(339)
(9)
(394)
(617)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 392- كتاب الحج والعمرة (39) فرع: في الأكل والادخار والانتهاب
صباح السبت 29 جمادى الثانية 1447هـ .
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فرع: في الأكل والادخار والانتهاب
"كان رسول الله ﷺ يأكل من لحم الأضحية ويطعم غيره منها. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وكان ﷺ ينهى عن الادخار من لحم الأضاحي ويقول: "يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فشكا الناس إليه وقالوا: يا رسول الله إن لنا عيالاً وحشماً وخدماً، فرخَّص لهم فيه وقال: كلوا وتزودوا واحبسوا وادخروا، وإنما كنت نهيتكم العام الماضي عن الأكل منها بعد ثلاث ليوسِّع ذو الطَّول على من لا طَول له حين كان بالناس جهد"، فأراد ﷺ أن يعين الناس بعضهم بعضاً في تلك السنة .
وكان ﷺ يقول: "كلوا من لحم الأضاحي ما شئتم، ولا تبيعوا من لحمها شيئاً، وتصدقوا منها واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها، وإن أطعمكم أحد من لحومها فكلوا أنى شئتم"، وكان ﷺ يقول: "من باع جلد أضحيته فلا أضحية له"، وكان ﷺ يقول لِقَيِّمِهِ على ذبح البُدْنِ: "تصدق بلحومها وجلودها وأجلالها ولا تعط الجزار منها شيئاً فإنا نحن نعطيه من عندنا"، وكان ﷺ يرخص للفقراء في انتهاب لحم الأضاحي ويقول إذا نحر أضاحيه: " من شاء اقتطع فينتهبها"، وكان أبو قلابة -رضي الله عنه- يقول: بلغنا أن رسول الله ﷺ دعا بجزور فنُحِرَت فانتهب الناس لحمها، وآذى بعضهم بعضاً فأمر النبي ﷺ منادياً ينادي إن الله ورسوله ينهاكم عن النهبة، وسيأتي مزيد على ذلك في باب الوليمة .
خاتمة: كان رسول الله ﷺ يقول: "أعظم الأيام عند الله تعالى يوم النحر ثم يوم القرّ"، يعني: اليوم الثاني، والله أعلم.
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بالشريعة الغراء، وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وأهل بيته الذين حازوا به طهراً، وعلى أصحابه الذين نالوا به فخراً، وعلى من والاهم واتبعهم وبمجراهم جرى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والكرم والشرف أعلى الذرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر الإمام الشعراني -عليه رحمة الله- في هذا "فرع: في الأكل والادخار" من لحوم الأضاحي، وذكر شيئاً من أخبار الهدي في وسط ذلك.
ويقول: "كان رسول الله ﷺ يأكل من لحم الأضحية ويطعم غيره منها"، فينبغي لمن ضحى أضحية غير منذورة -غير واجبة- أن يتصدق بشيءٍ منها.
فيقول الحنفية:
ويقول المالكية:
يقول الشافعية:
قال الحنابلة:
ثم ذكر الادخار:
قال: "قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وكان ﷺ ينهى عن الادخار من لحم الأضاحي" وهذا هو المنسوخ كما بينت الأحاديث، "ويقول: "يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فشكا الناس إليه -في العام الثاني- وقالوا: يا رسول الله إن لنا عيالاً وحشماً وخدماً، فرخَّص لهم فيه وقال: كلوا وتزودوا واحبسوا وادخروا، وإنما كنت نهيتكم العام الماضي عن الأكل منها بعد ثلاث ليوسِّع ذو الطَّول على من لا طَول له حين كان بالناس جهد"، يعني: مشقة وفقر. وذكروا ذلك أنها دافَّة -يعني: جماعة من الناس دفَّت المدينة، نزلت بالمدينة من أهل القرى لوجود القحط ولوجود شدة العيشة عندهم- فجاءوا إلى المدينة، فما أراد من أهل المدينة أن يدخروا من لحم الأضاحي ليعودوا على هؤلاء؛ ففي ذلك العام نهى الصحابة عن أن يدخروا من لحوم الأضاحي شيئاً فوق ثلاثة أيام، وهكذا جاء في الأحاديث.
ثم بعد ذلك رخَّصَ لهم؛ فعليه أيضاً الجمهور، بعض الصحابة لم يبلغهم الترخيص فبقوا على اعتقاد تحريم الادخار، ولكن عامة الصحابة ثم المذاهب من بعدهم قالوا بجواز ادخار لحم الأضاحي إلى أي مدة كانت، لأنه ﷺ رخص في ذلك وقال: "إنِّي كنتُ نهيتُكُم عن ادِّخارِ لحومِ الأضاحي فوقَ ثلاثٍ، فكُلوا وادَّخِروا - وأمسكوا- ما بدا لكُمْ" كما جاء في رواية الإمام مسلم -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، "فأمسكوا ما بدا لكُمْ".
وهكذا كان النهي من أجل تلك الدافة -جماعة من الفقراء دفت بالمدينة، -أي: نزلت بالمدينة- فأراد النبي أن يتصدق أهل المدينة عليهم بما فضل من أضاحيهم، فنهى عن الادخار. جاء عن السيدة عائشة قد قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجعلون فيها الودك. قال: "وما ذاك؟" -ما في إشكال، يعني ما هو الإشكال الذي فيه؟- قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد الثلاث. قال: "إنما نهيتكم من أجل الدَّافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا" صلى الله عليه واله وصحبه وسلم.
لما جاءت الدافة في ذلك العام قال لهم: "من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة في بيته منه شيء".
فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟ قال: "كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد -يعني: مشقة- فأردتُ أن تُعينوا فيها" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
يقول: وكان ﷺ يقول: "كلوا من لحم الأضاحي ما شئتم، ولا تبيعوا من لحمها شيئاً"، ولا تبيعوا من لحم الأضاحي:
يقول: "من باع جلد أضحيته فلا أضحية له".
"من باع جلد أضحيته فلا أضحية له، وتصدقوا منها واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها، وإن أطعمكم أحد من لحومها فكلوا أنى شئتم".
وكان ﷺ يقول لِقَيِّمِهِ على ذبح البُدْنِ: "تصدق بلحومها وجلودها وأجلالها ولا تعط الجزار منها شيئاً فإنا نحن نعطيه من عندنا"
وكان ﷺ يقول لِقَيِّمِهِ على ذبح البُدْنِ -الذي وكلوه بالقيام والإشراف على ذبح البدن- هذا أخرجه مسلم في باب الحج، يقول له: "تصدق بلحومها وجلودها وأجلالها ولا تعط الجزار منها شيئاً -أن يكون أجرة له- فإنا نحن نعطيه من عندنا" ﷺ، كما جاء في رواية مسلم وأبي داود: "فإنا نحن نعطيه من عندنا".
وكان ﷺ يرخص للفقراء في انتهاب لحم الأضاحي ويقول إذا نحر أضاحيه: " من شاء اقتطع فينتهبها"، "وكان أبو قلابة -رضي الله عنه- يقول: بلغنا أن رسول الله ﷺ دعا بجزور فنُحِرَت فانتهب الناس لحمها، وآذى بعضهم بعضاً فأمر النبي ﷺ منادياً ينادي إن الله ورسوله ينهاكم عن النهبة، وسيأتي مزيد على ذلك في باب الوليمة"؛ وفيه إذا كانت واسعة ولا يتزاحمون عليها ولا يؤذي بعضهم بعضاً فيمكنهم أن ينتهِبوا منها ويقطع كل منهم ما تيسر له؛ وإن كان غير ذلك فلا تترك الانتهاب، ولكن الذي ضحى بها يقسمها ويوزعها على نظره.
"كان رسول الله ﷺ يقول: "أعظم الأيام عند الله تعالى يوم النحر -وهو يوم العاشر من شهر ذي الحجة- ثم يوم القرّ"، -الذي يستقر الناس فيه في منى وهو يوم الحادي عشر- "ثم يوم القرّ، يعني: اليوم الثاني"- في اليَوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة يستقر الحجاج بمنى، يكونوا قد أنهوا أعمال الحج في يوم العاشر ما بين رَمي ونحر وحلق وطواف، ففي اليوم الحادي عشر يكونوا مستقرين في منى منتظرين المبيت الثاني -باتوا أول ليلة ومنتظرين المبيت الثاني- ففي اليوم الثاني عشر منهم من ينفر ومنهم من يبيت. فيَوم القر يوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة يقرُّون فيه في منى.
حفظ الله شعائر الحج والعمرة وشعَائر الدين كلها في جميع الأقطار، ودفع الشرور والأشرار عنا وعن دينه وعن ما جاء به حبيبه ﷺ وجعلنا من القائمين به على الوجه الأرضى؛ إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يقول الحنفية: يكره بيع شيء من لحم الأضحية أو شحمها أو صوفها أو شعرها أو وبرها أو لبنَها الذي سيحلب منها بعد ذبحها وغير ذلك، إذا كان البيع بالدراهم والدنانير والمأكولات ونحو ذلك. قالوا: فهذا البيع مكروه كراهة التحريم عندهم، كما هو حرام عند غيرهم. وإن باع يقول: نفذ البيع عند أبي حنيفة ومحمد، ووجب عليه التصدق بثمانيه لأن القربة ذهبت عنه ببيعه. ولا ينفذ البيع عند أبي يوسف من الحنفية صاحب أبي حنيفة، بل عليه أن يسترده من المشتري، فإن لم يستطع وجب التصدق بثمنه.
وهكذا يصرح المالكية كغيرهم: أنه لا يجوز بيع شيء منها ولا إبدال شيء منها. أما الذي أُهدي له شيء منها أو تُصدق عليه بها فيجوز له البيع والإبدال وغيره. لكن المضحي بها ما يجوز له بيع شيء منها، لكن إذا أعطى أحداً من الفقراء فأراد الفقير أن يبيع ما أُعطي يجوز له، لأنه صار ملكه الآن وبالنسبة له ليست أضحية، لأنه لم يُضحِّ بها، لكن الذي ضحى يحرم عليه أن يبيع شيء منها.
وهكذا يقول الشافعية: لا يجوز للمضحي بيع شيء منها، ولو ظلفاً ولا شعراً ولا صوفاً ولا جلداً ولا أي شيء. وكذلك الغني المُهدى إليه فإن أُهدى من الأضحية، كذا قالوا: لا يجوز أن يبيع منها بخلاف الفقير المتصدق عليه.
وهكذا يقول الحنابلة مثل ما قال الشافعية: لا يجوز بيع شيء من الأضحية أصلاً.
جاء عن سيدنا علي بن أبي طالب في الصحيحين، لما ذكر تفويض النبي له ذبح بقية البُدن في الحج، قال: "أمرني ﷺ أن أقوم على بُدنه وأقسِّم جلودها وجِلالها، وأمرني أن لا أعطي الجزار شيئاً منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا" كما جاء في الصحيحين. فهذا هو القيِّم على بدنه ﷺ سيدنا علي. وذلك أنه نحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين، ثم ناول علياً المدية وأمره أن يكمل الذبح عنه، وأن يتولى توزيع الكل؛ -المئة كلها وتصدق بها- وأمره أن لا يبيع شيئاً منها ولا يعطي الجزارة شيئاً منها، وهو الذي يقطعها ويفرز لحمها من بعضها البعض، قال: "نحن نعطيه من عندنا" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما الانتفاع بالجلد وغيره من الأضحية التي لم يجب التصدق بها، كأن يجعله سقاء للماء أو نحوه، فجائز؛ إلا إن كانت الأضحية منذورة عند الشافعية ما يجوز أن ينتفع بشيء منها بل يتصدق بالجميع. هكذا يأتي الحكم.
ثم يذكر لنا ما يتعلق بالعقيقة بعد الأضحية والهدي. وقد نظمت الشريعة أحوال العباد من جميع الجوانب، وبقي المسلم في كرامة ونعمة أن يمضي على نور الله ومنهجه في أحواله وشؤونه كلها، وبقي لغير المسلم أن يرتع في ظلمات الأهوية والشَّهوات والغفلات في تصرفاته وأحواله. فالحمد لله على نور الهدى والشرع المصون، جعلنا الله من الهداة المهتدين والمقتدين بسيد المرسلين، وجعل هوانا تبعاً لما جاء به ظاهراً وباطناً.
وبارك لنا في خاتمة شهر جمادى الثانية، وبارك لنا والأمة في هلال شهر رجب، وفي قدوم شهر رجب وفي حضور شهر رجب، وجعلنا من المنتفعين المرتفعين فيه، المغتنمين بأيامه ولياليه، المحصلين لواسع عطايا الله لأهليه، وجعلنا الله وإياكم من المبارك لهم في رجب وشعبان والمبلغين رمضان على خير الوجوه وأفضلها وأعلاها وأحلاها، في ألطاف وعوافي لنا و للأمة في الظواهر والخوافي.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
04 رَجب 1447