(454)
(10)
(6)
(368)
الدرس الأول للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: (لذاتي بذاتي) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء الجمعة 18 محرم 1448هـ
ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.
لِذاتي بِذاتي لا لكُمْ أَنَا ظاهِرُ *** وما هَذِهِ الأكوانُ إِلَّا مَظَاهِرُ
تقيّدتُ والإطلاق وصفي لأنني *** على كُلِّ شَيْءٍ حِينَ لا حَينَ قَادِرُ
"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العزيز الحكيم
المقدمة
الحمدُ لله الذي تجلى بعظَمته لأوليائه، فتأيدوا بالحقيقة أيَّ تأييد، وغاصُوا في بحار صفاته بلسَان الجمع في حضرَة التجريد والتفْرِيد، ونوِّر بصائرهم بأسوار أسراره الجبروتية، وأطلعهم على مكنون العلوم الملكوتية.
والصلاة والسلام على النور الأوّلِ الذي بزغ كوكبُه في سماء التجليات الرحمانية، المنتَشِرة أنواره في المظاهر الكونية، سيدِنا محمد بن عبد الله، وعلى آله الأطهار المخصُوصِين بلبابِ المعارف والأسرار، وعلى آلهِ المبرَّئين عن دنس الأغيار.
أما بعد؛
فهذا تعليقٌ وجيزٌ على صُورة الشَّرح لمنظُومة الشيخِ العارفِ ذي المشرب القدسي، عبد الغني بن الشيخ إسماعيل النابلسيّ، أوردتُ فيه ما ظهَر لي مما انطوَتْ عليها عباراتُها، ودلتْ عليها إشاراتها، معترفينَ بالقصُور عن سلوكِ هذه المسَالك والعثُور على حقيقة ما في هذه المدارك، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وهذا أوانُ الشّروع في المقصُود."
ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وصلى الله على حبيبه ومصطفاه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ومن اهتدى بهداه. ابتدأ المؤلف-عليه رحمة الله- الشارح لأبيات قصيدة الإمام عبد الغني النابلسي - أعلى الله درجاته وجمعنا به في أعلى جناته- شرحها الحبيب أحمد بن أبي بكر بن عبد الله بن سميط باعلوي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، والذي تُوفِّي قبل مئة وخمس سنوات تقريبًا، والد شيخنا وشيخ شيوخنا الحبيب عمر بن أحمد بن سميط، عليهم رحمة الله تبارك وتعالى.
تكلَّم فيها على هذه الأبيات التي تحدث فيها الشيخ عبد الغني النابلسي المقبور بدمشق -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- عن صفات الله -تبارك وتعالى- ومعاني عظمته وكبريائه وجلاله -جل جلاله وتعالى في علاه-، بما استُفيد من الكتاب العزيز والسُنَّة الغرَّاء، وما انكشف من تلك المعاني في الكتاب والسُنَّة بطُهر القلب ونقاء البال عن صفات ذي الجلال -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، ليكون مُطرِبًا للروح، ومُقرِّبًا إلى إدراك الحقيقة، وباعثًا للهِمَّة والرغبة في طلب تحصيل النصيب، مما يجود الله به على المؤمنين من معرفته الخاصة ومحبته الخالصة، جل جلاله وتعالى في علاه.
وذلك أنهم بعد أصل الإيمان بالله وما جاء عنه على مراده، وبرسوله سيدنا محمد ﷺ، وما جاء عنه على مراده؛ يختلفون اختلافًا كبيرًا:
جل جلاله وتعالى في علاه؛ و يتفاوتون تفاوتًا كثيرًا.
يكون كله جميل وصالح، ولكن السريرة أجمل، أجمل وأصلح تكون.
فتكون السريرة خير من العلانية، وفي الحديث في دعائه ﷺ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتِي خَيْرًا مِنْ عَلانِيَتِي وَاجْعَلْ عَلانِيَتِي صَالِحَةً"؛ فهذه أول الخطوات في تحصيل المعرفة الخاصة؛
وحينها يبدأ تجلِّي الحق -تعالى- على هذا المؤمن بالمعاني في الأفعال، وهي: جميع الكائنات، والموجودات، والمصنوعات، والمخلوقَات العلوية والسفلية، الجسمانية والروحانية، الظاهرة والباطنة بمختلف اصنافها.
هذه أفعال الله -تبارك وتعالى-؛ (هَـٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) [لقمان:11] جل جلاله وتعالى في علاه. وكلها دلالات على معاني أسمائه وصفاته -سبحانه وتعالى- كما سيأتي معنا.
والمعرفة من الأسماء والصفات، ودلالاتها، ومعانيها أيضًا على مراتب ودرجات؛ وهو يُفضي إلى ما هو أجلُّ وأسمى وأعلى، وذلك حقيقة تنزيه الذات، والحَيرة التامة الكاملة في سواطع أنوارها، وقدسيتها، وجلالها، وعظمتها. فهناك ما يُعَبَّر عنه بالمعرفة بالذات، وكل الذي ذكرنا معارف غير إحاطية، فلا يحيط بأفعاله فضلًاعن أسمائه وصفاته إلا هو، فضلًا عن ذاته -جل جلاله وتعالى في علاه-. وهو معنى قول الصدِّيق: "لا يعرف الله إلا الله".
فمعرفَة الإحاطة مستحيلة على الكائنات والموجودات بأصنافها:
فهو المحيط بكل شيء ولا يحيط به شيء -جل جلاله وتعالى في علاه-.
فالشيخ عبد الغني -عليه رحمة الله- أخذ يُعبر عن معاني أسماء الله وصفاته وحقائق عظمة ذاته بهذه القصيدة. وقد ابتدأ الحبيب أحمد بن أبي بكر في المقدمة يذكر بعد البسملة: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم) [البقرة:32]:
وهو الذي قاله الملائكة للرحمن عندما بسط لهم بساط السؤال عن أسماء الأشياء، وكان علّمها آدم دونهم فلم يعلموها، (أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ) [البقرة:31]، (قُالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا).
إذا كان هذا علم الملائكة حتى في الأفعال وفي الخلق؛ ما يستطيعون أن يحيطوا بشيء إلا ما عَلَّمهم. فكيف في الأسماء والصفات؟ فكيف في الذات العلية؟!... جلَّ الذي ليس كمثله شيّ ولا يحيط به غيره، وهو محيط بكل شيّ، الواحد القيوم الحي -جلَّ جلاله-.
(سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)؛ ومشيرًا إلى أنه كما ذكر في مقدمته إنما يذكر ما ظهر له مما انطوت عليه العبارات ودلَّت عليه الإشارات، ومع ذلك يقول: "معترفين بالقصور عن سلوك هذه المسالك والعثور على حقيقة ما في هذه المدارك".
مع ما تقرؤونه في ترجمته التي كتبها ولده الحبيب عمر بن أحمد بن سميط، شيخ الحبيب عبد القادر وشيوخنا المتأخرين -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، مولود سنة 1303هـ، والمتوفى سنة 1396ه -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، ابنه هذا. وهذا والده تُوفِّي -عليه رحمة الله تعالى- قبل 105 من السنوات -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في زنجبار من تنزانيا. وولده في محل جده -والد الحبيب أحمد؛ أبي بكر بن عبد الله- في جزر القمر في نجازيدجا.
يقول: بعد ما ابتدأ بالآية مشيرًا إلى الاعتراف والافتقار وأنه لا مجال، إنما يذكرون من هذا العلم مثل هذه المبادئ للتشويق. يقولوا لبعث الهِِمم عند المؤمنين الصادقين؛ ليتعلَّقوا بأخذ هذه المعارف والعلوم واللطائف الربانية الرحمانية التي لا يمكن أن توجد في جامعة في الشرق ولا في الغرب، ولا تنتهي إليها معلومات التكنولوجيا ولا الذكاء الاصطناعي، ولا شيء من هذه الكائنات.
ولكن تتلقّاها القلوب عن القلوب. ومصادرها قلوب الأنبياء الذين تَعرَّف الله -تعالى- إليهم، فتعرّف بهم إلى من شاء من خلقه مِمَّن واجهت قلوبهم قلوبُ الأنبياء؛ فأشرق فيها من النور كما يشرق في المرآة إذا قابلت البدر أو إذا قابلت الشمس. فيشرق فيها نور ينعكس حتى ربما إذا التفت إلى جهة أخرى أضاءت تلك الجهة الأخرى، لا من ذاتها ولكن من مقابلته لذلك النور الذي قابله. كالمرآة التي إذا قابلت النور -نور الشمس- تُرسله من الشق الثاني على عالم آخر وناس آخرين؛ وهي في ذاتها ما فيها نور؛ لكن لما قابلت النور أشرق فيها النور وصارت مُرسلة له إلى ما حواليها. فكذلك شؤون الخلائق مع الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم.
فشمس الذات الإلهية:
والنور كله مرجعه إلى الله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35].
سيدنا المصطفى محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- عبدٌ خلقه هذا الإله -جل جلاله-. بل اصطفاه وكوّنه وابتدأ الخلق به، وإلَّا أصل كل شيء عَدَم. والنور هو الله -جل جلاله. والوجود الحق لله -جل جلاله وتعالى في علاه-. (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) سبحانه وتعالى.
ولكن ما أشرق هذا النور في شيء من الكائنات لا حسية ولا معنوية ولا جسمانية ولا روحانية؛ إلا بواسطة إشراقه في الذات المحمدية والحقيقة المحمدية -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-؛ لذا قال الإمام البوصيري في بروز الأنبياء قبله وهم يبشرون به ويأمرون أممهم أن يتَّبعوه، إذا ظهر:
فَإِنَّهُ شَمْسُ فَضْلٍ هُمْ كَوَاكِبُهَا *** يُظْهِرْنَ أَنْوَارَهَا لِلنَّاسِ فِي الظُّلَمِ
وهو مُستمد نوره من الله. الله نوَّره، هو الله الذي تجلَّى عليه بالنور فصار نورًا ﷺ.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
يقول: "الحمدُ لله الذي تجلى بعظَمته لأوليائه"؛ ولذلك عظّموه، ولما تجلى بعظمته تضاءلوا وعرفوا حقائق عبوديتهم فتلاشى شهودهم لأنفسهم وللكائنات من حواليهم. "فتأيدوا بالحقيقة أيَّ تأييد" لما تجلّى لهم بالعظمة. وقبل أن يتجلى لهم بالعظمة لا تزال فيهم شوائب تمنعهم عن إشراق نور الحقيقة وظهور نور الحقيقة لهم، ولا يظهر نور الحقيقة حتى يكون هذا التجلّي منه -سبحانه وتعالى-.
فَنَوا عَنِ الكَونِ جُملَةً *** لَمّا بَدا طالِعُ الجَلال
نور العظمة الإلهية هو الذي يحرق بقايا ما في النفس من شوائب وموانع من شهود الحقيقة؛ ولهذا قال: "تجلى بعظَمته لأوليائه، فتأيدوا بالحقيقة أيَّ تأييد"، نصرةً من الله وتسديدًا، "وغاصوا في بحار صفاته"، جل جلاله وتعالى في علاه.
"بحار صفاته بلسان الجمع في حضرة التجريد والتفريد"؛ بمعنى التَّجرد عن ما سواه، وإفراده -سبحانه وتعالى-؛ المنفرد بالوحدانية والمنفرد بالأحدية والمنفرد بالخلق والإيجاد والمنفرد بالوجود الأولي الموجود بذاته سبحانه وتعالى.
قال: "في بحار صفاته بلسان الجمع في حضرة التجريد والتفريد، ونوّر بصائرهم" سبحانه وتعالى.
"نوّر بصائرهم بأسوَار أسراره الجبروتية" -جل جلاله وتعالى في علاه-. يا من نورت بصائرهم انظر إلى بصائرنا ونوِّرها، انظر إلى بصائرنا ونوِّرها، انظر إلى بصائرنا ونوِّرها يا الله.
قال: "بأسوار أسراره الجبروتية":
فيقول: أنوار أسرار الجبروت؛ تنوّرت بها بصائرهم "وأطلعهم على مكنون العلوم الملكوتية"؛ أي: الغيبية والمعنوية، كما قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام:75].
"فأطلعهم على مكنون العلوم الملكوتية"، فعبَروا من هذه الكائنات كلها إلى شهود آثار المُكوِّن فيها -سبحانه وتعالى- وتجلِّيه بالإيجاد، ثُمَّ بالتصوير والتقدير والتطوير والتقديم والتأخير والرفع والخفض والعطاء والمنع.. إلى غير ذلك مما يتعلق بهذه الشؤون الإلهية؛ قال تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29]، قال: "شؤون يبديها ولا يبتديها".
قال: "أطلعهم على مكنون العلوم الملكوتية، والصلاة والسلام على النور الأول"، اللهم صلِّ وسلم عليه. قال: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ قَبْلَ الأَشْيَاءِ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ! إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ قَبْلَ الأَشْيَاءِ نُورُ نَبِيِّكَ -محمّد ﷺ- مِنْ نُورِهِ". فالأصل هو الله ثم جعل الأساس في التكوين والخَلق نور محمد -صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله-. ومن هنا قالوا: "فنور هذا الحبيب أول مخلوق برز في العالم ومنه تفرَّع الوجود خلقاً بعد خلق فيما حدث وما تقادم" [مولد سمط الدرر].
هو النور المبين به اهتدينا *** هو الداعي إلى أقوم سبيل
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. سمعنا قوله: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ) [المائدة:15]، فهو نورٌ من الله.
يقول: "النور الأول الذي بزغ كوكبه في سماء التجليَّات الرحمانية".
قال: "المنتشرة أنواره في المظاهر الكونية" ﷺ:
فإنه السر الذي في الكون مطوي ومبهم
مَا بَدَا، مَا بَدَا حَدْ عَنْ مَعَانِيهِ تَرْجَمْ
له مراتب، عليه الله صلى وسلَّم
"سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله الأطهار المخصوصين بلُبابِ المعارف والأسرار"، كما قال الإمام الحداد:
وَآلُ رَسُولِ اللهِ بَيْتٌ مُطَهَّرٌ *** مَحَبَّتُهُمْ مَفْرُوضَةٌ كالمودّة
هُمُ الْحَامِلُونَ السِّرَّ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ *** وَوُرَّاثُهُ، أَكْرِمْ بِهِا مِنْ وراثة
"وعلى آله المبرئين عن دنس الأغيار" - كرَّرها، وفي الأصل واحدة منها إشارة للصحابة والثانية للآل- عليهم رضوان الله تعالى-. وطهّر الله الصحابة على يد نبيه ﷺ بتزكيته إياهم. قال:
وَأَصْحَابُهُ الغُــرُّ الكِرَامُ أَئِمَّــةٌ *** مُهَاجِرُهُمْ وَالقَائِمونَ بِنُصْرَةِ
نُجُومُ الهُدَى أَهْلُ الفَضَائِلِ وَالنَّدَى *** لَقَدْ أَحْسَنُوا فِي حَمْلِ كُـلِّ أَمَانَةِ
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
ومُتَّبِعُوهُـمْ فِى سُلُوكِ سَبِيِلهِـمْ *** إلى اللهِ عَنْ حُسْنِ اقْتِفَاِءٍ وَأُسْوَةِ
أَولَئِكَ قَوْمٌ قَدْ هَدَى اللهُ فَاقْتَدِهْ *** بِهِـمْ وَاسْتِقـمْ وَالـزَمْ وَلا تَتَلَفَّتِ
وَلاَ تَعْدُ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ مَطْلَعُ الهُدَى *** وَهُـمْ بَلَّغُـوا عِلْمَ الِكتَابِ وَسُنَّــةِ
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
يقول: "أما بعد، فهذا تعليقٌ وجيزٌ"؛ أي: مختصر "على صورة الشرح"، أي مثل الشرح، ما قال شرح من أدبه وخضوعه وتحققه بالمعرفة، قال: "على صورة الشرح لمنظومة الشيخ العارفِ ذي المشرب القدسي"؛ الطاهر المنزه، "عبد الغني ابن الشيخ إسماعيل النابلسي" -عليه رحمة الله تعالى-، الشيخ من نابلس من فلسطين وكانت وفاته بعد ذلك في دمشق من أرض الشام.
قال: "أوردتُ فيه ما ظهَر لي مما انطوَتْ عليه عباراتُها"؛ عبارات تلك القصيدة المنظومة، "ودلتْ عليها إشاراتها، معترفينَ بالقصُور عن سلوكِ هذه المسَالك والعثُور على حقيقة ما في هذه المدارك، وهو حسبي ونعم الوكيل. وهذا أوانُ الشروع في المقصُود".
[شرح البيت الأول]
"قال الناظم نفعنا الله بعلومه:
لذَاتي بِذَاتي لا لكُمْ أنا ظَاهِرُ *** وما هذه الأكْوانُ إلا مظَاهِرُ
عبّر بهذا التعبير على لسَان الألوهية، إذ لا يصلحُ مثل هذا إلا من الحضرة القُدسية. ومن هذا القبيل قولُ العارف الدسُوقيّ، قدس الله سره:
وألسِنةُ الأكْوانِ إن كُنتَ واعيًا *** شهودٌ بتَوحيدي بحَالِ نصيحَةِ
والمعنَى: أن ذاته تعالى ليسَت ظاهرةً إلا له تعالى، فلا يعرفُ حقيقته إلا هو تعالى.
وأما معرفتُه الواجبةُ على المكلّفِ، فالمراد بها: معرفةُ صفَاته، وسَائر أحكامه الألوهية، لا معرفةُ ذاته وكنْه حقيقته. وفي الحديث: "إن الله احتجَب عن البصَائر كما احتجبَ عن الأبصار". ولذا قال الصِدِّيقُ: "العَجْز عن دركِ الإدراك إدراكُ، والبحْثُ عن كُنه ذات الله إشْراكُ".
وعلوتَ عن إدَراكِنَا *** وإن أطلْنَا الاعْتِنَاءْ
فنهَايـةُ المتعَمِّـ *** قينَ تحيرٌ يَا مُمْعِنا
وهكذا..
يقول الناظم -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في أول القصيدة يحكي عن لسان الرب تعالى أنه ناجى هؤلاء العقلاء من المؤمنين به من الإنس والجن، يقول:
"لذَاتي بِذَاتي لا لكُمْ أنا ظَاهِرُ *** وما هذه الأكْوانُ إلا مظَاهِرُ"
علائم عظمته وجلاله، ودلائل كبريائه وقدرته وإرادته سبحانه وتعالى.
يقول: "عبّر بهذا التعبير على لسان الألوهية، إذ لا يصلح مثل هذا إلا من الحضرة القدسية"، قال ويذكر: "قول الإمام الدسُوقيّ"
وألسِنةُ الأكْوانِ إن كُنتَ واعيًا *** شهودٌ بتَوحيدي بحَالِ نصيحَةِ
أي على لسان الحق -تعالى- يعبِّر عما أمرنا:
وما إلى ذلك؛ هذه الآيات كلها تقول: تأملوا في الكائنات فتجدون دلائل توحيدي ظاهرة في جميع هذا الوجود، فعبّر عنها الشيخ بقوله:
"وألسِنةُ الأكْوانِ إن كُنتَ واعيًا *** شهودٌ بتَوحيدي بحَالِ نصيحَةِ"
والمعنى: أن ذاته -سبحانه وتعالى- ليست ظاهرة إلا له، أي: لا يحيط بها غيره. فظهورها بالظهور التام بالمعنى له -سبحانه وتعالى- فلا يعرف حقيقته إلا هو -سبحانه وتعالى-؛ لأنه لا يساويه أحد، ولا يساويه شيء من الكائنات والمخلوقات. وإنما يعرف الإنسان ما يساويه وما دونه، وكل شيءٍ دونه، ليس شيء يساويه، وليس شيء يماثله -جل جلاله-، فكيف يعرفه؟!..
فلا يتأتى أن يعرفه معرفة إحاطة شيء من الوجودات أو الكائنات. فظهوره -تعالى- يقول: "لذَاتي بِذَاتي" ظهرت لذاتي بذاتي، "لا لكُمْ أنا ظَاهِرُ".
"لذَاتي بِذَاتي لا لكُمْ أنا ظَاهِرُ"
يقول: "وأما معرفتُه"؛ معرفة الله "الواجبةُ على المكلّفِ، فالمراد بها: معرفةُ صفَاته، وسَائر أحكامه الألوهية، لا معرفةُ ذاته وكنْهِ حقيقته"، فهذا الذي لا يُستطاع فضلًا عن أن يكون واجبًا، وإلا أول واجب على المكلفين أن يعرفوا ربهم.
لكن معنى يعرفوا ربهم؟
جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
فكلَّف العباد:
وقال الله لسيدهم: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه:114]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فلا يزال في زيادة، من حين خلقه الله -تبارك وتعالى- وإلى أن مرّت الأوقات، وحتى كوّن الله جسده الشريف في بطن آمنة، إلى أن خلقه على ظهر الأرض.
حتى ينقل أهل السيرة: في أول كلمة تكلّم بها ﷺ على ظهر الأرض في حياته، وأول عمل السجود، كيف سجود؟! حد يخرج من بطن أمه يسجد!.. خرج من بطن أمه ساجد ﷺ؛ لأنه أعرف بالمعبود صلى الله عليه وعلى آله.
وكان أول كلمة بدأ ينطق بها -جل جلاله- ربيَ الرفيع، سمعته في أول ما تكلم حليمة تقول، يقول: الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا. ماشي سبق بأن نطق بـ بابا ماما دادا! إلا هذه أول كلمة تكلَّم بها صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. فَإيش المقدار هذا في المعرفة لله تعالى!..
ولا يزال يزداد حتى جاء الوحي الشريف، ولا يزال يزداد حتى انقضت أيامه على الدنيا، ولا يزال يزداد في برزخه؛ ومع ذلك لا نهاية.
والكل دونه في هذه المعارف، وكلهم يزدادون؛ ولكن لا نهاية. حتى يدخلون الجنة ويُكرَّمون بأنواعِ نعيمها ولا يُحيطون. ولا يزالون يزدادون… ولا نهاية! لا منتهى لعلمه، لا منتهى لعظمته سبحانه وتعالى. والزيادة أمر كبير يُحيِّر الأذهان. فالله يزيدنا معرفة ويرزقنا النصيب الوافي من معرفته الخاصة.
قال: "وفي الحديث: "إن الله احتجَب عن البصَائر كما احتجبَ عن الأبصار"."
يعني: لا تدركه الأبصار ولا تدركه الإدراك الإحاطي البصائر كذلك؛ حتى البصائر؛ وإن كانت البصائر يتسع لها مجال في معرفة عظمته ومعرفة جلاله؛ بل وشهود سناء باهر عظمته -سبحانه وتعالى- وكبريائه، ومع ذلك ما تُحيط به أصلًا، فما تطيق ذلك؛ لا الأبصار ولا البصائر -سبحانه وتعالى-، وهو الذي يحيط بها كلها. (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:103].
وذكر لنا في روح المعاني الألوسي، أورد هذا الحديث الزبيدي في شرح الإحياء، والأماسي في روض الأخيار: "إن الله احتجَب عن البصَائر كما احتجبَ عن الأبصار":
ولكن لا هذه ولا هذه تحيط به -جل جلاله وتعالى في علاه-.
قال: "وعلوتَ"، يقول الإمام الحداد في نداء إلهنا الواحد -سبحانه وتعالى-، يقول لربِّنا -جل جلاله-:
وعلوتَ عن إدَراكِنَا *** وإن أطلْنَا الاعْتِنَا
قال: مهما طوّلنا وزدنا في الاعتناء بمطالعة أسمائك وصفاتك ومعانيها.. علوت عن إدراكنا. منتهى مدركات أهل السماوات والأرض أنت فوقها، أنت أكبر منها. وهذا أحد المعاني في قولنا: الله أكبر..
فهو أجل وأكبر من كل ذلك.
يقول في نداءه للرب -سبحانه وتعالى-:
يَا ربَّنَا يَا ربَّنَا *** يَاربِّ يَا أهلَ الثَّنَا
يَا ذَا الْجَلَالِ وَذَا الْعُلَا *** يَا ذَا الْبَهَاءِ وَ ذَا السَّنَا
أَحَطْتَ عِلْمَاً سَيِّدِي *** بِمَا تَقَاصَى وَدَنَا
وَلَكَ الْمَشِيئَةُ مَا تَشَا *** كَانَ ذَلِيلًا مُذْعِنَا
وَعَلَوْتَ عَنْ إِدْرَاكِنَا *** وَإِنْ أَطَلْنَا الإعْتِنَا
فَنِهَايَةُ الْمُتَعَمِّــــــــــــــقِينَ تَحَيُّرٌ يَا مُمعِنَا
يا ممعن النظر في هذه الحقائق، النهاية إلا حيرات كبيرة.
ما عنه حِرْنَا إنَّمَا *** فِيهِ نَحِيِرُ لعجزِنَا
ولهذا قال العارفون:
وليس لعين الكشف يا صاح مُنتهـى *** سـوى حـَيْـرة في حَـيْـرة ضمن حـيـرةِ
ولمَّا أدرك سر المعرفة الخاصة بهذا، قال الشيخ ابن الفارض -عليه رحمة الله-:
زدني بفرط الحـبِّ فيك تحيـّرًا
هذا التَّحيُّر الجميل ما هو تحيُّر الجهل هذا، ولا تحيّر الغفلات، هذا تحيُّر المعرفة، كلما ازداد معرفة ازداد حيرة في هذا الجلال والعظمة. قال:
زِدْنِي بِفَرْطِ الحُبِّ فِيكَ تَحَيُّرًا *** وَ ارْحَمْ حَشًى بِلَظَى هَوَاكَ تَسَعَُرَا
وَإِذَا سَأَلْتُـكَ أَنْ أَرَاكَ حَقِيقَـةً *** فَاسْمَحْ وَلَا تَجْعَلْ جَوَابِيَ: لَنْ تَرَى
يقول:
ما عنهُ حِرْنا إنَّمَا *** فيهِ نَحِيرُ لعَجزِنا
إنَّ الوجودَ بأسرهِ *** بِالأحديَّةِ مُعلِنَا
أن تقول للسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما: ربكم واحدٌ أحد فردٌ صمد؛ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]؛ عظِّموه وأجلُّوه!
إنَّ الوجودَ بأسرهِ *** بِالأحديَّةِ مُعلِنَا
بهَرتْ بدائعُهُ العقول *** فغدَا الموفَّقُ مُوقِنا
يزداد يقين وإيمان، اللهم اجعلنا من الموفقين وزدنا يقينًا في كل لمحة وفي كل نفس وفي كل ليلة وفي كل مجلس وفي كل ساعة. زِدنا يقينًا يا ربنا.
قال:
وتثَبَّطَ المُتشكِّكون *** وكَأنَّهُم ليْسوا هُنا
آيات ودلالات! (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة:164].
قال: وهؤلاء مع بروز الآيات والظّواهر..
وتثَبَّطَ المُتشـكِّكون *** وكَأنَّهُم ليْسوا هُنا
سُحقًا لِمَنْ يَشُكُّ فِي*** الــحقِّ وقَــدْ تَبَيَّنا
ولذا لمَّا كان بعض أهل المعرفة مُستغرِق بعظمة الله ودلالات وجوده في كل ذرات الكون، جاء واحد يقول له: أين الله؟ قال له: تطلب مع العين أين، يسحقك الله! تطلب مع العين أين؛ وكل شيء دليل على عظمته ووجوده وعادك بتقول لي: أين الله؟!
وهكذا؛ ولمَّا جاء بعض المتنطعين من أهل البدعة المولعين بسؤال: أين الله؟ يسأل بعض العقال وقد كان في اليمن يقول له: أين الله؟ قال له: أنت يا عاصِي والديك؛ ضيَّعت ربك وجيت تبحث عنه عندي هنا! تجي وتدوِّر عن ربك هنا! أيش أين الله!!..
ولمَّا سألوا بعض العارفين السابقين، بعضهم قال له: أين الله؟ قال لهم: بالمرصاد! (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر:14] جلَّ جلاله.
أما أماكن على الأرض أو سماء أو غيرها، هو يحتاج إلى شيء منها، وهو كان قبل أن تكون وهو الآن على ما عليه كان. لا يحتاج إلى أرض ولا إلى سماء ولا إلى عرش ولا إلى كرسي، كلها محتاجة إليه وهو خلقها وهو كوّنها. وإنما الأجسام هي التي تحتاج إلى أماكن ومساكن وتصلّحون لها وزارات الإسكان وتبحثوا عن مشاكلها. أما رب العالمين أجل وأكبر -سبحانه وتعالى- لا يحتاج إلى مكان ولا إلى زمان؛ هو خالق الزمان وخالق المكان.
سُحقًا لِمَنْ يَشُكُّ فِي*** الــحقِّ وقَــدْ تَبَيَّنا
وأخذ يناجي ربه:
يَا أَوَّلًا يَا آخِرًا *** يَا ظاهرًا يَا بَاطِنًا
يقول في الحديث: "وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ"؛ يعني: إن كان للعقول هداية لظهور شيء، فَظهور عظمتك وجلالك قبل أي عظمة، وأعظم من كل ظهور. أما ظهور حقيقة ذاتك فهي لك وحدك
"لذَاتي بِذَاتي لا لكُمْ أنا ظَاهِرُ"
وكذلك البطون؛ بَطَنْ -سبحانه- عن إدراكنا
وَعَلَوْتَ عَنْ إِدْرَاكِنَا *** وَإِنْ أَطَلْنَا الاعْتِنَا
ولا شيء أبطَنْ من هذا، ماشي أبطن من هذا! ما يقدر على أن يحيط به كائنات ولا أرض ولا سماوات جل جلاله. فهو الباطن " وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ".
يَا أَوَّلًا يَا آخِرًا *** يَا ظاهرًا يَا بَاطِنًا
"أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ".
لَكَ القِدَمْ وَلَنَا الحُدُوثْ *** ولَكَ البَقَا ولَنَا الفَنَا
يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ *** إِنْ وَكَلْتَنَا، فَمَنْ لنَا؟
وَكَلْتَنا؛ أي: تركتنا ولم تعتني بنا. فمن لنا؟ من يأخذ بأيدينا؟ من يعلمنا؟ من يهدينا؟ من يُنوِّرنا؟ من ينصرنا؟ من يرزقنا؟ .. إِنْ وَكَلْتَنَا فَمَنْ لنَا؟
حَاشَاكَ أَنْ تُهْمِلَنَا *** حَاشَاكَ أَنْ تُخَلِّنَا
يَا أَمَلَ المُؤَمِّلِينْ *** وَيَا مَلَاذًَا كًنْ لَنَا
فَمِنْكَ كُلُّ خِيَرةٍ *** وَكُلُّ نِعْمَةٍ بِنَا
(وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53].
أَحْسَنْتَ فِيمَا قَدْ مَضَى *** …………..
أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وجعلت فينا الأصفياء والأولياء، ووهبت...
أَحْسَنْتَ فِيمَا قَدْ مَضَى *** أَبِّدْ وَزِدْ يَا مُحْسِنَا
هَا أَنَا ذَا عُبَيْدُكَ اَلْــ *** ـجَانِي المُقَصِّرُ بِالفِنَا
مُسْتَغفِرًا لِذَنْبِهِ *** مُعْتَرِفًا بِمَا جَنَى
يَرَى اْفتِقَارَهُ إِليْــ *** ــكَ عَلَى الدَّوَامِ هُوَ الغِنَى
غناي بافتقارِي إليك.
وَلِعِزِّ قَهْرِكَ خَاضِعٌ *** مُتَوَاضِعًا مُتَمَسْكِنَا
وَلَقَدْ سَبَتْهُ حُظُوظُهُ *** حَتَّى لَقِي مِنْهَا العَنَا
مَلَكَتْهُ أُمْنِيَّاتُ نَفْــ *** ـسٍ هَمُّهَا عَرَضُ الدُّنَا
وَلَقَدْ أَتَاكَ بِيَأسِهِ *** عَمَّا سِوَاكَ ولَا اْنْثَنَى
صِفْرَ الْيَدَيْنِ يَمُدُّهَا *** فَأنِلْهُ غَايَاتِ المُنَى
وَأَذِقْهُ بَرْدَ رِضَاكَ عَنْـــهُ لِكَيْ يَدُومُ لَهُ الهَنَا
وَأَحْيِهِ لَكَ مُسْلِمًَا *** وَتَوَفَّهُ بِكَ مُوقِنَا
وَاْجْعَلْهُ يَوْمَ نُشُورِهِ *** مِنْ كُلِّ خَوْفٍ آمِنَا
آمين اللهم آمين.
رضي الله عنكم. إلى أن قال:
"وللظُهور معنيان:
- ظهور الذات؛ بمعنى الانكشاف التام. وهذا ممتنعٌ إلا له سبحانه وتعالى كما تقرر. واعتقادُ غير هذا ضلالٌ.
- وظهور بمعنى التجلّي، وهذا حاصل لكلّ شيء.
وهذا هو مرادُ ابن عطاء الله بقوله: "كيف يتصَوَّر أن يحجُبه شيءٌ، وهو الذي ظهر بكل شيء"، قال شارحه: "أي: تجلّى لكل شيءٍ حتى عَرِفَه، ولذا كان ساجدًا له ومسبِّحًا بحمده، ولكن لا يُفقَه ذلك". والحاصل: أن ظهورَه بغير الذاتِ، بل بتجلِّيه على الأشياء وظهور معاني الأسماءِ والصفاتِ في الموجُودات، ومن ثَمَّ قال الناظم:
……………. *** وما هذه الأكوان إلا مظاهر
أي: ليست هذه الأكوان إلا مظاهرُ الأسماء والصفات.
والمرادُ، قال شارح الحكم: "فالأشياءُ كلها مجالي ومظَاهِرُ لظهور معاني أسمائه التي هي تفاصيلُ معاني صفاته. فيظهر في أهل العزة كونُه مُعِزًّا، وفي أهل الذلة كونُه مُذِلًّا، وفي الأحياء معنى اسمه المحيي، وعند سلب الأرواح معنى اسمه المميت، وعند العطاء معنى كونه المعطي، فلكل اسمٍ من أسمائه تعالى مظهرٌ في الموجودات."
في هذه الموجودات والكائنات، فهي ظِلٌّ للأسماء والصفات، ومظهر الأسماء والصفات هذه الموجودة: أفعال الله تعالى، هي ظِلٌّ لأسمائه وصفاته -سبحانه وتعالى-.
قال: "ظهور الذات" بمعنى الانكشاف التام. وهذا ممتنعٌ" -في الدنيا وفي الآخرة- "إلا له سبحانه وتعالى كما تقرر. واعتقادُ غير هذا ضلالٌ." وإنما هناك ارتقاءات وزيادات.
والانكشاف والتجلّي في الأخرة أشرف وأعظم. حتى منه وأقصاه وأعلاه ما عبَّر عنه ﷺ بالنظر في قوله: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ". وليس المراد به ما يتعلق برؤية العين في عالم الدنيا لجسمٍ ولا لجهة؛ فالله أعلى من ذلك وأجل -جلَّ جلاله-. ولكن كما أراده ﷺ وعَبّر عنه، فهو كما قال عليه الصلاة والسلام.
وهؤلاء الذين يُكرَمون بالنظر إلى وجه الله الكريم لا يزالون يزدادون معرفةً به، وكلما تجدَّد لهم النظر زادهم الله معرفة، ولا نهاية.. ماشي نهاية أصلاً! النهاية ممتنعة مستحيل أن تنتهي، لا إله إلا الله.
قال: لكن "الظهور بمعنى التجلي"، وانكشاف كثير من حقائق عظمة هذه الأفعال وعظمة تلك التي هي أعظم منها: الصفات، والأسماء، وتنتهي العظمة بكلها إلى ذاته -سبحانه وتعالى-؛ نعم! هذا يحصل ويزداد، ولا له من نهاية ولا غاية.
قال: "وهذا هو مرادُ ابن عطاء الله بقوله: "كيف يتصَوَّر أن يحجُبه شيءٌ، وهو الذي ظهر بكل شيء"، وذكر عن الشارح: أنه "تجلّى لكل شيءٍ حتى عَرِفَه، ولذا كان" كل شيءٍ "ساجدًا له"، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ ومن في الأرض) [الحج:18]. "ومسبحًا بحمده". (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء:44] جلّ جلاله.
فكل شيء يدلك على الله -تبارك وتعالى-. وكل شيء تجلى عليه فهو مسبح بحمد الله -تبارك وتعالى-. فقال: فكيف تحتجِب بها؟ أنت تحتجب بها وهي دلالات على عظمته وعلى وجوده. فكيف تحجبك؟! ما يحجبك إلا وجهتك وإرادتك لما تنحطّ إلى الكائنات. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا)؛ بهذه الآيات إلى المعرفة وإلى القرب وإلى الشهود.. (وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)؛ هو صرف نفسه، آثر وطمع في الفانيات، وانقطع عن ربه جل جلاله _والعياذ بالله تعالى-. (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) [الأعراف:175-176]؛ ما ينقطع عن اللهث. وأيضًا هذا ما يفيده تذكير ولا تعريف ولا…، لأنه انصرف عن الله تعالى.
(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف:146]. الله يحفظنا ويخلّصنا من الغفلة ويرزقنا الذكر والإقبال الكُلِّي عليه، ويرزقنا شهوده بكل شيء، وفي كل شيء بمرآة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال: "والحاصل: أن ظهورَه بغير الذاتِ، بل بتجليه على الأشياء وظهور معاني الأسماءِ والصفاتِ في الموجُودات، ومن ثَمَّ قال الناظم:
……………. *** وما هذه الأكوان إلا مظاهر
دلائل على عظمته. و"ليست هذه الأكوان إلا مظاهرُ الأسماء والصفات." والأسماء والصفات هي مظاهر الذات العلية الإلهية القدسية التي تنزهت عن إدراك المدركين وعن إحاطة المحيطين. وكل ما خطر ببالك فهو محوٌ هالك، والله بخلاف ذلك، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11].
كما "قال شارح الحكم: "فالأشياءُ كلها مجالي ومظَاهِرُ لظهور معاني أسمائه التي هي تفاصيلُ معاني صفاته. فيظهر في أهل العزة كونُه مُعِزًّا" -هذا وصف- "وفي أهل الذلة كونُه مُذِلًّا، وفي الأحياء معنى اسمه المحيي" في كل حي.
فيظهر "في الأحياء معنى اسمه المحيي، وعند سلب الأرواح" -وخروجها من الأجساد- "معنى اسمه المميت، وعند العطاء معنى كونه المعطي، فلكل اسم من أسمائه تعالى مظهرٌ في الموجودات." يظهر فيما أعطانا من أسماع مخلوقة قصيرة محدودة معنى اسمه السميع -جلّ جلاله-. وكذلك ما أعطانا من أبصار. وأبصارنا مخلوقة ومحدودة، لكن مجلى معنى اسمه البصير -جلّ جلاله-، والبصر له -سبحانه وتعالى-، وليس بصره كبصر مخلوق ولا سمعه كسمع مخلوق -تعالى في علاه-.
وهكذا كل من رفعه، أي رفعة حسية أومعنوية؛ فاسمه الرَّافع مُتجلَى به عليه. وكل من خفضه؛ أي انخفاض حسي أو معنوي؛ فاسم الخافض متجلي عليه. فالأكوَان هذه مظاهر للأسماءِ والصفات.
وكل من حفظه من أي سوء، ومن أي شر ظاهر أو باطن؛ فاسمه الحفيظ جل جلاله متجلي به عليه. وكل من أغناه فاسمه المغني. وكل من هداه فاسمه الهادي -جلّ جلاله- متجلي به عليه. وكل من أضله فاسمه المضلّ متجلي عليه.
وهكذا، فأسماؤه وصفاته هي التي تنفعل بها الكائنات، وتقوم بها المخلوقات والموجودات كلها. فالكائنات هذه والمخلوقات ظِلٌّ لأسمائه وصفاته. وأسماؤه وصفاته ظِلٌّ لذاته العلية. (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).
[شرح البيت الثاني]
"ثم قال الناظم على لسان الألوهية كما تقدم:
تـقـيـدتُ والإطـلاقُ وصـفـي لأنـنـي *** عـلـى كـلِّ شـيء حـيـنَ لا حـيـنَ قـادرُ
يشير بقوله "تقيدتُ"، إلى آخره: إلى وجهَي الإطلاق والتقييد، وهما من اصطِلاحاتهم. قال في جامع الأصول: "وجْهُ الإطلاقِ والتقييد: هما جِهتا اعتبارِ الذات بحسب سقُوط جميع الاعتبارات، أو بحسَب إثباتها.
فإن ذات الحق هيَ الوجود من حيثُ هو موجودٌ، فإن اعتبرتَه كُلُّ ذلكَ؛ فهو المطلَقُ، أي الحقيقَة التي هي مع كُل شيء لا بمقارنة، فإن غيرَ الوجُودِ البحْتِ هو العدمُ المحضُ، فكيف يقارنه ما به موجودٌ وبدونه معدومٌ. وغيرُ كلّ شيءٍ لا بمُزايلةٍ، فإن ما عداهُ هي الأعيانُ المعدومة، وهي غير الوجود. فإن فارقَها لم تكن شيئًا، فالكل به موجودٌ. وهو بذاته موجود.
- فإن قيدتَه بالتَّجَرُّدِ، أي بقيدِ أن لا يكُونَ معه شيءٌ، فهو الأحد الذي كان ولم يكن معه شيء. ولهذا قال المحقِّقُ: والآن كما كانَ.
- وإن قيدتَه بقيد أن يكُون معه شيءٌ فهو عين المقيَّد الذي هو به موجودٌ، وبدونه معدومٌ، وقد تجلى في صورته، فأضيف إليه الوجود".
انتهى.
أقول: بما تقرر هنا في وجهَي الإطلاق والتقييد، يتضحُ لك أن من معاني الإطلاق الذي هو باعتبار وجُود الذات من حيثُ وجودُه، اتصافُه بمعاني الأسماء والصفاتِ في الحضرة الواحدية، وفي الحضرة الأحدية.
وهي عند العارفين: الذاتُ البحْتُ، أي: الخالصةُ عن الظهُور في المَظَاهِر التي هي الأكوانُ. والواحديةُ، هي: الذات الظاهريةُ في الأكوان.
فقَوله:
- "تقيدتُ" يشير إلى الواحدية.
- وقوله: "والإطلاق" إلخ، يُشيرُ إلى الأحدية.
ويتحصل المعنى: اتصافه تعالى بصفَاته مع وجود المظاهِر وقبلَ وجودها."
يتكلم -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- على لسان الحق أنه قال:
لذاتي بذاتي لا لكم أنا ظاهر*** وما هذه الأكوان إلا مظاهر
تقيدت والإطلاق وصفي لأنني*** على كل شيء حينَ لا حينَ قادر
سبحان القادر على كل شي. قال: بأسرار القدرة والإرادة كوّن الكائنات وخلقها. فلا للكائنات بذاتها وجودٌ قط. إذًا، فما وجودها إلا من سر وجوده -سبحانه وتعالى- ثمَّ من سر إيجاده بإرادته وقدرته سبحانه وتعالى.
وهو خالق الزمان والمكان والأحوال، والمحوّل للأحوال، والمرتّب لها.
فإذا نظرنا إليها فهذا صار معنى من معاني التقييد، فيصير في معنى الواحدية. فإن الله هو الواحد وهو الأحد.
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللهُ الصَّمَدُ) [الإخلاص:1-2]. فهو في ذاته أحد، وهو باعتبار أسمائه وصفاته واحد -جل جلاله وتعالى في علاه-. (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة:163].
فإذا نظرنا إلى أسمائه وصفاته ومقتضياتها في الوجود إنه هو الواحد. وإذا أشرق علينا نور الذات ما عاد قدرنا نشوف الكائنات وصفاتها لأنه أحد، فهو الواحد وهو الأحد جل جلاله.
إنما الإنسان يطيق شيئًا من التجلي؛ ما يطيق كل التجلي؛ يطيق شيئًا من التجلي.
لا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد جل جلاله وتعالى في علاه.
إذًا يقول:
"تقيدت والإطلاق وصفي لأنني *** على كل شيء حينَ لا حينَ قادر"
جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
ويقول: أنه في اصطلاحات أهل التوحيد والوصول في الدين يذكرون الإطلاق والتقييد. والتقييد صفات الخلائق. وإذا نظرنا إليهم وجدنا إيجاد الحق لهم وتجليه عليهم وتخصيصه إيَّاهم بأشكال، وبصور وبِأحوال وبِوقائع تقع لهم.. وما إلى ذلك.
وهذه شؤون كلها مقيدة؛ مقيدة بـ:
وهي مرجِعها إليه سبحانه وتعالى.
يقول: "وجْهُ الإطلاقِ والتقييد: هما جِهتا اعتبارِ الذات بحسب سقُوط جميع الاعتبارات، أو بحسَب إثباتها. فإن ذات الحق هيَ الوجود من حيثُ هو موجودٌ"، جل جلاله وتعالى في علاه. "فإن اعتبرتَه كُلُّ ذلكَ؛ فهو المطلَقُ، أي الحقيقَة التي هي مع كُل شيء لا بمقارنة، فإن غيرَ الوجُودِ البحْتِ هو العدمُ المحضُ، فكيف يقارنه ما به موجودٌ وبدونه معدومٌ."؛ ما يقارنه شيء. ولكن إذا نظرت إلى أحديته وجدته هو "غيرُ كلّ شيءٍ لا بمُزايلةٍ، فإن ما عداهُ هي الأعيانُ المعدومة" والمعدوم غير الموجود؛ فإذًا لا وجود لها إلا بإيجاده جل جلاله وتعالى في علاه.
وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا *** وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فكلها قائمة به -سبحانه وتعالى-. قال: "فإن فارقَها لم تكن شيئًا". إذا أي موجود وكائن تخلَّت عنه إرادة الله بالتجلي والوجود، خلاص عَدَم!
(فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) [الأعراف:134]؛ ما عاد بقي شيء. وإنما بإِمداده لهم بالإيجاد على حدٍ محدود، ووجهٍ، وشكلٍ، ووقت، وحجمٍ… موجودة بهذا.
لكن لو انقطع نهائيًا عن الإله إيش يكون؟ ما يكون شيء، ما يكون أصلًا شيء! ولا يثبت. فكل شيء قائم به فهو الحي القيوم. لا يقوم شيء إلا به.
"يُشيرُ إلى الأحدية.
ويتحصل المعنى: اتصافه تعالى بصفَاته مع وجود المظاهِر وقبلَ وجودها."؛ فهو واحد، وهو أحد، وهو خالق، وهو رحمن، وهو رحيم، وهو كريم،.. إلخ، قبل أن يخلق شيء من الكائنات وبعد خلقها كذلك؛ هو هو؛ بهذه الصفات، "وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ".
رضي الله عنكم. إلى أن قال:
"1. فصفاتُ الذات أزليةٌ بالاتفاق. وهي سبعةٌ: الحياةُ، والعلمُ، والقدرةُ، والإرادةُ، والسمعُ، والبصرُ، والكلامُ.
2. وأما صفاتُ الأفعال: كالخَلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والإنماء، وأمثالِ ذلكَ؛ ففي كونها قديمةٌ نزاع.
فعند الحنفية: أنها قديمةٌ، وعند الأشاعرة أنها حادثةٌ متجددةٌ.
فإن الخالقَ حقيقةُ من صدَر منه الخلقُ، فلو كان قديمًا لزِمَ قِدَمُ الخلقِ، هذا ما يقوله الأشاعرةُ. ومع حدوثها لا محذُورَ عندهم في اتصاف الباري بها قبلَ العالم ومعه وبعده، من حيثُ رجوعُها إلى القدرة. فالخالقُ مثلًا من شأْنُه الخلقُ، أي: بالصّفة التي يصحُّ بها الخلقُ وهي القدرةُ.
كما يقال في الماءِ مُرْوٍ وهو في الكوز، أي: هو بالصفة التي يحصُل بها الإرواءُ عندَ مصادفة الباطن. وفي السيف في الغمدِ قاطعٌ، أي: بالصفة التي بها يحصُل القطع عند ملاقاة المحَلِّ.
والحاصل: أنهم اختلفُوا في صفَات الأفعالِ أنها قديمةٌ، واتفقوا في أن لا محذورَ في الاتصاف بها قبل الخلق وبعْدَه. قال في الجواهر واليواقيت عن أبي حنيفة: "وكما كان تعالى موصوفًا بصفاته أزليًا كذلكَ، لا يزال أبديًا، ليس منذُ خلقَ الخلقَ استفادَ اسمَ الخالق، ولا بإحداثه البريةَ استفاد اسْمَ الباري، فله سبحَانه وتعالى معنى الربِّ ولا مربوب، وله معنى الخالق ولا مخلوق". انتهى.
وبذلك علّلَ الناظمُ بقَوله:
…….. لأنـنـي *** عـلـى كـلِّ شـيء حـيـنَ لا حـيـنَ قـادرُ
والكلامُ على لسان الألوهية كما تقدّم، والمعنى: ثَبَتَ له الوصفُ المقيّد بالمعنى المذكور، وكذا المطلقُ حسبَما تقرّر. لأنه قادرٌ حين لا حينَ ولا وقتَ، ولا أوانَ، ولا مخلوقَ. فثبوتُ قيام القدرة له تعالى أزلًا وأبدًا بل يقتضي أن يكون قادرًا ولا مقدورًا، ورازقًا ولا مرزوقًا.
وهذا التعليلُ الذي أتى به الناظمُ مذكورٌ في اليواقيت في المبحث الثالث عشر، ونصُّ عبارته: "وكما أنه يحيي الموتَى، واستحق هذا الاسْمَ قبل إحيائهم، كذلك استحقَّ اسم الخالقِ قبل إنشائهم. وذلكَ بأنه على كل شيء قديرُ، تعليلٌ وبيانٌ لاستحقاق اسمِ الخالق قبلَ المخلوق.
فأفاد: أن معنى الخالقِ موجودٌ قبلَ الخلقِ وأن المرادَ: استحقاقُ اسمه بسبب قيام قدرته عليه. فاسم الخالق ولا مخلوقَ في الأزلِ صحيحٌ، لمن لَه قدرةُ الخلق في الأزل، هذا ما يقوله الأشاعرة"، انتهى.
وبها ظهَر معنَى كلامِ الناظم."
يقول: أن صفات ذاته -سبحانه وتعالى-، صفة كذاته أزلية أبدية مثل الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام؛ فوجوده أزلي -سبحانه وتعالى- أبدي، وكذلك مخالفته للحوادث وعدم مماثلته لشيء منها، وما إلى ذلك.
ثم إن من صفاته ما يتعلق بالأفعال مثل الخالق الرازق المحيي المميت، هذا يتحقق الخَلق واسم الخالق كان موصوفًا به قبل أن يخلق شيئًا، قال: مثل ما تقول: أن هذا السيف قاطع، وهو جديد ولا بدا قطع شيء، تقول: قاطع، يعني: عنده الإمكانية للقطع، إذا تُنُوِّل بيد الضارب بيقطع به. تقول لي قاطع وما بدأ قطع شيء كيف قاطع؟ ما دامه متصف بهيئة وحالة يمكن القطع بها فيُوصف بها أنه قاطع.
فكذلك وصفنا للحق -سبحانه وتعالى- أنه الخالق، خلق الخلق، لكن قبل أن يخلق الخلق هو خالق أم ليس خالق؟ … يعني قادر على أن يخلق، هذا معناه، وإن لم يخلق بعد شيء، فهذا اسمه في الأزل كاسمه كذلك في الأبد.
فـ "كما كان تعالى موصوفًا بصفاته أزليًا كذلكَ، لا يزال أبديًا". فمثلًا قبل أن يغني أحد، هل من أسمائه المغني؟ نعم، كان يمكن أن يغني قبل خلق أحد، قبل أن يخلق الخلائق، وبعد أن يخلقهم يغني من يشاء -سبحانه وتعالى-. وهكذا… قال:
…….. لأنـنـي *** عـلـى كـلِّ شـيء حـيـنَ لا حـيـنَ قـادرُ
فالكلام على لسان الألوهية "ثَبَتَ له الوصفُ المقيّد بالمعنى المذكور، وكذا المطلقُ حسبَما تقرّر. لأنه قادرٌ حين لا حينَ"، قبل الحين وقبل الوقت قبل الأوان قبل خلق السماوات والأرض قبل خلق كل شيء. كما جاء في البخاري عنه ﷺ يقول: "كان الله ولم يكن شيءٌ معه"، "كان الله ولم يكن شيء غيره". ثم خلق الخَلق سبحانه وتعالى.
نعم. "فثبوتُ قيام القدرة له تعالى أزلًا وأبدًا بل يقتضي أن يكون قادرًا" وإن كان عاده ماشي مقدور، عاده ما أظهر قدرته في شيء من الكائنات، ولكن أحب أن يُعرَف فخلق بقدرته. "ورازقًا" عاد ما خلق مخلوق، كيف يسمى رازق؟، رازق يعني: يقدر على الرزق. "وهذا التعليلُ الذي أتى به الناظمُ مذكورٌ في اليواقيت" للإمام الشعراني. قال: "وكما أنه يحيي الموتَى، واستحق هذا الاسْمَ قبل إحيائهم"، قبل ما يميت أحد ويحييه يسمى محيي، وهو محيي الموتى من قبل أن يبعثوا الوصف ثابت له، ثم في عالم الحس يتجدّد؛ يفعل، فالأفعال هذه مظاهرها في الوجود من غير شك أنها محدثة (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأنبياء:2]؛ محدث إتيانه ومجيئه وسماعه هذا محدث.
وهكذا… مثل ما نقول عن القرآن الكريم باتفاق أن مثل الكتابة حقه والجلد والأوراق كل هذه محدثة باتفاق هذا ما فيه خلاف، لكن لما كان أحيانًا يطلق على ما يراد من وصف الله تعالى، وصف الله تعالى ليس بمخلوق وليس بحادث وليس بمحدَث.
وهكذا… يقول:
كلامه كوصفه القديم *** لم يحدِث المسموع للكليم
فمن حيث كلامه ما حدث شيء، لكن من حيث موسى نعم سمع، سمع كلام ما كان يسمعه، فَهِم فَهْم ما كان يفهمه، هذا سيدنا موسى، أما الحق متكلم أبدًا وأزلًا.
يقول: "وهذا التعليل الذي أتى به الناظم ذكره في اليواقيت" أنه يحيي واستحقه قبل الإحياء، واستحق اسم الخالق قبل إنشائهم ذلك بأنه على كل شيء قدير، "تعليلٌ وبيانٌ لاستحقاق اسمِ الخالق قبلَ المخلوق. فأفاد: أن معنى الخالقِ موجودٌ قبلَ الخلقِ وأن المرادَ: استحقاقُ اسمه بسبب قيام قدرته عليه. فاسم الخالق ولا مخلوقَ في الأزلِ صحيحٌ، لمن لَه قدرةُ الخلق في الأزل".
وهذا ما يقوله الأشاعرة، وهو الذي يُعلم من معاني الآيات الكريمة أن (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ) [الحشر:22-24]. قبل أن يصور شيء هو مصور، مثل الآن واحد تقول له: من هذا الذي جاء؟ قال: مصوّر المجلس، هل صوَّر؟ عاده ما صوَّر، لكنه مستعد ومعه الآلة للتصوير، فنسميه مصور. وهذه الأسماء والصفات قائمة بذات الله من قبل أن يوجِد الخلق ويوجِد هذا الكون جل جلاله، بيده ملكوت كل شيء وهو العلي العظيم.
يوفِّر حظنا من قربه، يوفِّر حظنا من معرفته، يوفِّر حظنا من محبته، يوفِّر حظنا من محبة رسوله ﷺ. ويجعلنا محبوبين له ولرسوله، ويزيدنا محبة منه ومن رسوله، وله ولرسوله في كل لمحة ونفس أبدًا سرمدًا. يجعلنا ممن ازداد هدى، زدنا هدى، وآتنا تقوانا، وتولّنا في ظواهرنا وخفايانا، ولا تكلنا يا ربنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين.
ومواهبك التي وهبتها للمحبوبين من عبادك نطلبك إياها، ونسألك إياها، وندعوك أن تنيلنا إياها، وأن تهَبنا إياها بالفضل والإحسان وواسع الامتنان. فجُد علينا يا جواد وبلغنا المراد وفوق المراد، وأسعدنا بأعظم الإسعاد، وأمدِّنا بأوسع الإمداد، وارزقنا الحضور في حضرتك، وارزقنا شهود مِنّتك، وتولنا بما توليت به خاصة أحبتك، وأثبِتنا في ديوان حبيبك وصفوتك.
اللهم ارزقنا حسن متابعته، وارفعنا به إلى أعلى مراتب شهودك بمرآته، وارزقنا الأدب الكامل معك ومعه، وارفعنا فيمن ترفعه، واجعلنا في خواص من تحميه وتحفظه وتمنعه. نسألك اللهم الفتح الأكبر المطلق المبين، والاجتماع بحبيبك المجتبى المصطفى الأمين، وأن ترزقنا التمكين في علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، وأن لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 مُحرَّم 1448