شرح قصيدة (لذاتي بذاتي) - 12 | من قوله: طلبت مقاماً بذل روحك شرطه

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثاني عشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: ( لذاتي بذاتي ) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء الأربعاء 1 ظفر الخير 1448هـ

ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • مقامات السائرين وحقيقة فناء الفناء
  • انطراح النفس والانكسار للملك الجبار ومفارقة العوائد
  • ادعاء المحبة الزائفة وخطر منازعة النفس لهوى الحق جل جلاله
  • سر الوصول إلى فناء الفناء والترقي في عالمي الملكوت والجبروت
  • اتهام النفس ومرارة الصبر في طريق نيل حلاوة القرب
  • غيرة الحق على أوليائه وحكمته في إخفاء أسرارهم عن العوام
  • التحذير من أذية أولياء الله وخطره على حسن الخاتمة
  • الغوص في بحار المعاني وضرورة اغتنام العمر قبل فواته

شرح الأبيات:

طلبتَ مقاماً بذلُ روحِكَ شرطُه *** وأنتَ على ما أنتَ ناهٍ وآمِرُ
وما هكَذا شرطُ الهوَى إن ُترِدْ فردْ *** فناء الفنا واَنْس الذي أنتَ ذاكِرُ
ووَطَّنْ على الإنكَارِ نفْسَك والأذَى *** فمَنْ عسَلاً يجْني على النحْلِ صَابِرُ
وقَدْ كَثُرَتْ فيه العواذِلُ غيْرةً *** وقَلَّ لطُلابِ الحقيقة نَاصِرُ 
فإن شئْتَ فاقدُمْ هكذا الشرْطُ بينَنا *** وإلا فلا تُقْدِم فإِنّك آخِرُ

نص الدرس مكتوب:

[شرحُ البيت السابع والثَّلاثين]

ثم قال الناظم نفع الله به:

طلبتَ مقاماً بذلُ روحِكَ شرطُه *** وأنتَ على ما أنتَ ناهٍ وآمِرُ

وهذا خطابٌ لأهل الأماني، الطالبين بلوغ منتهى المقامات في هذه الطريقة، وهم على ما هم عليه من المألوفات والعوائد، والتباطؤ عن محامد الصفات. وهذا استبعادٌ من الناظم بنيل تلك المقاماتِ لمن لم يبذُل نفسه لله في طلب ما عنده من الحسنات.

قال شهاب الدين السهرَورْديُّ:

الشرطُ بذلُ النفسِ أولَ حبِّها *** لا تطمعَنْ ببقائها الأشباحُ

والمرادُ ببذل الروح: الفناءُ المحض في المحبوب، ورفض ما سواه. وقد يلوحُ للمتأمل أن البذلَ في قوله: "بذل رُوحِك"، الخ. بمعنى: الابتذال. والمعنى حينئذٍ وجيهٌ، بشَاهد قول الجنيد: "طريقتُنا هذه لا تصلحُ إلا لأناسٍ كُنسَتْ بأرواحهم المزابل".

 

[شرحُ البيت الثامن والثَّلاثين]

ثم قال الناظم نفع الله به:

وما هكَذا شرطُ الهوَى إن ُترِدْ فردْ *** فناء الفنا واَنْس الذي أنتَ ذاكِرُ

أي: ليس هذا الذي أنتَ عليه، مِن الإقبال بكليتكَ، والركون إلى الأكوان، من شرْطِ الهوى. لأنّ شرطَه وصدقَه: أن يفنى صاحبهُ في المحبوب، ويرفض ما سواهُ. وبذلك يرقى إلى أعلى المقاماتِ، وينتهي إلى أقصَى الغايات.

قال سيدي العيدروسُ:

ما رقَى العشاقُ فيما قد رقَوا *** غير خلّوا ما سِوَى المحبوبُ سُدَى

ولسلطان العاشقين ابن الفارض رحمه الله تعالى:

فلم تَهوِني ما لم تكُن فَيّ فانيا

قوله: "فرِدْ"، الخ. هو أمرٌ من ورَد، أي: إن تُرِد الهوى، فكن وارداً فناءَ الفَناء. أي: فكُن واصلاً مقام فناء الفناء. وهذا المقامُ منتهى سير السالك، وذلك: أن للقوم في اصطلاحهم مقاماً يسمى بالفناء الأول، ومقاماً يسمى بالفناء الثاني، ويسمى فناء الفناء. وكلّ ذلك من نتائج الذكرِ المأخوذ من المشايخ، مع مراعاة الآداب المعروفة، والشروط، وقطع العلائق الباطنية والظاهرية.

أما الفناء الأول: فهو أن يفنى عن عالم الشهادة، وهو عالم الملك، إذا أقبَل بكُلّيته على الذكر، ويغيب عن عالم الملك لدخُوله في غيوب عالم الملكوت، فتصير الشهادةُ عن عالمها غائباً عنه، وعالم الغيوب التي هو عالم الملكوت شهادةً له، أي: معايناً له، يراه بعين بصيرته.

فعالم الملك ما يُرى بعين البصر، وعالم الملكوتِ ما يُرى بعين البصيرة.

فإذا كان بهذا الوصف، تحقق له مقام الفناء الأول.

فإذا ساعدته العنايةُ، وجَدَّ ولم يفتُر عن ذكره، جاوز عالم الملكوت، ودخل في عالم الجبروت، وهو أعلى من عالم الملكوت، لأنه مأخوذ من الجبر، وهو القهرُ. لأن العبادَ مقهورين عن إدراك كنهه، ما عدا أهل الصفْوة والاجتباء. وهو عند أبي طالب المكي: عالم العظمَة، لظهور عظمة اللّه فيها أكثر من ظهورها في غيرها. يريد به: عالم الأسماء والصفات الإلهية. وعند الأكثرين: عالم البرزخ.

فإذا ساعدت هذا العبدَ العنايةُ، واستمرَّ في سلوكه، ملازمًا على إقباله؛ دخل في حضُرَة اللاهوت. وهو عالم السرِّ، أي: سِرّ الألوهية. وهذا هو كمال الفنَاء الثاني. فيفنى حينئذٍ عن الخلق، ويفنى عن فنائه. وهذا معنى قوله: "وانسَ الذي أنت ذاكرُ".

وفي هذا المعنى قال في "الفصوص":

الذكر تركُ الذكْرِ عند فنَاءِ الفنَا *** من دَهْشةٍ فيها الموحِّدُ حَائرُ

 

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

الحمد لله ذي الملك والملكوت والعزة والجبروت، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، هو الحي ومن سواه يموت، أرسل إلينا عبده المجتبى المختار محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالهدى والإنابة والقنوت، وإحياء حقائق الصدق مع الحق تبارك وتعالى في جميع الشؤون والأحوال، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الدرجات العوال، وخواص أهل الفيض الرباني والوصال، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

يقول لمن يطلب بلوغ منتهى المقامات في هذه الطريقة، مِمَّن تحركت رغبته في السير إلى ربه -جلَّ جلاله- والذهاب إليه، كما قال الخليل إبراهيم فيما حكى الله عنه: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات:99]. من أراد التحقق بهذا الذهاب، أُمر بالموت في الهوى ليحيا، وتغلب عليه المحبة، وأن يُغمض العينين عن السوى حتى يتجلى له جمال الحق، ويفنى عن الكون بالمكوِّن؛ يقول: 

طلبتَ مقامًا ………….

يا راجيًا هذه المراتب الرفيعة..

طلبتَ مقاًما بذلُ روحِكَ شرطُه *** ………….

 شرطه: بذل الروح..

ومن لم يبذل الروح *** ما يشفي الخواطر

ومـن لم يدمن الغوص *** ما جاب الجواهر

ولا نـال الجـــــــــوائز*** ولا يُدعى بفـائز

علــــــى التحقيـــق عـاجز

ألذّ العيش كله *** مع أرباب البصائر

ولا الأسرار إلا *** لمن صفَّى السرائر

اللهم صَفِّ سرائرنا ونوِّر بصائرنا ووسع مشاهدنا وصَفِّ مواردنا يا حي يا قيوم.

…………. ***  وأنتَ على ما أنتَ ناهٍ وآمِرُ

يقول: الشرط بذل النفس ببذل الروح، يقول سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم:

باب ما يدخله واحد *** سوى باذل الروح

أو مشمِّر ذبح نفسه *** مع كل مذبوح

وانطرح في حمى ليلى *** مع كل مطروح

حينئذٍ قال:

شاهد البيت والأركان *** والسر واللوح

والبصيرة تجلّت *** وانعزل كل مقبوح

وأصبح البحر يسعى *** له بلا آلة ولا لوح

غير بالسر الذي قد *** قال به نافخ الروح

 

… ما يدخله واحد *** سوى باذل الروح

طلبتَ مقاًما بذلُ روحِكَ شرطُه *** ………….

يقول: "وهم على ما هم عليه من المألوفات والعوائد، والتباطؤ عن محامد الصفات. وهذا استبعادٌ" تطلب مقام بذل الروح شرطه "وأنتَ على ما أنتَ ناهٍ وآمِرُ" وتطلب الشهوات، وتأمر وتنهى، وتغفل عن بارئ الأرضين والسماوات، وتستعبد لنفسك وهواها وما فيها، كيف تبلغ هذا المقام! وهو شرطه أن تفنى نهائيًا؟..

يقول:

…………. سوى باذل الروح

أو مشمر ذبح نفسه *** مع كل مذبوح

إذا بذَلَ الروح حصل حقيقة التشمير، فتنذبح نفسه الأمَّارة، فلا تبقى إلا النفس المطمئنة والراضية المرضية، ذبح نفسه مع كل مذبوح… إذا حصل بذل الروح، وحصل ذبح النفس.. يستطيع أن يتحقق بالانطراح والانكسار للملك الجبار على الوجه الكامل.

وانطرح في حمى ليلى *** مع كل مطروح

ولكن ما يمكن أن يتحقق بالتشمير قبل أن يبذل الروح، ولا يتحقق بالانطراح قبل أن يذبح النفس، ولهذا جاء بها سيدنا الشيخ أبو بكر على هذا الترتيب:

باب ما يدخله واحد *** سوى باذل الروح

أو مشمر ذبح نفسه *** مع كل مذبوح

وانطرح في حمى ليلى *** مع كل مطروح

حينئذٍ تنكشف الستارة ويبعد الكدر والغبار؛

شاهد البيت والأركان *** والسر واللوح

والبصيرة تجلّت *** وانعزل كل مقبوح

فكرًا وخاطرًا ونظرًا وإرادةً وحركةً وسكونًا، ما عاد شيء مقابح، كلها محاسن، كله حُسن في حُسن.

فيقول: كيف تنال هذا المقام الذي تطلبه وشرطه بذل الروح، وأنت قاعد على… ما بذلت حتى ترك الشهوات وترك المألوفات، وأردت أن تبلغ ذا المقام؟! إما أنك تترك المألوفات كلها وتبذل روحك! فكيف وأنت مع مألوفاتك وعاداتك وتريد توصل هذا المقام؟ إلا عسى..

  • إذا تركت المألوفات من نفسك.
  • وصدقت مع ربك سبحانه وتعالى.
  • وبذلت روحك من أجله.

عسى أن تبلغ هذا المقام وشرطه بذل الروح.

قال: ومن أدرك حقيقة هذا الفضل، وهذا المنح وهذا الفتح، وهذا العطاء وهذا القرب، وهذا السر أيقن أنَّه لو كان معه مئة روح أو ألف روح إلى روحه وبذلها لكانت رخيصة أمام هذا العطاء، فهو أكبر وأجَلّ.

دنوٌ وتقريبٌ وأُنسٌ بحضرةٍ *** مقدسةٍ في منتهى كل سابق

 لا إله إلا الله.

رجالٌ إلى الرحمنِ ساروا بهمةٍ *** على الصدقِ والإخلاصِ من غير عائقِ

فنالوا الذي كل المطالبِ دونه *** فلِلَه من عيشٍ كريمٍ ورائق

دنوٌ وتقريبٌ وأُنسٌ بحضرةٍ *** مقدسةٍ في منتهى كل سابق

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، يا رب لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

قال: "وهذا استبعادٌ من الناظم بنيل تلك المقاماتِ لمن لم يبذُل نفسه لله في طلب ما عنده من الحسنات."

وهذا يقول:

سَافِرْ مِـنْ أَرْضِ عَادَاتِكَ *** …………. 

سافر أخرج من أرض العادات..

 …………. *** وَكُنْ فِي العُبُودِيَّةِ غَرِيبًَا

كن في العبودية؛ لا تغلبك عادة ولا شهوة ولا إرادة لنفسك، الله الله الله.

وقيل لبعض العارفين ماذا تريد؟ قال: أريد ألا أريد؛ أن لا يكون لي مراد معه، وأن يكون مرادي هو وحده. أريد ألا أريد، أي ألا أريد غيره أصلًا.

وهكذا يقول: شهاب الدين السهرَورْديُّ:

الشرطُ بذلُ النفسِ أولَ حبِّها *** لا تطمعَنْ ببقائها الأشباحُ

أول حبها، عاد هذه البداية؛ بداية المحبة الصحيحة بذل الروح، إذا قد بذلت الروح بدأت الآن بسم الله شمِّر.. شمَّرت.. بسم الله توسطت، قربت الآن.. اذبح النفس.

ذبحت نفسك؟ هيا أمامك الانطراح والانكسار وحينئذٍ تنال العندية، والرحمن يقول: "أنا عندَ المُنكسرةِ قلوبُهمْ مِنْ أجلِي".

قومٌ بدا لهم من عظمة الرحمن الرحيم الجليل العظيم سبحانه وتعالى، ما أيقنوا بسوء أدبهم معه، وخجلوا على أنفسهم؛ فانكسرت قلوبهم، فإذا به عندهم! كان عندهم، كما جاء عن بعض الأنبياء أنَّه سأل الرحمن: أين أجدك يا رب؟ قال: تجدني عندَ المُنكسرةِ قلوبُهمْ مِنْ أجلِي.

قالوا: "والمرادُ ببذل الروح: الفناءُ المحض في المحبوب، ورفض ما سواه. وقد يلوحُ للمتأمل أن البذلَ في قوله: "بذل رُوحِك"، الخ. بمعنى: الابتذال. والمعنى حينئذٍ وجيهٌ"؛ وليس هو المقصود، بذلها أي تذلّها، وتبتذلها وتراها رخيصة في جنب ما أنت طالبه. "والمعنى حينئذٍ وجيهٌ بشَاهد قول الجنيد: "طريقتُنا هذه لا تصلحُ إلا لأناسٍ كُنسَتْ بأرواحهم المزابل"."؛ يعني: لا ذرة عندهم من ترفُّع، ولا من علو ولا من شهود لأنفسهم، -لا إله إلا الله-.

وهكذا حتى أنَّ منهم من توصَّل إلى بعض قوة تصحيح مساره الباطن في الانكسار، بمجيئه إلى بعض المزابل ويبيت عندها وينام عندها؛ طلبًا لأمرٍ باطنيٍ قلبيٍ معنوي يريده أن يتحقق به -الله أكبر- ومن تواضع رفعه الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

ويقول:

وما هكَذا شرطُ الهوَى إن تُرِدْ فَرِدْ *** ………….

 ما شرط الهوى تبقى على ما أنت عليه من نواهي نفسك وأوامر نفسك، بعيد عن التحقق بالعبودية، تغلبك شهواتك، "وما هكَذا شرطُ الهوَى إن ترِدْ" المقام هذا العظيم، "إن ترِدْ فردْ *** فناء الفنا"؛ تهيأ لأن ترد فناء الفناء، "واَنْس الذي أنتَ ذاكِرُ"،  كل ما في بالك من جميع العلائق والكائنات انسها.

لله بارقةٌ للقلب قد لمعت *** من عالم الأمرِ لا من عالم الصُّوَرِ

أنستكَ إياك والأكوان أجمعها *** وأوقفتك على المطلوب والوَطَرِ

قال: "ليس هذا الذي أنتَ عليه، مِن الاقبال بكليتكَ، والركون إلى الأكوان، من شرْطِ الهوى. لأنّ شرطَه وصدقَه: أن يفنى صاحبهُ في المحبوب"، والمحبوب الحقيقي هو الله، وما محبة أنبياءه ولا ملائكته ولا صالح عباده إلا من أجله سبحانه وتعالى، فهي نتيجة لمحبته وفرعٌ عن المحبة له، لكن المحبوب الحقيقي بجميع المعاني من جميع الوجوه لذاته هو الله، هو الله وحده. ومن أحق أن تحبه من ربك؟ رب الجمال كله، رب الإنعام والإفضال كله، ومن بيده الأمر كله، ورب الكمال كله المطلق سبحانه وتعالى، فلا شيء قط قط في جميع الكائنات أحق بمحبة قلبك من ربك! ربك أحق أن تحبه من نفسك ومن كل شيء سوى ذلك.

 ما نفسك حتى تنازع المليك في محبته جلَّ جلاله؟ ما نفسك هذه؟ ما هي؟ اختُبرتَ وامتُحنت بها، تلهيك وتغويك وتوسوس لك وتدعوك إلى موجب هلاكك، فكيف تقدِّم محبتها على محبة ربك من أي وجه؟ من أي وجه يصح أن تحبها؟ فمحبته مقدمة، وإذا أحببته جاء لنفسك هذه وزكاها وطهرها، ونورها ورقاها، ويجعلها لك مطيَّة إلى العوالم العلوية والدرجات العليَّة.

وإذا بك الآن أحببتها من صدق، محبة الصدق، أمَّا المحبة هذه الصورية هذا تمامًا مثل: ما يتوهم بعضهم في محبة مثلًا طفله وولده بأن يتركه هو والألعاب النارية ما يدرى بعدها إلا واحترق شيء من أعضائه، ما هي محبة هذه، هذه ما هي محبة، هذا صورة، هذا خيال المحبة، إنْ تحب الولد احرسه من النار ومن كل ما يضره، من كل ما يضره، حتى لو أراد السكين يلعب بها وأنت تخاف أن يؤذي نفسه، يبكي؟ تخليه يبكي، تحبه أم لا تحبه؟ تقول أنا أحبه خذ السكين! وإذا بعدها آذى عينه؟ وقم بعدها.. هذه هي المحبة حقك؟! 

محبة الناس لأنفسهم وهمية كمثل هذا، الذي يحب نفسه من صدق يقهرها ويؤدبها ويزكيها ويقدم محبة ربه عليها؛ وإذا به رفعها وشرَّفها وكرَّمها ونوَّرها وطهَّرها، هؤلاء الذين يحبون أنفسهم صدق، محبة صدق نتيجة عن محبة الله، لمَّا أحبوه وقدّموا محبته على أنفسهم زكَّى لهم نفوسهم وطهرها لهم جلَّ جلاله.

فلا شيء أحق بمحبتنا من ربنا وخالقنا وإلهنا قط، قط، على الإطلاق، من كل وجه وبكل معنى، لا شيء أحق أن نحبه من هذا الإله جل جلاله، ومن أجله نحب ما أحب ومَن أحب.

وإذا نظرنا إلى من أحب:

  • وجدنا رؤوسهم الصدِّيقين والنبيين والملائكة.
  • إذا نظرنا إليهم وجدنا كبارهم أولي العزم من الرسل.
  • إذا نظرنا حصلنا أرفعهم درجة في محبته محمد بن عبد الله ﷺ.

فلا يجوز أن يكون شيء أحب إلى قلب المؤمن من الله ورسوله، ونصَّ الله على ذلك في كتابه: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا)؛ انتظروا وانظروا ما الذي سيحصل؟ ما الشيء الذي سيفوتكم؟ وما الشيء الذي سيقع لكم؟  (فَتَرَبَّصُوا) تأديب وتخويف وتهديد، (فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:24]. فلا يفوز إلا من كانت محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله مقدمة على الأموال والأنفس والأهل والأولاد والعشيرة والمساكن والتجارة وكل شيء.

حققنا الله بذلك، وجعلنا نبيت ونصبح ونحيا ونموت وهو ورسوله أحب إلينا مما سواهما.

قال: "أن يفنى صاحبهُ في المحبوب، ويرفض ما سواهُ. وبذلك يرقى إلى أعلى المقاماتِ، وينتهي إلى أقصَى الغايات.

قال سيدي الإمام العيدروسُ العدني:

ما رقَى العشاقُ فيما قد رقَوا *** غير خلّوا ما سِوَى المحبوبُ سُدَى

يقول في هذه القصيدة العظيمة:

والعواذل لا تطعهم إن نهوا *** إن محض الغيّ في العشقة هدى

إذا عشقته وأحببته.. غيَّك وفنائك في ذي المحبة هو عين الهدى.

……………………. *** إن محض الغيّ في العشقة هدى

ما رقَى العشاقُ فيما قد رقَوا *** غير خلّوا ما سِوَى المحبوبُ سُدَى

 

يقول سلطان العاشقين عمر بن الفارض -عليه رحمة الله-:  "فلمْ تَهْوِني ما لم تكُن فَيّ فانيا" إذا ما فنيت فيَّ، أين الهوى؟ أين هواك؟ وأين محبتك لي؟ وفي كلامه أيضًا سمعتم يقول:

وَقْفَاً عليِه مَحَبتِّي ………….

محبتي كلها له.

…………. ولِمِحنتي *** بأَقَلّ مِن تَلَفي به لا أشتَفي

 ما أشتفي حتى أتلف فنًا وأفنى كليًا..

وإن اكتفى غَيري بطَيفِ خيالِهِ *** فأنا الّذي بوِصالِهِ لا أكتَفي

لا أزال أطلب المزيد ولا قط أنقطع عن الطمع في الزيادة من قربه وحبه أبدًا سرمدًا -لا إله إلا الله-.

"قوله: "فرِدْ"" إن ترد أمرًا "هو أمرٌ من ورَد" يَرِدُ، رِد "أي: إن تُرِد الهوى، فكن وارداً فناءَ الفَناء. أي: فكُن واصلاً مقام فناء الفناء." وذلك بعد الفناء. قال: "وهذا المقامُ منتهى سير السالك، وذلك: أن للقوم في اصطلاحهم: 

  • مقاماً يسمى بالفناء الأول. 
  • ومقاماً يسمى بالفناء الثاني، ويسمى فناء الفناء." هذا الفناء الثاني. 

"وكلّ ذلك من نتائج الذكرِ المأخوذ من المشايخ، مع مراعاة الآداب" فيه، فيذكرك، ويذكرك، ويذكرك، كلمَّا ذكرك تصفّيت تنقّيت تطهّرت، تزكّيت ترقّيت ترفّعت، سَموتَ بذكره لك سبحانه وتعالى، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152]. حتى يحصل لك مطلوب من هذه النتائج الكبيرة للذكر، "مع مراعاة الآداب المعروفة، والشروط، وقطع العلائق الباطنية والظاهرية."

فيحصل الفناء الأول؛ "الفناء الأول: فهو أن يفنى عن عالم الشهادة، وهو عالم الملك،" عالم المحسوسات، عالم الظاهر، ما يدرك بالحواس الخمس، هذا العالم عالم المُلك وعالم الشهادة وعالم الحس. قال: "إذا أقبَل بكُلّيته على الذكر، ويغيب عن عالم الملك لدخُوله في غيوب عالم الملكوت"، (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام:75]، فيغيب عن السماوات والأرض، يغيب عن ملك السماوات والأرض بملكوت السماوات والأرض إذا أقبل. وقال: "فتصير الشهادةُ عن عالمها غائباً عنه"، جميع عالم الشهادة المحسوسات غائبًا عنه "وعالم الغيوب التي هو عالم الملكوت شهادةً له،" فيصير يشهد عالم الملكوت ويغيب إحساسه عن عالم الملك، فيصير مشاهدًا "معايناً" لعالم الملكوت "بعين بصيرته.

  • فعالم الملك ما يُرى بعين البصر. 
  • وعالم الملكوتِ ما يرى بعين البصيرة.

فإذا كان بهذا الوصف.." الآن "تحقق له مقام الفناء الأول."

لكن قال لك لا تقف هنا، رِدْ فناء الفناء، يعني الفناء الثاني، -لا إله إلا الله-.

وكله يندرج في دقائق معاني: (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:162] حتى يقول الإمام الحبيب حسن بن صالح البحر الجفري -عليه رحمة الله تعالى-:

  • إن صَلاتِي: صِلَاتي من هباته.
  • ونُسُكِي: عبادتي له.
  • ومحياي: تعلقي بأوصاف جماله سبحانه وتعالى.
  • ومماتي: فنائي عن الأكوان بشهوده، وفنائي عن شهوده بسِرِّ وجوده.

فناء وفناء الفناء!

  • فأول يفنى عن الكائنات فيبقى في الملكوت.
  • بعدها يفنى عن فنائه في الملك والملكوت.

لا إله إلا الله.

يقول: "فإذا ساعدته العنايةُ، وجَدَّ ولم يفتُر" عن ذكر الله ولازم واستمر؛ لأن السير المعنوي مثل العلم الحسي، إذا ظنَّ أنَّه قد علِم فقد جهل، وكذلك هذا السائر إذا ظنَّ أنَّه قد وصل فقد انقطع، انقطع بظنه الوصول، ولكن لا يزال مواصلًا للسير، فإذا وصل كما قال القائلون: لو وصلوا ما رجعوا، لن يرجع إذا قد وصل، وإذا وصل يغيب في عشق الرحمن.

قال: "جاوز عالم الملكوت، ودخل في عالم الجبروت".

فالفناء الأول: فنائه عن عالم الملك ولكن يرى شهوده ومعاينته لعالم الملكوت، لكن إذا استمر على الوجهة إلى العلي الأكبر، واقتفاء الأثر لخير البشر، حاضرًا قلبه فيمن حضر؛ انكشف له من وراء عالم الملكوت عالم الجبروت فيغطي عالم الملكوت. 

  • عالم الجبروت: برزخٌ بين عالم الملكوت وعالم الألوهية، قُدس الألوهية والربوبية؛ عالم اللاهوت.
  • وعالم اللاهوت: ما يكون من معاينة أسرار الألوهية الساري نورها في كل شيء، ولا تُشهد إلا الألوهية. 

فعالم اللاهوت فوق عالم الجبروت، وعالم الجبروت برزخ بين الملكوت وعالم اللاهوت.

  • أمَّا عالم الناسوت هو عالم الخلق متعلق بعالم المُلك.
  • وأمَّا عالم الملكوت فعالم الروح متعلق بالمعنويات التي لا تُدرك بالحواس الخمس.
  • وأمَّا عالم الجبروت فتبدو فيه عظمة الحيّ القيوم -جلَّ جلاله-.

 ويظهر من أسرارها ما قُدِّر لهذا الموفَّق وما عساه أن يطيقه. ولولا المعونة والقدر المعلوم في التنزل لذابوا واضمحلوا كما دُكَّ جبل الطور (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) [الأعراف:143] -لا إله إلا الله-، ولكن يتجلى عليهم بما يطيقون رحمةً منه ويؤهلهم شيئًا فشيء، وفي ذلك يرتفعون.

قال: "وهو القهرُ."؛ يعني: عالم الجبروت مأخوذ من عالم الجبر وهو القهر، "وهو عند أبي طالب المكي: عالم العظمَة"، أخذ بعض مجاليه الواسعة فأطلق عليه ذلك: عالم العظمة؛ "لظهور عظمة اللّه فيها" في عالم الجبروت "أكثر من ظهورها في غيرها. يريد به: عالم الأسماء والصفات الإلهية." لأنَّه "عند الأكثرين: عالم البرزخ."؛ ما بين الملكوت واللاهوت هو عالم الجبروت.

وهكذا قال بعض العارفين عن حاله في الليل قال: نزل علينا من العظمة ما لو نزل على الجبال لدُكَّت، وهذا يشير إلى عالم الجبروت، -لا إله إلا الله-، ووراء ذلك الوصول إلى عالم اللاهوت.

يقول عليه رحمة الله تبارك وتعالى في هذا المعنى:

سافر إليه بهِمِّةٍ علوية *** حتى تراه وقل لنفسك موتي

واقصد إليه بكل قلبك قاصدًا *** محو الظِلال أُشير للناسوت

ما هي الظلال؟ قال: أشير للناسوت؛ عالم الخَلق، بماذا تمحو هذه الظلال؟ قال:

بالشمس شمس الذات حتى لا ترى *** شيئًا سوى متقدَّس اللاهوت

لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

(وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) صلوات الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين والمرسلين، وموسى قالوا شَهِد قبل أن يصعق، شَهِد وسَمِع وصَعِق، ثم أفاق، فلما أفاق قال: (قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) [الأعراف:143-144].

قال: "فإذا ساعدت هذا العبدَ العنايةُ،" وهو في عالم الجبروت "واستمرَّ في سلوكه، ملازماً على إقباله؛" لربه تعالى وما عاد قال: أنا لقد وصلت، وأنا فوق، وأنا ما عاد علي شيء، وأنا أحسن من غيري، إذا قال هكذا قُطع وربما نزل وسقط ومُنع -والعياذ بالله تعالى- لأنَّ من أساء الأدب على البساط رُدَّ إلى الباب، يخرجونه، ومن أساء الأدب على الباب رُدَّ إلى الدواب، يخرجونه رُح اقعد عند الدواب احرسها هناك، واربط السوائم والأنعام!

لا إله إلا الله، يا الله بالتوفيق للّحوق بخير فريق والشرب من أحلى رحيق.

يقول:

ليس من نوِّه بالوصل لديك *** الذي سِير به حتى وصل

لا ولا الواصل عندي كالذي *** طرق الباب وللدار دخل

لا ولا الداخل عندي كالذي *** أجلسوه عندهم في المستهل

لا ولا الجالس عندي كالذي *** سارروه فهو للسِرِّ محل

لا ولا ذلك عندك كالذي *** كان سِرَّ السِّر في سر الأزل

لا إله إلا الله، (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [آل عمران:163]، لا إله إلا هو.

قال: "واستمرَّ في سلوكه، ملازماً على إقباله؛ دخل في حضُرَة اللاهوت. وهو عالم السرِّ، أي: سِرّ الألوهية. وهذا هو كمال الفنَاء الثاني." ويُقال له: الجمع، ومن وراءه: جمع الجمع. "فيفنى حينئذٍ عن الخلق، ويفنى عن فنائه." وقال "ومماتي": فنائي عن الوجود بشهوده، وفنائي عن شهوده بسر وجوده، -لا إله إلا هو-.

قال: "وهذا معنى قوله: "وانسَ الذي أنت ذاكر"." 

وفي هذا المعنى قال في "الفصوص":

الذكر تركُ الذكْرِ عند فنَاءِ الفنَا *** من دَهْشةٍ فيها الموحِّدُ حَائرُ

لا إله إلا الله.

 

[شرحُ البيت التاسع والثَّلاثين]

ثم قال الناظم نفع الله به:

ووَطَّنْ على الإنكَارِ نفْسَك والأذَى *** فمَنْ عسَلاً يجْني على النحْلِ صَابِرُ

 أي: وطّن نفسك على إنكارها، بأن تتهّمها دائمًا. إذ هي كما عُلمَ من أعظم الحجُب المانعة عن درجة المقرّبين. فهي من هذه الإعتباراتِ رجْسٌ أي: رجسٌ وحبسٌ وأيّ حبْسٍ. فالموفَّق هو العالم العاملُ، بشاهد العلم حتى يخالف ميلها، وبذلك يصل إلى أعلى المقامات، وسنيِّ المشاهدات. وليُعلم أن أكثرَ ما يدخُل به الشيطانُ على أهل الخير، الرضَا عن النفس؛ وهو أصلُ كل معصية.

وقوله: "فمَن عسلاً يجنى"، الخ. هذا كالمثل السائر.

وقوله: "والأذى"، أي ووطّنْ نفسَك أيضاً على الأذى، بأن تتحمل الأذى في مراضي الله تعالى، وتتحمل المشاقَّ في مخالفتها، لأن من أراد جنَى النحل والعسل فهو صابرٌ، أي: يصبر على إبَر النحل. فمن لم يوطِّنْ نفسه على المرارة لا يصلُ إلى ذوقِ الحلاوة. وقد نطق بذلك المتنبي حيثُ قال:

تريدينَ لُقيانَ المعَالي رخيصةً *** ولابدَّ دون الشهْدِ من إبَر النحْلِ

 فكذلك من لم يوطِّنْ نفسه على أذاها، بمخالفتها دائمًا، والقيام بوظائف العبودية، لا ينال السعادة.

 

[شرحُ البيت الأربعين]

ثم قال الناظم نفع الله به:

وقَدْ كَثُرَتْ فيه العواذِلُ غيْرةً *** وقَلَّ لطُلابِ الحقيقة نَاصِرُ 

الضميرُ لمن اختصّه بمحبته من أولياء الله، وهذا وإن لم يُذكر صريحًا في كلام الناظم، لكن عُلِم من سياق كلامه، إذ لا يتبادر الضَّمير في هذا المقام إلا إلى الولي، إذ هو الذي يغار الحقُّ من أن يُظهِره إلى من لا يعرفه. أي: أن الله تعالى غَار على أحبابه بكثرة العواذل، وهم المنكِرونَ واللائمُون و المؤذُونَ.

والحكمة في ذلك: أن لا يُبتذَلوا بين الناس، ويُمتهنوا ويُؤذَوا . فإنه تعالى لو أظهرهم للعامّة سوى الخاصَّة، لما فارقوهم طرفة عين إلا بالموت. وهذا من رحمة الله بأوليائه، وغَيرتِه على السرِّ المودَع فيهم. ولأنهم إذا عرَفهم من ليس عنده تلك الخصوصية من أهل المراتب، والمناصب والاسم، والجاه؛ ربّما وصل إلى قتلهم، وتطريدهم، وتعذيبهم، أو عبادتهم، والاعتقاد المذمُوم فيهم، من دعوى التأثير في الأكوانِ، أو الألوهية. كما نسبوا نبيَّ الله عيسى عليه السلام إلى البنوّة، وثالث الثلاثة.

فلا يعرف الوليَّ إلا الوليُّ، وقد قيل: معرفة الولي أشدُّ من معرفة الله. أي: أدقُّ، وأخّفى، وأغمضُ، لظهور البشرية، واتحاد الجنسية."

 

يقول عليه رحمة الله:

ووَطَّنْ على الإنكَارِ نفْسَك والأذَى *** فمَنْ عسَلاً…………

يعني من يجني عسلًا

………… على النحْلِ صَابِرُ

يكون صابر على إبر النحل، فـ "وطّن نفسك" إذا أنت تريد هذا المقام والشأن العظيم والقُرب من الإله الكريم -جلَّ جلاله-، فوطّن نفسك سينكر عليك ذا، ويتكلم عليك ذا، ويسبك ذا…

ما تشوف مَنْ مِن أنبياء الله لم يُسَب؟ (مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) مِن رسول، أي رسول كان جاء، ناس قاعدين يقولون ساحر مجنون، ولو أنت استقمت ولا أحد قال لك ساحر ولا مجنون ما أنت من ورثة النبيين! إذا أنت من ورثة النبيين لابد أحد بيقول لك ساحر ومجنون، على حسب وراثتك للنبيين، لابد أحد يقول لك، النبيين كلهم هكذا.. (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ)  أي رسول، (إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) إلى إن جاء سيدهم وأعقلهم وخاتمهم قالوا ساحر وقالوا مجنون! اللهم صلِّ عليه وعلى آله، ولا أطهر منه، ولا أعقل منه صلى الله عليه وسلم. -لا إله إلا الله- 

(أَتَوَاصَوْا بِهِ) هل هؤلاء المجرمين يتواصون بهذه الألقاب واحد بعد ثاني جيل بعد جيل؟ (أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات:52-55].

"وطّن نفسك على إنكارها، بأن تتهمها دائمًا" وتقبل إنكار غيرك عليها، "إذ هي كما عُلمَ من أعظم الحجُب المانعة عن درجة المقرّبين." سمعتم قول الشيخ أبي بكر بن سالم: من نظر إلى نفسه بعين الرضا نظر الله إليه بعين السخط، ومن نظر إلى نفسه بعين السخط نظر الله إليه بعين الرضا.

قال: "فهي من هذه الإعتباراتِ رجْسٌ أي: رجسٌ وحبسٌ وأيّ حبْسٍ. فالموفَّق هو العالم العاملُ، بشاهد العلم حتى يخالف ميلها" ويخالف هواها "وبذلك يصل إلى أعلى المقامات، وسنيِّ المشاهدات. واعلم أن أكثرَ ما يدخُل به الشيطانُ على أهل الخير، الرضَا عن النفس. وهو أصلُ كل معصية.

وقوله: "فمَن عسلاً يجنى"، مَن يجني العسل "الخ. هذا كالمثل السائر.

وقوله: "والأذى"، أي ووطّنْ نفسَك أيضًا على الأذى، بأن تتحمل الأذى في مراضي الله تعالى، وتتحمل المشاقَّ في مخالفتها".

كما جاؤوا لبعض الصالحين، قالوا له الناس يتكلمون عليك، قال: أيش يقولون؟ قالوا: يقولون ساحر، قال: ابعد خلنا نسجد سجدة شكر! شبهونا بالأنبياء، الله رقَّانا إلى هذا المقام وخلانا في وراثة النبوة، سجد سجدة شكر لله لما قالوا عليه أهل منطقته أنه ساحر!

قال: "وتتحمل المشاقَّ في مخالفتها، لأن من أراد جنَى النحل والعسل فهو صابرٌ، أي: يصبر على إبَر النحل." ولا بدَّ دون الشُهد من سُمِّ لسعةِ، لا بد دون الشُهد قبل ما تُحصِّل العسل تُعطى لسعة، أول لسعة بعدها عسل، واللسع إذا قلبته رجع عسل، ل س ع، اقلبه ع س ل، يرجع عسل، أوله لسع وفي الأخير بعدها يرجع عسل.

وهكذا، يقول: "فمن لم يوطِّنْ نفسه على المرارة لا يصلُ إلى ذوقِ الحلاوة. وقد نطق بذلك المتنبي حيثُ قال:

تريدينَ لُقيانَ المعَالي رخيصةً *** ولابدَّ دون الشهْدِ من إبَر النحْلِ

 فكذلك من لم يوطنْ نفسه على أذاها، بمخالفتها دائمًا، والقيام بوظائف العبودية، لا ينال السعادة.".

وقَدْ كَثُرَتْ فيه العواذِلُ ……………… 

الذين يتكلمون على أهل الله سبحانه وتعالى وعلى الصالحين "غيْرةً" من الله تعالى على أوليائه.

وقَدْ كَثُرَتْ فيه العواذِلُ غيْرةً *** وقَلَّ لطُلابِ الحقيقة نَاصِرُ 

"الضميرُ لمن اختصّه بمحبته من أولياء الله، وهذا وإن لم يذكر صريحًا في كلام الناظم، لكن عُلِم من سياق كلامه، إذ لا يتبادر الضَّمير في هذا المقام إلا إلى الولي،"، "كَثُرَتْ فيه العواذِلُ"؛ كثروا فيه الكلام، "إذ هو الذي يغار الحقُّ من أن يظهِره إلى من لا يعرفه. أي: أن الله تعالى غَار على أحبابه بكثرة العواذل، وهم المنكرونَ واللائمُون و المؤذونَ.

والحكمة في ذلك: أن لا يُبتذَلوا بين الناس، ويُمتهنوا ويُؤذوا . فإنه تعالى لو أظهرهم للعامّة سوى الخاصَّة، لما فارقوهم طرفة عين إلا بالموت."

كما يقولون عندنا العوام في مَثَل لهم: من أعطاه خالقه ما حد يعالقه، يعني: ينازعه ولا يخاصمه إذا أعطاه ربه. وقال الحبيب علي الحبشي: من أعطاه خالقه ما حد يفارقه، ليس ما حد يعالقه إلا لا عاد تفارقه، فلو ظهرت أسرار خصوصية في أولياء الله للازمهم من حولهم وتعبّوهم، ما عاد بيخلونهم يدخلون ويخرجون… ولهذا يقول الحبيب علوي بن شهاب -عليه رحمة الله- لما أظهره الله، قال: ما عاد خلونا نرتاح حتى في بيت الخلاء! ذا قايم وذا ينادي وذا وافد جاء وذا كذا، ما عاد استرحنا!... ولهذا يسترهم، يسترهم غيْرة منه، يسلط عليهم العواذل من الناس يتكلمون، -لا إله إلا هو-.

وله غيرة على أوليائه -جلَّ جلاله-، وينتقم ممن عاداهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، في الغالب أنَّه لا يُسلَّط أحد على سب ولي وإيذائه إلا في الغالب يموت على غير الملة، يموت على سوء الخاتمة، نادر من كان يسب ولي وصالح عند الله تعالى ثم يموت ثابت على الإسلام .. نادر.

يا رب ثبتنا على الحق والهدى، يا رب اقبضنا على خير ملة، لا إله إلا الله.

يقول: فالسب فيهم إنسان تحقيق ينزع الإيمان! إذا كان الله يحاربه من أين يجيب حسن خاتمة هذا؟ "مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحَربِ"، رب السماوات ورب العرش يحاربه بيجيب حسن خاتمة من عند أخوه ولّا صاحبه ولّا أبوه ولّا أمه ولّا من عند من؟! من عند الشيطان؟ من أين بيجيب له حسن الخاتمة إذا رب العرش يعاديه ويحاربه؟! أعوذ بالله من غضب الله، الله يسلمنا من الوقيعة في المؤمنين عامة وخاصتهم خاصة.

وكان يتبادل الإمام النووي كلام وعبارات من قبله، يقول: واعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن أطلق اللسان فيهم بالثلب، عُوقب قبل الموت بموت القلب.

اللهم أعذنا من غضبك وعقابك وعذابك وارزقنا الأدب معك في خلقك عامة وخاصتهم خاصة.

قال: "أن لا يبتذَلوا بين الناس، ويمتهنوا ويؤذوا . فإنه تعالى لو أظهرهم للعامّة سوى الخاصَّة، لما فارقوهم طرفة عين إلا بالموت. وهذا من رحمة الله بأوليائه، وغَيرتِه على السرِّ المودَع فيهم."

كان يقف من يقف على بيت سيدنا مالك يقول: أين الناس من هذا الإمام؟ لو عرفوا قدره لكان جاؤوه له من كل مكان! ولكن حكمة الله تبارك وتعالى، إنما يظهرهم على من أراد أن ينفعه بهم، وهكذا.

وكان وفد مرة الحبيب أحمد بن زين، ومعه الحبيب محمد بن زين بن سميط جاء إلى عند الإمام الحداد وقال: أين البلاد من هذا الإمام؟! قال: اسكت، غيرة الله وحظي وحظك زين، لو عرفوه ما عاد نحصل مكان أنا وإياك عنده، خلِّ حكمة الله على ما هي عليه، أمَّا لو دروا به عاد نحن فين بنحصِّل محل أنا وإياك، المحل مزحوم بنقعد بعيد هناك وكيف نشوفه! لا إله إلا الله، سبحان الله.

(وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) [الفرقان:7]. 

يقول: "لما فارقوهم طرفة عين إلا بالموت. وهذا من رحمة الله بأوليائه، وغَيرتِه على السرِّ المودَع فيهم. ولأنهم إذا عرَفهم من ليس عنده تلك الخصوصية من أهل المراتب، والمناصب والاسم، والجاه؛ ربّما وصل إلى قتلهم، وتطريدهم، وتعذيبهم، أو عبادتهم" -والعياذ بالله-، كما حصل من النصارى مع سيدنا عيسى بن مريم "والاعتقاد المذمُوم فيهم، من دعوى التأثير في الأكوانِ، أو الألوهية. كما نسبوا نبيَّ الله عيسى عليه السلام إلى البنوّة،" والعياذ بالله، حاشاه، حاشا الله أن يكون له ابن، وقالوا ثالث ثلاثة: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) [المائدة:73] جلَّ جلاله.

فكذلك لو انكشفت أنوار كثير من الأولياء، حتى كان يقول بعض العارفين: لو كشف الله نور المؤمن العاصي، لو انكشف نوره، نور إيمانه، لعُبِد من دون الله! سيعبدونه من دون الله، ويفتتنون به، لكن تركه الله مستورًا، فكيف بأنوار المقربين والصديقين؟! لو ظهرت للناس لأبهرتهم، ولفتنتهم، ولكن ما يُظهرها.

يقول بعض شيوخنا من الصالحين والعارفين بالله، يقول: لما ظهر الحبيب عبد القادر -عليه رحمة الله- في الحجاز، ويقول ما شاء الله ظهر حال الحبيب عبد القادر، قال له الحبيب عبد الرحمن الكاف: لا لا لا، بعض نور علمه ظهر، أمَّا لو ظهر حاله سيقع كلام ثاني! إنما بعض نور علمه الذي أظهره الله تبارك وتعالى، أمَّا لو نور حاله يظهر.. ما عاد بتحصّل لك مكان!.. فسبحان الله، ستر أسراره في عباده جلَّ جلاله.

فإما تقع الفتنة، إمَّا يقتلونهم كما قتلوا الأنبياء، وإمَّا يقومون يعبدونهم من دون الله تبارك وتعالى، ويقعون في الفتنة الكبيرة، وادَّعو له البنوة وادَّعو له… بدايتها ناس انكشفت لهم أنوار سيدنا عيسى وطاحوا بعدين، لما وجدوا لهم شيخًا يثبتهم على ما بُعث به عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وروح منه وكلمته ألقاها إلى مريم.

باقي هنا في نسخة مخطوطة: "فلا يعرف الوليَّ إلا الوليُّ، وقد قيل: معرفة الولي أشدُّ من معرفة الله. أي: أدقُّ، وأخّفى، وأغمضُ، لظهور البشرية، واتحاد الجنسية."؛ عموم المؤمنين يذكر الله ويعظمون الله تعالى، لكن تقول ذا ولي ولي، يأكل ويشرب مثلنا أيش ولي؟ من قال؟ وهو يريد الولاية شيء يظهر له!.. كما قال الكفار للأنبياء: بشر مثلنا..

  • (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ) [المؤمنون:34].
  • (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) [المؤمنون:47]. 
  • (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) [المؤمنون:33]. 

لا إله إلا الله…

 وهكذا؛ فلا يعرف الوليَّ إلا الوليُّ"،.. فمعرفة الولي شديدة، ولهذا يقول: سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه، جلَّ جلاله.

 

[شرحُ البيت الحادي الأربعين]

ثم قال الناظم نفع الله به:

فإن شئْتَ فاقدُمْ هكذا الشرْطُ بينَنا *** وإلا فلا تُقْدِم فإِنّك آخِرُ

 هذا مرتبطٌ بقوله آنفاً في النظم: "وما هكذا شرط الهوى"، الخ.

وقوله:

وإلا فلا تقدم فإِنّك آخر 

هو ظاهرٌ لا غبارَ عليه.

[خاتمة الكتاب]

وهذا ما يتيسَّر إيرادُه في هذه العجالة، مع غلبة العجز والتكاسل، واشتغال البال من عوارض الزمان. وهذا النظمُ مشتملٌ على إشارات دقيقة، ومعانٍ لطيفة، لا يغوصُ في تيارها، ويستخرج نفائس جواهرها ودُررها؛ إلا من حَظيَ بشميمِ عَرارِ ذلك المقام، وأُثلِج صدره بشَرْبة من تلك المُدام.

على نفسِه فليبْكِ من ضاعَ عمرُه *** وليسَ له فيها نصيبٌ ولا سَهمُ

وإنما أوردنا في هذه العجالةِ ما ظهر لنا من كلامهم، مع القصور والتقصير، ونستغفر الله العظيم مما زلَّ به القلمُ، وقصُرَ عنه الفهم، إنه ولي الفضل والإنعام، وصلاة الله وسلامه على رسوله المختار في البداية والختام."

 

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

نعم ختم الشيخ شرح النظم يقول:

فإن شئْتَ فاقدُمْ……

إن شئت الرقي لهذا المقام والوصول إليه: اقْدَمْ، ابذل روحك، وافنَ، ورِِدْ على فناء الفناء، وتوَجَّه بِكُلِيَتك..

…….. هكذا الشرْطُ بينَنا *** وإلا فلا تُقْدِم…

اقعد قاعد، رح، لَيْسَ بِعُشِّكِ فَادْرجي، اذهب إلى  عند مستواك من أهل الغفلة.

 …………. *** وإلا فلا تُقْدِم فإِنّك آخِرُ

متأخر، لا هِمَّة لك، مَنْ لا هِمَّة له ولا صِدق وِجهَة، كيف يقطع الطريق؟..

قال: "وهذا ما يتيسَّر إيرادُه في هذه العجالة، مع غلبة العجز والتكاسل، واشتغال البال من عوارض الزمان. وهذا النظمُ مشتملٌ على إشارات دقيقة، ومعانٍ لطيفة، لا يغوصُ في تيارها، ويستخرج نفائس جواهرها ودررها؛ إلا من حَظيَ بشميمِ عَرارِ ذلك المقام." لا إله إلا الله.

من رُوِح ريحهم دخل وسط الأفكار *** واشتغل بالقراءة دايم والأذكار

لا إله إلا الله.

"وأُثلِج صدره بشَرْبة من تلك المُدام."؛ أي: الشراب الرائق.

هذا شراب الشيوخ والأصول لنا *** مِن لدن خير الورى حتى شربت لها

ويقول:

راحُ اليقين أعَزُّ مشروبٍ لنا *** فاشرب وطِب واسكر بخير سُلافِ

هذا شراب القومِ سادتنا وقد *** أخطا الطريقة من يَقُل بِخِلافِ

قال:

على نفسِه فليبْكِ من ضاعَ عمرُه *** وليسَ له فيها نصيبٌ ولا سَهمُ

اللهم اجعل لنا نصيبًا وافيًا، وسَهمًا عاليا يا أرحم الراحمين.

"وإنما أوردنا في هذه العجالةِ ما ظهر لنا من كلامهم، مع القصور والتقصير، ونستغفر الله العظيم مما زلَّ به القلمُ، وقصُرَ عنه الفهم، إنه وليّ الفضل والإنعام، وصلاة الله وسلامه على رسوله المختار في البداية والختام." فهو مفتاح هذه المواهب والرحمات كلها ﷺ، وما للختم غير البداية.

بقي معنا ليلة واحدة، وهي مساء الجمعة إن شاء الله نمر على كلام الحبيب أيضًا نفسه في تأويل أو في شرح نصائح تلقَّاها عنه في النوم تلميذه الشيخ العالِم عبد الله بن محمد باكثير، فبلّغه الرؤيا فعلَّق على الوصية التي تلقَّاها ذاك التلميذ في نومه منه، علَّق عليها بهاتين الورقتين، فتكون هي ختامنا في مساء الجمعة إن شاء الله، ليلة السبت، والقابلة ليلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وليلة المولد.

وعسى البركة في العمر وفي الوقت، وأعلى الله درجات سيدي عبد الغني النابلسي، والشارح الحبيب أحمد بن أبي بكر بن عبد الله بن سميط، وجميع أصولهم وفروعهم وسلاسل إسنادهم إلى الحبيب الأعظم، وينفعنا بهم وبما أورد على قلوبهم وعلى ألسنتهم وعلى أقلامهم، وينفعنا بكل مقرَّب، ولا يحرمنا بركة وليّ، ولا بركة عارف، ولا بركة صديِّق، ولا بركة محبوب، ولا بركة نبيّ، ولا بركة مَلَك، ولا بركة ذي بركة إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ إلى أرواحهم

وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ

 اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

تاريخ النشر الهجري

03 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

17 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام