على لسان خير الورى، سيدنا محمد صلى الله وسلم، وبارك وكرم عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الكُبَراء، ومن والهم واتبعهم بإحسان وجرى في مجراهم خير مجرى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، أعلى الخلائق لدى الرحمن منزلة وقدرًا، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ما يتعلق في الصيد بصيد الكلب المُعَلَّم، ومثله الباز من الطيور ونحوها من ذوات الجوارح التي يمكن أن تمسك الصيد، وتُعطى في ذلك تعليمًا معيَّنًا حتى تنطلق إذا أُرسِلتْ، وتقف إذا زُجرتْ، وتتعامل أيضًا مع الصيد بما يُلقى إليها من التعليمات؛ فإذا صارت مُعَلَّمَة صارت واحدة مما يباح به الصيد ويحل به أكل لحوم ما اصطادت؛ وفي هذا على العموم بيان لمكانة العلم وقدره ورفعته لأهله؛ فهذا كلب مُعَلَّم، بسبب أنه صار مُعَلَّمًا صار يُباح ما اصطاده لنا بهذا التعليم، وصار حتى لو أدى ذلك إلى موت المُصاد فإنه يُباح لنا لكون الكلب الذي أرسلناه مُعَلَّمًا.

"قال أبو ثعلبة الخشني -رضي الله عنه-: ‏"قلت: يا رسول الله : إنا بأرض صيد فتارة أصيد بقوسي، وتارة بكلبي المعلم وتارة بكلبي الذي ليس بمعلم، فما يصلح لي منها؟ فقال: ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل". 

قال: غير المُعَلَّم ما ينفع أنه قَتَلَ الصيد، ولكن إذا أنت أدركته حيًّا حياةً مستقرة فذكيته فكُل؛ والمعنى: إذا لم تدركه حيًّا حياةً مستقرة فلا تأكل بصيد كلب غير مُعَلَّم.

"وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول: إذا قتل الكلب المعلم فكل وإن لم يبق إلا بضعة واحدة".

  • والذي عليه الجمهور: أنه إذا أَكَلَ الكلب فلا تُؤكَل من بعده الصيد؛ لأنه يقول في الحديث: ‏"أما إني أخاف أن يكون أمسكَ على نفسه"، والحق يقول: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ) [المائدة: 4]. وهكذا ذكر الكلب وعندنا في العنوان أيضًا الباز. 
  • وكما استثنى أبو يوسف من الجوارح -استثنى- الأسد والذئب، قال: إن هذه لا تعمل لغيرها، لا تمسك إلا على نفسها، فلا يصح في الأسد والدب أن يكونا وسيلتين للصيد عنده. 
  • كذلك بعض الحنفية يلحقون الحدأة، يقولون: ما يصح أن تكون من وسائل الصيد.
  • كما أن الحنابلة استثنوا الكلب الأسود، قالوا: ما يصح؛ والبهيم الأسود: ما لا بياض فيه، أو كان أسود بين عينيه نقطتان؛ فعندهم لا يصح لما جاء في حديث سيدنا جابر عنه عن  ﷺ: ‏"علَيْكُم بالأسْوَدِ البَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ؛ -يعني: في التحريض على قتله- فإنَّه شَيطَانٌ" كما جاء في صحيح مسلم، فاستثناه الحنابلة من جواز الاصطياد به.

قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: 4].

فالشرط: أن يكون مُعَلَّمًا باتفاق الفقهاء.

  • (مَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ) [المائدة: 4].
  • "ما صِدْتَ بكَلْبِكَ المُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وما صِدْتَ بكَلْبِكَ غيرِ مُعَلَّمٍ فأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ"، أدركتَ ذكاته فكل وإذا لم تدرك ذكاته فلا تأكل. 

فيشترط في الكلب المعلم: إذا أُرسِل أطاع، وإذا زُجِر انزجر.

  • ويقول أيضًا الحنفية والشافعية والحنابلة: وإذا اصطاد لم يأكل، إذا أمسك يعني لم يأكل، كما جاء في الحديث أيضًا في البخاري يقول: ‏"إلَّا أنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ فلا تَأْكُلْ، فإنِّي أخَافُ أنْ يَكونَ إنَّما أمْسَكَ علَى نَفْسِهِ" اي: أمسك الصيد لنفسه ما هو لك، والحق يقول: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: 4].
  • ومثلها جارحة الطير عند الشافعية مثل جارحة السباع. 
  • ولم يشترط الحنابلة في جارحة الطير أنها لا تأكل؛ لِما يُروى عن ابن عباس: "إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل".

 

يقول -عليه رضوان الله تعالى-: "وقال نافع: رميت طيرين بحجر وأنا بالجرف فأصبتهما، فأما أحدهما فمات فطرحه عبد الله، وأما الآخر فذهب عبد الله بن عمر يذكيه بقدُّوم فمات قبل أن يذكيه فتركه عبد الله بن عمر. وقال عدي بن حاتم -رضي الله عنه-: قال لي رسول الله ﷺ: ‏"إذا أرسلت كلبك المعلم أو بازك المعلم فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإنَّ أخذَ الكلب ذكاة"، وفي رواية: "فكله فإنه أمسك عليك، وهو دليل على الإباحة سواء قتله الكلب جرحاً أو خنقاً".

وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول في الكلب المعلم : ‏"كل ما أمسك عليك إن قتل وإن لم يقتل".

ولكن إذا أدركته حيًّا حياةً مستقرة فيجب الذبح حينئذ، ولا يكفي تركه يتأثر باصطياد الكلب.

 

"وفي رواية : ‏"وإن أكل وإن لم يأكل"، وكان إبراهيم التيمي يقول: إذا أرسلت كلبك فقتل فكل، وإن أكل فلا تأكل، وإذا أرسلت بازك فأكل منه فلا بأس فإنه لا يحفظ حتى يأكل".

وهذا الذي ذكرنا من مذهب الحنابلة أن المُعَلَّم من الطير ما يشترط أن لا يأكل، بخلاف المُعَلَّم من الجوارح الأُخرى، فلا بُدَّ أن يكون إذا أمسك لا يأكل؛ لأنه أمسك لصاحبه، وإنما ينتظر ما يعطيه صاحبه بعد ذلك.

 

رزقنا الله الاستقامة، وأتحفنا بالكرامة، وبارك لنا فيما أعطانا، وفيما أنعم به علينا، وبارك لنا في خواتيم شعبان، وبلغنا رمضان، وأعاننا على الصيام والقيام، وحفظنا من الآثام، ورضانا باليسير من المنام، ورفعنا إلى أعلى مقام، ووفر حظنا من شهر الصيام ومن شهر القيام. 

ويجعل كلٌّ منا وأهلينا ممن يصومه إيمانًا واحتسابًا، وممن يقومه إيمانًا واحتسابًا، وممن يقوم ليلة القدر ويحييها إيمانًا واحتسابًا. 

ووفَّر الله حظنا من سر الصوم، وبركة الصوم، ونور الصوم، وخير الصوم، وفضل الصوم. 

وأن الله سبحانه وتعالى يوفِّر حظنا من القيام، وسر القيام، وبركة القيام، وينقينا من جميع الذنوب والآثام، ويرفعنا إلى أعلى مراتب القوم الكرام، في خير ولطف وعافية.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

04 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

21 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام