شرح قصيدة ( لذاتي بذاتي ) - 13 | ملحق: شرح رؤيا الشيخ عبدالله باكثير، وذكر الاحتجاج بالقضاء والقدر

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثالث عشر - الأخير - للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: ( لذاتي بذاتي ) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء الجمعة 3 ظفر الخير 1448هـ

ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُلله، وبه نستعين على أمور الدنيا والدين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد؛ 

ففي ليلة من ليالي شهر الله المحرم الحرام عام ألف وثلثمائة وسبع وثلاثين، رأى الشيخُ الفاضلُ المنوّر، المعدود إن شاء الله تعالى من العلماء العاملين، عبد الله بن محمد بن سالم باكثير، كأني أوصيه بجُملةِ وصايا في رؤيا منامية. ومنها هذه الكلمات الآتية، فاستيقظَ وقد أثّرت عنده، وأشار إليَّ بإيضاح ما انطوى فيهن من المعاني والإشارات الذوقية.

وأرجو أن تكون هذه الرؤيا ملَكيةً، وهي التي أشار إليها الشارعُ بأنها جزءٌ من ست وأربعين جزءاً من النبوة، ولعلها إن شاء الله لأشارة الترغيب، وفقني والشيخَ المذكور لمرضاة الله، ونظمنا في سلك عباده الصالحين، ورزقنا وإياه الاتباع لسيد المرسلين، آمين.                              

[كلمات الرؤيا]

وحاصِلُ ما فهمه المُوفّق من تلك الوصَايا هذه الكلمات، وهي:

"إذا نظرت إلى مساوئ الناس فليكن الغالبُ عليك النظرَ إليهم بعين الحقيقة، كيلا تحتقرهم. وانظر إلى نفسك بعين الشريعة كي تمقُتَها، ولا ترضى عنها. وإن لم يكن فيك ما فيهم"، انتهى.

ولا بأس بإيضاح ما تيسَّر منا في هذه العجالة، مع قصور الفهم، لما فينا من القصور والتقصير، ولكن الميسور لا يسقط بالمعسور.

اعلم أن الشريعةَ المحمدية هي الأوامرُ والنواهي، وقد جاءتْ بتكليف الخلق ليمتثلوا فيُثابوا، أو يخالفوا ويعاقبوا. والله سبحانه وتعالى هو الخالقُ لأفعال العباد، كما يعتقد أهلُ الحقّ، فكل شيءٍ عنده بمقدار، قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:96]، وقال تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) [النساء:78].

والعبدُ يعاقب على ترك المأمور وعلى فعل المنهيِّ، اعتباراً بظاهر الكسب. وأما الحقيقةُ فشهودٌ لما قضى الله وقدَّر، وأخفى وأظهر. وإن شئت فقل: هي النظرُ لبواطن الأمور، وشهود الفعل عن الله، قال تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

  • فقول العبد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، حفظاً للشريعة من حيث أضاف العمل لنفسه. 
  • وقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إقرارٌ بالحقيقة من حيث تبرؤه من القيام بشيءٍ من عبادته، وافتقاره فيها إلى عَون ربه.

 

الله أكبر.

الحمد لله الخالق المنشئ المبدئ المعيد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الفعال لما يريد، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله وخير العبيد، سيد أهل حقيقة التوحيد، أهل التكريم والتمجيد، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وصحبه الأجاويد، وعلى من تبعهم بإحسان ومشى على دربهم الرشيد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل المنزلة لدى ربنا الحميد المجيد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعد،

فيتكلم سيدنا الإمام أحمد بن أبي بكر بن سميط عن وصايا تلقاها عنه في المنام تلميذه؛ العالِم العامِل الموفق المنور: عبد الله بن محمد بن سالم باكثير، أحد تلامذته، أخبره أنه رآه ويوصيه بوصايا، وحفظ منها هذه الوصية.

يقول له: "إذا نظرت إلى مساوئ الناس فليكن الغالب عليك النظر إليهم بعين الحقيقة كي لا تحتقرهم، وانظر إلى نفسك بعين الشريعة كي تمقتها ولا ترضى عنها، وإن لم يكن فيك ما فيهم."، فهكذا طلب من شيخه أن يشرح له معاني هذه الوصية التي تلقاها منه في النوم.

وفيه أن أرباب الصدق مع الله والوجهة إليه، يشتغلون بالخيرات والمبرَّات والإرشادات والتعليم والتزكية في اليقظة وفي المنام.

وبذلك أيضًا ما أشار إليه من أن شأن الرؤيا واعتبارها في الشريعة، إذا كانت موافقة لأمور الشريعة. 

  • الشرط الأول: أن لا تخالف شيئًا من أمر الشرع المصون وما جاء به الأمين المأمون ﷺ  
  • ثم بحسب ما تكون من صالح وصادق تكون لها معاني وتأويلات؛ فلا سبيل: 
  • لإسقاط اعتبارها من كل وجه.
  • ولا سبيل لأن تكون حاكمة على أحكام الشريعة.
  •  ولا أن تتحول بها سنة إلى غيرها.
  •  ولا يتحول بها حرام إلى مباح.
  •  ولا يتحول بها واجب إلى سنة ولا إلى حرام ولا شيء من ذلك.

 بل يبقى الأمر على ما هو عليه. والشريعة حاكمة على أهل اليقظة وأهل المنام، ولا عبرة برؤية أحد إن خالفت شرع خير الأنام ﷺ، ولكن لها اعتبارات من حيث دلالات وإرشادات وتوجيهات وتنبيهات مندرجة مندمجة منطوية في نصوص الكتاب والسنة، وما جاء به سيد أهل الفطنة، حمايتنا وحرزنا من كل فتنة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ثم أخبرنا القرآن أن من الرؤيا ما يكون له اعتبار في ترتيب الأحوال وشؤون العامة والخاصة. (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ)، ومَن عنده من أهل العلم قالوا: ما نعلم لهذا تأويل، وهذا أضغاث الأحلام.. فلما عُرضت على سيدنا يوسف الصدِّيق قال: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ).

وكان قذْفُ الله الرؤيا في قلب ذلك الملِك تمهيدًا لخروج يوسف من السجن. فلما جاءوا له بتأويله قال: هاتوه، ائتوا به إليّ، (ائْتُونِي بِهِ). فلما جاءه الرسول يقول له: يقول لك الملك: اخرج، قال: أول قل له يسأل أيش سبب دخولي في السجن، واسأل النسوة اللاتي قطعن أيديهن: هل جرى مني شي؟ أو كان مني موجب للسجن؟ كيف أخرج من دون براءة؟! فرجع إليه، فلما جَمَعَهُنَّ.. (قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ) وأقرّت امرأة العزيز بما كان منها، وقالت: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) فقال الملك: (ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ) [يوسف:43-55] فجعله على خزائن الأرض، فرتَّب الترتيب على حسب هذه الرؤيا. 

ثم جاءتنا السُّنَّة الغراء بأن رؤيا الرجل المؤمن الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. ثم إن هذه المرائي كالواردات على القلوب وغيرها، ميزانها الشرع المصون، ولا يُقبل منها إلا ما وافق. 

وهي من الصادق والتقي الصالح أقرب إلى الحقيقة وقد تحتاج إلى تأويل، وهذه الرؤيا واضحة أنها رؤيا هدى وأنها رؤيا نور. 

  • فإنه يحضر المرائي الصالحة الملائكة ويفرحون بها. 
  • كما تحضر أضغاث الأحلام والمرائي الخبيثة الشياطين. 

ولا أثر للملَك ولا للشيطان مستقلًا، وإنما يجعل الله هذه على يد المَلَك أو على يد الشيطان بحال حضورهم إياها ورضاهم بها فقط، والفعل لله تعالى سبحانه.

وهكذا فلما قصَّ عليه الرؤيا وطلب منه أن يوضح ذلك كَتَبَ، في ذلك هذه الرسالة في إيضاح معاني ما بُثَّ له في الرؤيا من هذه الوصية.

  • أنه في مساوئ الناس يكون الغالب عليه النظر إليهم بعين الحقيقة. 

وهي أنهم عباد مسخرون، وأن الله يسيرهم فيما شاء، ويوجه اختياراتهم ومراداتهم التي يقوم عليها التكليف إلى ما سبق لهم عنده وعلمه من اختياراتهم ومشيئاتهم فتسير كما سبق في علمه -جل جلاله وتعالى في علاه-. وهذا من معاني قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)، ويقول للنبي: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) [الأنفال:17]. فيقول: عند النظر بهذه العين تعذر الخلائق، وتعرف ضعفهم وعجزهم ولا تتحامل عليهم، وتؤدي واجبك بينك وبين الله مما يتعلق بالنصح، وما قدرت عليه من تطهير ومن تصفية وما إلى ذلك، من دون أن تجزم على أحد بسوء ولا تسيء الظن به، فإنك لا تدري بعواقبه وخواتمه، فالأمر لله تبارك وتعالى.

ذكر -عليه رحمة الله- في مقدمة شرح هذه الوصية: 

  • أن أفعال العباد منسوبة إليهم بطريق الكسب، (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). 
  • وأن الخلق مخصوص بالله الخالق. 

فلا يستطيعون خلق الشر ولا خلق الخير. بمعنى: التفرد والاستقلال بإنشائه وإيجاده، بل الله يوجده ولهم فيه كسب من حيث إراداتهم التي أعطاهم الله إياها واختياراتهم التي أعطاهم الله إياها وقدراتهم التي أعطاهم الله إياها، فلهم فيه كسب وإرادة، (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة:286]

وتقدم معكم شرح شيء من ذلك في أثناء القصيدة، وما كان أيضًا من قول الجبائي والإسفراييني عندما تلاقوا عند الأمير، وقال الجبائي هذا المعتزلي قال: الحمد لله الذي يتنزه عن الفحشاء، فقال له أبو إسحاق الإسفراييني: والحمد لله الذي لا يكون في ملكه إلا ما يشاء. فقال: أوَيريد ربنا أن يُعصى؟ فقال: "أويُعصى ربنا قهرًا؟! بالقوة يعني؟ يفرض على الله شيء؟ أستغفر الله!… قال: أفرأيت إن منعني الهدى ولقّاني الردى أحسن إليَّ أم أساء؟ قال: إن منعك ما هو لك فقد أساء إليك، وإن منعك ما هو له فله أن يفعل في ملكه ما يشاء. ما عاد عرف يقول شيء هذا، فالخَلق خلق الله -تبارك وتعالى-، ولنا اختيارٌ نحاسَب عليه يقوم به التكليف بعد ذلك.

وما من عاقل في الدنيا لا يفرق بين حركة الإنسان الاضطرارية من ارتعاش يرتعشه لعلة فيه، وحركته الاختيارية، يرفع هذا، ويحط هذا، ويتناول هذا… فرق. فهذاك مسلوب الإرادة فيه، فلا يُحاسَب عليه، ولكن ما له فيه إرادة فتكون المحاسبة عليه.

وهكذا وأشار إلى ما جاء في ذلك في الكتاب من قوله: 

  • (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:69]. 
  • (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) [النساء:78] جل جلاله.

وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وأشار إلى ما في الفاتحة من إقامة هذا المعنى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وأنه مراعاة لأمر الشريعة وحفظًا لها وأضاف العمل إليهم (نَعْبُدُ)، وثم للإقرار بالحقيقة أتبعها بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فما قدرنا أن نعبدك إلا بمعونتك، (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ) [النور:21]. (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف:23].

 

[الاحتجاج بالقضاء والقدر]

وليس للعبد أن يحتج بالقضاء والقدر، فإن المولى سبحانه وتعالى لم يطالب عباده يوم القيامة بالقدَر، وإنما يطالبهم بأمره ونهيه، ولله الحجة البالغة على عباده، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:23]. فإثابته فضلٌ منه، وتعذيبه عدلٌ منه.

ثم الناظر إلى مساوئ الناس، فتارةً ينظر إلى المسيء منهم بعين الشريعة، فينسب الأفعال إليه بحسَب الصُورة، ويراه عند المخالفةِ أنه تجرأ على الله بمخالفته أمرَه، وفعله ما نهَى عنه، وأنه تعرض لسخط الله، فيحتقره لذلك، وينقّصُ ذاته بما ارتكبه من الخطايا، وهذا غلط والذي ينبغي منه: أن ينكر عليه، ويستقبح فعله، لا تحقيره وتنقيص ذاته وتعييره.

وقد قالوا بجواز الاحتجاج بالقدَر لمنع التعيير فقط، واستدلّوا على ذلك بقصة سيدنا موسى وسيدنا آدم عليهما السلام كما في "البخاري": أنهما اجتمعا في عالم الأرواح أو الأشباح، فقال موسى لآدم: أنت أبو البشر الذي أخرجتنا من الجنة بخطيئتك! فقال له: ألم تجد في "التوراة" أن الله قدَّر ذلك عليَّ، أي: كتبه في اللوح المحفوظ، قبل أن أُخلق بأربعين سنة؟ ولذلك قال  بعد أن أخبر بهذه القصة: "فحجَّ آدمُ موسى"، أي: غلبه، انتهى.

ولما تقرر أنّ الذي ينبغي هو الإنكارُ على المسيء لا تحقيره وتنقيصُه أوصى الموصي أن لا يُنظر إلى مساوى الناس بعين الشريعة المحْضَة التي مقتضاها إسنادُ الفعل إلى الفاعل، لأن ذلك مقتض لذمِّه وتحقيره ذاتًا.

وأفهَم التقييدُ بالأغلبية، حيث قال: "فليكن الغالبُ عليك النظَر إليهم بعين الحقيقة": أن نظرَهم بعين الشريعة مطلوبٌ أيضاً، ليستقبح الفعل وينكر على فاعله.

وإنما يكون النظر بعين الحقيقة هو الغالب، يعني: غلبةَ الشهود. فيراعي المقامين، أي: الشريعة والحقيقة. فبمراعاة الأولى يكون كارهاً لما فعله المسيء من المخالفة، كما هو شأن كل مؤمن. قال تعالى: (وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) [الحجرات:7]. وهذا السر موجودٌ في كلّ من كان فيه وصفُ الإيمان، فإنه يبغضُ أهلَ المعاصي وإن عمِل بعملهم، ويحبُّ أهل الطاعات وإن لم يعمَل بعملهم، ولإمامنا الشافعيِّ -تغمده الله برحمتِه- كلام عجيبٌ منظومٌ في هذا المعنى وهو قوله:

وأكرهُ من بضَاعتُه المعاصِي *** وإن كنا سواءً في البضَاعةً

والمرادُ بالغالب: أن يكون حالُ العبد في الإيمان بقلبه غالباً، حتى يصير مشاهداً بقلبه لربه. وقيل: 

  • كلّ شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول. 
  • وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصُول. 

ولهم تعبيرٌ آخر في هذا. فقد ظهر لكَ ما يكون في العبد بمراعاة الشريعة كما تقرّر.

وأما الحقيقة؛ فبمراعاة العبد لها يعلمُ يقينًا أنه عاجزٌ عن التنصل والتخلّص مما كُتب عليه، وأنه مكرَهٌ في نفس الأمر، وإن عوقب بمخالفته الشريعة بظاهر الكسب، فتفطّن لهذه الدقائق، فإن في هذه المواضع مزلةُ الأقدام، وموقف الأفهام، من حيثُ الحكمة. وحينئذٍ لا يحقّر المرء ذات المسيء وإن كان يستحق الذمَّ من حيث إسناد الفعل إليه، والمؤاخذة به، كما هو شأن الشريعة.

وينبغي أيضًا، أن لا ينظر بعين الحقيقة المحضة، لئلا يشُمَّ للجبرية والقدرية رائحةً، قال سيد الطائفة الجنيد -قُدِّس سره-: "إياك أن تقفَ في حضرة شهُود الفعل لله وحدَه دُون عبادة، فتقع في مهواةٍ من التلف، ولا ترى مع ذلك ذنبًا فتهلك مع الهالكين"، انتهى.

 

يقول: ولا يجوز لأحد أن يحتج بقضاء الله وقدره، فذلك شؤون إلهية ربانية مرجعها إلى الله، وخطابنا وتكليفنا والعتاب علينا والثناء علينا كله متعلق بما جعله الله في هذه المنطقة؛ منطقة الإرادة والاختيار والقدرة التي آتانا إياها. 

  • فعليها يقوم أمر العتاب، لا يرتفع لأجل القضاء والسابق والقدر. 
  • وكذلك عليها يقوم أمر الثناء والإحسان والثواب، لا ينقص منه شيء سابقة القضاء والقدر. 

سابقة القضاء والقدر أمور إلهية وشؤون ربانية، أيش دخل العبد بها؟ ما له دخل، يفعل ما يريد. نسألك نحن عن هذا الشأن: شأن اختيارك، شأن كسبك، شأن إرادتك، شأن توجهك، ماذا عملت فيه؟ فما كان من خير تُحمد عليه، وما كان من شر تُذَمُّ عليه. سابقة القضاء والقدر ما له دخل فيها ذمك ولا حمدك. هو الذي رتب، أنت اختار كذا أو كذا، ورتب ذمَّك على اختيار ذا، ورتب حمدك …، هذه شؤون إلهية، أنت مسؤول عن الإله؟ أو مسؤول عن نفسك؟ أنت مسؤول عن نفسك، أسألك عن نفسك تقوم تجيب لي رب العالمين؟! -سبحانه وتعالى- كأنك مسؤول عنه! لا أنا ولا أنت مسؤول عنه، بل هو الذي يسألنا، لأنه إلهنا ونحن عبيده. (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) لأنه إله (وَهُمْ يُسْأَلُونَ) لأنهم عبيد وملكه. 

كيف بتصلح العبد إله؟ كأنه إله، والإله كأنه عبد؟! لا لا لا، الإله إله والعبد عبد. "

……………………… *** هيهات ما المخلوق مثل خالق

هذا إله يخلق يفعل ما يشاء، لكن أنا وأنت ما لنا أن نفعل ما نشاء، لا خَلَقْنا ولا نفعل ما نشاء. ونُحاسَب على ما نقول وعلى كل ما دخل تحت اختيارنا فنحاسَب عليه، ما كان من خير فلنا فيه الثواب ومن كان من شر فعلينا فيه العقاب، إلا أن يعفو الله -سبحانه وتعالى-، فالثواب بفضله والعقاب بعدله، جل جلاله وتعالى في علاه.

(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) مَن الذي يعفيكم عن سؤال عن أمر أقدمتم عليه باختياركم؟ ومتى عرفتم قدر الله قبل أن تعملوا؟ حتى تعتذروا؟ هو أمر مغيِّب عنكم، ولا عرفتم أنه قدر من الله إلا بعد ما اخترتم وفعلتم ثم تحتجون؟ ما لكم حجة في هذا! 

لا إله إلا الله.. (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام:148-149]. وهذا هو الحكم المتعلَّق بالتكليف لا يتغير ولا يتبدل، فكل مختارٍ مؤاخَذ بما فعل باختياره، والاختيار من الله -من غير شك-، وسلب الاختيار فيما لا نقدر عليه أن نختار فيه منه -سبحانه وتعالى- بلا شك، واقتضت حكمته ورحمته أن لا يعاقبنا على ما خرج عن اختيارنا وما لا قدرة لنا عليه، ولو أراد أن يعاقبنا لكان له ذلك، هو الإله الذي يفعل في عباده ما يشاء.

وهكذا يقول -على سبيل التندّر- رأى واحد يمسح يديه عند الأذان ويقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، وبعدين قال له: ليش تعمل هذا؟ قال له: أسألك هذي أصابعي ولا أصابعك؟ قال: أصابعك، قال له: عيوني ولا عيونك؟ قال له: بس خلني أنا، أصابعي وعيوني وايش لك من دخل؟ شي لك من دخل؟ حقي.. أصابعي وعيوني أفعل فيها ما أشاء، شي لك  دخل فيها أنت!!.. 

 وإذا الملك كله ملك الله يفعل ما يشاء، يعاقب، يثيب، يعاقب بحسنات ومن دون حسنات يعطي، له أن يعاقب بذنب ومن غير ذنب، ولكنه من جوده وكرمه ما يعاقب إلا بذنب، بل (إِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) ولا يظلم مثقال ذرة (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ) [النساء:40] -جل جلاله-، ولو فعل ما كان ظالمًا لأن الملك ملكه، وله أن يفعل في ملكه ما يشاء.

فاشتبهت على كثير من الناس وما عرفوا كيف يقولون، والأمر كما وُضِّح في الآيات وفي الأحاديث الشريفة.

وقال: "ثم الناظر إلى مساوئ الناس، فتارةً ينظر إلى المسيء منهم بعين الشريعة" المحضة فقط من دون أن يجعل معها من نظر الحقيقة شيء، "فينسب الأفعال إليه بحسَب الصُورة" كأنه مستقل بها، وليس الأمر كذلك هي منسوبة إليه من حيث الكسب لا من حيث الاستقلال والخلق. قال: "ويراه عند المخالفةِ أنه تجرأ على الله بمخالفته أمرَه، وفعله ما نهَى عنه، وأنه تعرض لسخط الله،" فيرجع يحتقر ذات المسلم ولا يجوز ذلك، "وينقّصُ ذاته بما ارتكبه من الخطايا،" قال: "وهذا غلط " والذي عليك تنكر عليه، نعم، وتنهاه نعم، وتنصحه نعم، وتحرص عليه نعم، وتتوصل إلى إنقاذه نعم. 

تَسُبُّه؟ لا.. تَذُمُّه؟ لا.. تقطع عليه بعاقبة؟ لا!.. ما لك حق ولا يجوز لك، مَن شرع لك ذلك؟ شرع لك تنصح، وشرع لك تنكر على المنكَر، وشرع لك أن تتوصل إلى إزالته بما استطعت، هذا شرعه لك. أما أن تكره الذات وتسب الذات، مَن أذِن لك في ذلك؟ ما أذِن لك في ذلك الخالق -سبحانه وتعالى-، هذا إيحاء من الشيطان، الله حرَّم ذلك عليك والشيطان دعاك إليه، فلا تفعل المحرم وأنت تظن أنك تغضب من أجل الله وأنك تغار على دين الله وأنت تفعل المحرم؛ أشياء حرمها الله عليك، تسبه وتشتمه هكذا!

حتى لما وقع بعضهم في شرب الخمر وجِيء به إلى النبي ﷺ ، فأمر بجَلْدِه جُلِد أربعين جلدة، وثاني مرة شرب الخمر وجِيء به، وثالث مرة، فسَبَّه بعضهم.. ما أكثر ما يُؤْتَى به، فكأنه لعنه، فقال ﷺ: "لا تكن عون الشيطان على أخيك". لاتكن عون الشيطان على أخيك.

وأخرى جاءت واعترفت.. وسيدنا ماعز جاء واعترف ليُقام عليه الحد، وهو يعلم أنه الرجم حتى يموت، وأعرض عنه ﷺ أول وثاني وثالث ورابع وهو مُصِرّ، فأمر به فرُجِم. فكأنه بعد الرجم راجعين في الطريق، واحد من الصحابة يقول: ألا ترى هذا كيف قُتِلَ قتلة الكلب؟ فتأثر ﷺ. فلما مر في الطريق وجد ميتة، وقف قال: أين فلان وفلان؟ -الذي تكلموا والذي سمعه- قال لهما: كُلا من هذه. قالا: يا رسول الله! يغفر الله لك، نأكل ميتة حرام مستقذرة! قال: ما أكلتما من لحم أخيكما أنتن من هذا! وإنه لينغمس الآن في أنهار الجنة. قال الرجل الآن ينغمس في أنهار الجنة وقاعد تتكلم عليه، قدَّم روحه من أجل الله وتاب، وتاب الله عليه، وقد هو في الجنة، وانت عادك بتتكلم عليه؟ ما لك حق تتكلم عليه.

إذًا؛ فالناس يغلطون في هذا.. وكثير من الناس إذا رأى عيب أو غلط في حد لا ينصحه، ولا ينكر عليه، ولا يتوصل إلى إنقاذه من الأمر، ويبش في وجهه، وإذا غاب يغتابه ويسبُّه! فهذا حرام. لذلك شرع لك الله النصيحة والإرشاد سُنة، تترك المباح، وتجيء إلى الحرام وتظن نفسك من الأخيار الذين لهم غيرة على دين الله؟ أنت خالفت الشريعة بنفسك.

وهكذا فيجب إقامة الميزان على وجهه..

 لا يجوز تحقير أحد ولا تنقيصه، فربما كانت خاتمته أحسن من خاتمتك، وربما ساءت خاتمتك وحسنت خاتمته.

ويا الله بها يا الله بها *** يا الله بحسن الخاتمة

لا إله إلا الله… 

"وقالوا: بجواز الاحتجاج بالقدر لمنع التعيير فقط.

واستدلوا عليه بما جاء في البخاري عندما اجتمع سيدنا موسى بآدم عليه السلام، قال: أنت أبو البشر الذي أخرجتنا من الجنة بسبب خطيئتك"، وكان الناس في الجنة يعيشون هناك. قال له:"ألم تجد في التوراة أن الله قدر علي ذلك قبل أن أُخلَق بأربعين سنة؟" قال: نعم. قال: فبِمَ وعلامَ تلومني؟ تلومني على قضاءٍ قضاه الله علي قبل أن أُخلَق؟ "قال: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى"

قال: إن من شأنكم فيما خُصِّصْتُم به من الوحي أن لا تُعَيِّرُوا ولا تُنكِروا، وأن تعلموا أن الأمر بقضاء وقدر، وليس في ذلك خروج عن إنكار المنكر ولا عن نصيحته وما إلى ذلك.

أما بالنسبة لسيدنا آدم: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ) -عليه السلام-. ومع ذلك كله أُخِذ بنسيانه، هو نسي، ولكن الله آخذه بذلك، (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه:115]  يعني ما وجدنا له قصد وعزم على معصيتنا، لا. إلأا أن الشيطان ما قدر عليهم فرجع لما أَبَوا أن يطيعوه، فرجع يقول لهم: شجرة الخلد، ومُلك لا يبلى، اطعموا من هذه الشجرة، حتى وصَّلهم إلى عندها وهم لا يشعرون. (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) [الأعراف:22]، آخذهم الله بذلك حكمة منه سبحانه وتعالى. 

وكان ليتربع آدم على كرسي الخلافة على ظهر الأرض، نزله؛ (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ) اصطفاه، تاب عليه، وهداه، وجعله الخليفة، من قَبْل عاده وهو في الجنة ساكن، ما كان في مركز الخلافة هذا ولا جلس على كرسيها، (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، ولما خلقه في الأرض رُفِعه إلى السماء، فأين الخليفة في الأرض؟ ورتَّبها على أن يأكل من الشجرة، فأكل من الشجرة وخرج، واعترف وتذلل لربه وبكى، فتاب الله عليه، وردَّه إلى الأرض، وإذا به إلا كرَّمه وشرّفه -سبحانه وتعالى-، وجاء وقت الخلافة عن الله، فأخرجه وحواء إلى الأرض. وقاموا باسم الله، أول خطوة في الخلافة المخصوصة عن الله في أرضه، قامت برجل ومرأة؛ آدم وحواء، وتبعهم أولادهم الذين ولدوا، وشَذَّ عن القيام بحق الخلافة القاتل الذي قتل أخاه، قابيل الذي قتل أخاه هابيل، وثبت الباقون عليها، وبعدين جاءوا من بعدهم الأحفاد، منهم المستقيمون على القيام بالخلافة، ومنهم الشاذُّون والمقصرون.

وهكذا، ثبَّتنا الله على الاستقامة.

قال: "ولما تقرر أن الذي ينبغي هو الإنكار على المسيء لا تحقيره ولا تنقيصه، أوصى المُوصِي أن لا يُنظر إلى مساوئ الناس بعين الشريعة المحضة التي مقتضاها إسناد الفعل إلى الفاعل لأن ذلك مقتضٍ لذمه وتحقيره ذاتاً، قال: وأفهم التقييد بالأغلبية، قال: الغالب عليك". كيف يعني؟ يعني: ما تنقطع عن النظر بالشريعة من حيث: 

  • وجوب النصيحة 
  • والإنكار 
  • والعمل على الإنقاذ 

هذا واجب عليك، ما يمكن يغيب، ولكن لا تمقتهم في ذواتهم وتسبهم، لأن هذا حقيقةً الله حرَّم عليك أن تمسهم بمثل هذا. 

وهكذا يقول: "الغالب عليك، النظر بعين الشريعة مطلوبٌ أيضاً ليستقبح الفعل وينكر على الفاعل"، ويقوم بحق الشريعة، فلا تناقض بين الشريعة والحقيقة، "وإنما يكون النظر بعين الحقيقة هو الغالب، يعني غلبة الشهود فيراعي المقامين: الشريعة والحقيقة. فبمراعاة الأولى يكون كارهاً لما فعله المسيء من المخالفة، كما هو شأن كل مؤمن: (وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات:7]"

 اللهم اجعلنا من الراشدين.

قال: "وهذا السر موجودٌ في كلّ من كان فيه وصفُ الإيمان، فإنه يبغضُ أهلَ المعاصي وإن عمِل بعملهم، ويحبُّ أهل الطاعات وإن لم يعمَل بعملهم،" كما قال سيدنا الشافعي:

أحب الصالحين ولست منهم *** لعلي أن أنال بهم شفاعة

أي: لست منهم في اعتقادي وفي نظري، وهو من خيار الصالحين في الأمة كما نعتقده ونعلمه مما جاء عنه في مساره -عليه رضوان الله تعالى- وأجرى الله على يده منافع كبيرة للأمة، وخدمة للشرع المصون. وكان أول من تلفظ في الصلاة على النبي بقوله: وصلى الله على محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون. فرأى بعض العارفين رسول الله ﷺ، فقال: بمَ جوزي عنك محمد بن أدريس في قوله: وصلى الله على محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون؟ -صيغة كبيرة ماقط عُرفت من قبله- قال: جوزي عني أن لا يوقف إلى الحساب يوم القيامة.

سبحان الله، لا إله إلا الله، وسبحان الموفق ما يشاء لمن يشاء، والفعال ما يشاء، لا إله إلا هو.

قال: "وإنما يكون النظر بعين الحقيقة هو الغالب، يعني: غلبةَ الشهود"

ثم قال: وهذا السر موجود في كل مؤمن،  "والمرادُ بالغالب: أن يكون حالُ العبد في الإيمان بقلبه غالباً، حتى يصير مشاهداً بقلبه لربه. وقيل: 

  • كلّ شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول. 
  • وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصُول.

ولهم تعبيرٌ آخر في هذا." 

فلا بد كما قيل في الرؤيا وفي الكشوفات كذلك، سيدنا الجنيد بن محمد سيد الطائفة قال: "لا نقبل منها شيئًا إلا بشاهدَي عدل"، شاهدي عدل: الكتاب والسنة. إن وافَقَها الكتاب والسنة قَبِلنا، قَبِلنا مشاهدتك ومكاشفتك ورؤياك، وإن خالفت الكتاب والسنة روّح بها، خذها لك، ولا لها قبول عندنا إلا بشاهدي عدل: الكتاب والسنة.

 قال: "وأما الحقيقة؛ فبمراعاة العبد لها يعلمُ يقيناً أنه عاجزٌ عن التنصل والتخلّص مما كُتب عليه، وأنه مكرهٌ في نفس الأمر، وإن عوقب بمخالفته الشريعة بظاهر الكسب، فتفطن لهذه الدقائق، فإن في هذه المواضع مزلةُ الأقدام، وموقف الأفهام، من حيثُ الحكمة. وحينئذ لا يحقّر المرء ذات المسيء وإن كان يستحق الذمَّ من حيث إسنادُ الفعل إليه، والمؤاخذة به، كما هو شأن الشريعة."

يقول سبحانه وتعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ) قال بريء منكم أم مما تعملون؟ قال: (إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) [الشعراء:214-216] ما قال بريءٌ منكم، ما تقول لهم بريء منكم، تقول: (بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ)؛ من العمل حقكم ما هو منكم، تعالوا أستغفر لكم ويغفر الله لكم، ولكن العمل هذا أنا بريء منه، (إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) ولم يقل بريء منكم. 

وقال له في الآية الأخرى: (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، يمكن يتوب عليكم ويرجعكم ويبيّن لكم الحقيقة، رحمة واسعة، (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام:147]. فما أعجب الجمع هذا بين الشريعة والحقيقة، والسيد في ذلك محمد ﷺ.

قال: "وينبغي أن لا ينظر بعين الحقيقة المحضة لئلا يَشُمَّ للجبرية والقدرية رائحة". 

  • القدرية: القدرية هؤلاء ينكرون القدر، يقولون: الأمور أُنُف والناس ينشئونها. -لا إله إلا الله-، كيف ذا؟ يرجعون كأنهم أهل المملكة، لا مَلِكَ للمملكة إلا هو -جل جلاله-، إيش يقدرون يفعلون؟ لا يقدمون ولا يؤخرون، ولا يرفعون ولا يخفضون، أمور سبقت وهو الذي يخلقها، وكل شيء بقضاءٍ وقدر، كما قال صلى الله عليه وصحبه وسلم، فأنكروا القدر.
  •  والجبرية قالوا: الإنسان مجبور لا اختيار له. أنكروا الاختيار وأنكروا الإرادة المعطاة للإنسان، 

لا هؤلاء ولا هؤلاء. قال سيدنا الإمام الحداد: 

الجبر والاعتزال مُطَّرَحٌ *** فالمذهبان كلاهما ضررُ

 

والمذهب المستقيم أذهبُهُ ***  نصَّ الكتاب وصرَّح الخبرُ

نعم، فلا جبرية ولا قدرية. بل نقول: للإنسان اختيار مُثبَت فيما هو مختارٌ فيه وعليه يتم التكليف، وما خرج عن اختياره لا سؤال له عليه، وهو واختياره وما يختاره بقضاء وقدر من الله -تبارك وتعالى-، هو الذي يقَدِّر كل ذلك.
وبذلك قال الشيخ الشواف -عليه رحمة الله- باللهجة الدارجة:

بحلف يمين قطّاعة *** ما حد يحرك باعه
في معصية أو طاعة *** إلا إن حركها الله

إلا إن حركها الله.. (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الإنسان:30].

قال: "وينبغي أن لا ينظر بعين الحقيقة المحضة لئلا يَشُمَّ للجبرية والقدرية رائحة". قال سيد الطائفة الجنيد: "إياك أن تقف في حضرة شهود الفعل لله وحده دون عبادِه فتقع في مهواة من التلف، ولا ترى مع ذلك ذنبًا فتهلك مع الهالكين". بل: 

  • لله من حيث الخلق والاختيار وله الحجة البالغة. 
  • وللعباد من حيث الكسب لا من حيث الخلق، من حيث الكسب والاختيار. 

 

قال -رضي الله عنه-:

والمرادُ بقول الموصي: "فليكن الغالبُ"، إلى آخره: أنه ينظر إلى الشريعة والحقيقة نظراً لا يستغني بأحدهما عن الآخَر، ويكون الغالبُ شهود تصاريف الحق في كلّ شيء، فإذا غلب هذا في العبدِ؛ ارتقَى إلى مرتبة أهل البقاء بعد الفناء، وهم الذين يشهَدُون قبل كل شيءٍ ذاتَ مولاهم وصفاته وأسماءَه. فإذا غلب نظرُ العبد بعين الحقيقة، لم يحقر ذات المسيء كما تقرّر، ولعل المولى يتداركه بفضله وكرمه، فيوفقه للتوبة وللعمل الصالح.

وللنابلسي -قُدِّس سره-:

رُبَّ شخْصٍ تقودُه الأقدارُ *** للمعالي وما لذاكَ اختيارُ

يتعاطى القبيح عمدًا فيلقا *** ه جميـلاً وفلسُــه دينـارُ

كلما قارفَ الذنوبَ أتته *** توبةٌ طهّرتهُ واستغفارُ

حكمٌ حَارت البريّةُ فيها *** وجَديرٌ بأنَّها تحتَار

وأمورٌ مِن المهيمِن دلّتْ *** أنّـه الله فاعِـلٌ مختَارُ

فازَ من سلَّم الأمُور إليه *** وشقِي مَن حظه الإنكارُ

انتهى، من أبياتٍ له تقاربُ عشرين بيتًا.

***

وأما وصية الموصي بقوله: "وانظر إلى نفسك بعين الشريعة"، فلما في ذلك مما يطلبُ من الشخص نفسه الذي أفهمه التعليل، وهو قوله: "كي تمقُتَها ولا ترضى عنها".

وتوضيحُه: أن النظر بعين الشريعة مقتضٍ لإسنادِ الفعل إلى الفاعل، نظرًا للصورة، وكونه متمكنًا بحسب الظاهر من الترك. والنظرُ إلى هذا هو النظرُ بعين الشريعة التي جاءت بتكليف الخلق. وبهذا يستشعر ويعترفُ بعيوبها ونقصِها وتقصيرها، وهو المطلوبُ من الشخص بأن يتهِمَ نفْسَه دائمًا ولا يرضى عنها.

وقوله: "وإن لم يكن فيكَ ما فيهم"، أي: كُن ناظراً إليها بعين الشريعة. ويلزم من ذلك مقتُها إن فعلت ما يوجِبُ لذلك، وامقُتْها وإن لم يكن فيك ما في أهل المساوئ، لأن النفس طُبِعت على المخالفات والميلِ إلى الشهوات. ألا ترى إلى قول الصدِّيق عليه السلام:(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) [يوسف:53]. وهذا دأبُ الأكابر، فإنهم لا يزالون يتهِمُون أنفسهم مع استقامتهم.

فتفطّن، أن النظر بعين الشريعة إلى النفس وسيلةً إلى مقتها، وليس من شروط المقْتِ أن تكون النفس فعلَتْ ما يوجب لذلك من المعاصي، بل تقصيرُها في جانب الله، لأن المرء مهما كان مستقيمًا طائعًا لمولاه، قائمًا بالفرائض والنوافل ما أمكَن، فهو مقصّرٌ عن استيفاء حقوق الله، كما قال نبيه عليه السلام: "سبحانَ من لا يعلم قدرَه غيرُه، ولا يبلغ الواصفُونَ صفته". وقال تعالى:  (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [الزمر:67]. أي: ما عظموه حقَّ تعظيمه. وقال سيد الطائفة الجنيدُ -رضي الله عنه-: "لا تسكن إلى نفسِكَ وإن دامتْ طاعتُها في طاعة ربك"، انتهى. وهذا ظاهرٌ، إذ قد تكونُ الأعمال مدخولاً عليها، أو يعتمد عليها صاحبها، وحسبك ما أورده الغزالي في هذا المجال.

كتبه الفقير إلى مولاه القدير

 أحمد بن أبي بكر بن سميط

حامدًا مصليًا، يوم 9 من صفر سنة 1337هـ"

 

ما شاء الله، قبل مئة وعشر سنوات وبتدخل الإحدى عشر -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-. 

وهكذا ختم الشرح بقوله: "والمرادُ بقول الموصي: "فليكن الغالبُ"، إلى آخره: أنه ينظر إلى الشريعة والحقيقة نظراً لا يستغني بأحدهما عن الآخَر". وهو المجموع في قوله -تعالى-: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ)؛ شريعة وحقيقة، (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)؛ حقيقة ذا وذا، بعدين: 

  • (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)  فضلًا واختيارًا وخلقًا وايجادًا 
  • (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) كسبًا واختيارًا وفعلًا وارتيادًا هذا راجع إليك. 

فأنت مع الشريعة والحقيقة في الآية نفسها -لا إله إلا هو- ومن غير شك، بيقين لاتناقض بين قوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) و (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ)

(قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) نظر الحقيقة المحض

و (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ)؛ شريعة، من الله خلقًا وإيجادًا وفضلًا وامتنانًا عليك، (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) كسبًا واختيارًا، كسبًا واختيارًا، أنت اللي كسبتها واخترتها لنفسك وقصدتها، (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا) [النساء:78-79].

 يقول: " فإذا غلب هذا في العبدِ؛ ارتقَى إلى مرتبة أهل البقاء بعد الفناء، وهم الذين يشهَدُون قبل كل شيءٍ ذاتَ مولاهم وصفاته وأسماءَه. فإذا غلب نظرُ العبد بعين الحقيقة، لم يحقر ذات المسيء كما تقرّر، ولعل المولى يتداركه بفضله وكرمه، فيوفقه للتوبة وللعمل الصالح."  وفي هذا كانوا يقولون: من نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عَذَرهم. فما المطلوب؟ 

المطلوب: الاعتدال الوسط؛ 

  • لاتعذرهم عذر مطلق بل تنكر المنكر وتنصح، 
  • ولا تمقتهم مقت مطلق ولكن تمقت أفعالهم، تمقت افعالهم السيئة هي التي يمقتها الله -تبارك وتعالى- 

وله نفسه الشيخ عبد الغني النابلسي: 

رُبَّ شخْصٍ تقودُه الأقدارُ *** للمعالي وما لذاكَ اختيارُ

غافلٌ والسعادة احتضنته *** وهو منها مستوحش نفّار

يتعاطى القبيح عمدًا فيلقا *** ه جميـلاً وفلسُــه دينـارُ

بعض الناس هكذا سبحان الله! أقدار تسوقه إلى الخيرات وهو…. ما بغى! -لا إله إلا الله-، ويقع في الخير، ويذهب للخير، وينظر إلى الخير، ويتحول إلى خير. سبحان الله!...  

كلما قارفَ الذنوبَ أتته *** توبةٌ طهّرتهُ واستغفارُ

وَفَـتَـىً كَـابَدَ العِبَادَةَ حَتَّى *** ملَّ مِـنْـها لَيْلهُ والنهار 

وظلت الشوائب عنده، والقواطع عليه و….

حِكمٌ حَارت البريّةُ فيها *** وجَديرٌ بأنَّها تحتَار

ذي حكمة رب العالمين، وملك الملوك، من يستوعبها من الخلق؟ (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدثر:31]

وأمورٌ مِن المهيمِن دلّتْ *** أنّـه الله فاعِـلٌ مختَارُ

فازَ من سلَّم الأمُور إليه *** وشقِي مَن حظه الإنكارُ

أو: غرَّه الإنكار.

قال: من جملة أبيات له تقارب عشرين بيت، قصيدة في هذه الحقيقة، يتكلم عن حِكم الله في تقريب هذا وإبعاد هذا… لا إله إلا الله

وهو معنى ما قال ﷺ: "وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها"، هذا الذي: 

وفتًى كابد العبادة حتى *** مل منها ليله والنهار

ولكن ما جات النتيجة والخاتمة وهو  "وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". و"إنما الأعمال بخواتيمها". 

يا الله بها يا الله بها *** يا الله بحسن الخاتمة

ولكن أدلّ دليل على أن الله يريد بك حسن خاتمة: 

  • توفيقك للأعمال الصالحة 
  • مع خضوعك وخشوعك وانكسارك ونسبتها إلى الله -تعالى- واعتذارك وتذلّلك. وهكذا، 

وفي الحِكَم أيضًا يقول: "رُبًَ معصية أورثت ذلًا وانكسارًا، خير من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا" .

قال: صولة الطاعة أشد على المؤمن من صولة ال…، فيصول بها فيهلك، -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وإنما الفعل فعل الله والأمر أمر الله -جل جلاله-.

 قال سيدنا يوسف: (ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ)، ما شي من عندي أنا.. (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ) [يوسف:37].

وأجرى الله الكرامة على يد آصف بن برخيا صاحب سيدنا سليمان، ولما رآه مستقرًا عنده، العرش بسرعة انتقل، قال: (هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي) [النمل:40]، هذا من فضل ربي، ينسبوا الأمر إلى الفعّال الحقيقي -سبحانه وتعالى-، ولا يغترون ولا يقولون فعلنا، ولا نحن… ولا نحن… عليهم صلوات الله وتسليماته.

قال: ""وانظر إلى نفسك بعين الشريعة"، فلما في ذلك مما يطلبُ من الشخص نفسه الذي أفهمه التعليل، وهو قوله: "كي تمقُتَه"ا فيرضى عنك الله -تعالى- "ولا ترضى عنها" فيمقتك.

"والنظر بعين الشريعة مقتضٍ لإسناد الفعل إلى الفاعل نظرًا للصورة وكونه متمكنًا بحسب الظاهر من الترك. والنظر إلى هذا هو النظر بعين الشريعة التي جاءت بتكليف الخلق. وبهذا يستشعر ويعترف بعيوبها ونقصها وتقصيرها، وهو المطلوب، أن يتهم نفسه دائمًا ولا يرضى عنها.
"وإن لم يكن فيك ما فيهم"، أي كن ناظرًا إليها بعين الشريعة، ويلزم من ذلك مقتها إن فعلت ما يوجب لذلك".

وهكذا جاءنا أيضًا في الأخبار أن عابدًا من عُبَّاد بني إسرائيل مشهور كان بالعبادة، لقيه في الطريق واحد مشهور بالفسق، يقال له: خليع بني إسرائيل، فجاء يمشي معه، قال: لعل الله يرحمني بهذا، هذا عابد بني إسرائيل وأنا مشهور خليع بني إسرائيل، سأقرب منه لعل الله يرحمني. فجاء يمشي معه. فثارت نفس هذاك -والعياذ بالله تعالى-، قال: لم تمشي معي؟ أنت خليع بني إسرائيل وأنا عابد بني إسرائيل؟ ابعد عني!... فلما نهره وعمل هذا، أوحى الله إلى نبيهم: قل لفلان العابد وللخليع يستأنفا العمل، قد أحبطت عمل العابد كله، وقد غفرت للخليع كله ما كان منه، والآن هم سواء، قل لهم يبدأوا من جديد، ذا ما عاد عنده ولا حسنة، وذاك ما عاد عليه ولا سيئة. قال: قل لهم يستأنفوا العمل. لأنه تكبر مسكين ونسب الفعل لنفسه.

وكان بعض المشايخ المربين مع جماعة من تلامذته، وتأخر أحدهم، جاء وهو متأخر، طلع وهم في آخر المجلس والدرس، يمشي في الدرج حصَّل واحد معروف بالفسق بين الناس والمعايب، تعجّب قال له: أنت أيش جابك لهنا؟!! قال: أنا مررت تحت بيت هذا الشيخ فخطر على بالي، قلت أنا ذاتٌ عصت ربها من رأسها إلى قدمها، ووسط هذا البيت ذاتٌ أطاعت ربها من رأسها إلى قدمها، فطلعت لأنظر إليه رجاء أن يُدخل الله ذاتي العاصية في بركة ذاته الطائعة. 

وهو دخل، وتشوّف للشيخ من راسه إلى قدمه وخرج، ذا لقيه في الطريق في الدرج. فلما دخل كمّلوا الدرس، قال: حد جاكم وأنتم في الدرس هنا؟ قالوا: رجل هناك جا وقف عند الباب لحظات وخرج. قال: وتدرون مَن؟ قالوا: مَن؟ قال: فلان بن فلان، قالوا: ذا هذا المعروف في القرية والمنطقة عندهم أنه رجل عاصي-، قال: أنا لقيته في الطريق وهو خارج وسألته قال كذا وكذا. 

يقول له الشيخ: أنت سمعته؟  قال لك كذا؟ قال: هيا اذهبوا وائتوا به إليّ، وما أظن يصلح لحمل الأمانة من بعدي إلا هو، راحوا جاءوا به، جلس عند الشيخ ونظر إليه، ونكَّس راسه، نظر إليه مرة أخرى دمعت عيونه، نظر مرة وبكى وصاح وقال: يا ربي إليك، يا ربي جئتك، أنا عبدك... أقامه عنده أيام ربَاه وكان وارث، وارث الشيخ، ووارث السِّره لما انكسر لله -تعالى- وخضع.. تاب عليه، وغفر ذنوبه وهيأه لمقام عظيم. 

لا إله إلا الله..

فحتى يتأدب الكل. ما أنت رَب، لا، والرب يفعل ما يشاء في العباد، قم بواجبك فقط في النصيحة والإنكار والإرشاد، ولا تتحكم، الحكم ما هو لك، الحكم لواحد من فوق - جل جلاله- يفعل ما يشاء في خلقه، يتأدب بذلك الملائكة ومن دونهم، يفعل الله في خلقه ما يشاء. 

ويا مَن وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وقبله منهم، وفقنا للخير وأعنا عليه واقبله منا يا الله.

قال: وهذا على قول من بعض أقوال المفسرين أن الكلام: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) لسيدنا يوسف. والقول الثاني الذي عليه مساق الآية ومسارها أنه من قول امرأة العزيز: (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) [يوسف:52-53]، أنه من قولها هي. وبعض المفسرين قالوا: هذا القول قول يوسف الصدِّيق، (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنًَ النَّفس..) أي: أصل النفس هكذا ذاتها، ولكن نفوس الأنبياء قد طهرها الله من قَبْل وزكاها، فهي أبعد عن كل سوء من فضل الله -سبحانه وتعالى- عليهم.

ولهذا تقول امرأة العزيز هي نفسها من قبل: (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) [يوسف:32]. وبعدين لما سأل النساء: (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ). قال الحق -سبحانه وتعالى-: (كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ). السوء والفحشاء كلها ماشي عنده، لا إرادة ولا غيرها. وأما الهَمّ الذي ذكره في الآية فهو مثل الهم الذي في الآيات الأخرى: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ)، ما له دخل في أمر الشهوة ذا، ما له دخل في أمر الشهوة الجنسية، همّ أراد ينتقم منها أراد يضربها كان، وحتى في قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، أيش معنى همت به؟ قد قال هي قد راودته، فأيش معنى "همَّت به"؟ يعني: بترغمه بالقوة، قفلت الأبواب وجاءت وراءه تمشي، وسحبت ثوبه، فقوله: (لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) المعنى أرادت إكراهه وضربه والانتقام منه، ولهذا قالت: (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) [يوسف:32] هذا همَّها به، ما له دخل الشهوة، الشهوة قد تحدث عنها قال: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ)[يوسف:23-24]، أما الهم، الهم هذا كما قال: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) [غافر:5] يعني أرادوا ينتقموا منه ويقتلونه ويؤذونه وهكذا، وهو هذا الهم المذكور ما شي دخل في ذكر الشهوة أبدًا. والأنبياء أكبر من هذا.

 لما سئل سيدي عبد العزيز الدباغ، وذكر له تلميذه أحمد المبارك عن قول بعضهم في سيدنا يوسف "الهَمّ"، غضب؟ قال: أنا أعرف من الأولياء من لو رأى المرأة عارية من رأسها إلى قدمها ما همَّ ولا التفت، وهم أولياء! كيف بالأنبياء أيش بتقولون في الأنبياء! أنتم مجانين؟ بتظنوا بالأنبياء شيء؟ الأولياء أولياء نعرفهم وما يجي لهم هذا ولا يحوم حول خاطرهم، فكيف بالأنبياء؟ عصمهم الله.. (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)، لا نسلط عليه أحد يقتله ولا يؤذيه ولا يهم بسوء، (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ). [يوسف:24] أيش بعد هذا الثناء الظاهر الواضح؟ يجيبون كلام إسرائيليات ويحشونه في تفسير القرآن! والقرآن أرفع من ذلك وأعظم. 

وكانوا قالوا لبعض العارفين: أيجد حلاوة العبادة مَن يعصي الله؟ قال: لا، ولا من يهم بالمعصية. وما دام يهم بالمعصية أين يجد حلاوة الطاعة والعبادة؟ لا إله إلا الله.

قال: "فتفطّن، أن النظر بعين الشريعة إلى النفس وسيلةً إلى مقتها،" وفي ذلك رضى الله "وليس من شروط المقْتِ أن تكون النفس فعلَتْ ما يوجب لذلك من المعاصي، بل تقصيرُها في جانب الله، لأن المرء مهما كان مستقيماً طائعاً لمولاه،" وذلك الطائع المستقيم المقرب العارف يعرف من عظمة الله وجلاله وحقه ما لا يعرفه غيره، فهو يمقت نفسه لمعرفته بالتقصير أكثر، لأنه يعرف من عظمة الله وحقه وواجبه ما لا يعرفه العاصي، فيكون هو ماقت لنفسه أشد من مقت العاصي لنفسه، لما عرفه من عظمة الله -تبارك وتعالى-. لا إله إلا الله.

ولكن يشهدون فضله وإحسانه. و سيدهم يصرح بذلك يقول: "أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي\"، "أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت". وما صنع إلا الخير صلى الله عليه وسلم. "أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، ﷺ.

"بل تقصيرُها في جانب الله، لأن المرء مهما كان مستقيماً طائعاً لمولاه قائماً بالفرائض والنوافل ما أمكَن، فهو مقصّرٌ عن استيفاء حقوق الله، كما قال نبيه عليه السلام: "سبحانَ من لا يعلم قدرَه غيرُه، ولا يبلغ الواصفُونَ صفته"". وقال في الحديث المشهور في الصحيح: "سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ".

"وقال تعالى:  (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [الزمر:67]. أي: ما عظموه حقَّ تعظيمه".  قال: ينطبق على الكل، والذي عظموه وبالغوا في تعظيمه ما انتهوا إلى المستوى الذي يليق بعظمته، لكن انتهوا إلى مستويات عظمى بالنسبة لهم فيما قدروا عليه وما تمكنوا منه، وبعد ذلك يشكرون ويعظمون. ولكن بالنسبة له ما يقدر قدره أحد، حتى قال: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)
أما الكفار الفجار قد هم يتكلمون بالشرك وبالولد… ولكن أيضًا وصفُ أهل الحق له -أهل الحق وصفهم له بألفاظ؛ بألفاظ حادثة وناشئة، تحتوي معنى، وهو أكبر من ذلك، فهو -تعالى- عما يصفون كلهم هؤلاء وهؤلاء، هو فوق ذلك، إلا أن هذا مقبول وأصحابه مرضي عنهم ولهم الدرجات.

وأولئك مردود وصفهم عليهم، وعليهم اللعنة وعليهم الغضب، الذين نسبوا له الولد والشريك واحتقروا صفاته -سبحانه وتعالى-. (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الصافات:180].


كان يقول الإمام عبد الرحمن بلفقيه:

سبحان رب العزة المتعالي *** عن كل ما يصفون من أقوالِ
الكل، قال لماذا؟ قال:

جَلَّ الكريم عن الحروف ووضعها *** وعن القيود ورسم بالٍ بالي

بال فاني وزائل وخلق، هو ذ الذي بينزّه الحق! الحق أكبر من تنزيهك كله، لكن هذا المطلوب منك وهذا الذي تُثاب عليه، وتُرفع به درجاتك وهو قبِله منك -سبحانه وتعالى-. كما يقول ﷺ عند استيقاظه من النوم: "الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذِنَ لي بذكره". أذِن لي قال لماذا؟ قال: لأنك بتذكره بشؤون حادثة وألفاظ محصورة ومحدودة معانيها وهو لا حد له.

قال لك رخصة.. اذكرني، بهذا المقدور حقك، اذكرني وأنا بذكرك عاده!.. وأين ذكرك من ذكره؟ هو بيذكرك بما يليق به، أعظم منك وأعظم من الكائنات ذكره، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت:45]، وأما أنت على قدرك وهو فوق ذلك، ولكن قال: مقبول، وذا الذي تقدر عليه مقبول ومُثاب، وخذ الأجر مني وخذ الجزاء وبرفع درجاتك. والذي تقدر عليه، ما أكلفك غيره، يعني معاملة كريمة من الكريم، معاملة عظيمة من العظيم، من هذا الإله الرحيم له الحمد له المِنّة، (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[البقرة:286]. 

لا إله إلا الله…

 أي: "ما عظموه حقَّ تعظيمه. وقال سيد الطائفة الجنيدُ -رضي الله عنه-: "لا تسكن إلى نفسِكَ وإن دامتْ طاعتُها في طاعة ربك"."، فإن الرضى عنها غضب - والعياذ بالله- من الرب عليك "وهذا ظاهرٌ، إذ قد تكونُ الأعمال مدخولاً عليها، أو يعتمد عليها صاحبها"، فيهلك بها "وحسبك ما أورده" وقرره الإمام  الغزالي في هذا المجال"، في مثل كتابه إحياء علوم الدين، رضي الله تعالى عنهم.

العجيب ختموا الطبعة بتشطير على القصيدة، شَطَّرها الحبيب شيخ بن محمد الجفري -عليه رحمة الله- توفي سنة 1222، ودُفن في الهند في مليبار في كلكوت دُفِن هناك، وهو أخذ عن بعض تلامذة الإمام الحداد.

وسافر إلى حضرموت، كان معه ثلاثة، وأحدهم عمر بن عبد الله باغريب، ومعه الحبيب عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس الذي في مصر، ومعه الحبيب أبو بكر بن حسين با فقيه في آشي في إندونيسيا، والأربعة تعاهدوا على العمل بما في بداية الهداية، وعملوا بما في بداية الهداية.

وكانوا في أيام إقامتهم بالمدينة فكلهم فتح الله عليهم، كل منهم رأوا النبي ﷺ  يأمرهم بالقيام بعمل.

 فأما الشيخ باغريب قال له: يرجع إلى حضرموت إلى تريم، وكن باقي عمرك هناك. 

وأما الشيخ الجفري قال له اذهب إلى الهند، قال: تعال إلى مليبار وعلم الناس هناك وأرشدهم، وكان صاحب كرم، فأعطاه قِدر، فأصبح معه القدر.

وهذا عبد الرحمن بن مصطفى قال له: اذهب إلى مصر وقم هناك بالأمر، قال له: مصر ملآنة بأهل العلم، قال: وإن كان، وخُذ هذه السفينة مني، إن أشكل عليك شيء راجع فيها، فأمسك السفينة وأصبحت معه. وهذاك قال له: اذهب إلى آشي، وأعطاه عكاز وأصبحت معه العكازة. كلهم سافروا بعدين كلٌّ إلى حيث أمرهم، ونفع الله بهم وأجرى الخير على ايديهم.

الشيخ الجفري شطّر القصيدة هذه: "لذاتي بذاتي لا لكم أنا ظاهر"، فقال: 


لذاتي بذاتي لا لكم أنا ظاهرُ *** ومن يدَّعي ما قلته فهو فاجرُ
لأني بلا كيفٍ وما قبلي كائن *** وما هذه الأكوانُ إلا مظاهرُ

قال: هذا لي وحدي أنا بس ما هو لغيري، لذاتي بذاتي لا لكم انا ظاهر 
تقيدت والإطلاق وصفي لأنني *** بحولي تجليت بما هو باهرُ
أنا الأول الآخر حيٌّ وباقي *** على كل شيء حين لا حين قادرُ

يعني: ما هناك في ذاك الوقت أي قادر، هو القادر -سبحانه وتعالى-.

ومرتبة التقييد أظهرتُ رحمةً *** وقد وسعت ما ذا له أنا فاطر

(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ) [الأعراف:156].

تحلّيتُ تحقيق الحقائق مبدعًا *** ومرتبة الإطلاق أني ساتر

إلى آخرها، عليهم رضوان الله.

 

قَبِلَنا الله وإياكم، نظر الله إلينا وإياكم، أصلح الله لنا ولكم الشأن كله، دفع عنا وعنكم السوء وأهله، ووفر حظنا من هذه المِنن والمواهب والعطايا والمزايا، ولا حرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا. 

أيدي الفقر والعجز امتدت إليك يا قوي يا قادر، يا من بيده ملكوت كل شيء، يا غني يا رحمن يا رحيم، ارحمنا في ضعفنا وفي عجزنا، وزدنا من فضلك ما أنت أهله ظاهرًا وباطنًا برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين، وأصلح شؤوننا بما أصلح به جميع شؤون الصالحين في خير ولطف وعافية.

 

أسئلة

  • في الرؤيا

أما الغياب في الرؤيا للشيخ أو لغيره، تأتي لعدد من الأسباب ومن الحِكم الإلهية بعضها راجع إلى المريد نفسه، وبعضها راجع إلى عجائب الإرادة والحكمة، وبعضها راجع إلى شيء من ترقيته وحصول الطمأنينة عليه من جانبه، وبعضها إلى رفعه إلى شيء أكثر من الركون إلى الرؤيا وغيرها، إلى غير ذلك من الأسباب. ولكن مَناط الأمر وشأنه على الاستقامة والدوام على لزوم الباب والتذلل لرب الأرباب، وهناك الخير كله. وفَّر الله حظنا.

  • هل للمرأة في التصوف أن تنال مقام الإرشاد ثم ترشد غيرها؟

من النساء، نعم يمكن ذلك، يمكن بإذن الشيخ. 

  • هل يجوز يكن شيخات من النساء؟

شيخات للتقريب وتعليم البدايات.. نعم؛ ولكن تعود هي إلى شيخ من الشيوخ. 

 

قد قرؤوا الكتاب ما شاء الله! قد قرؤوه، وفهموا ما فهموا، وطلب العلم الشريف والعمل به، وكتب الصالحين والأخيار المفيدة النافعة الواضحة الجليّة، أجزناكم بقراءتها والعمل بما فيها.

يوصلنا ولا يقطعنا، يقرِّبْنا ولا يبعِدنا، يشهِدنا عظمة وجوده وكرمه في مرآة حبيبه صلى الله عليه وصحبه وسلم سيد أهل شهوده، ويرزقنا الوفاء بعهوده، ويثبتنا وإياكم على الاستقامة، ويعلي درجات الإمام عبد الغني النابلسي، والإمام أحمد بن أبي بكر بن سميط، والإمام شيخ بن محمد الجفري، وأصولهم  وفروعهم وجميع مشايخهم وأصولهم وفروعهم، وقرابتهم وأهل مودتهم، ويمنّ علينا بالفتحِ الأكبر المطلق المبين، ويجعلنا في خواص الهداة المهتدين، ويوفر حظنا من خاتمة هذه الدورة وهذه الأيام، ويكتب لنا منه نظرة بما ينظر به إلى عباده الكرام، ممن سبقت لهم منه السعادة، وتولاهم بما هو أهله في الغيب والشهادة، وأن الله يصلح أحوالنا وأحوالكم والمسلمين، ويفرِّج الكروب عن أمة محمد أجمعين، ويجعلنا وإياكم في خيارهم وأنفعهم للأمة وأبركهم عليهم، يعاملنا بفضله وما هو أهله مع صلاح الشأن كله.

بسر الفاتحة إلى حضرة النبي

اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

تاريخ النشر الهجري

13 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

27 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام