منظومة شعب الإيمان - 9 | الثبات في محاربة الأعداء، وأداء خمس الغنيمة، وعتق الرقبة

للاستماع إلى الدرس

الدرس التاسع للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في شرح كتاب: قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان، للعلامة محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي

في مسجد الشيخ داود، في فطاني، تايلاند، فجر الأربعاء 30 ربيع الثاني 1447هـ

الشعبة 28: الثبات في محاربة الأعداء وعدم الفرار. 
الشعبة 29: أداء خمس الغنيمة إلى الإمام أو نائبه. 
الشعبة 30: عتق الرقبة المؤمنة

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم 

وبسندكم المتصل إلى الإمام محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي على منظومة شعب الإيمان للإمام العلّامة زين الدين بن علي المليباري في كتابه "قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان"، نفعنا الله به وبعلومه وعلومكم في الدّارين آمين، ورضي الله تعالى عنه وعنكم إلى أن قال:

الشعبة الثامنة والعشرون

الثَّبات في مُحاربة الأعداء وعدم الفرار منها

"قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[الأنفال: 45]؛ أي إذا حاربتم جماعة كافرة فاثبتوا لقتالهم فلا تنهزموا، واذكروا الله وكبروه حال القتال لكي تفوزوا بمُرادِكم من النصر والثواب. وقال تعالى: (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا)؛ وقال:(إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ)[الأنفال: 15]. ولحديث عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنهما- في صحيح البخاري: "لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ".

 

الحمد لله مُكرِمنا بحسنِ البيان، على لسانِ عبده المصطفى الذي أنزل عليه القرآن، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالم السر والإعلان، يسَّر السبيل للمقبلين عليه بما شرع لهم من العبادات وما حَوَتْهُ من المعانِ، والفاتح لهم بذلك أبواب القرب والتدانِ، ومُهَيِّئهم إذا أحسنوا في ذلك لخصوص العرفان، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، خير معلمٍ وهادٍ أتانا بأحسنِ التِّبيان. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المصطفى من عدنان؛ سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه في السر والإعلان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل المعرفة بالله -تبارك وتعالى- والإيقان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

وبعد،،

فيذكر الشيخ العلَّامة محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي -رضي الله تعالى عنه- في هذه الشعبة "شعبة الثَّبات في مُحاربة الأعداء" و"الثبات": هو الأمر المطلوب من المؤمن في جميع شؤونه.

  • وقد قال تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)[ابراهيم: 27].
  • وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)[محمد: 7].

 يقول "قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)"، فالكلام على الثبات عند مُقابلة المحاربين من الكفَّار؛ يُذكِّرنا بِوجوب الثَّبات على جميع الطاعات والعبادات، وعلى كل محبوب لله تعالى، في كلِ مقامٍ من مقامات اليقين يؤدي إلى التَّمكين فيه، وذلك أعلى درجات تحصيل الخير. وقد قال قائلهم مذكرًا بأنَّ أمر الاستقرار والاستقامة والثَّبات عزيزٌ وشريفٌ يجب على المؤمن أن يطلبَه، قال:

لكلٍّ إلى شأوِ العُلا حركاتُ *** ولكنْ عزيزٌ في الرجالِ ثباتُ

وقد صحَّ عن نبيَّنا ﷺ في هديه الكريم أن عمله كان دِيمَة؛ فإذا عمل عملًا أثبته. 

والذي يقوم بحقِّ الثَّبات في أنواعِ العبادات ومقاماتِ اليقين؛ هو الأحقُّ أن يثبُت عند محاربةِ المُحاربين من الكفَّار، وربَطَ في الآية الثَّبات بِمُسبِّبه وموجبه، وبمقويِّه ومكثِّره؛ "قال: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)"، والذكر أقوى أسباب الثَّبات، ثم هو المُقوِّي له. 

وقال سبحانه وتعالى: "(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ)"، والفرار من الزَّحفِ معدودٌ من كبائرِ الذنوب؛ قال: (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [الأنفال:16]. 

وقال فقهاء الشرع المَصُون: إذا كان عدد الكفَّار لا يزيد عن ضعف عدد المسلمين؛ فالفرار من الزحف حينئذٍ من الكبائر. وكان قبل ذلك يُقَابَل المسلم بعشرةٍ من الكفَّار، ثم عَلِمَ الله الضَّعف وخفَّف؛ فجعل مُقابِل كل واحدٍ من المسلمين اثنان؛ فقال: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال: 66].

وذكر الحديث في صحيح البخاري: "عن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي ﷺ قال: "لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ"، وفي قوله: "لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ"؛ تعليم منه ﷺ أنَّ الأصل في الأمر هو الدعوة والرحمة لا القتال، وإنما هو مُضَّطر إليه عند وجوبه، وألَّا يكون سبيلٌ لدفع الصدِّ عن سبيل الله ولا الظلم إلا هو، وكان يؤكِّد هذا الأصل كلما أرسل سريَّة؛ يقول: ادعوهم إلى الإسلام، فوالله لأن تأتوني بإسلامهم أحب إلي من أن تأتوني بأموالهم وسباياهم.

 قال: "فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ"، مشيرًا إلى أن من قُتِل مخلصاً لوجه ربه كان من السابقين إلى الجنة. وفي يوم بدر قال ﷺ وقد صفَّ الصفوف: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُقَاتِلُهُمُ الْيَوْمَ رَجُلٌ فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ"، وكان بيد سيدنا عُمَيْر بْنُ الْحَمَامِ تمرات يأكلها، فقال: يا رسول الله، أعد عليَّ مقالتك ما قلت؟ فقال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُقَاتِلُهُمُ الْيَوْمَ رَجُلٌ فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ"، قال: الجنة يا رسول الله؟!.. قال: نعم، قال: فبخٍ بخٍ، قال: ما حَمَلك على قولك بخٍ بخٍ؟، قال سيدنا عُمَيْر بْنُ الْحَمَامِ: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فلما قال له هذه الكلمة؛ نظر إلى التمر في يده فقال: إن أنا عشت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، فرمى التمر ودخل في المعركة، فكان أحد الأربعة عشر الذين اُستشهدوا يوم بدر رضي الله عنهم. 

ثبَّت الله قلوبنا وأقدامنا أكمل الثبات.

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

الشعبة التاسعة والعشرون

أداء خُمس الغنيمة إلى الإمام أو نائبه

 

"ويُؤدِّي خُمس الغنيمة إلى الإمام أو نائبه لكي يفرقه، ويبدأ وجوبًا من الغنيمة بالسَّلب للقاتِل المُسلم ثُمَّ يخمِّس باقيها، فأربعة أخماس لمن حضر الوقعة بنيّة القتال وإن لم يُقاتل وللجيوش وإن لم تشهدها: للرجل سهم، وللفارس سهمان، والخمس الباقي يُخمَّس:

  • الأول: سهم لمصالح المُسلمين: كسدِّ الثغور وعمارة الحصون ثُمَّ أرزاق القضاة والعُلماء والأئمة والمؤذنين.
  • الثاني: وسهم لذوي القُربى وهم بنو هاشم وبنو المُطَّلب للذكر مثل حظ الأنثيين.
  • الثالث: وسهم لليتامى.
  • الرابع: وسهم للمساكين والفقراء.
  • الخامس: وسهم لابن السبيل.

قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ)[الأنفال:41].

وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[آل عمران: 161]."

 

ماشاء الله لا قوة إلا بالله.

وفي هذا بيان ما اختبرنا الله -تبارك وتعالى- به من إيجاد هذا المال وتحبيبه إلى النفوس بالطبيعة. 

قال الله عن طبيعة الإنسان: 

  • (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)[العاديات:8]، (الْخَيْر): أي المال والمتاع.
  • وقال: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا)[الفجر:20]، أي: كثيرًا واسعًا.

ثُمَّ جعل العلامة على محبته والصِّدق معه؛ بذل هذا المال من أجله، وتقواه فيه بأن لا يأخذه إلا من حِلِّه ثم لا يصرفه إلا في محلِّه. فإنَّ كل ما دخل منه في مُلكِ المُكلَّف، له على كلِّ ما دخل في مُلكه من المال -قلَّ أو كثُر- سؤالان:

  • السؤال الأول: من أين اكتسبه؟
  • والسؤال الثاني: فيما أنفقه؟

ومن جملة ذلك ما يأتي من الغنائم التي أُبيحت لهذه الأمة، ولم تُبَح لأحدٍ من الأمم السابقة، فكانوا يجمعون الغنائم فيقدِّمونها إلى الصحراء وتأتي نار فتحرقها. قال ﷺ في ذكر خصائصه: "وأُحِلّتْ لي الغَنَائمُ ولمْ تَحِل لِنَبِيٍّ قَبلِي". 

فيحرم الغِلُّ: وهو أخذ شيءٍ من الغنيمة قبل قَسمها. وكان الأنبياء من قبل إذا غلَّ أحدٌ من الغنيمة شيئًا؛ فلا تنزل النار وترفعها؛ فيعلمون أن فيها غلّ، فيبحثون عنه حتى يؤدُّنه إلى الغنيمة، فتنزل النار فتحرق تلك الغنائم؛ إشارة إلى قبول الله لهم. 

وقد ذكر ﷺ نبيًا من الأنبياء قاتل في سبيل الله، ثم جُمعت الغنائم فلم تنزل نار وتحرقها، فقال: إن فيكم غلولاً.. فأنكَرَ الناس؛ فقال: يُبايُعني من كل قبيلة منكم واحد أنه ليس في من حضر منهم غلّ ولم يأخذوا شيئًا، فلم يزل يبايعهم حتى جاء عند قبيلة فلصقت يده في يده، قال: عندكم الغلّ، فوجدها عند واحد من قومه، فردُّوها إلى الغنيمة، فنزلت النار فأحرقتها.

وذَكَر حكم الغنائم في الإسلام إذا غنم المسلمون من الكفَّار غنيمة، ولا تكون إلا في قتال الكفَّار المُحاربين، أما ففي مثل قتال الخارجين عن الإمام من البُغاة فلا تكون الغنائم. فذكر أن أربعة أخماس ما غنموا يوزع على المجاهدين الذين حضروا المعركة بنية الجهاد، ويبقى الخُمُس، فيقسَّم على هذه الخمسة الأقسام:

  • فخمسٌ لرسول الله ﷺ يضعه حيث شاء.
  • وخمسٌ لأقربائه ﷺ: وهم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب الذين تَحرُم عليهم الزكاة، فلهم خُمُسُ الخُمُسِ من الغنائم. وكان جد النبي ﷺ عبد مناف عنده أربعة أبناء:
    • هاشم.
    • والمطلب.
    • ونوفل.
    • وعبد شمس. 

ارتبط بنو المُطلب ببني هاشم ولم يزالوا مُناصرين وموالين لهم حتى بُعِث النبي ﷺ، فجعل الآل الذين تحرم عليهم الزكاة ولهم حق خُمُسُ الخُمُسِ من الغنيمة: بنو هاشم، وبنو المُطلب. 

قال ﷺ: "إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ"؛ قال ذلك لمَّا سأله بعض بني عبد شمسٍ وقالوا: لِمَ أعطيت بني المُطلب ولم تُعطِنا ونحن وإياهم في قرابتك سواء؟ نحن أبناء عبد شمس بن عبد مناف وهم أبناء المُطلب بن عبد مناف!

وإلى المُطلب هذا ينتمي وينتسب الإمام الشافعي إمام المذهب -عليه رضوان الله- من طريق جدِّه شافع بن السائب؛ الذي هو صحابي ابن صحابي، وإليه جاءت النسبة فقيل: شافعيّ، فهو من ذرية المُطلب بن عبد مناف.

  • قال: والسهم الثالث "لليتامى".
  • والرابع "للمساكين والفقراء".
  • والسهم الخامس "لأبناء السبيل"

وهذا الذي ذَكَرته الآية الكريمة التي قال فيها سبحانه: "(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)[الأنفال:41]"، وبعد وفاته ﷺ بقي هذا الخمس الذي له يُصرَف في المصالحِ العامةِ للمسلمين بنظرِ الإمام.

ولما أصاب رجلًا يُقال له مِدْعَم -وقد كان له خدمة- أصابه سهم من اليهود في خيبر فقُتل، فقال بعض الصحابة: هنيئًا له الشهادة، فقال ﷺ: لكنِّي أرى شملة تشتعل عليه نارًا، فخاف الصحابة وقالوا: لماذا يا رسول الله؟، قال: شملة أخذها من الغنائم قبل أن تُقسّم؛ نالَهُ العذاب -والعياذُ بالله تعالى- لمَّا آثر في لحظةٍ حب المال على حب الله ورسوله، فأعجبته هذه الشملة فأخذها؛ فكان سبب أن تُوقَد عليه نارًا حتى يغفر الله له بعد ذلك، فهكذا لمَّا سمع الصحابة هذا الكلام من النبي ﷺ؛ خافوا، وصار الرجل يأتي بالإبرة ويأتي بالخرزة ويردَّها إلى الغنيمة. 

وفي نفس الغزوة، حضر معهم أعرابي كان أسلم قبل الغزوة بقليل؛ ولكن غلب على قلبه حب الله ورسوله، ولمَّا قسَّم ﷺ الغنائم أخذ قسم أهل الخيمة التي هو فيها فأعطى كل واحد قسمه، فسأل عن الرجل فقيل: إنه يُصلح متاع الجيش يا رسول الله؛ فدفعها إلى بعضهم وقال: إذا جاء فأعطهِ هذا، فلمَّا جاء أعطاه إياه، فقال: ما هذا؟! قال: قِسمُك قسمه لك رسول الله، قال: رسول الله بنفسه قال هذا لي؟! قالوا: نعم، فحمله وجاء إلى النبي ﷺ قال: يا رسول الله ما هذا؟ قال: قسمُك قسمته لك من الغنيمة، قال: أنا ما على هذا اتَّبعتُك، قال: فعلامَ اتَّبعتني؟ قال: اتبعتك على أن أُرمَى بسهم هاهنا -وأشار إلى حَلقِه- فأموت فأدخل الجنة، فقال ﷺ: "إنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ". 

فنهضوا في قتال العدو مرة أخرى فأصابه سهم في نفس المحل الذي أشار إليه من حلقه وقُتل، وجدوه بين الصفوف فحملوه إلى رسول الله فأخبروه خَبَرَه، قال: أهو هو؟ قالوا: هو يا رسول الله، قال: "صدق الله فصدقه"، ثم دعا له، وكان من جملة ما ظهر من دعائه هذا الدعاء، قال: "اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِل شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ".

"وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ..)[آل عمران: 161].

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"قال النَّاظم:

وَاغْضَبْ وَكَفِّرْ أَوْفِ بِالوَعْدِ اشْكُرَنْ *** وَاحْفَظْ لِسَانَكَ ثُمَّ فَرْجَكَ تَغْنَمُ

ذكر النَّاظم في هذا البيت ست شعب، فيُقال على نظم ما سبق.

 

الشعبة الثلاثون 

عتق الرقبة المؤمنة

"ويُعتِق الرقبة المُؤمنة ولو بتبعيَّة لأصلٍ أو دارٍ أو سابٍ، قال رسول الله ﷺ: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسلمةً سليمة أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِه" رواه مسلم." 

 

ذكر في هذه الشعبة عتق المملوكين الذين تحت اليد؛ يد مالِكهم من الأرقَّاء، فإن عتق الرقاب من أعظم الأعمال المُقرِّبة إلى الله تعالى، وتكون "الرقبة مؤمنة ولو بالتَّبعيّة"، كيف بالتبعية؟ يعني:

  • إذا كان أبوه أو أمه مؤمنين فيتبعُ أعلى الأبويْن دينًا فيُحكَم بإيمانه، "ولو بتبعيَّةٍ لأصلٍ"؛ هذه التبعية لأصل.
  • أو تبعيَّةٍ لدار: بأن أُخذ من دار الإسلام فهو مُسلم.
  • أو كان السَّابي الذي سباه وهو طفل؛ السابي له مسلم، فيُحكم بإسلامه. 

فكلٌ من هؤلاء يعدُّ رقبة مؤمنة. 

وذكر ثواب من أعتق الرقبة أن الله يُعتق "بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِه"؛ فتُعتق جميع أعضائه بعتقه لتلك الرقبة، ونَصُّه ﷺ على الفرج يُشير إلى أنَّ أكثر ما يتعرض له المُكلَّفون من العذاب من المؤمنين في الآخرة؛ هو العذاب بسبب الفروج، وأنه من أشدِّ وأخطر الذنوب والمعاصي، فلذلك نصَّ عليه؛ 

  • تحذيرًا من القُرب من ذلك.
  • وأمرًا بالاحتياط والورع.

ولذلك حرَّم الخلوة بالأجنبية، فصار يقول بعد ذلك الأكابر من العارفين: لا يخلوَنَّ رجل بامرأةٍ ولو كان يُعلِّمها القرآن، ولو كانت مريم بنت عمران. 

كما حرَّم مُصافحة المرأة الأجنبية، إذا كان بمسِّ البشرةَ من دون حائل، جاء في هديه ﷺ أنه لم تمس يده يد امرأة أجنبية قطّ، فكان يُبايِع النساء كلامًا دون أن يُصافحهن. 

وسُئل ﷺ عن أكثر ما يُدخِل الناس الجنة فقال: "تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ"، فسئل عن أكثر ما يُدخل الناس النار قال: "الْأَجْوَفَانِ: الْفَمُ، وَالْفَرْجُ".

وجعل ثواب الاعتكاف في المسجد فواق ناقة يعدِل عتق رقبة، وقال: "لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَ رِقَابٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَ رِقَابٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ".

وفّر الله حظنا من الثواب، وأعتق رقابنا من النار ومن العذاب ومن الذنوب والمعاصي ومن الغفلة عنه أتم العتق وأكمله، وأعتِق رقاب آبائنا وأمهاتنا وقراباتنا وذوي الحقوق علينا يا أكرم الأكرمين. 

اللهم إنك ندبْتَنا أن نُعتق الرِّقاب التي بأيدينا، ونحن عبيدك ورقابنا بأيديك، فأعتِق رقابنا. 

وضاعف البركة في هذه المعاهد وهذه المدارس وهذه الجهود في خدمة دينك وشريعة نبيك، وضاعف الخيرات لأهل فطاني وأهل تايلاند وأهل جنوب شرق آسيا وللمسلمين في جميع الشؤون في الظهور والبطون، وادفع البلايا عنَّا وعنهم يا من يقول للشيء كن فيكون، واربطنا بحبيبك الأمين المأمون ربطًا لا ينحلُّ أبدًا، واجعلنا به فيمن يهدون بالحق وبه يعدلون. 

اللهم لاحظنا في حركاتنا وسكناتنا بعين عنايتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين. 

اللهم فرج كروب الأمة، اللهم اكشف الغمة، اللهم اجلِ الظلمة، اللهم ادفع النقمة. اللهم أكمِل وعجِّل بكمال الفرج لأهل غزة وأهل الضفة الغربية ولأهل فلسطين ولأهل الشام ولأهل اليمن ولأهل الشرق ولأهل الغرب، يا كاشف كل كرب، عجِّل يا مولانا بتفريج كروب أمة حبيبك محمد ﷺ، وتولنا بما أنت أهله، وأصلح لنا وللأمة الشأن كله، وبارك لنا في هذه الأيام وهذه اللقاءات وهذه المجالس، واجعلها يا مولانا محل نظرك وعنايتك، فأسِّس بها في الأمة من الخيرات ما أنت أهله، وادفع بها من الآفات ما أنت أهل لدفعه. 

ونسألك الصلاح والفلاح والنجاح والفوز والأرباح وصلاح الجسد والأرواح، والارتقاء أعلى مراتب أهل الصلاح، يا حي يا قيوم يا منان يا كريم. 

نسألك لنا ولهم وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

لتحميل: (قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان) PDF

اقرأ: ملخص عن الدرس

 

 

تاريخ النشر الهجري

12 جمادى الأول 1447

تاريخ النشر الميلادي

02 نوفمبر 2025

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام