منظومة شعب الإيمان - 10 | الكفارة - الوفاء بالعهد - الشكر
الدرس العاشر للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في شرح كتاب: قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان، للعلامة محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي
في مسجد السلطان، في فطاني، تايلاند، فجر الخميس 1 جمادى الأولى 1447هـ
الشعبة 31: الكفارة.
الشعبة 32: الوفاء بالوعد.
الشعبة 33: الشكر
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي على منظومة شعب الإيمان للإمام العلّامة زين الدين بن علي المليباري في كتابه "قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان"، نفعنا الله به وبعلومِه وعلومكم في الدّارين آمين، ورضي الله تعالى عنه وعنكم إلى أن قال:
الشعبة الحادية والثلاثون
الكفَّاراة
"وهي أربعة خصال: كفارة ظهار، وكفارة قتل، وكفارة جماع نهار رمضان عمدًا، وكفارة يمين. وواجب الثلاثة الأول: إعتاق رقبة مؤمنة سليمة عن عيب يخل بالعمل، فإن عجز عن الرقبة، وجب صوم شهرين متتابعين؛ وينقطع التتابع بالإفطار -ولو بعذر إلا نحو حيض-؛ فإن عجز عن صوم الشهرين وجب إطعام ستين مسكينًا لكل منهم مُدّ -من غالب قوت البلد- إلّا في القتل فلا إطعام فيه. وواجب الأخيرة -وهي كفارة اليمين- إطعام عشرة مساكين لكل منهم مُدّ -من غالب قوت البلد- أو كسوتهم أو تحرير رقبة مؤمنة، فإن عجز عن ذلك وجب صوم ثلاثة أيام ولو متفرقة."
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك محمدٍ الذي جعلته السبب الأقوى لتفريج كل كُربَة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم على الصدق والمحبَّة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أعلى الخلائق منزلةً ورتبَة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا وأهل هذا الجمع أجمعين معهم وفيهم يا أكرم الأكرمين.
وبعد،،
فيذكر الشيخ محمد نووي الجاوي -عليه رحمة الله- في هذا الباب "شُعبة الكفَّارات"، وهناك التَّسبُّب لمغفرة الذنوب بصدق التوبة وبالأعمال الصالحة والحسنات.
- قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)[هود: 114].
- وفي ذلك يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟" قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ".
ولكنَّ هناك أعمالًا مخصوصة تكون كفارة لتقصيراتٍ مخصوصة، وقد ذكر هذه الأربع الكفارات في هذا الباب.
"كفارة القتل": لمن قتل نفسًا خطأ.
- قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)[النساء: 92]، وذلك لِما لدم المؤمن من حُرمة وقدر عند الله تعالى.
- حتى جاء في الخبر: لو أن أهل السماوات والأرض تمالؤوا على قتل أو سفك دم رجل مسلم بغير حق لأكبَّهم الله في النار.
- وقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "لا يَزَالُ المُسلمُ في فَسْحَةٍ من دِينِه ما لم يُصِبْ دَمًا حرامًا"، يعني: فإذا أصاب الدَّم الحرام فقد ضيَّق الخناق على نفسه وصعَّب الأمر والحساب.
- كيف وقد قال تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)[النساء: 93].
- وقال: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)[النساء: 92].
وكذلك الكفارة في الظِّهار: وهو لمن شبَّه زوجته -والعياذ بالله- بظهر أمه، وذلك حرام وزور.
وكذلك من جامع زوجته في نهار رمضان عمدًا بغير عذر فعليه:
- عتق رقبة.
- فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
- ثم في كفارة الظِّهار والفطر بالجماع في رمضان، إذا عجز عن صوم الشهرين المتتابعين، فليُطعم ستين مسكينًا.
و"الشهرين المتتابعين" أي: متواصلة يومًا بعد يوم لا يفطر بينها يومًا قط.
فيجب أن يبدأ الشهرين في شهرين لا تأتي فيهما عيد فطر ولا أُضحية؛ ثم لو أفطر -ولو بعذر- انقطع التتابع، فيُعيد الشهرين من أولهما، إلا عذر الحيض للمرأة فإن ذلك ضرورة لا تملك إبعادها.
وبقي بعد ذلك "كفارة اليمين": وهي لمن حلف بالله تعالى أن لا يفعل شيئًا ثم فعل، أو أن يفعل شيئًا ثم لم يفعله؛ فحينئذٍ تأتي الكفَّارة؛ كفارة اليمين.
و"كفَّارة اليمين": أن يتخيَّر..
- أولًا بين إطعام عشرة مساكين.
- أو كسوة عشرة مساكين.
- أو تحرير رقبة.
فإن عجَز عن الثلاثة؛ صام ثلاثة أيام.
ويجوز تقديم هذه الكفارة على الحِنث إلا الصيام، فلا يُقدَّم حتى يحنث أولًا ثم يصوم الثلاثة الأيام.
الكفارة بالصوم لا يمكن أن تتقدم على الحِنث، يجوز أن يُقدِّم الكسوة والإطعام قبل أن يحنَث، ثم يحنَث؛ يخالف اليمين، لكن الصوم لا يمكن تقديمه على أن يحنث، أول يحنث ثم يكفِّر بالصوم، أما تقديم الكفارة بالطعام والكفارة بالكسوة فيجوز قبل أن يحنث، وقبل أن يُخالف اليمين؛ بأنْ يُكفِّر ثم يُخالف.
ثم أنّ اليمين نهانا الله أن نجعلها عُرضة، وقال: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) [البقرة:224]، فلا يقطع الإنسان نفسه عن فعل خيرٍ أوعن عملٍ صالحٍ ومعروفٍ بأن يَحلِف ألَّا يفعله، وإذا حلف فيُسنُّ له أن يُكفِّر عن يمينه ويأتي الذي هو خير.
وينبغي تعظيم اليمين فلا يَحلف إلَّا للضرورة والحاجة تعظيمًا لاسم الله -تبارك وتعالى-، في ذلك قال سيدنا الإمام الشافعي: مَا حَلَفْتُ بِاَللَّهِ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا قَطُّ؛ لِمَا كان يحمل قلبه من تعظيم اسم الله.
وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:
الشعبة الثانية والثلاثون
الوفاء بالوعد
"قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)[المائدة:1].
وقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)[الإسراء:34].
وقال: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)[النحل:91].
وقال رسول الله ﷺ: "الْعِدَةُ عَطِيَّةٌ".
وقال ﷺ: "الْعِدَةُ دَيْنٌ".
وقال أيضا: "ثَلَاثَةُ في الْمُنَافِقِ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ". والمعنى: إذا اجتمع هذه الثلاث في مسلمٍ فحاله يُشبه حال المنافقين كما أفاده العزيزي. وحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- في الصحيحين: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ،وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ".
ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله- هنا "شعبة الوفاء بالوعد" وانتباه الإنسان من وعده، فلا يَعِد إلا بما يقدر على الوفاء به، ثم ينتبه لنفسه ويتحرَّى الوفاء بالوعد في أسرع وقت.
وقد أثنى الله على نبيّه سيدنا إسماعيل بأنه كان حَسَن الوفاء بالعهد وسريع القيام به، لهذا قال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ)[مريم:54].
وكان سيدنا جعفر الصادق إذا وعد أحدًا وعدًا لم يأكل ولم يشرب ولم ينم حتى يفي بالوعد.
وجاء في السيرة النبوية أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من قبل تنزيل الوحي عليه، وعده أحد من الناس، فوعده أن ينتظره في هذا المكان حتى يأتي له بالحاجة الفُلانيّة، فذهب الرجل ونسي اليوم الأول والثاني والثالث، فعاد في اليوم الثالث فوجد رسول الله في المكان الذي هو فيه، وقال: "يَا فَتَى لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ".
- ومن كان وعد بفعل شيء وهو ينوي ألا يفعله فهو مأثوم من أول الوعد وإثمه كبير، ولا يصدر ذلك إلا ممن في قلبه نفاق.
- ومن كان عند الوعد عازمًا وجازمًا على الوفاء بالوعد ثم عرض له عذر أو نسيان فيكون معذورًا.
- ومن كان عازمًا على الوفاء عند الوعد ثم تذكَّر الوعد فأعرض عن الوفاء، أَثِمَ من حين إعراضه عن الوفاء وتوليِّه عنه.
وقد كان بعض الأخيار في احتياطه وخوفه من الله إذا أراد أن يشتري لأحد أولاده شيئًا، فما يقول له: إنِّي سأشتري لك؛ ولكن يقول له: كيف ترى لو اشتريت لك كذا؟ كيف ترى لو أحضرت لك كذا؟ فإن لم يتسنَّ له أن يحضره بعد ذلك لم يكن قد وعده فلا يقع في إخلاف الوعد.
وأرادت امرأة أن يأتي إليها طفلها فقالت: تعالَ أُعطِكَ، فقال لها ﷺ: "ما كنتِ تعطينه لو جاءكِ؟" قالت: تمرة عندها أو كِسرة، قال: "أما لو لم تفعلي لكانت عليكِ كذبة"، أي: إخلاف وعد.
وكانوا يقولون عن الأوفياء المحتاطين لدينهم: كان عطاؤهم ومعروفهم مبادأةً من دون وعد. فليحذر المؤمن أن يتساهل بالوعود ثم يُخلِف فيها فيشتري ثُلث النفاق؛ لأن "عَلَامَاتُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثَةٌ:
- "إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ" يتساهل بالكذب -والعياذ بالله تعالى-، وقال الصحابة: كنا لا نتَّهم به إلا منافقًا.
وإذا حدثت كذبة من أحد تغيَّر عليه ﷺ فلم يُباسطه ولم يرجع إليه حتى يعلم إقلاعه وتوبته الصادقة من ذلك الفعل القبيح.
وجاء في الأثر أنه إذا كذب الإنسان تباعد المَلَكان عنه مسافة ميل من نِتَنِ ما يخرج من فيه، فهم يشمّون ريح الكذب الخبيث.
- والثانية قال: "وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ".
- والثالثة: "وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".
فهذه الثلاث العلامات ملازمة للمنافق والعياذ بالله.
وجاء في الرواية الأخرى في الصحيحين: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، حَتَّى يَدَعَهَا -أي يتركها-: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ"، يعني: عند المنازعة يفجر بأن يأتي بالكلام الشنيع والكذب، فينطلق في السب والشتم بلا حد، هذا هو الفجور في المخاصمة، وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ"، الأَلَدُّ: أي ذو اللَّدادة، وهي البغضاء، والخَصِمُ: كثير المُخاصَمة والمُنازَعة.
وكان بعض الصالحين يعالج عينيه عند بعض الأطباء، وكان يقول له: لا تمس عينيك، فكان قد يخرج عليه الدمع أو يكون فيه شيء في عينيه فلا يمسها، فيقال له: لمَ لا تمسحها؟ قال: فأين قولي للطبيب لا أمسّ عيني؟! فهو خائف من إخلاف الوعد، فيُبقي عينيه هكذا حتى إذا لقيه الطبيب مرة ثانية يقول: ما مسستُ عيني.
ومما جاء في ترجمة سيدنا عبد القادر الجيلاني -عليه رضوان الله- أن والده توفّي وهو صغير فربَّته أمه، فلما بلغ سن طلب العلم قالت له أمه: إني أستودعك الله فتذهب لطلب العلم في بغداد -وكانت تلك الأيام محل لوفرة العلماء ولتلقي العلم- فأرسلته وخيَّطت في ثوبه أربعين درهمًا، قالت: هذا بقي مما خلفه لك أبوك، فأنفق على نفسك منه ثم يتولاك الله -تبارك وتعالى- مهما فنِيَتْ عليك، وعاهدته ألا يكذب أبدًا.
فتوجَّه في قافلة يريدون بغداد، فصادفوا في الطريق نهَّابين من قُطَّاع الطريق، أخذوا ما في القافلة، وكلما رآه أحد من هؤلاء القُطَّاع قال: هذا صغير ما عنده شيء.. فيتركونه، ثم إن واحدًا منهم جاء إليه يقول له: أنت يا صغير.. عندك شيء في القافلة؟ قال: نعم، قال: ماذا عندك؟ قال: أربعون درهمًا، فتعجَّب في خبره، قال له: فأين هي؟ قال: مُخيَّطة في ثوبي، فحسَّها فوجدها صحيحة، فأخذه إلى رئيسهم قال: هذا الطفل يقول إن عنده أربعين درهمًا! فقال: معك يا ولد أربعين درهمًا؟ قال: نعم، قال: أين هي؟ قال: مُخيَّطة في ثوبي هذا، فحسَّها فوجدها، فقال: هل تعلم لماذا نسألك عنها؟ قال نعم؛ تُريدون أخذها، قال: فلماذا تُخبِرنا؟ قال: لأن أمي عاهدتني ألا أكذب أبدًا، فاهتز قلب رئيس القطَّاع ومن معه، قال: وأين هي أمك الآن؟ بعيدة منك ما تراك، قال: لكن الله يراني، وقد سَمِعَها عاهَدَتني وهو الآن يراني.
فبكى وقال: تُبنا إلى الله تعالى، ردُّوا على القافلة كل ما أخذتم منهم، فرجع إلى القافلة جميع ما أُخذ منهم. وقال: أين تذهب يا ولد؟ قال: إلى بغداد أتعلم علم الشريعة لأعمل به، قال: ونحن نمشي معك. قال سيدنا عبد القادر: فهؤلاء أول قوم تابوا إلى الله على يدي.
وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:
الشعبة الثالثة والثلاثون
الشكر
"قال الله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)[البقرة:152].
وقال تعالى: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)[النحل:18].
وقال تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)[الضحى:11].
وقال تعالى: (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ)[النساء:147].
وقال رسول الله ﷺ: "أَربعُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَمُلَ إِسْلَامه وَلَو كَانَ لهُ من قرنه إِلَى قدمه خَطَايَا: الصِّدقُ والشُّكرُ والحَيَاءُ وحُسنُ الخُلُقِ".
والشكر ينتظم مِن: علمٍ، وحالٍ، وعملٍ. فالعلم: هو معرفة النعمة من المُنعم؛ والحال: هو الفرح الحاصل بإنعام المُنعم، والعمل: هو القيام بما هو مقصود المُنعم ومحبوبه. وَقَالَ الشِّبْلِيُّ: الشُّكْرُ رُؤْيَةُ الْمُنْعِمِ لَا رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ. وقال بعضهم: شكر العامة على المَطعم والمشرب والملبس، وشكر الخاصَّة على واردات القلوب. وحديث صهيب -رضي الله عنه- في صحيح مسلم: "عَجَبًَا لأَمْرِ المُؤْمِن؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَير، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِن؛ إِن أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًَا لَه، وَإِن أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًَا لَه".
الله أكبر.
ويذكر في هذه الشعبة "شعبة الشكر" لله تعالى، وهي من أعلى مقامات اليقين.
- وقد تورَّمت قدما نبينا ﷺ من طول القيام، فقيل: أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: "أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا".
- قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)[سبأ:13].
- ومدحَ سيدنا الخليل إبراهيم فقال: (شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ)[النحل:121]، وسيد الشاكرين من الخلق عبدالله وحبيبه سيدنا محمد.
يقوم الشكر -كما ذكر عليه رضوان الله تعالى- من ثلاثة شؤون: "علم وحال وعمل".
- أما العلم: فإدراك النعمة وإدراك عظمة المُنعم ﷻ.
- وأما الحال: فسروره بهذه النعمة وفرحه بها، قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس:58].
- والعمل: أن يصرف هذه النعمة فيما يُحبه المُنعم عليه بها، وفيما يُقرِّبه إليه.
فالشكر في اللغة: يتناول المدح والثناء والاعتراف بالإنعام؛ لكن معناه في العُرف: صَرْفُ العبد ما أنعم الله عليه فيما خُلق لأجله؛ فمن عصى الله بعينه فما شكر نعمة البصر، ومن عصى الله سبحانه بأُذُنه فما شكر نعمة السمع، وكذلك بقيَّة الجوارح وأنواع النِّعم، ولله على كل مخلوق في كل لمحةٍ ولحظةٍ أنواع من النعم لا يمكن إحصاؤها، "قال تعالى: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)".
وكان بعض المربِّين الأخيار يُربِّي تلميذه، فكلما حصل له شيءٌ قال له: اشكر الله تعالى، حتى وَشَى بذلك التلميذ بعض الحُسَّاد فَحُبِس؛ وشَواْ به عند الحكام فحبسوه، فكتب إلى شيخِهِ فأرسل إليه: اشكر الله تعالى، ثم إنهم ضايقوا عليه في الحبس، حتى حبسوا عنده مجوسيًا وربطوا رجله برجل المجوسي، فكان إذا أراد أحدهم قضاء الحاجة مشى الآخر معه وقام حتى يقضي حاجته، وكتب إلى شيخه بذلك فأرسل إليه: اشكر الله تعالى، كتب إليه: إلى متى أشكر الله! وما هي النعمة في أن تتقيد رجلي برجل المجوسي هذا؟!
فكتب إليه شيخُهُ: إنك تُصبِح وتُمسِي مُؤمنًا بالله، ولو تحوَّل الزِنَّار الذي في المجوسي إليكَ وصرتَ كافرًا لعرفتَ ما فاتكَ من النِّعم؛ فخضع لله واستشعر نعمة الله عليه، ففرَّج الله عنه، وأصلح له أحواله ورفعه إلى مقامٍ عالٍ، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)[إبراهيم:7].
وذُكر خبر أربع خصال من كنّ فيه كَمُل إسلامه:
- الصدق: وهو يشمل الأقوال والأفعال والأحوال والمقاصد.
- والشكر: وهو يشمل الرخاء والشدة.
- والحياء: وهو أن يهاب الله تبارك وتعالى أن يبارزه بالمخالفة.
- وحُسن الخلق: مع الصغير والكبير والقريب والبعيد.
وفقنا الله وإياكم للشكر، اللهُمَّ أَعِنِّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، قال سيدنا عمر: ما نازلتني مصيبة إلا رأيت لله عليَّ فيها ثلاث نعم:
- الأولى: أنها في دنياي وليست في ديني.
- الثانية: أن الله قادر على أن يبتليني بأكبر منها فما ابتلاني إلا بها.
- والثالثة: أنه يأجرني ويُثيبني عليها.
وذكر "حديث صهيب -رضي الله عنه- في صحيح مسلم، عن النبي ﷺ: "عَجَبًَا لأَمْرِ المُؤْمِن؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَير، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِن؛ إِن أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًَا لَه، وَإِن أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًَا لَه"، هو في كل حال يُثاب وينال الاقتراب، وترتفع درجته عند رب الأرباب، ويزداد إيمانًا ويقينًا، فحقَّقَنا الله بالإيمان.
وسيدنا صهيب قد ابتُلي بالسرَّاء فشكر، وبالضرَّاء فصبر، وكان مُستضعفًا بمكة يُؤذَى مع المؤمنين الذين يُؤذَون بمكة، وكان يترقَّب الفرصة للخروج إلى الهجرة إلى رسول الله ﷺ، فسنحت له فرصة في ليل فخرج، فصادف بعض زعماء قريش يمشون في تلك الطريق وأمسكوه، قالوا: أين تريد؟ تذهب إلى عند محمد؟ ارجع هنا، قال: ما يضرُّكم أن أذهب إلى رسول الله، ولا ينفعكم مقامي عندكم هنا؟! فخذوا ما عندي من مال، واتركوني أذهب، قالوا: تُعطينا مالك كله؟ قال: نعم.
وأخذوا ماله كله وما أبقوا له إلا ثيابه، وهاجر إلى رسول الله، فأنزل الله فيه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)[البقرة:207]، فلما وصل المدينة ودخل على رسول الله وسلَّم عليه قال له النبي: "رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى"، وتلا عليه الآية التي أنزلها الله فيه وفي أمثاله.
وكان سيدنا عمر يذكر معرفة صهيب بربه -سبحانه وتعالى- ويقول: نِعمَ الرجل صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه، يعني: لو أنه غُفر له وسُمِحَ له أن يفعل المعصية لما فعلها حياءً من الله -تبارك وتعالى- وتعظيمًا لأجله؛ فليس فراره من العذاب والنار فقط، ولكن من هيبة الجبَّار ﷻ، فلو أَمِنَ العذاب لم يعصي، فكيف وهو من أعظم الخلق مخافةً من الله وخشية له؟! فنال المرتبة التي يُعطيها الله خواص أوليائه، وهي الحفظ من جميع الذنوب والمعاصي، كما آتى الأنبياء والملائكة العصمة، ولم يُثبِت أهل السنة العصمة إلا للملائكة والمرسلين، وقالوا: وغاية الولي أن يكون محفوظًا، وكان يقول سيدنا عبد الله بن حسين بن طاهر: ما أذكر أنني فعلتُ مكروهًا ولا هممتُ بفعل مكروه من قبل البلوغ.
اللهم يا من وفَّق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وتقبَّله منهم، وفِّقنا للخير وأعنَّا عليه وتقبَّله منا.
اللهم اغفر لنا ما مضى واحفظنا فيما بقي، وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وذلك ما علمه النبي لسيدنا معاذ بن جبل وقال: "يَا مُعَاذُ: إِنِّي أُحِبُّكَ فَلَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ". وإنا نُحبّكم في الله تعالى، فلا تدعوا أن تقولوا بعد كل صلاة: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
اللهم ضاعف البركات في هذه المساجد وهذه المدارس وهذه المعاهد، وضاعف النفع بها والإفادة منها، واجعلها معالم للهداية والرشاد، وأسعدنا وأهليها أعظم الإسعاد، وأصلح لنا كل جسمٍ وفؤاد، وتولَّنا بما أنت أهله في المعاش والمعاد، واربطنا ربطًا لا ينحل بحبيبك محمد خير العباد.
بارك في اجتماعاتنا، وأعْظِم انتفاعاتنا، واكتب رُقيَّنا وارتفاعاتنا، واجمعنا في دار الكرامة وأنت راضٍ عنَّا.
اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأتمم نعمتك علينا، وتولنا بما أنت أهله في جميع شؤوننا، وأقرَّ بِرضاك عيوننا، وبلِّغنا آمالنا وفوق آمالنا، وأصلح جميع أحوالنا، وتولَّنا في أنفسنا وأهلنا وأموالنا وعيالنا وأحبابنا وأصحابنا ومَن والانا فيكَ وزمننا وأهل زمننا، ولاية تليق بجودك الكبير ومَنِّك الوفير، يا عفو يا غفور، يا سميع يا بصير، يا لطيف يا خبير.
أصلح الأمة واكشف الغمة وعجِّل بالفرج وارفع الضيق والحرج وافتح بالخير كل باب مُرتجّ، وثبتنا على أقومِ انتهاج، في نهج حبيبك محمد النور والسراج، ورقِّنا بمعراجه خير مِعراج.
اللهم تولَّنا به حيثُما كنَّا، وأصلح الحس لنا والمعنى، واختم لنا أجمعين بأكمل الحسنى، يا قريب يا مجيب، يا كريم يا رحيم، يا منان يا وهَّاب يا مُعطي، يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد، بوجاهة نبيك سيدنا محمد ﷺ، ومُنَّ علينا وعليهم بكمال العافية وتمام العافية ودوام العافية والشكر على العافية، وارزقنا الاستقامة على ما تحبه منَّا، وترضى به عنَّا، في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
لتحميل: (قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان) PDF
اقرأ: ملخص عن الدرس
19 جمادى الأول 1447