(466)
(633)
(6)
الدرس الحادي عشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: ( لذاتي بذاتي ) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء الثلاثاء 29 محرم 1448هـ
ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.
فإنّ طرِيقَ القومِ سَهلٌ سلوكُه *** وأوضَحُ منه ليس يدرِكُ ناظِرُ
وليسَ بذكْرٍ أو بفكْرٍ تنالُه *** سِوَى بالصَّفا والمحوِ عما يغايرُ
وهذا حِجابُ النفْسِ يصعُب فرْقُه *** وعقلكَ منه وهو للحَقِّ سَاترُ
فمُتْ في الهوَى تحيَ وأغمِضْ عن السّوى *** تقَرُّ بذاك الوجْهِ منكَ النّواظِرُ
[شرحُ البيت الثالث والثَّلاثين]
ثم قال الناظم نفع الله به:
فإنّ طرِيقَ القومِ سَهلٌ سلوكُه *** وأوضَحُ منه ليس يدرِكُ ناظِرُ
أي: أن طريق القوم سهلٌ سلوكُه لمريدٍ صادقٍ، ومنه ما ليسَ بواضح، ومنه ما هو واضحٌ. وأوضَحُ ما كان منه لا يدركه ناظرٌ، ممن ليس له سلوكٌ ولا رسوخ في موضعِ التحقيق في علم التصوف، كالفقهاء، فإنهم يعجزونَ عن إدراك غوامضَ هذا العلم. وهو مراتبٌ، بحسَب أهله. لأن هذا العلمَ هو علمُ الوراثة، المشار إليه بخبر: "من عَمِل بما عَلِمَ، أورثَه الله علم ما لم يعلَمْ".
[شرحُ البيت الرابع والثَّلاثين]
ثم قال الناظم نفع الله به:
وليسَ بذكْرٍ أو بفكْرٍ تنالُه *** سِوَى بالصَّفا والمحوِ عما يغايرُ
أي: لا تدركُ أنتَ هذا العلمَ بالفِكر، ولا بذكرٍ لم يعضِدهُ الإكبابُ على العمل، والإعراض عن العلل. ولذا قال: "سِوَى بالصفا"، الخ. لقول العارف الشّعراني في صفاته: "علمُ التصوف عبارةٌ عن علم انقدَح في قلوب الأولياء حين استنارت بالكتاب والسنة، فكل من عمل بها انقدحَ له من ذلك علومٌ وأسرارٌ وحقائقُ تعجَز الألسن عنها"، انتهى.
ولذا قال بعضُهم:
علمُ التصَوفِ علمٌ ليسَ يدرِكُه *** إلا أخُو فطنَةٍ بالحقِّ معروفُ
وكيف يعرِفُه من ليسَ يشهَدُه *** وكيف يشهدُ ضوءَ الشمْسِ مكفوفُ
وقال في "الفتوحات" -في الباب الثالث والسبعين-: "اعلَم أنه ما ثَمَّ دليلٌ يردّ طريقَ القوم، ولا قادحٌ يقدحُ فيها شرعاً ولا عقلاً، وإنما يردّها من ردّها بالجهل بها. فإنّ طريق القوم لا يُنالُ بالنظر الفكري، ولا بضرورات العقول، وإنما هو نورٌ في القلب يحدُث فيه بواسطة اتباع الكتاب والسُّنة، فيدرك الأمور يقيناً، لا ظناً وتخمينًا".
الحمد لله ميسِّر الطريق إلى الوصول إليه لمن سَبَقت لهم سوابق السعادة، وخير رفيق، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، مُنفِّس كل كربةٍ وضيق، أرسل إلينا عبده المختار محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالهدى ودين الحق وجعله الرحيم الشفيق. فصلِّ اللهم وسلم وبارك وكرِّم على حبيبك المختار الذي دلَّنا عليك وهدانا بك إليك، وعلى آله وصحبه من سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرَّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعد،
فيواصِل الشيخ ذكر شأن السير إلى الله تعالى وطريق القوم في حُسن عملهم، وعملهم على وجه الإحسان بالشرع المصون وسنة الأمين المأمون، وبها قامت أمورهم وانتهَجوا فيها نهج الصدق والصفاء، وأشرقت بذلك أنوارهم، واستنار بطونهم وظهورهم في اتباعه ﷺ.
واعْلَمْ بِأنَّكَ لا تُفْضِي إلى غَرَضٍ *** بدُونِ أن تَقتَفِي في الْوِرْدِ والصَّدَرِ
خَيْرَ النبيينَ ……………………………………………..
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
"فإنّ طرِيقَ القومِ سَهلٌ سلوكُه". لقوله إن الله جعل الشريعة يسراً، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة:185]. (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) [النور:21] -جل جلاله-، فيسَّر وسهَّل لنا السبيل سبحانه وتعالى.
وما يصدق منا صادق في التوجه إليه إلا وذلل الصعاب له، وأكرمه بالنصيب الوافي من العشق والوله، ولم يزل سائرًا ثم يكون طائرًا ويصل. وإذا وصل فلا يُقدَر مقدار ما يزداد في كل نفس ولحظة، وما يرتقي في كل لمحة وخطْرة، ولا يزال في وصوله سائرًا في الله بعد أن كان سائرًا إلى الله، وسائرًا بالله، فيصير سائرًا في اتساع مجال مداركه ومشاهده لأسماء الله وصفاته العلى وذاته العليا -جل جلاله-، من غير تكييفٍ ولا حصرٍ ولا حدٍّ ولا جهةٍ، كما سمعنا في إدراك البصائر، وكما عبر عنه ﷺ في إدراك الأبصار في دار الكرامة في الجنة خير مستقر، جعلنا الله وإياكم من أهلها.
"فإنّ طرِيقَ القومِ سَهلٌ سلوكُه"، أي: "أن طريق القوم سهلٌ سلوكُه لمريدٍ صادقٍ، ومنه ما ليسَ بواضح، ومنه ما هو واضحٌ". ولكن هذا السبيل والنتائج التي توجَد بسلوكه صعبة على من لم يسلك ولم يتطهر من أنواع الأدناس التي تحيط بقلبه والتي تكبر بها نفسه عليه وتغلبه ويشتد عليه شهوات نفسه وتقهره، فهذا ما يتضح له من هذا المجال الأمر، بل يشكل عليه ويرى أنه ضرب من الخيال، وما إلى ذلك مما يتخيله هو.
ومنه ما هو أوضح.. "وأوضَحُ منه ليس يدرِكُ ناظِرُ"؛ أي: الناظر بالنظر المجرد الظاهر الذي لم يصدق في تطهير باطنه. فأوضح ما كان في الطريق ما يتجلى له ولا يدركه "ممن ليس له سلوكٌ ولا رسوخ في موضعِ التحقيق في علم التصوف"، وهو السير إلى الله تبارك وتعالى بارتقاء سُلَّم الإسلام والإيمان والمضي في الإحسان بإحسان إلى الرحمن -جل جلاله-، وإلى معرفته وقربه ومحبته ورضوانه جل جلاله وتعالى في علاه.
قال: "كالفقهاء"، الذين انحصروا في المسائل الفقهية وفروع الفقه وأصوله، ولم يكلفوا أنفسهم:
إلى غير ذلك مما ينازل القلوب من إضمار سوء لمسلم أو تمني شر لأحد من الخلق، إلى غير ذلك من الأمراض القلبية. فما دام بهذا الحال ما يفهم من طريق القوم شيء.
وهكذا، قال بعضهم لسيدنا أبي يزيد وهو يتعجب: من أين جئت بهذه العلوم والأذواق وأنا وإياك معا كنا ودرسنا وتلقينا عن مشايخ، ولكن…؟
قال له -عليه رضوان الله تعالى-: "هذه العلوم التي تسمعها والأذواق ما بتجي عليها إلا إن كسرت نفسك وهذَّبتها.
قال له: اشتَرِط، أي شيء تريده أنا مستعد.
قال له: أنت الآن في الحارة الفلانية لك مكانة معروفة ومشهورة بين الناس، ويحترمونك
قال: نعم.
قال: بسم الله، أول خطوة هات لك مخلاة زبيب ومخلاة لوز، وادخل الحارة ومُر في شوارعها، وقل للصبيان: كل من صفعني أعطيته لوز وزبيب، أعطيه من هذا، خَلِّهم يمشون خلفك يصفعونك وأنت تعطيهم من هذا.
قال له: سبحان الله!
قال له: أنت الآن تسبح الله أم تسبّح نفسك؟! استكبرت نفسك واستَعظمت أن يكون هذا، تذرّعت بقول سبحان الله باللسان، أنت إنما تسبح نفسك ما تسبحه هو -جل جلاله- وما أعظمه وما أجلّه مقدّس. ولكن أنت...
قال له: هات شيء ثاني غير هذا، قال: هذا أول شيء، أول شيء وبعدها تعال أعطيك. قال: هذا ما أقدر عليه.
قال: "فلو قعدت في حالك هذا سبعين سنة ما بتذوق شيء من هذا الكلام الذي تسمعه مني ولا من هذا الذوق.. قال له أولاً طهّر نفسك. وقال له: إنك لما سبّحت إنما سبّحت نفسك، استعظمت نفسك أن تمشي بهذه الصورة بين الناس، ورأيت نفسك أكبر، فأنت تقدس نفسك ما تقدس ربك سبحانه وتعالى، لا إله إلا الله.
قال: "كالفُقهاء" الذين تجردوا للفقه بلا فقه باطن، فأما الفقهاء العاملون الصالحون فهم نفسهم الأولياء وهم العارفون.
كان سيدنا أبو حنيفة وسيدنا الشافعي كل منهما يقول: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي! ما تجد ولي لله إذا ما هم هؤلاء الأولياء؟ الفقهاء العاملون، الفقهاء العاملون بعلمهم. لكن يتكلم عن فقهاء ما فقهوا إلا ظواهر الأحكام ووقفوا فيها وما عملوا؛ ما أحسنوا العمل بعلمهم، فهؤلاء يعيشون في حجابهم.
"فإنهم يعجزونَ عن إدراك غوامضَ هذا العلم. وهو مراتبٌ، بحسَب أهله. لأن هذا العلمَ هو علمُ الوراثة، المشار إليه بخبر: "من عَمِل بما عَلِمَ، أورثَه الله علم ما لم يعلَمْ". وأيضًا يستشهدون ويستأنِسون بقوله تعالى:
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، لا إله إلا الله.
يقول: مع سهولتها يعرض الكثيرون عنها ويرون أنها مشقة وما هي مشقة إلا من حيث مجاهدة النفس، وإذا جُوهدت النفس يرجع ما كان مشقة يصير غاية في اللذة، غاية في اللذة وغاية في الحلاوة وغاية في الصفاء والفرح والسرور، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58].
نحمد الله على الخير الكثير *** نعمة التوحيد والدين اليسير
ورسولٌ جاء بالحق بشير *** ونذيراً بالكتاب المستنير
وإلى الله تعالى المصير
قال:
وليسَ بذكْرٍ أو بفكْرٍ تنالُه *** سِوَى بالصَّفا والمحوِ عما يغايرُ
لا بمجرد الذكر والفكر، وإن كان هو أقوى وسيلة وهو عماد الطريق: الذكر والفكر، والذي ذكر، لكن ليس بمجرده. فذكر باللسان وفكر من غير طُهر الجنان:
ما يوصلك إلى هذا إذا لم يكن قائم على أساس صحيح:
وصفِّ من الأكدار سِرَّك إنه *** إذا ما صفا أولاك معنىً من الفِكر
تطوف به غيب العوالم كلها *** وتسري به في ظلمة الليل إذ يسري
إذا صفا السِرِّ حقك...
لذا يقول سيدنا أبو بكر العدني بن عبد الله العيدروس:
ألذ العيش كله مع أرباب البصائر *** ولا الأسرار إلا لمن صفّى السرائر
اللهم صفِّ سرائرنا ونوّر بصائرنا ووسّع مشاهدنا.
يقول عليه الرضوان:
وليسَ بذكْرٍ أو بفكْرٍ تنالُه *** سِوَى بالصَّفا والمحوِ عما يغايرُ
"أي: لا تدركُ أنتَ هذا العلمَ بالفِكر، ولا بذكرٍ لم يعضِدهُ الإكبابُ على العمل، والإعراض عن العلل." فذاكر لله تعالى بقلبه يستحيي أن يكن السوء، ويستحيي أن يتكبر، يستحيي أن يغتاب الناس. إذا كان ذاكر بقلبه، أما ذاكر بلسانه في نفس الوقت الذي يذكر فيه يغتاب، في نفس الوقت الذي يذكر يكذب، أين الذكر؟! هذا ما يذكر الله كالذي بقلبه، يذكر بلسانه. أما إذا قد ذكر القلبُ الربَّ، هاب الربَّ، ما يستطيع أن يبارزه بالسيئات والذنوب والمعاصي والمخالفات لأمره جل جلاله، لا إله إلا الله. (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) يقول الله جل جلاله تعالى في علاه.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. هذا الدعاء الذي علمه سيدنا لمعاذ لما طلب منه أن يطلب من الله المعونة على الذكر، تعرف أن الذكر ما هو مجرد، لو كان مجرد حركة اللسان ما يحتاج معونة له، سهل.. "اللهم أعني على ذكرك"، "أعني على ذكرك" يعني حقيقة الذكر ما تجيء إلا بمعونة من الله تعالى. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ولذا قال: "سِوَى بالصَّفا والمحوِ عما يغايرُ"؛ المحو عن الأغيار.
قال الإمام الشعراني: "علمُ التصوف عبارةٌ عن علم انقدَح في قلوب الأولياء حين استنارت بالكتاب والسنة، فكل من عمل بها انقدحَ له من ذلك علومٌ وأسرارٌ وحقائقُ تعجَز الألسن عنها"، كلها نتيجة:
يقول:
علمُ التصَوفِ علمٌ ليسَ يدرِكُه *** إلا أخُو فطنَةٍ بالحقِّ معروفُ
وكيف يعرِفُه من ليسَ يشهَدُه *** وكيف يشهدُ ضوءَ الشمْسِ مكفوفُ
من كان أعمى حتى إذا الشمس أشرقت ما يشاهد الضوء بسبب العمى.
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ *** وينكر الفم طعم الماء من سقم
إنسان عنده مرض وينكر طعم الماء، الماء عذب لذيذ يقول لك هذا مر، والسبب المرارة في لسانه، مسكين مريض عنده حمى شديدة ويطعم كل شيء مر؛ بسبب المرض الذي عنده، الشيء ما هو مر ولكن هو يطعمه مُر.
وهكذا ذكر عن الشيخ ابن عربي في الفتوحات: "اعلَم أنه ما ثَمَّ دليلٌ يردّ طريقَ القوم"، ما هناك تعارض، كما قال الإمام الحداد:
وما في طريق القوم بدءًا ولا انتِها *** مخالفةٌ للشرع فاسْمع وأنصِتِ
يقول -رضوان الله عليه- في تائيته، لا يتأتى أن يكون شيء مخالف للشريعة في طريق القوم ومنهج القوم، فإنما بنوا أمرهم على إحسان العمل بالشريعة.
يقول -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-:
فوا أسفي إن مِتُّ من قبل أن أرى *** وجوهًا عليها نور علمٍ وخشيةِ
و جلوةُ إخلاصٍ وصدقٍ وقُربةٍ *** وآثارُ كشفِ الغيب عن ذوقِ خبرةِ
وأسمع منهم كل علمٍ مقدَّس *** عن الحس والأوهام من فتح حكمة
وأنشَقُ من أرياحِهم كل طيِّب *** ذكيٍّ تطيب الروح منه بشمَّةِ
وأُمسي بهم في موقف الشرع سالكًا *** طريقة حقٍّ واصلاً للحقيقة
فلله أقوامٌ نأى البعض منهم *** عن البعض إيثارًا لمقصود خلوةِ
فمنهم ومنهم ومنهم……….
وما في طريق القوم بدءاً ولا انْتها *** مخالفةٌ للشرع فاسمع وأنصِتِ
وخلِّ مقالات الذين تخبّطوا *** ولا تكُ إلا مع كتابٍ وسُنةِ
فثَمَّ الهدى والنور والأمن من ردى *** ومن فتنةٍ تُخشى وزيْغٍ وبدعةِ
ويقول:
وكلٌّ على نهج السبيل السويّ لم *** يُخالف أمرًا آخذًا بالشريعة
أنواع أهل الولاية من الصادقين مع الله تعالى.
فمنهم مقيمٌ في الأنام …………………………….
هو جالس بين الناس..
………………. وإنه *** لمستورُ عنهم تحت أستار غَيْرةِ
لا يُلتفت إليه ولا يُنظر إليه.
يراه الورى إلا القليل كغيره *** من الغافلين التاركين استقامةِ
ومنهم رجالٌ يؤثرون سياحةً *** وسكنَى مغاراتِ الجبال وقفرةِ
يسيحون من شِعْبٍ، إلى بطن واديٍ *** وكل خرابٍ، والفيافي الخليةِ
ومنهم رجالٌ ظاهرون بأمره *** لإرشادِ هذا الخلقِ نهجَ الطريقةِ
لهم همَّةٌ في دعوة الخلق جملةً *** إلى الله عن نصحٍ ولطفٍ ورحمة
فهم حُجّةٌ للمؤمنين بربهم *** وفيهم لمرتاد الهدى خير قدوة
وحتفٌ على أهل الضلال وحُجّةٌ *** تقوم على أهل الشقاق وشِقوة
وكلٌّ ………………………………………..
وكلٌ: من أصناف هؤلاء الأولياء.
وكلٌّ على نهج السبيل السويّ لم *** يخالِف أمراً آخذاً بالشريعة
وإن الذي لا يتبع الشرعَ مطلقًا *** على كل حالٍ عبدُ نفسٍ وشهوةِ
صريعُ هوىً يُبكَى عليه لأنه *** هو الميتُ، ليسَ الميتُ ميتَ الطبيعةِ
وما في طريق القوم بدءاً ولا انتها *** مخالفةٌ للشرع فاسمع وأنصِتِ
وخلِّ مقالات الذين تخبّطوا *** ولا تكُ إلا مع كتابٍ وسُنةِ
فثَمَّ الهدى والنور والأمن من ردى *** ومن فتنةٍ تُخشى وزيْغٍ وبدعةِ
ومُتبعو حُكم الكتاب وسُنةٍ *** هم المفلحون الفائزون بجَنةِ
عليهم من الرحمن رضوانُه الذي *** هو النعمة العظمى وأَكْبَرْ مِنّةِ
اللهم ارضَ عنا رضوانك الأكبر وازدد عنا رضى في كل لمحةٍ ونفسٍ أبدًا سرمدا يا حي يا قيوم.
ومن حاد عن علمِ الكتاب وسنةٍ *** فبشره في الدنيا بخزيٍ وذلة
وبشره في العقبى بسكنى جهنم *** وحرمان جنات الخلود ورؤية
ألا ما لقلبي كلما ذُكر الحِمى *** وأهل الحِمى من خير عربٍ وجيرة
يهيج به وجدٌ وشوقٌ ولوعةٌ *** شجونٌ لها تجري على الخد دمعة
لا إله إلا هو…
ولله روحٌ خالط الحب كلها *** و مازجها حتى صَبَت للصبابة
وخامرها خمر الغرام فأصبحت *** وأمست على حب الحبيب مقيمةِ
يظن بها من ليس يدري بشأنها *** بأن بها سُكر الخمور الأثيمة
لها أبدًا شوقٌ إلى خير معهدٍ *** به خير عهدٍ في العصور القديمة
يذكرها العهد القديم سماعها *** لترجيع تالٍ للمَثاني الكريمة
ورنة أذكارٍ وصوت مُسبِّح *** ونغمة حادٍ للمطايا المُجِدّة
وتغريد ورقٍ فوق أغصان دوحةٍ *** وتلحينُ شادٍ بالأغاني الرقيقة
كلها مذكّرات تجمعه على المقصود الأعظم.
وكل نسيمٍ هبَّ أو بارقٌ شرى *** وأشيا أرى في سترها حفظ حرمةِ
حذار غبي أو حسودٍ مولّعٍ *** بإنكار أسرار العلوم الدقيقة
لا إله إلا الله…
كما ضل أقوام بها و تخبطوا *** ومالوا عن الدين القويم وشِرعة
وهكذا، قال:
تأخر عنها الأكثر وأعرضوا *** لما علموا في قطعها من مشقةِ
رياضة نفسٍ واعتزالُ عوائدٍ *** وقمع حظوظٍ للنفوس مميتة
وترك الأماني والمرادات كلها *** وكل اختيارٍ والتدابير جملة
وكنس ضمير السر كي يبقى فارغًا *** من الحب للدنيا الغرور الدنية
وتطهيره سبعًا …………………………………….
سبع غسلات إحداهن بالتراب...
وتطهيره سبعًا عن الميل للسوى *** بماء الفناء بَل عنه وغيبة
وجمعٌ على المولى العظيم بترك ما ***عن الذكر يُلهي والتزام العبادة
ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
يقول: "اعلَم أنه ما ثَمَّ دليلٌ يردّ طريقَ القوم، ولا قادحٌ يقدحُ فيها شرعاً ولا عقلاً".
ثم قال في أبيات الأخرى للإمام الحداد:
ماذا يقول المنكرون *** …………….
هذه طريقتنا… أيش عندك؟
ماذا يقول المنكرون *** فيمن له قلب سليم
على جميع المسلمين *** وقصده المولى الكريم
تنكر أيش على هذا؟
ويعتقد في نفسه *** بأنه عبد ذميم
أيش بتنكر على هذا!..
لولا عناية ربه *** لكان بطالا ذليل
الله حسبي وكفى *** قل ما تشا يا ذا الفضول
يقول: "وإنما يردها من ردها بالجهل بها"، ما عرفها، ولو عرفها لكان أول مسابق إليها، "فإن طريق القوم لا تنال بالنظر الفكري ولا بضرورات العقول، وإنما هو نورٌ في القلب يحدُث فيه بواسطة اتباع الكتاب والسُّنة، فيدرك الأمور يقيناً، لا ظناً وتخمينًا".
هذا الذي كان يقول عنه مالك -عليه رضوان الله-: "ليس العلم بكثرة الرواية"، ليس هذا العلم الذي عند الناس قال: "ليس العلم بكثرة الرواية"، أيش العلم عندك يا مالك؟ قال: "نور يقذفه الله في القلب". نور يقذفه الله في القلب، الله أكبر لا إله إلا الله.
وكذا كان يقول قبله سيدنا عبد الله بن مسعود: "ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم بالخشية"، خشية الله تبارك وتعالى هذا هو العلم، لا إله إلا الله.
قال: "بواسطة اتباع الكتاب والسُّنة"، يشرق هذا النور "فيدرك الأمور يقيناً، لا ظناً وتخمينًا". اللهم أكرمنا بنور اليقين وأشْرقه في قلوبنا يا أرحم الراحمين.
[شرحُ البيت الخامس والثَّلاثين]
ثم قال الناظم نفع الله به:
وهذا حِجابُ النفْسِ يصعُب فرْقُه *** وعقلكَ منه وهو للحَقِّ سَاترُ
قوله: "وهذا"، يشير إلى قوله "عما يغاير". أي: يخالف الطريقة المرضيّةَ من كلّ مذموم. هو حجابُ النفس الذي يحجبُها عن إدراك الحقائق، فتصير النفس حينئذٍ حجاباً، لما لها حينئذٍ من الصفاتِ، لأنها من أقوى الحجُب بين العبد وربَّه من حيثُ صفاتُها المذمومة، لا من ذاتها. فإنها إذا تحلّت بالصفات المحمُودة؛ تترقى إلى المقاماتِ إلى أن تصير مطمئنةً، راجعةً إلى ربها. وحينئذ لا يتم للمرءِ زوالُ الحجاب إلا بمعرفَة قدر النفس، ومعرفة ما خُلقتْ له، حتى يقوى على خلاف عادتها.
وقول الناظم: "يصعُب فرقه"؛ أي: يصعُب فرْقُ حجاب النفس، بمعنى مفارقة ذلك الحجاب، يصعب على الكثير إلا بعضِ أهل العنايات، لأن حقيقةَ الحجاب هوى النفس، وهو ثابتٌ بمقتضى داعيتها، فهو داءٌ عضالٌ لازم لها كملازمة الأوصافِ لموصوفاتها، فلا تسمحُ به إلا بعدَ جهد جهيد.
وقوله: "وعقلك منه"؛ عقل، هنا: مصدرُ عَقَل الشيء يعقِلهُ عقلاً، بمعنى شدّهُ. وحاصله: أنه شبَّه ذا الحجَابِ بالمعقول، كما تُعقَل النوقُ فلا تستطيع السير. والمصدرُ حينئذ مضافٌ للمفعول. أي: والعقلُ الواقع فيكَ حتى كأنك بعيرٌ معقولٌ لا تستطيع النهوضَ، كائناً منه، أي من الحجاب.
وقوله: "وهو للحق"، الخ. أي: والحجابُ ساترٌ للحق، وهذا ظاهر."
يقول: "وهذا حِجابُ" المغايرات، هذا ما يغاير ويخالف الشرع المصون، ويخالف النقاء والصفاء والطهر، كل هذه الأغيار "حِجابُ النفْسِ" هذا الذي يغاير حجاب النفس، هذا أكثف الحجب بين العبد وبين ربه، نفسه! فنفوسنا تنازع إلى وجودها كأنه بذاتها، وتنازع إلى أن تستعلي وأن تتكبر وأن تترفع على السِّوى، إلى غير ذلك مما ينازلها من دعوى كاذبة، فهذه النفوس هكذا بطبيعتها. وإنما آخر ما يخرج من رؤوس الصدِّيقين حب الرئاسة، آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة.
وهكذا قال سيدنا العيدروس عن الجاه والمنزلة بقلوب الخلق، قال: ورفض الجاه الذي رفضوه أصعب الأشياء على النفس، أصعب الأشياء على النفس. قد تستخف بكثير من المشقة والعناء الحسِّي، لكن رفض الجاه صعب، صعب عليها وشديد، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله عليه. اللهم يسِّر لنا اليسرى وجنبنا العسرى والطف بنا في الآخرة والأولى.
يقول: "عما يغاير". "أي: يخالف الطريقة المرضية من كل مذموم وهو حجاب النفس الذي يحجبها عن إدراك الحقائق، وتصير النفس حجاباً لما لها من الصفات" الذميمة، "لأنها من أقوى الحجب بين العبد وربه من حيث صفاتها الذميمة" لا من ذاتها، لأنها إذا تحلّت بالصفات المحمودة تترقى:
اللهم اجعل نفوسنا مطمئنة تؤمن بلقائك وتقنع بعطائك وترضى بقضائك.
وهذا الدعاء ورد أنه حتى سبب لحفظ المعارف والعلوم أن تقول ثلاث مرات الصبح: اللهم اجعل نفوسنا مطمئنة تؤمن بلقائك وتقنع بعطائك وترضى بقضائك. وهذا سبب أيضاً لحفظ العلوم والمعارف.
اللهم اجعل نفوسنا مطمئنة تؤمن بلقائك وتقنع بعطائك وترضى بقضائك. إذا كانت كذلك صارت راضية وصارت مرضية، ثم صارت مع كونها مطمئنة وراضية ومرضية.. كاملة. يارب ارفعنا مراتب أهل الكمال، وأصلح لنا كل حال يا جزيل النوال يا ذا الإعطاء والإسداء والإفضال.
يقول: "إذا تحلّت بالصفات المحمُودة؛ تترقى إلى المقاماتِ إلى أن تصير مطمئنةً، راجعةً إلى ربها."، (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) [الفجر:27-28]، "وحينئذ لا يتم للمرءِ زوالُ الحجاب إلا بمعرفَة قدر النفس، ومعرفة ما خُلقتْ له، حتى يقوى على خلاف عادتها."
وخالف النفس والشيطان واعصهما *** وإن هما محّضاك النصح فاتهمِ
ولا تطع منهما خصمًا ولا حَكمًا *** فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
كم حسّنت لذّةً للمرء قاتلة *** من حيث لم يدر أن السم في الدسم
لا إله إلا الله.
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
ما تؤلّفها تألف.. إن كان خير أو إن كان شر؛ تألف، تتعلق به، ما ألّفتها ألِفت.
قال: وحينئذ لا يتم للمرءِ زوالُ الحجاب إلا بمعرفَة قدر النفس، ومعرفة ما خُلقتْ له، حتى يقوى على خلاف عادتها."
وقول الناظم: "يصعُب فرقه"، هذا حجابٌ يصعب فرقه؛ "أي: يصعُب فرْقُ حجاب النفس، بمعنى مفارقة ذلك الحجاب، يصعب على الكثير إلا بعضِ أهل العنايات، لأن حقيقةَ الحجاب هوى النفس".
أوحى الله إلى نبيه من الأنبياء، وهؤلاء الأنبياء في القمة في معرفتهم بالله وأدبهم مع الله، يقول: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26].
وهكذا يقول:
اعْلَمْ هُدِيْتَ وخير العِلم أنْفَعُهُ *** أنَّ اتبَاعَ الهَوى ضَرْبٌ مِنْ الخبَلِ
فَكَمْ وَكَمْ ضلَّ بالأهوَاء وطَاعَتِهَا *** مِن عَاقِلٍ جَامِعٍ للعِلم والعَمَلِ
فلا عاد أفاده علمه ولا عمله، ولا… كما قال سبحانه وتعالى: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأحقاف:26]. حينئذٍ ما عاد تنفعهم عقولهم ولا أسماعهم ولا أبصارهم.
"يصعُب فرْقُه"، "إلا" على "بعضِ أهل العنايات، قال: لأن حقيقةَ الحجاب هوى النفس، وهو ثابتٌ بمقتضى داعيتها، فهو داءٌ عضالٌ"؛ أي: صعب العلاج لا يكاد يُتوصل له على علاج، "لازم لها كملازمة الأوصافِ لموصوفاتها"، من لواز النفس الدعوى والكِبر والتعالي إلا أن تهذب، لا إله إلا الله.
"فهو داءٌ عضالٌ لازم لها كملازمة الأوصافِ لموصوفاتها، فلا تسمحُ به"، يعني: بتركه ومفارقة هذا "إلا بعد جهد جهيد". بعد إماتة هذه النفس، وإحيائها بحياة الإيمان واليقين.
قال:
……………………… *** وعقلكَ منه وهو للحَقِّ سَاترُ
"عقل، هنا: مصدرُ عَقَل الشيء يعقِلهُ عقلاً"، أيش يعني؟ قيّده، قيّد الشيء قيّده تقييدًا، هذا معناه، مثل وضع العقال على الجمل حتى لا يستطيع المشي.
وهكذا هذه العقول التي أنعم الله بها علينا، عليها من الأوهام والخيالات والأهواء عقال، عقال يمنعها عن أن تنتفع بمواهبها وخصائصها التي أعطاها الله إياها، فيكون عاقل، ولكن.. مثل أجفان على العين، إذا أطبقتها ما كأن فيك عين، أطبق الأجفان على العين عاد فيك عين؟ فائدة العين كلها تروح، ما دام مطبق ما كأنك مبصر أبدًا، والعقل كذلك.. ما دام غالب عليه الهوى، والشهوة ما شي عقل.
تقول ولكن أكثر الناس لا يعقلون، إن كان العقل الحسي كلهم مفكرين وصانعين وعبقريين وما يعقلون، ما شيء عقل لهم كما قال الله تعالى، لأن العقول هذه كلها التي اشتغلوا بها في هذه الحسيات معقّلة. لكن إذا صدق الإنسان مع ربه وتوجّه إليه يُفك العقال عن العقل، فيبصر مثل ما يرفع الجفن عن العين، فيشاهد الأشياء.
وهكذا كما قال الحبيب عبد الرحمن بلفقيه:
……………….. *** وتطلق العقلَ عن العِقال
فبَلةٌ من كأسها المختوم *** تملأ رياض القلب بالعلوم
وتحفظ الفهم عن الوُهوم *** وتطلق العقلَ عن العِقال
يفتك عقال العقل فيعقل عن الله أسرار إشاراته، ودلالات كلامه، ومعاني وحيه سبحانه وتعالى، وإذا بالعقل يعقل أشياء كبيرة كان في حجاب عنها. وهي وظيفة العقل هذه لكنه مسكين لما كان معقّل، مثل حتى رِجْلك كذا حد عقّلها ما عاد تقدر تمشي، الرِجْل موجودة وما بها مرض ولا بها شلل، لكن معقّلة، فُك العقال على طول تمشي. تمشي مستقيم ما بك شيء لكن ما دامها معقّلة كيف تمشي؟ ما تقدر تمشي.. والعقول هكذا، لها عقال يعقلها يخليها ما تدرك الحقيقة، ولا تجي حولها، إلى أن يُفَك العقال هذا، لا إله إلا الله.
قال في الرشفات:
طوبى لمن طاب لها استعداده *** وانْحَلَّ مِنْ رِقِّ السِّوَى قياده
فحلّ في عين الحِجا رشاده *** فذاق منها بَلَّةً بِبَالِ
فبلّةٌ من كأسهـــا المختـــوم *** تملأ رياض القلب بالعلوم
يقول في الفرق بين أهل الحق والصدق وبين أهل أرباب الهوى:
حال ذوي الدعوى لهم تفارق *** بنور فرقانٍ يراه الذائق
لا بارتفاع الجاه والخوارق *** ولا بحُسن الوعظ والأقوال
فإنهم كل منيبٍ خاشع *** وكل ذي قلبٍ منير لامع
لا من يشير الناس بالأصابع *** وهو عن السِرِّ المصون خال
فكم خفي في الخلق من مسكين *** قد امتلأ من صفوة اليقين
وهان بين الناس ذو طمرين *** وهو لدى الحق عظيمٌ عالي
وكم أضاع الناس من مجهولِ *** وفاتَ حتى مات في الخموِل
وهو غياث كل ذي مأمولِ *** في أفضل الخِصال والأحوالِ
الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، آمنا به وبما جاء عنه على مراده.
والقلب إن لم يصفُ بالتهذيب *** ويرتوي من مائها العُذيب
خيف عليه القلب في التقليب *** في قبضٍ أو بسطٍ إلى إضلالِ
ومن يكن بكل علمٍ عالِم *** ولم يذقها فهو ساهٍ نائم
وهو عالم كبير!.. قال: هذا ساهٍ نائم، نائم عن الحقيقة؛ عنده يعلم الأصول والفروع ويعلم الرياضيات ويعرف الفيزياء ويعرف الفرائض ويعرف النحو، لكنه ما ذاق شيء من هذا، قال هذا ساهٍ نائم، ما هو حول حقيقة العلم، ومن لم يذقها فهو ساهٍ نائم.
فخَف عليه ما يخاف الهائم *** عند كفاح الموت والأهوال
الذي تخافه على الهائم في الطريق ما هو داري أين يمشي، قال تخاف عليه عندما يجيئه الموت والغرغرة، إيش يكون حاله وقلبه إلى أين يروح؟ بأي شيء يختم له عمره؟ وأين يقلب قلبه إذا ما ذاق هذا الذواق؟ لا إله إلا الله…
والقلب إن لم يصفُ بالتهذيب *** ويرتوي من مائها العُذيب
خيف عليه القلب في التقليب *** في قبضٍ أو بسطٍ إلى إضلالِ
يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك.
ومن يكن بكل علمٍ عالِم *** ……………
كل علوم أخرى..
……………… *** ولم يذقها فهو ساهٍ نائم
فخَف عليه ما يخاف الهائم *** عند كفاح الموت والأهوال
قال في شرحها: كل من تبحر في علوم الشريعة ولم يذق شراب المحبة والمعرفة فهو خالٍ عنها كالنائم غائب الإحساس عن معرفتها وذوقها.
من أين نجيبها؟ قال:
ونيلها من منح فيضٍ وهبي ***...........
يا فتاح يا منّاح يا وهّاب..
………….*** أو فتح فضلٍ بعد جدٍّ كسبي
كسبي؛ اجتهاد.. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) [العنكبوت:96].
ونيلها من منح فيضٍ وهبي *** أو فتح فضلٍ بعد جدٍّ كسبي
لا من روايات الورى والكتب *** ولا بقيلِ علمها والقال
طوبى لمن طاب لها استعداده *** وانْحَلَّ مِنْ رِقِّ السِّوَى قياده
فحلّ في عين الحِجا رشاده *** فذاق منها بَلَّةً بِبَالِ
فبَلةٌ من كأسها المختوم ** تملأ رياض القلب بالعلوم
وتحفظ الفهم عن الوُهوم ** وتطلق العقلَ عن العِقال
أكرم بأقوامٍ لها استجابوا *** ……………………
ارزقنا الاستجابة..
أكرم بأقوامٍ لها استجابوا *** وطاب معناها لهم إذ طابوا
ذاقوا حميَّا كأسها فغابوا *** عن الورى في حضرة الوصال
خلَّوا لها كل هوى وخَلَّه *** وأخلصوا كل ولاً وخِلة
واتخذوا وجه الحبيب قبلة *** وأقبلوا بأصدق الإقبال
فرُّوا على تجريد معنى الصدق *** وأفردوا القصد لوجه الحق
(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ)
فوصلوا عند انقطاع الخَلق *** واتصلوا بأفضل الإفضال
وسافروا بأقوم استقامة *** طووا مقاماتٍ بلا إقامة
على طول يمشون…
إلى يفاع الفيض والكرامة *** ومستوى التنزيل والإنزال
ونزَّهوا عما سوى المحبوب *** نواظر الألباب والقلوب
فامتلأت من باهر الغيوب *** وأشرقت من بهجة الجمال
صَفَوا عن الأكدار في الأذواق *** واتصفوا بأكرم الأخلاق
ثم اصطُفوا للوصل والتلاقي *** في حضرة التقديس والإجلال
لما خَلَوا عن كل طبعٍ نفسي *** ثم تحلَّوا كل معنى قدسي
حَلُّوا بروضات الرضا والأنس *** عند مليكٍ في مقامٍ عالي
بانت لهم من نوره الأنوار *** وانفتحت من سِرِّه الأسرار
واتّضحَت سبل الهدى فساروا *** فيه به فوق ذرى المعالي
أحبَّهم فاختارهم لنفسه *** ثم كساهم من معاني قُدسه
وعمَّهم بجُوده وأُنسه *** فهم له وهو لهم موالي
فهم له بين الورى ضنائن *** خزائن والأسرار والأمائن
قد صانهم عن عين كل عائن *** وقد عَلَوا عن مطمح الأنذال
يقول قومٌ عن هُداهم ضلوا *** قد عُدموا في عصرنا أو قلُّوا
وقالوا: ما عاد حد في الوقت هذا..
فقل لهم: كلا، ولكن جلُّوا *** عن أن تراهم أعين الجهّال
فكيف يخلو عالم الشهادة *** عنهم وهم فيه الهداة القادة
قد حفظ الله بهم عباده *** و صانهم في سائر الأحوال
فهم لفيض فضله شعوبُ *** تحيا بهم بنوره القلوب
وتُغفَر الزلات والذنوب *** وتُدفَع الآفات في الأهوال
فوصفهم فضلٌ بلا فضول *** وعَرْفُهُم نفعٌ بكل نَول
واستتروا بجُنَّة الخمول *** عند ظهور الغيِّ والضلال
فلا يزال الدهر منهم قوم *** بسرِّهم أمر الورى يقومُ
ورحمة الله بهم تدوم *** بكل غيثٍ وابلٍ هطّال
بعَرْفهم يعرِفُ عِطْرَ القُرب *** كل محبٍّ في هواهم صبِّ
بسمتِ حَقٍّ من سِمات القُرب *** وذوقِ معنىً جلَّ عن جِدال
إذا رُؤوا يُشهَر ذِكرُ الله *** فهو لهم سِيما على الجباه
يُعرَف معناهم بلا اشتباه *** من حيثُ ما يُعرف ذو الجلال
لهم من التقوى أجلُّ زينة *** عند لِقاهُم تنزل السكينة
وتحصل الجمعية المبينة *** فتُجذب الألباب بانفعال
حال ذوي الدعوى لهم تُفارق …………………..
لا إله إلا الله... اللهم أعذنا من الدعاوي والبلاوي.
ويقول:
وكم بحسن الظن من إمداد *** قد ناله من كان ذا اعتقاد
في خاملٍ إمام حقٍّ هادِ *** يرونه الناس من الجُهَّال
فإنَّ فيض فضله في الناس *** جلَّ عن التقييد والقياس
طُرُقُه بعدد الأنفاس ***وجُوده جارٍ بكل حالِ
سبحانه..
فليس يختص بذي أنساب *** ولا بأهل الجدِّ والأسباب
بل فيض فضلِ منعمٍ وهّاب *** فيه النساء يقسمْنَ كالرجال
فويح غمرٍ شامتٍ بالحق *** يقول قد مات رجال الصدق
وما بقي من بعدهم في الخلق *** إلا رسوم الحال من مَحَال
فلم تزل من رحمة الرحمن *** ونفحات الجود والإحسان
سوابغٌ أعلَت ذوي نقصان *** وبلَّغت آمالَ ذي آمال
كم قرّبت من معرضٍ وقاصي *** وأنقذت من زائغٍ وعاصي
فصار بعد البُعد ذا اختصاص *** وفاز بالقُرب بلا إعِجال
وكم دَنَت من دَيِّنٍ ذي جَدِّ *** ونالها بالصدق والتصدِّي
وخاب من في غفلةٍ وبُعْدِ *** لمَّا تمنَّاها بلا إقبال
لا إله إلا الله…
ولم يزل للحق سِرٌّ ساري *** بالجود والألطاف والأسرار
من عالَم التقديس والأنوار *** في عالم الأجسام والأشكال
وذاك بالفضل وبالإحسان *** سرُّ وجود الجوهر الإنساني
وأنه خليفة الرحمن *** في الأرض للتنزيل والإنزال
لا إله إلا الله…
فقد كساه علمه ونوره *** وخصَّه منه بأولى صورة
فصار ختماً فيه جمع الدوره *** وفيه كل الأمر بالإجمال
وقد حوى في حجمه الصغير *** كل معاني العالم الكبير
وصار في المعنى وفي التصوير *** كنسخةٍ في الوضع والمثال
فخُصَّ بالتفضيل والتكريم *** …………………..
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء:70].
……………… *** وخَلْقِهِ في أحسن التقويم
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4].
ونور عقلٍ حاكمٍ حكيم *** أطاع في الإدبار والإقبال
فحمل التكليف والأمانة *** وقد أباها غيره استكانة
علا بها فوق الورى مكانه *** إذ كان أهلاً للخطاب العالي
وإن يكن في الجسم كالبهيمة *** فإن فيه درةٌ يتيمة
لطيفةٌ علويةٌ عظيمة *** من عالم الآمِر من الجلال
سرٌّ شريفٌ باهرٌ رباني *** وجوهرٌ مقدّسٌ نوراني
معروفةٌ عند ذوي العرفان *** من غير تكييفٍ ولا مثالِ
فلا تحرمنا يا رب خير ما عندك لشر ما عندنا.
[شرحُ البيت السادس والثَّلاثين]
ثم قال الناظم نفع الله به:
فمُتْ في الهوَى تحيَ وأغمِضْ عن السّوى *** تقَرُّ بذاك الوجْهِ منكَ النّواظِرُ
أي: مُتْ في الهوى لتحيا. والمراد بالهوَى هنا: المحبة الإلهية التي توجب الإقبال إلى المحبُوب، ورفض ما سواه. و"تحيَ" جوابُ الأمر، لكن أُشبعت فيه الياء. أي: كن فانياً في هوَى المحبوبِ الحقيقي؛ تحيا حياةَ السعداء.
وقال بعضهم في هذا المعنى:
موتُ النفوسِ حياتُها *** من رامَ أن يحيا يمُوتْ
وفيه إشارة إلى قوله: "موتوا قبل أن تموتوا".
ومما لا خفاءَ أن المحبةَ الإلهية هي التي حرّضت النفُوسَ على القتال، حتى قُتلت في سبيل الله، فنالت بعد ذلك الحياةَ الدائمة الطيبة. قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران:169]. فمن سلك مسلكَ الهوى الإلهيِّ فقد التحَق بهؤلاء السعداء، وفاز بسعادة الدارين. إذ الهوى المقبولَ من أسباب الوصول.
وقوله: "واغمض عن السوى"، كنايةٌ عن ترك النظَر إلى ما سوى الله. وذكرتُ، والشيءُ بالشيء يذكَر، حالَ تعليقي هذا الشرْحَ اللطيفَ، قول سيدي العارف بالله والدال عليه، عليّ بن محمد بن حسين الحبشي، في قصائده التي امتدح بها الرسول ﷺ:
عرفتُ له وداً تمكَّنَ في الحشَا *** فيا مُهجَتي إياكِ من نظرةِ الكونِ
لا إله إلا الله.
يقول: "فمُت في الهوى تحيَ". بغيت الحياة؟ مُت في الهوى، مُت في محبته تحيا. ولهذا قال سيدنا أبو بكر العدني العيدروس: ومتُّ فيه فعُدتُ حيا، وكل حيٍّ سواي فاني، الذي ما حيي بهذه الحياة ماشي منهم… لا إله إلا الله. (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24].
"فمُتْ في الهوَى تحيَ"
كيف هذا طريق الموت؟ قال: "حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، فقال: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء:65]، مُت… تحيا.
فمُتْ في الهوَى تحيَ وأغمِضْ عن السّوى *** تقَرُّ بذاك الوجْهِ منكَ النّواظِرُ
" أي: مُتْ في الهوى لتحيا"؛ يحيا قلبك، مُت عن هواك وشهواتك يحيا قلبك بأنوار المعارف واللطائف. وأما الموت في الهوى المطلوب، وهو أن تهوى قربه ووصاله ومحبته سبحانه وتعالى، فنِعْم الهوى هذا. هذا هو الرافع ما هو الثاني الخافض.
"المحبة الإلهية التي توجب الإقبال إلى المحبُوب، ورفض ما سواه". فهكذا صارت أهواؤهم وشهواتهم محبة القرب من الرب ورفض ما سواه.
"و"تحيَ" جوابُ الأمر، لكن أُشبعت فيه الياء." تحيَ من دون مد لأنه جواب فهو مجزوم، لأنه جواب الشرط "فمُتْ في الهوَى تحيَ"، لأن الجزاء هذا.. أي: تصير حيًا، "أي: كن فانياً في هوَى المحبوبِ الحقيقي؛ تحيا حياةَ السعداء."
اللهم أحْيِنا حياة السعداء حياة من تحب بقائه، وتوفنا وفاة الشهداء وفاة من تحب لقائه.
موتُ النفوسِ حياتُها *** من رامَ أن يحيا يمُوتْ
فإذا ماتت النفس حيَّ القلب. وفيه إشارة إلى قوله: "موتوا قبل أن تموتوا"، وهو من كلام بعض الصالحين. وفي الحديث: "توبوا قبل أن تموتوا"، والتوبة موت النفس عن قصد الذنوب وعن إرادتها.
يقول: "ومما لا خفاءَ أن المحبةَ الإلهية هي التي حرّضت النفُوسَ على القتال، حتى قُتلت في سبيل الله، فنالت بعد ذلك الحياةَ الدائمة الطيبة. قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران:169]."
(وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ) [البقرة:154]. "فمن سلك مسلكَ الهوى الإلهيِّ"... قال:
وأصبو ثم أصبو ثم أصبو *** ولا كالصبوات العذريه
وليست للغواني والأغاني *** ولا للشهوات الدُّنيويه
ولا للفانيات بأي معنى *** ولكن للأمور العُلويه
حقائق من رقائق قد تسامت *** بأوْج الحضرات القُدسيه
مناظر للنواظر من قلوبٍ *** مطهرة زكياتٍ نقيه
وأرواح تطير إلى عُلاها *** بأجنحة الغرام المقعديه
فتسرح في رياضٍ من جنانٍ *** وتأوي للقناديل المضيَّه
فوا شوق الفؤاد لخير عيشٍ *** مع الأحباب في الغرف العليه
عسى الرب الكريم بمحض فضل *** يبلغنا أقاصي الأمنيه
آمين يا الله.
قال: "إذ الهوى المقبولَ من أسباب الوصول."، وهو تولّع قلبك بمحبة ربك -جل جلاله-.
"وأغمِضْ عن السّوى"؛ كناية عن ترك النظر إلى ما سوى الله.
فمُتْ في الهوَى تحيَ وأغمِضْ عن السّوى *** تقَرُّ بذاك الوجْهِ منكَ النّواظِرُ
أي: تقر عينك برؤية تلك الوجهة إلى الرحمن -جل جلاله-، ومن خير ما يبدو لك في أسرار وجهتك إليه وقربك منه.. وجه حبيبه محمد ﷺ.
ليته خصَّني برؤية وجهٍ *** زال عن كل من رآه الشقاء
له ذات لو شافها الأعمى شُفي من عماه
وذكرتُ، والشيءُ بالشيء يذكَر، حالَ تعليقي هذا الشرْحَ اللطيفَ، قول سيدي العارف بالله والدال عليه، عليّ بن محمد بن حسين الحبشي"، وهو أحد شيوخه "في قصائده التي امتدح بها الرسول ﷺ:"
عرفتُ له وداً تمكَّنَ في الحشَا *** فيا مُهجَتي إياكِ من نظرةِ الكونِ
انقطعي عن الأكوان بأجمعها، وكما قال:
قسم بالنجم حين هوى *** ما المعافى والسقيم سوا
فاخلع الكونين عنك سوى *** حب مولى العرب والعجم
……………………. *** فيا مُهجَتي إياكِ من نظرةِ الكونِ
اخلعي الكونين عنك سوى حب مولى العرب والعجمِ، صلوات الله وسلامه عليه.
يا لطيف اللطفاء، أنت الرحيم بالضعفاء، لا إله إلا أنت، فارحم ضعفنا، وارحم عجزنا، وارحم انكسارنا، وارحم ذلّتنا، فليس لنا إلا أنت في جميع شؤوننا وتقلباتنا وأطوارنا، فبحقك عليك وبأسمائك وذاتك وصفاتك العلا وحبيبك المصطفى ﷺ وأهل حضرة المقربين إليك، انظر إلينا وأقبِل بوجهك الكريم علينا، قربنا إليك زلفى واجعلنا في أهل الصدق وأهل الوفاء وارزقنا كمال النقاء، وكمال الطهر وكمال الصفا، شرّفنا يوم شرف الشرفاء، وارفعنا على المراتب الأئمة الحنفاء، وارفعنا من خواص من كنت لهم بما أنت أهله في كل ظاهر وفي كل خفاء.
ومحوت عنهم ظلمات النفوس والأوهام والخيالات وأطلقت عقولهم عن عقالات الالتفات إلى ما سواك من جميع الكائنات، وكانوا لك وكنت لهم في جميع الأحوال في جميع الحالات، فنازَلهم في كل حال وحالة من عجائب منازلاتك مالا تنتهي إليه أوهام ولا خيالات، وعاملتهم بما أنت أهله يا عظيم الصفات يا من ليس كمثله شيء.
لا إله إلا أنت، تباركت وتبارك ما جُدت به على محبوبيك، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيا رحمن يا رحيم وفّر حظنا من هذا الخير العظيم والمنّ الجسيم، لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا يا كريم، أدخلنا في دائرة الحبيب الكريم مع خواص أهل التكريم من كل ذي قلب سليم، وقدمٍ على الهدى مستقيم.
اللهم تولّنا حيثما كنا، وخذنا عنا وعن كل شيء حتى لا نرى سوى متقدس اللاهوت، ونصفو مع من يصفو، ونرقى مراقي خواص أهل الحياة الكبرى مع من أحييت من عبادك أهل ودادك، ضاعِف لنا منك الهبات، وأجزل لنا منك العطيّات، وافتح لنا أبواب المواصلات، واربطنا بشريف الذات، ربط لا ينحل في جميع الآناء والساعات، وجميع الأقوال والأطوار في الظواهر والخفيات، يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات يا رب الأرضين والسماوات.
سألناك يا مولانا ورجوناك بأيدي الافتقار والإنابة والإخبات، علمنا أن لا رب لنا غيرك وهرعنا إلى بابك، وكل ذلك منك بتوفيقك لنا وجودك علينا، فأتمم نعمتك علينا وافتح الباب وارفع الحجاب، وارفعنا مراتب الاقتراب واسقنا من ذاك الشراب، واسقنا من ذاك الشراب، واسقنا من ذلك الشراب، شراب الأحباب الأطياب من المقربين العارفين الأوتاد الأبدال الأقطاب.
اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تُهِنّا، وآثِرنا ولا تؤثر علينا، وكن لنا حيثما كنا وأينما كنا بالفضل والإحسان وبواسع الامتنان.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد ﷺ
يغفر أوسع المغفرة للشيخ علي بن سالم بن سعيد، يجمعنا به في أعلى الجنان، وأن الله يتقبل جميع حسناته، ويضاعف كل حسنة منها، ويتجاوز عن جميع سيئاته ويبدل كل سيئة من سيئاته حسنات، ويتحمل عنا وعنه جميع التبعات، وأن الله سبحانه وتعالى يبارك في أولاده ويسير بهم مسار أهل الصلاح والفلاح، وأن الله سبحانه وتعالى يكرم مثواه ومنزلته عنده، يكرم نزله، ويوسع مدخله، وأن الله سبحانه وتعالى يغسله بالماء والثلج والبرد، وينقه من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، ويخلفه على أهل بلده والمسلمين بخلف صالح، وأن الله يحول أحوال المسلمين إلى خير حال، ويرحم موتانا وأحيانا بالرحمة الوسيعة وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.
02 صفَر 1448