(628)
(452)
(368)
الدرس الثامن للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في شرح كتاب: قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان، للعلامة محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي
في مدرسة مصحة الدين، في بانكوك، تايلاند، فجر الثلاثاء 29 ربيع الثاني 1447هـ
شرح الشعبة 26: الجهاد، الشعبة 27: المرابطة
لتحميل: (قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان) PDF
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي على منظومة شعب الإيمان للإمام العلّامة زين الدين بن علي المليباري في كتابه "قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان"، نفعنا الله به وبعلومه وعلومكم في الدّارين آمين، ورضي الله تعالى عنه وعنكم إلى أن قال:
الشعبة السادسة والعشرون
الجهاد
"أعني الجهاد مع الكفار لنصرة الدين، وكان في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال. قال رسول الله ﷺ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَاد فِي سَبِيلِ اللَّهِ"؛ ومعنى هذا الحديث كما قاله السحيمي: أصل شأن الدين النطق بالشهادتين مع الإذعان لمَعناهما، فلا يصح شيء من الأعمال إلا بالإسلام، والذي يرتفع به الدين فعل الصلوات الخمس، وأعلى شيء في الدين بذل الجهاد في قتال الكفار لنصرة الإسلام. ومعنى السنام في الأصل: ما ارتفع من ظهر الجمل قرب عنقه.
ويصح أن يُراد بالجهاد في الحديث مجاهدة النفس بأن يكفّها عن الشهوات، ويمنعها عن الاسترسال في اللذات، ويلزمها فعل الأوامر واجتناب النواهي، وهذا هو الجهاد الأكبر وهو أفضل من جهاد الكفار. قال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)[الحج:78]. وقال: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)[المائدة:54]. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ)[الأنفال:65].
ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين، سُئِلَ النبيُّ ﷺ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: "إيمانٌ باللَّهِ ورَسولِهِ" قيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: "جِهادٌ في سَبيلِ اللَّهِ" قيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ".
قال الناظم:
وَرَابِطْ تَثَبَّتْ أَدِّ خُمْسَ مَغَانِمٍٍ *** حَتَّى يُفَرِّقَهُ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ
ذكر الناظم في هذا البيت ثلاث شُعب".
الحمد لله جامعنا على الوجهةِ إليه، وعلى شرَف التَّذلل بين يديه، وعلى التذاكر فيما أوحاه إلى نبيِّه أكرم الخلق عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، منه ابتدأ الأمر ويعود إليه، يفوز المقبلون بالصدق عليه، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وأكرم الخلائق عليه، صلَّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار في دربه، وعلى الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،
فيَتحدث الإمام الشيخ -رضي الله تعالى عنه- محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي عن شُعب الإيمان، ووصلنا إلى ذكر "الشعبة السادسة والعشرين"، وهي في الجهاد في سبيل الله، وهو الذي له المكانة عند الله بالضوابط والقواعد التي شرَعها الحق ورسوله محمد ﷺ.
ومعنى الجهاد: بذل الجهد وتقديم المُستطاع بذلًا في سبيل الله، فيكون:
وبما يُمكن للإنسان أن يسخِّره في نصرة الله ورسوله.
وقد مكث صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بعد نزول الوحي بمكة ثلاثة عشر سنة، وكان فيها أنواع الجهاد ليس فيه شيءٌ من قتال المشركين، ولا شكَّ أن نبينا ﷺ سيد المجاهدين في سبيل الله على الإطلاق، وكانت أنواع جهاده في مكة المكرمة متعلقة:
ونزل في تلك الأيام قوله تعالى في سورة الفرقان: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)[الفرقان:52]، فكان جهاده الكبير؛
مع كثرة ما يتعرض له رسول الله والمؤمنون معه من الأذى، ومن الشدائد، ومن اعتداء المُجرمين الكافرين.
وبعد هجرته -صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم- إلى المدينة المنورة، في السنة الثانية من الهجرة، جاء الإذن من الله تعالى بالجهاد بالقتال بالنسبة للمُحاربين المُقاتلين من الكفار الصادِّين عن سبيل الله؛ وذلك أن الكفار على أصنافٍ في منهج الله وشريعة رسوله -صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم-:
وقال -سبحانه وتعالى-: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الممتحنة:9].
وفيهم قال صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، كما روى الإمام البخاري في صحيحه، قال ﷺ: "مَن قَتَلَ مُعاهَدًا" -أو ذمِّيًّا- "لَمْ يَرحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ" يوم القيامة؛ فشرع سبحانه وتعالى؛
وحرَّم سبحانه وتعالى؛
والجميع مدعُوون إلى الله تبارك وتعالى، حتى المُحاربين منهم؛ إنما يُحارَبون لِكفِّ عدوانهم وطغيانهم، ولدَعوتهم إلى الله؛ لإخراجهم من الضلال إلى الهدى ومن النار إلى الجنة.
وأنواع الجهاد سواءً كانت بالتعليم، أو بالإرشاد، أو ببذل المال وما إلى ذلك، أو بالقتال للمحاربين، لا تكون صحيحةً وفي سبيل الله؛ إلا إن قُصِد بها وجه الله وأُخلِص لوجهه الكريم، فلم يكن لأصحابها قطُّ غَرضٌ ولا أرَبٌ ولا مَقصد إلَّا أن تكون كلمة الله هي العليا.
ثُمَّ يُحتاج مع هذا الإخلاص لوجه الله تبارك وتعالى أن يكون تحت رايةٍ واضحةٍ من أميرٍ من أمراء المسلمين صَحّت إمارته، ويحارب المُحارِبين المُقاتِلين، فحينئذٍ مع الإخلاص لوجه الله تبارك وتعالى يأتي فضل الجهاد بالقتال.
ومن عظمة الإسلام والشريعة والدين وبلاغ النَّبي الأمين صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، أنه حتى مع قتال هؤلاء المحاربين المقاتلين شرع:
وأورد حديث "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَاد فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
وذكر من معاني الجهاد؛ مُجاهدة النفس: بِأن يكفَّها عن المُحرمات بأصنافها، "والاسترسال في اللذات" التي يُخشى منها الوقوع فيما حرَّم الله تبارك وتعالى.
وصحَّ في الحديث أيضًا قوله -صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم-: "الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ هَوَاهُ".
وجهاد النفس هذا هو الأساس لبقية أنواع الجهاد كلها؛ فإنه إن لم يقم على وجهه ويصحّ من الإنسان، فلا تصح نيته في بقية أنواع الجهاد،.
فعلمنا بتعليم رسول الله ﷺ أن "جهاد النفس" هو الأصل والأساس، ولا تصح أنواع الجهاد الأخرى إلا به.
ومن أعظم أنواع الجهاد: طَلَبُ العلم بالإخلاص لوجه الله؛ لأجل العمل به ولأجل تعليمه.
وفي عموم الجهاد:
وإذا جمَع الحجُّ ثلاثة أشياء كان حجًا مبرورًا:
فمن جَمَعَ هذه الثلاثة الأشياء في حجته؛ فالحج مبرور. وتمام برّ الحجّ:
يسَّر الله لنا حج بيته، وجعله حجًا مبرورًا.
الشعبة السابعة والعشرون
المُرابطة
"وهي مُلازمة المحلّ الذي بين المسلمين والكفار لحراسةِ المسلمين ولو اتخذه وطنًا. قال رسول الله ﷺ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا". وقال: "مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ أمِنَ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ"، وهو أن يؤمر به إلى النار. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[آل عمران: 200]."
وهذه شعبة "المُرابطة" في سبيل الله وهي: الإقامة والملازمة للمحل الذي يدفعُ فيه عن المسلمين شر المعتدين.
والذين سبقت لهم من الله الحسنى لا يحزنهم الفزع الأكبر، ومنهم: "مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ".
جعلنا الله وإيَّاكم ممن سبقت لهم منه الحسنى وختم لهم بها، فهم في أمان يوم الفزع الأكبر.
ونظر الله إلينا وإليكم، وجعل في الاجتماع عظيم انتفاع، وجعله مباركًا على أهل تايلاند وعلى جميع المسلمين في المشارق والمغارب والأمة كلها. وهيَّأ لنا سبيل الارتقاء والارتفاع، وثبَّت أقدامنا على صدق الاقتداء والاتِّباع.
اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، اجمع بيننا وبين الصدق والإخلاص، وبين الجهاد في سبيلك بمعانيه كلها، وبين الإنابة إليك، وبين الصدّيقية الكبرى والمعرفة والفتح المُطلق، يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه. وباعد بيننا وبين أهوائنا، وباعد بيننا وبين شياطين الإنس والجن، واجعلنا في حصنك الحصين وحرزك المتين.
وانظر إلى إخواننا في تايلاند وفي جميع هذه الأقطار، وادفع عنَّا وعنهم الشرور والأشرار، وارزقنا المتابعة للنبي المختار والاقتداء به في السر وفي الإجهار يا كريم يا غفار.
اللهم ضاعف البركة والخير في مدرسة (مصحَّة الدين) واجعلها عَلمًا من أعلام الهُدى واليقين، وسببًا للقربِ منك ومن حبيبك الأمين، ونصرتك ونصرة ما جاء به عنك في كل شأن يا أكرم الأكرمين. اللهم ولا تصرف أحدًا منّا إلا نظرت إليه، وأقبلت عليه، وأصلحت شأنه كله بما أصلحت به شؤون الصالحين.
اللهم أصلح شؤون الأمة، واكشف الغمة، وأجلِ الظلمة، وادفع النقمة، وثبِّتنا أكمل الثبات، وارعنا في جميع الحالات، واختم لنا بأكمل حسن الخاتمات، برحمتك يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات. نسألك لنا ولهم وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وعبادك الصالحون، ونعوذ بك مما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وعبادك الصالحون، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ربنا هب لنا من لدنك رحمة وآتنا من لدنك هدى، ربنا آتنا رحمة من عندك، وأفض على قلوبنا يا مولانا أنوار اليقين والإخلاص والصدق، وألحِقنا بخيار الخلق، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا، بنبي الهدى ﷺ ومن تابعه واقتدى.
بسِرِّ الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد ﷺ
الفاتحة.
07 جمادى الأول 1447