كشف الغمة 398- فرع: في التكنِّي بأبي القاسم، وفرع في فضل التسمِّي بمحمد
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 398- فرع: في التكنِّي بأبي القاسم، وفرع في فضل التسمِّي بمحمد
صباح الأربعاء 2 شعبان 1447هـ.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فرع: في التكني بأبي القاسم
"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: نادى رجل رجلًا وقال: يا أبا القاسم، فالتفت رسول الله ﷺ فقال الرجل: لم أعنِكَ يا رسول الله إنما دعوت فلانًا، فقال ﷺ حين ذاك: "تسموا باسمي ولا تكنُّوا بكنيتي"، وفي رواية: "من تسمي باسمي فلا يكتنى بكنيتي، ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي"، وبلغه رسول الله ﷺ أن رجلًا سمى ابنه أبا القاسم فقال: "سمِّهِ عبد الرحمن فإنما جُعِلتُ قاسمًا أقسم بينكم"، ثم رخص في ذلك حتى صار يقول: "ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي، وما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي"
فرع: في فضل التسمي بمحمد
وذكر من تسمى به في الجاهلية
كان محمد بن الحنفية يقول: قال أبي -رضي الله عنه-: قلت: "يا رسول الله إن ولد لي بعدك ولد أُسمِّهِ باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم"، وكان ﷺ يقول: "لا يدخل النار عبد تَسمَّى بأحمد أو بمحمد"، وكان ﷺ يقول: إذا سميتم محمدًا فلا تضربوه ولا تقبحوه وأكرموه وأوسعوا له في المجلس"، وفي رواية: "بورك في محمد وفي بيت فيه محمد، وفي مجلس فيه محمد".
قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "ورأى رسول الله ﷺ شخصًا يلعن ولده وكان سماه محمدًا فقال ﷺ: تسمون أولادكم محمدًا ثم تلعنونهم"، وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: "من كان له حَمْلٌ فنوى أن يسميه محمدًا حوله الله تعالى ذكرًا وإن كان أنثى".
وكان عطاء -رضي الله عنه- يقول: بلغنا أنه ما يسمى مولود في بطن بمحمد إلا جاء ذكرًا. قال ابن وهب: فنويت سبعة كلهم جاؤوا ذكورًا من أجل تسميتهم محمدًا في بطن أمهم، قال كعب الأحبار -رضي الله عنه-: وقد حمى الله تعالى اسم محمد وأحمد أن يتسمى بهما أحد قبل ظهوره ﷺ، فأما أحمد الذي ذكر في الكتب وبشر به عيسى -عليه السلام- فمنع الله -تعالى- أن يسمى أحد به قبله حتى لا يدخل اللَّبْسُ والشك على ضعيف اليقين، وأما محمد فلم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلا حين شاع قبيل مولده أن نبيًا يبعث اسمه محمد، فسمی جماعة من العرب أبناءهم بذلك؛ رجاء أن يكون أحدهم هو، فمنهم محمد بن عدي بن ربيعة التميمي السعدي، ومنهم محمد بن أحلحة بن الجلاح، ومنهم محمد بن أسامة بن مالك بن حبيب العنبري، ومنهم محمد بن البراء البكري، ومنهم محمد بن الحارث بن خديج بن خويص، ومنهم محمد بن هرماز بن مالك اليعمري، ومنهم محمد بن حمران الجعفي، ومنهم محمد بن خزاعي السلمي، ومنهم محمد بن خولي الهمداني، ومنهم محمد بن سفيان بن مجاشع، ومنهم محمد بن اليحمدي الأزدي، ومنهم محمد بن يزيد، ومنهم محمد الأسيدي، ومنهم محمد الفقيمي، وكل هؤلاء لم يدركوا الإسلام إلا الرابع فإنه صحابي.
خاتمة: جاء رجل إلى عمر -رضي الله عنه- فقال له عمر: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة؟ قال: أين مسكنك، قال: بحرّة النار، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى، قال عمر -رضي الله عنه-: أدرك أهلك فقد احترقوا فذهب الرجل فوجدهم قد احترقوا كما قال عمر -رضي الله عنه-، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكرمِنا بوضوحِ المسالك، وبيَانِها على لسان أشرف ناسك وسالك، سيد المرسلين وخاتم النبيين، حبيب مَلِكِ الممالك. أدم اللهم صلواتك عليه وعلى آله وأهل بيته وصحابته والتابعين لهم بإحسان، المحظيِّين بشريفِ المَدارك، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين حُماة الناس ومُنقِذيهم من المهالك، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين. ولك الحمد على ذلك.
وبعد،
فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله- في التَّكنِّي بكُنيَة أبي القاسم وما حُكم ذلك؟ وقد كان للعلماء فيه أقوال، في جواز التكنّي بكُُنية أبي القاسم أو تحريمها.
وذكر لنا قول "ابن عباس -رضي الله عنهما-: نادى رجل رجلًا وقال: يا أبا القاسم، فالتفت رسول الله ﷺ فقال الرجل: لم أعنِكَ يا رسول الله -أي: ما قصدتك- إنما دعوت فلانًا، فقال ﷺ حين ذاك: "تسموا باسمي ولا تكُّنوا بكنيتي"، وفي رواية: "من تسمي باسمي فلا يكتنى بكنيتي، ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي"
وهذا أحد الأقوال الخمسة عند الفقهاء في حكم التكني بكنية أبي القاسم، التي هي الكنية المشهورة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم:
- القول الأول: قال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية -وهو أحد الأقوال عند الشافعية وأحد الأقوال عند الحنابلة كذلك-: أنه في حياته لا يجوز التكني بكنيته عليه الصلاة والسلام، ويجوز بعد وفاته.
سواء كان صاحب الكنية اسمه محمد أو اسمه آخر؛ يجوز بعد وفاته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أخذًا من السبب في ورود الحديث، أنه خُوطِب غيره بهذا الخطاب وهو حاضر ﷺ فالتفت إلى المتكلم، فقال: "لم أعنِكَ يا رسول الله" لم أقصدك، فإذًا عندهم إنما يكون ذلك في حال حياته -عليه الصلاة والسلام-.
وفي رواية: "إِنَّ رَجُلًا دَعَا رَجُلًا فِي السُّوقِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّمَا دَعَوْتُ رَجُلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي." ففهموا أن علَّة النهي خاصَّة بزمن حياته لهذا السبب المذكور، وأنها زالت العلة بوفاته.
ولما جاء عن سيدنا علي -رضوان الله عليه- أنَّه قال: "يا رسول الله إن ولد لي بعدك ولد أُسمِّهِ باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم". فجاء محمد بن الحنفية، سمّاه محمد يُوكنّى بأبي القاسم.
فهذا ما مال إليه الجمهور، وقال عياض في المالكية والجمهور والسلف والخلف على جواز التسمية والتَّكنية بأبي القاسم وأنَّ النهي منسوخ، وأنَّه مُقيَّد بحياته.
-
والقول الثاني: قال لا يجوز التكني بكنيته مطلقاً، سواء كان صاحب الكنية اسمه محمد أو لا، وسواء كان ذلك في زمن النبي ﷺ أو بعده. وأخذوا بعموم حديث: "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي". وهذا قول عند الشافعية وهو قول مشهور عندهم، وهو رواية عند الحنابلة كذلك.
- القول الثالث: لا يجوز التكني بكنيته ﷺ لمن اسمه محمد، ويجوز لغيره إذا لم يكن اسمه محمد فيكُنِّي أبا القاسم، سواء كان ذلك في زمن حياته أو بعد وفاته ﷺ؛ لما جاء في رواية: "لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي" رواه الإمام أحمد.
وجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَجْمَعَ بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ، وَقَالَ: "أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، وَاللَّهُ يُعْطِي، وَأَنَا أَقْسِمُ". في إشارة إلى أن تكنيته بأبي القاسم لها تعلق ببعض خصائصه فيما وكَّل الله إليه فيه القسمة من أحوال وشؤون ظاهرة وباطنة، وقال: "إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِى" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. وهذا الذي صححه الرافعي وهو رواية عند الحنابلة -كما قُلنا-.
- القول الرابع: لا يجوز التسمي بمحمد ولا التكني بأبي القاسم، وهذا قول غريب.
لِما جاء عن أنس: "تُسَمُّونَهُمْ مُحَمَّدًا ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ" هذا في رواية أبي يعلى. وهذا الذي مال إليه سيدنا عمر خشية من أن تُنتهك حرمة الاسم. "وَقَدْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُول لِمُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ يَا مُحَمَّدُ فَعَل اللَّهُ بِكَ.. فَعَل اللَّهِ بك..، فَدَعَاهُ وَقَال: لاَ أَرَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يُسَبُّ بِكَ -أسمك محمد ويتعرضون لسبّك وهو أسم النبي- فَغَيَّرَ اسْمَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ" فصار عبد الرحمن بن زيد بن الخطَّاب، ليس محمد. فهذا مرجعه إلى الغَيرة على الأسماء الشريفة أن لا تُبتذل، وأن يسميه باسم أحد من الأنبياء وبعد ذلك يضربه وثم يسبُّه ويتكلم عليه ومعه الاسم الشريف.
- والقول الخامس: لا يجوز التكني بكنيته ﷺ في حياته مطلقًا، سواء كان صاحب الكنية اسمه محمد أو غير ذلك، ويُفصَّل بعد وفاته:
- فمن اسمه محمد أو أحمد ما يجوز يُكنى بأبي القاسم.
- ومن ليس اسمه محمد أو أحمد يجوز يُكنى بأبي القاسم.
قال ابن حجر العسقلاني: هذا من أعدل الأقوال مع غرابته.
وبعد ذلك فقد بيّن لنا في الفرع بعده فضل التسمي باسم محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال: "وبلغه رسول الله ﷺ أن رجلًا سمى ابنه أبا القاسم فقال: "سمِّهِ عبد الرحمن فإنما جُعِلتُ قاسمًا أقسم بينكم"، ثم رخص في ذلك حتى صار يقول: "ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي، وما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي"، لِما جاء في رواية أبي داود والطبراني والبيهقي.
بذلك عرفنا أن الجمهور: على أن التحريم مخصوصٌ بحياته ﷺ أن يُكنَّى بأبي القاسم.
ثُمَّ قال: "كان محمد بن الحنفية يقول: قال أبي -رضي الله عنه- يعني: سيدنا علي: قلت: "يا رسول الله إن ولد لي بعدك ولد أُسمِّهِ باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم" جاء في رواية الترمذي -عليه رحمة الله- والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن، ففيه الترخيص منه ﷺ .
"وكان ﷺ يقول: "لا يدخل النار عبد تَسمَّى بأحمد أو بمحمد"، أي: إذا كان ذلك منه على سبيل التعظيم والمحبة؛ فإنه لا يُخذل إلى موجب دخول النار بسبب المحبة والتعظيم للجناب الشريف.
"وكان ﷺ يقول: إذا سميتم محمدًا فلا تضربوه ولا تقبحوه وأكرموه وأوسعوا له في المجلس"، احترامًا لما حمل من الاسم، كما جاء في رواية الخطيب البغدادي. ومن هنا أيضًا كان كثير إذا سمى ولده باسم محمد بالغ في إكرامه واحترامه، وتجنَّب أن يرفع صوته عليه أو يؤذيه تعظيمًا للاسم.
"وفي رواية: "بورك في محمد وفي بيت فيه محمد، وفي مجلس فيه محمد".
وقال: "قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "ورأى رسول الله ﷺ شخصًا يلعن ولده وكان سماه محمدًا فقال ﷺ: تسمون أولادكم محمدًا ثم تلعنونهم"؛ أيضًا جاء عند أبي يَعلَى والحاكم في المُستدرك؛ فأنكر عليه ذلك.
"وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: "من كان له حَمْلٌ فنوى أن يسميه محمدًا حوله الله تعالى ذكرًا وإن كان أنثى". أخرجه ابن بكير في فضائل التسمية بلفظ: "مَنْ كَانَ لَهُ حَمْلٌ فَنَوَى أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا أُدْخِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْجَنَّةَ"، أي: إذا كان الدافع للاسم التعظيم والمحبة والمودَّة.
"وكان عطاء -رضي الله عنه- يقول: بلغنا أنه ما يسمى مولود في بطن بمحمد إلا جاء ذكرًا. قال ابن وهب: فنويت سبعة كلهم جاؤوا ذكورًا من أجل تسميتهم محمدًا في بطن أمهم".
"قال كعب الأحبار -رضي الله عنه-: وقد حمى الله تعالى اسم محمد وأحمد أن يتسمى بهما أحد قبل ظهوره ﷺ، فأما أحمد الذي ذكر في الكتب وبشر به عيسى -عليه السلام- فمنع الله -تعالى- أن يسمى أحد به قبله حتى لا يدخل اللَّبْسُ والشك على ضعيف اليقين".
وما اشتهر اسم أحمد إلا بعده -عليه الصلاة والسلام-. أما اسم محمد فأيضًا -على مدى القرون- الناس من عهد آدم ما أحد سمى محمد. من عهد آدم وشيث بن آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وقرون كثيرة، وإلى إبراهيم وذريته وإلى يوسف وإلى داود وسليمان وزكريا، ما أحد سمى محمد، وإلى عيسى قرون كثيرة طويلة ما أحد سمى محمد.
لما قرب وقت ولادته عليه الصلاة والسلام، وبشر به الأحبار وأن اسم محمد نبي يبعث، في ناس وُلد لهم مواليد سموهم "محمد" في تلك السنة، نحو خمسة عشر. قال: "وأما محمد فلم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلا حين شاع قبيل مولده أن نبيًا يبعث اسمه محمد، فسمی جماعة من العرب أبناءهم بذلك؛ رجاء أن يكون أحدهم هو". (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124].
"فمنهم محمد بن عدي بن ربيعة التميمي السعدي، ومنهم محمد بن أحلحة بن الجلاح، ومنهم محمد بن أسامة بن مالك بن حبيب العنبري"، هؤلاء كلهم في السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدوا وأسموهم محمد. (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124].
"ومنهم محمد بن البراء البكري، ومنهم محمد بن الحارث بن خديج بن خويص، ومنهم محمد بن هرماز بن مالك اليعمري، ومنهم محمد بن حمران الجعفي، ومنهم محمد بن خزاعي السلمي، ومنهم محمد بن خولي الهمداني، ومنهم محمد بن سفيان بن مجاشع، ومنهم محمد بن اليحمدي الأزدي، ومنهم محمد بن يزيد، ومنهم محمد الأسيدي، ومنهم محمد الفقيمي، وكل هؤلاء لم يدركوا الإسلام إلا الرابع فإنه صحابي".
ثُمَّ ذكر في الخاتمة التَّفاؤل والتَّشاؤم بالأسماء، قال: "جاء رجل إلى عمر -رضي الله عنه- فقال له عمر: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة؟ قال: أين مسكنك، قال: بحرّة النار، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى، قال عمر -رضي الله عنه-: أدرك أهلك فقد احترقوا فذهب الرجل فوجدهم قد احترقوا كما قال عمر -رضي الله عنه-، والله أعلم."
فذهب الرجل فوجدهم احترقوا كما قال عمر -رضي الله عنه-
لا إله إلا الله.
اسمك من؟ قال: جمرة. ابن من؟ قال: ابن شهاب. ممن؟ قال: من الحُرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار. قال: في أي مكان من حرة النار؟ قال: بذات لظى. قال: أدرك هؤلاء قد احترقوا. راح حصّل الحريق شاعل في بيت أهله، لا إله إلا الله.
وكذلك التسمية بأسماء الأنبياء، فأكثر أهل العلم على استحباب ذلك، وعدم كراهة شيء من ذلك.
- يقول ابن حجر في التُحفة: لا تُكره التسمية باسم نبيَِّ أو مَلَك، بل جاء في التسمية باسم نبينا صلى الله عليه وعلى أله وصحبه سلم فضائل. من ذلك ما رواه العتبي أن أهل مكة يتحدثون: مَا مِنْ بَيْتٍ فِيهِ اسْمُ مُحَمَّدٍ إِلاَّ رَأَوْا خَيْرًا وَرُزِقُوا.
- كما قال صاحب كشَّاف القناع من الحنابلة: يُستحسن التسمية بأسماء الأنبياء، بل قال سعيد بن المسيب: "أَحَبُّ الأَْسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ أَسْمَاءُ الأَْنْبِيَاءِ" صلوات الله وسلمه عليهم. وما جاء عن سيدنا عمر وغيره مرجعه إلى تعظيم هذه الأسماء وخشية من ابتذالها وعدم احترام من سُمِّي بها.
قال ابن خيثمة في تاريخه: أنَّ طلحة كان له عشرة من الأولاد كل منهم اسمه اسم نبي من الأنبياء، وكان للزبير عشرة كلهم تسمى باسم شهيد. قال طلحة: أنا سميتهم بأسماء الأنبياء وأنت تُسمِّهم بأسماء الشهداء! قال له الزبير: إني أطمع أن يكون بَنِيَّ شهداء، وأنت ما تطمع أن يكون بنوك أنبياء.
هو ما يطمع أن يكونوا أنبياء، ولكن بركة الأنبياء وسرَّهم.
وجاء في رواية أبي داود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ".
وجاء في صحيح البخاري عن سيدنا جابر -رضىَ الله عنه- قال: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنا غُلام فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقَالُوا: لا نَكْنِيهِ حَتى نَسْأَلَ النبِيَّ؛ فَقَال: "سَمُّوا بِاسْمِي وَلا تَكَنوا بِكُنْيتِي".
وهكذا، وعلمنا بهذا أننا في نور شريعة تُعلِّمنا حتى كيف نسمي ومن نسمي ولدنا، فلسنا بحاجة إلى فكر شرقي ولا غربي ولا عربي ولا عجمي. معنا نور رباني من الرحمن نعرف به كيف نقيم حياتنا وأسماءنا ومعاملتنا وصناعتنا وزراعتنا وأخذنا وعطاءنا.
(مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [الأنعام: 38].
(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50].
فمن السفه والغباوة أن نُعرض عن نور الله ونروح -ندور- نبحث عن فكر وثقافة من عند ذا أو من عند ذاك، من هم هؤلاء؟ ومتى جاؤوا؟ ومن الذي خلقهم؟ فيك عقل أو ما فيك عقل!
نور الرحمن خيرٌ لك، وبرهان التنزيل وبلاغ الرسول أشرف لك وأمجد وأسمى ظاهرًا وباطنًا.
رزقنا الله حسن متابعته، والاقتداء به، والتخلّق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، وبه قبلنا وقبل العاملين للخير من الأمة، والوافدين لزيارة النبي هود، جعل الله لهم -سبحانه وتعالى- من السعادات والتأييدات والنصرات ما يجمع قلوبهم عليه، وما يجعلهم مفاتيح للخير ومغاليق للشر، وسببًا لصلاح الأمة والبلاد والعباد، وكشفًا للغمة، وجلاءً للظلمة، ودفعاً للنقمة. ويجمع القلوب على ما يحب، والدخول فيمن يحب.
ويبارك لنا في جميع ليالي شعبان وأيامه وساعاته ولياليه ولحظاته وأنفاسه، ويبارك لنا -سبحانه- في خاتمته، ويبارك لنا في ليلة النصف منه. ويبلغنا جميعاً رمضان، ويجعلنا من خواص أهل رمضان، الظافرين بالنظرة الربانية في أول ليلة من ليالي رمضان، الفائزين بعنايته -تعالى-، والمنادَين من قِبَل ملائكة الله المقربين: "أقبل أقبل.. أقبل أقبل، وموفَّقين لكل خير، محفوظين من كل شر وضير. يجعلنا من خواص من يبغي الخير في لطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
04 رَمضان 1447