الرسالة الجامعة - 1 | مقدمة الكتاب، وأحكام البسملة، وأركان الإسلام وبداية أصل الإيمان
الدرس الأول في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
فجر السبت 14 رجب 1447هـ.
يتضمن الدرس:
- التعريف بالكتاب، والفرق بين العلم الظاهر والباطن.
- أحكام البسملة الخمسة.
- الفرق بين الحمد والشكر.
- معاني الصلاة من الله والملائكة والآدميين.
- شرح حديث "طلب العلم فريضة"
- أركان الإسلام وتفصيل الشهادتين.
- أركان الإيمان (الإلهيات):
- إثبات وجود الله (الفرق بين الوجود الذاتي والحادث).
- وحدانية الله: نفي الشريك والمثيل والشبيه والنظير في الذات والصفات والأفعال.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبسندكم الصحيح المتصل إلى الإمام العارف بالله الحبيب أحمد بن زين الحبشي رحمه الله تعالى ونفعنا به، وعلومكم وعلوم سائر الصالحين آمين، ورضي الله عنكم، قال رحمه الله تعالى في كتابه "الرسالة الجامعة".
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من سَلَكَ طريقًا يلتمس فيها عِلمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة".
وبعدُ،
فهذه مسائل مختصرة من بعض كتب حجة الإسلام الغزالي غالبًا، من عرفها وعمل بها نرجو له من الله أن يكون من أهل العلم ظاهرًا وباطنًا، وبالله التوفيق.
أركان الإسلام خمسة:
- شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله
- وإقام الصلاة
- وإيتاء الزكاة
- وصوم رمضان
- وحج البيت من استطاع إليه سبيلا
مع الإخلاص والتصديق، فمن لم يكن مخلصًا فهو منافق، ومن لم يكن مصدقًا بقلبهِ فهو كافر.
الحمد لله الذي ينشر أنوار الهداية بواسطة أهل النبوة، ومن يتلقّاها عنهم من ذوي الفتوة، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، تكفّل ببقاء الخير في أمة نبيه محمد ﷺ ما دام القرآن، فصلِّ اللهم وسلم وبارك على من ختمت به النبوة والرسالة، وبعثته إلينا هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، عبدك المختار محمد، فنشهد أنه عبدك ورسولك الذي بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، أدم صلواتك عليه وعلى أهله وصحبه، وعلى أهل محبته ومودته وقُربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم صحبتهم ومتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعدُ،
فهذه الرسالة المختصرة، فيها أسس علم الإسلام والإيمان والإحسان، ومبادئ ذلك على صِغَر حجمها، ابتدأها كما هو معلوم بالبسملة، وهي قول: "بسم الله الرحمن الرحيم"، وذلك هو الشأن في ابتداء كل أمرٍ مهم، ومنه تأليف الكتب، فالمعنى يكون فيها: بسم الله الرحمن الرحيم أؤلف كتابي هذا، فهذا هو الأخص بمضمون هذه البسملة في أول الكتاب، فيكون المعنى متبرّكًا بمصاحبة اسم الله الرحمن الرحيم أؤلفـ أو أبتدئ تأليفي.
فالبسملة ممّا جاءتنا بها الشريعة مندوبة في كل مهامنا، من دخولنا وخروجنا، وأكلنا وشربنا، ومنامنا وَيقَظتنا، حتى لباسنا لما نلبسهُ من ثيابنا، ولكل أمرٍ ذي بال. ويروى فيه الحديث: "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع" وجاء في رواية: "بحمد الله".
فالابتداء باسم الله تعالى مهم للمؤمن في أحواله وشؤونه، علمنا ﷺ أن نقول عند منامنا: "باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه"، وكون المؤمن يجعل شروعه باسم الله -تبارك وتعالى- تحتمل أو تنطوي على معاني:
- منها أنه في أحواله يكون على مقتضى حكم الله وشريعته.
- وأنه باسم الله يفعل كل ذلك بإمداده له بقوته وقدرته وإرادته سبحانه وتعالى.
- وأنه في كل ذلك عبد للحق -سبحانه وتعالى- مقرٍّ بعبوديته، فما يفعل ولا يقول إلا باسمه جلّ جلاله.
قال أهل المعرفة: وكل شيءٍ في هذا الوجود قائمٌ باسمه، فما قام شيء إلا به -سبحانه وتعالى- من تكوين السماوات والأرض وما بينهما والعرش والكرسي، وكل ما خلق كل شيءٍ قائم باسمه محوطٌ بعلمه -جل جلاله-
- وفيه توفير المراقبة لهذا الإله والحضور معه.
إذًا؛ فـ "بسم الله الرحمن الرحيم" من أعظم ما يتخذّه المؤمن زادًا، وفي بعض المواطن البسملة الكاملة، وفي بعضها "باسمك اللهم" وفي بعضها "بسم الله"، حتى عند دخول الخلاء والخروج منه، إلا أنه عند دخول الخلاء تُقدَّم البسملة على الاستعاذة، خلاف بقية المواطن فالاستعاذة قبل البسملة، فيقول: "بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث" عند دخول الخلاء.
وبهذا عرفنا ما يتعلق أيضًا بحكم البسملة، فهم يذكرون عندما يقرؤون في كتب الفقه الأحكام التي تعتري البسملة، والأحكام في شرع الله -سبحانه وتعالى- خمسة أحكام يتفرّع عنها سادسٌ وسابع.
- الواجب: وفي معناه الفرض واللازم والمتحتّم والمكتوب؛ فهذه كلها عند جمهور الفقهاء معناها: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، هذا الواجب.
- وبعده المندوب والسنة والمستحب ويُقال: النفل والتطوع؛ فهو أيضًا معناه واحد عند الشافعية: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على ترك، وفرق المالكية وغيرهم بين المسنون والمستحب.
- ويأتي أيضًا حكم المباح: وهو الذي استوى فعله وتركه، بحيث لا يثاب ولا يعاقب على فعله ولا على تركه.
- ويأتي بعده المكروه: وهو الذي يثاب على تركه امتثالًا ولا يعاقب على فعله.
- ويأتي بعده الحرام والمعصية والمحظور والمنهي عنه؛ وهو ما يثاب على تركه امتثالًا ويعاقب على فعله.
فتبيّن بذلك حكم هذه الأحكام الخمسة، وقد يتصل بها فيما يتعلق بالعبادات والمعاملات: الصحيح والباطل؛ ما يُحكم بصحته وبطلانه.
علمنا أن هذه الأحكام تتناول أفعال المكلفين على العموم؛ فما من فعل لهم إلا وهو أحد هذه الأقسام، وقالوا: إن البسملة تعتريها الأحكام الخمسة؛ أي: قد تكون واجبة وقد تكون مسنونة، ومندوبة، وقد تكون محرمة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مباحة.
- والشافعية لم يفرقوا بين الواجب والفرض، وكذلك الجمهور.
- وفرّق الحنفية بين الواجب والفرض؛ فما ثبت بالدليل القاطع يسمونه الفرض وما دون ذلك هو الواجب.
- كذلك لم يفرّق الشافعية بين المسنون والمستحب والمندوب.
- وفرّق المالكية وغيرهم بين مسنون ومستحب.
- وكذلك اتفقوا على أن الحرام والمعصية هو المحظور بمعنى واحد.
إذًا؛ الأحكام التي تتعلق بالبسملة يقال: إنها قد تكون واجبة، وذلك لمن نذر أن يسمي الله مثل عند الطعام أو عند الشراب تتحول البسملة إلى فرض عليه بسبب نذره، (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) [الانسان:7]، وكذلك عند الشافعية هي آية من آيات الفاتحة وتكون واجبة عند قراءة الفاتحة.
وقد تكون البسملة مندوبة أو مسنونة وهذا في كل ما جمع ثلاثة أمور، وعنها يقول أهل الفقه: شروط ندب الابتداء بالبسملة، إذا اجتمعت الثلاثة شروط فيندب الابتداء في ذلك الأمر الذي فيه شروط الثلاثة بالبسملة. ما هي الشروط الثلاثة؟
- الأول: أن يكون أمرًا ذا بال، كل أمر ذي بال؛ أي صاحب بال، معنى صاحب بال: أي حالً يهتم به شرعًا، يعني ليس حرامًا محضًا، ولا مكرهًا ولا من سفاسف الأمور، ليس محرمًا ولا مكروهًا، ولا من سفاسف الأمور، سفاسف الأمور كبصاق ومخاط وكنس وما إلى ذلك، هذه سفاسف في الأمور؛ لكن كل أمر ذي بال يعني يهتم له حال ذي بمعنى صاحب بال حال يهتم به شرعا، كل أمر ذي بال، فالشروط الأولى أن يكون أمرًا ذا بال
- ليس محرما لذاته
- ولا مكروهًا لذاته
- ولا من سفاسف الأمور هذا معنى ذا بال.
- الثاني: أن لا يكون ذكرًا محضًا؛ فمن أراد مثلا يهلل أو يسبح أو يحمّد أو يأتي بالباقيات الصالحات ما يسُن له أن يبسمل؛ لأنه هو ذكر محض خالص؛ ما يقول: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله، لا إله إلا الله هي أصلًا ذكر خالص محض ما يسن فيه البسملة؛ أن لا يكون ذكرًا محضًا.
- الثالث: أن لا يجعل الشارع له مبدأً آخر، فإذا الشارع جعل لذلك العمل وإن كان ذا بال مبدأ غير البسملة، فلا تسن البسملة، خطبة الجمعة ما يسن أن واحد يطلع على المنبر ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم… لا، لأن الشارع جعل مبدأها الحمد وكان ﷺ يبدأ بالحمد، فما دام جعل شارع مبدأها الحمد فابتدئ بالحمد ما يُسن أن تأتي بالبسملة. كذلك الصلاة افتتاحها التكبير فلا، ما تجي تقول بسم الله الرحمن الرحيم، الله أكبر!.. افتتاحها التكبير، الشارع جعل افتتاحها التكبير خلِّ البسملة، ولا تقل هي أمر ذي بال، نعم ذا بال من أعظم الأمور لكن الشارع جعل افتتاحها التكبير، خلاص التزم بما قال الشارع
فإذًا؛ ثلاثة شروط:
- أن يكون أمرًا ذا بال؛ ومعنى ذا بال: أن لا يكون محرّم لذاته ولا مكره لذاته، ولا من سفاسف الأمور.
- والثاني أن لا يكون ذكرًا محضًا.
- والثالث أن لا يجعل الشارع له مبدأ آخر.
فإذا اجتمعت هذه الثلاث الأشياء في أي أمر سُنّ ابتدائه بالبسملة؛
- "بسم الله" أقلها
- وأكملها "بسم الله الرحمن الرحيم"
واختلفوا عند الذبح هل يكمل بوصف "الرحمن الرحيم" أو الموطن لا يناسب الرحمة، لأنه تعدمها حياتها مسكينة وتذبحها، أباحها الله لك وأنت تقول: "الرحمن الرحيم"؛ فاقتصر بعضهم على قول "بسم الله" فقط عند الذبح، ولا إشكال في أن يكمل: بسم الله الرحمن الرحيم.
فأقلها: "بسم الله"، ومن أكمل البسملة: "بسم الله الرحمن الرحيم".
وقد تكون مباحة ومعنى مباحة؛ يعني ربطها بذلك الأمر مباحة، أما هي في حد ذاتها ذكر فأنت تثاب عليه، ما يتأتى واحد يذكر الله ولا يُثاب لكن ربطها بالمباحات أمر مباح؛ أن تكون في هذا الموطن، وهي عند المباحات التي لا شرف فيها، من مثل نقل المتاع من مكان إلى غيره.. فتكون حينئذ مباحة.
وقد تكون مكروهة وهي عند فعل المكروه لذاته؛ كمن ينتف الشيب من رأسه، ونتف الشيب مكروه، ينتف ويقول بسم الله! هذا مكروه ثاني؛ سمى له على فعل مكروه وهو مكروه، وكذلك قالوا: بخلاف مثل الأكل البصل نيء أو الثوم نيء، يُكره عند كثير من العلماء لكن ما تُكره البسملة؛ لأنه ليس مكروه من حيث هو طعام ولا من حيث هو أكل، ليس مكروه لذاته؛ إلا لسبب الرائحة التي فيه يتضايق منها الملائكة وهكذا، فلهذا الكراهة طارئة ليس مكروهًا لذاته، فلا تُكره البسملة عند أكله بل تُستحب، لأنه أكل في عموم كونه أكل، فإنه ما كُره لكونه طعاماً ولا لكونه أكلاً إلا لأمر غيره وهو طروّ الرائحة عليه ووجود الرائحة هذه فيه ولذلك صارت كراهته ليس لذاته، فإذّا؛ لا يكره البسملة عنده.
يقول: في حكم البسملة أيضًا تكون حرامًا عند فعل الحرام والعياذ بالله، فمن أراد يشرب خمر فسمّى فعليه إثم شرب الخمر وعليه إثم التسمية في هذا الموطن كونه في هذا الموطن سمّى، ما لم يقصد الاستهزاء فإن قصد الاستهزاء فذلك كُفر؛
- إذا قصد الاستهزاء هذا كفر والعياذ بالله.
- أما إذا لم يقصد الاستهزاء فجمع بين إثمين:
- إثم شرب الخمر.
- وإثم كونه ربط التسمية في هذا المكان بهذا المحرّم فصار عليه إثم آخر.
ومن أراد يسرق فيقول: بسم الله، حرام، إذا أراد يفعله فيقول: بسم الله فحرام عليه أن يسمي الله في هذا الموطن ولو قصد الاستهزاء كفر والعياذ بالله تبارك وتعالى. لا إله إلا الله..
فيحرص المؤمن على البسملة، وقلنا: "بسم الله"؛ يعني: أبتدئ متبركًّا باسم الله، بمصاحبة اسم الله لفظ الجلالة، أعظم الأسماء، عَلَم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع الكمالات -جلّ جلاله-، الله؛ اسم عَلَم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع الكمالات، إذ لا وجود لشيءٍ إلا به وهو الموجود بذاته -سبحانه وتعالى- فهو واجب الوجود.
- "الرحمن"؛ المنعم على عباده بجلائل النعم.
- "الرحيم" المنعم بدقائق النعم.
- فما هو واضح لا يحتاج للتأمل، يُقال له: نعمة جليلة.
- وما لا يدرك إلا بالتأمل يقال له: نعمة دقيقة؛ دقائق النعم.
وكلها من الله، (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53]. الرحمن الرحيم، "بسم الله الرحمن الرحيم".
وكذلك ما يتعلق بشأن الحمدلة، و"الحمد": معناه الثناء، الحمد لله رب العالمين، وهو لغةً: الثناء باللسان على الجميل الاختياري، يقال له: الحمد ويتبعه الشكر. لأن الحمد معناه عرفًا: صرف العبد ما أنعم الله به عليه فيما خُلق من أجله، وهذا هو الشكر لغةً.
إذًا؛ الحمد لغةً: الثناء باللسان على الجميل الاختياري؛ على جميل من اختيار ذلك المثنى عليه يقال له حمد، ولهذا يقولون في مثل اللؤلؤة: "مدحت اللؤلؤة على حسنها" ما يقولون: حمدت، ما يقول: حمدت اللؤلؤة على حسنها.. لماذا؟ حسنها ليس اختياري هذا ليس باختيارها؛ لكن الحمد يكون ثناء باللسان على جميل اختياري؛ مختار من قبل الإنسان هو يفعله، فيقال له: حمد.
- تعريف الحمد عرفًا: فعل، -ليس ثناء باللسان، الحمد لغة الثناء باللسان- لكن الحمد عرفًا: فعلٌ ينبئ عن تعظيم المنعم، فعلٌ يدل على تعظيم المنعم هذا معنى الحمد عرفا؛ فعلٌ يدل على تعظيم المنعم من حيث كونه منعم سواءً على الحامد أو على غيره.
كيف؟ مثلا تقدّمت بين يدي صاحب إنعام أو إحسان أو فضل أو محامد، قدّمت له نعليه، أو أزحت من طريقه شيئُا أمامه أو دخل فقمت له، هذا فعل يدل على تعظيم المنعِم من حيث كونه منعم؛ هذا الحمد في العرُف. الحمد في العرُف: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعمًا، وهذا الحمد عرفًا، هو الشكر لغةُ؛ الشكر لغةً: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعم على الحامد أو غيره.
- ولكن الشكر عرفاً: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق من أجله، يقال: هذا شكر.
(وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ:13] يقول الله؛ الذي يصرف النعم فيما خلقت من أجله، من الطاعات والعبادات وإلا أكثر الناس يستعملون النعم لغير ما خُلقت من أجله وقد يعصون بها المنعم -جلّ جلاله- (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ). أن يصرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه، سمع وبصر وعقل وفكر وقوة وإرادة وحركة… يصرفها إلى ما خُلقت من أجله من الطاعات والعبادات والقربات والخيرات؛ هذا هو الشكر في العُرف. الله أكبر.. اللهم أعنِّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادك.
كذلك "الحمد"؛ يذكرون أنه لا يوصف بالمباح، ولكن يوصف بالأربعة الأحكام:
- بالواجب؛ مثل في الفاتحة؛ لأنها آية من الفاتحة بالاتفاق فيجب الحمد.
- ويوصف أيضًا بالمسنون والمندوب، وهذا قالوا في كل حال، قال ﷺ: "الحمد لله تملأ الميزان"؛ يعني: ثوابها إذا جُسِّم يملأ الميزان، والميزان أثقل مما بين السماء والأرض، الحمد لله تملأ الميزان؛ الحمد المسنون والمستحب في كل حال.
- ثم بعد ذلك المكروه؛ وهو أيضًا على فعل المكروه أو عند الأماكن المستقذرة، كالمجزرة والمزبلة وما ذلك، فالتلفظ بالحمد في هذه المواطن يكون مكروه لأنه لا يليق به.
- وقد يكون حرامًا -والعياذ بالله تعالى- وهو عند فعل الحرام؛ إذا حمِد أنه فعل حرامًا، فيحمد يقول: أحكمت السرقة وما حد درى بي الحمد لله! الحمد على ماذا؟! الحمد على الفعل الحرام حرام؛ يكون حرام، حرام ثاني..
بل أن الفرح بالمعصية أعظم إثمًا عند الله من فعل المعصية، فقد يفعل المؤمن المعصية ولكن يندم عليها ولا يفرح بها، ولكن المنافق والفاسق يفرح بالمعصية، وإثم الفرح بالمعصية أشد من فعل المعصية نفسه عند الله لأنه دليل إصرار ومعاندة للجبار-جل جلاله- بخلاف المؤمنين (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا) [ال عمران:135]. إذًا؛ فهذه أحكام الحمدلة.
"لله رب العالمين"، والرب يأتي بمعاني كثيرة في اللغة العربية، ومن ما يتعلق بربوبية العالمين كونه مالكهم وخالقهم ومدبرهم ومنشئهم؟ والعالمون: هم الإنس والجن والملائكة، وهم العقلاء من أجناس هذه الكائنات، وهم روح العالم؛ الإنس والجن والملائكة، وإن كان لفظ: "العالمين"؛ جمع عالَم، فإن العالم كل ما سوى الله تعالى، يقال: له عالَم، عالم الأرض، عالم السماء، عالم الحيوان، عالم النبات، عالم الجماد، عالم الهوى، عالم الأرواح، عالم الجنة، عالم النار، كل ما سوى الله، يقال له: عالَم، ولكن إذا جُمِع العالمون أريد بهم الإنس والجن والملائكة على وجه الخصوص.
"الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه"؛ يكون واصلاً إلى جميع النعم، يفيء بها بمعنى: يصل إليها أو بمعنى يكون مثل تلك النعم، "ويكافئ مزيده"؛ وهو ما يزيده -سبحانه وتعالى- على عباده من أنواع النعم الظاهرة والباطنة، كما قال: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ) [لقمان:20] جل جلاله. يقول: أننا نحمده حمد يجعل الله -سبحانه وتعالى- معناه واسع وكبير يوافي جميع النعم، ويكافئ كل مزيد لنا من المنعم سبحانه وتعالى. وقد قيل في هذه الصيغة أنها أفضل صيغ الحمد، فقال بعض الفقهاء: إذا نذر أو حلف أن يحمد الله بأفضل صيغ الحمد، أنه يبرأ بهذه الصيغة: "الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده" جل جلاله وتعالى في علاه؛ لأنه لاشيء أعظم وأوسع من نعمه ومزيده -سبحانه وتعالى- فله الحمد على كل حال.
ومن صيغ الحمد الفاضلة الواردة:
- ربنا لك الحمد كالذي تقول، وخيرًا مما نقول.
- جاء أيضًا: لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
- والحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده.
ثم ثلّث بالصلاة على النبي محمد ﷺ، وهو الذي يلزم المؤمن في مهمّاته وأحواله، وجاء في سنن الترمذي عنه ﷺ وعند غير الترمذي كذلك: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاةً"؛ ومعنى صلاة الله على نبيّه محمد ثم على أنبيائه، ثم على ملائكته: الرحمة المقرونة بالتعظيم، ليس عموم الرحمة ولكن رحمة خاصة لائقة بالمقام الأشرف، مقرونة بالتعظيم والإجلال، فالصلاة رحمة مقرونة بالتعظيم. "صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم"، ويقولون:
- أن الصلاة من الله تفسَّر بمعنى الرحمة.
- وأن صلاة الملائكة تحمل معنى استغفارهم، معنى صلّت الملائكة على فلان بمعنى استغفرت له.
- وأن الصلاة من الآدميين يقولوا: صلى فلان، صلى فلان.. معناه التضرع والدعاء.
قال سبحانه وتعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ)، فكان إذا جيء له بصدقة آل فلان، قال: اللهم صلِّ على آل فلان، يدعو لهم ﷺ، (إِنَّ صَلَاتَكَ)، وفي قراءة: (إِنَّ صَلَوَٰتِكَ) (سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ)[التوبة:103] ﷺ.
وهي من أعظم أنواع العبادات لما أراد الله الأمر بها في كتابه ابتدأ بنفسه، قال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)[الأحزاب:56]، ابتدأ بنفسه وثنّى بالملائكة.
والاسم "محمد"، أصله وصف لمن كثرت صفاته الحميدة أو كثر حمد الناس له، فمعنى محمد في اللغة: رجل خصاله الحميدة كثيرة أو حمد الناس له كثير الناس يحمدونه، فيُقال له: "محمد"، ولم يكن الاسم هذا مشهور -سبحان الله- في البرية إلى قبيل ميلاده ﷺ، وكان يتحدث علماء اليهود والنصارى من الرهبان والأحبار، أن هذا عام نبيٍّ يولد اسمه محمد، فكان نحو خمسة عشر من الناس ولد لهم مواليد سموهم محمد، ولم يكن مشهورًا بين العرب وبين الناس اسم محمد، ثم تكررت الرؤية لأمه آمنة أن سميه محمدًا، وأشارت إلى جده عبد المطلب وألهمه الله أن يسميه هذا الاسم، ووقع في قلبه أنّي أريد هذا المولود يكون محمودًا، يكثر حمد الناس له بل أهل السماء وأهل الأرض. حتى في اليوم السابع دعا أعيان قريش وقرابته، وعَق عنه وسماه "محمد"، قالوا له: هذا اسم عجيب غريب ليس من أسماء آبائك، فكان الناس يحرصون على أسماء آبائهم وأجدادهم حتى في الجاهلية، فجاء الناس في الإسلام ولا عاد حرصوا على أسماء آبائهم والأسماء الصالحة، وراحوا يجيئون بأسماء حد فاجر، وحد كافر، وحد ساقط، وحد ملحد وسمّوا أولادهم بهذه الأسماء… هذا انحطاط! فكانوا يغارون على أسماء آبائهم، فقالوا: كيف تسميه بهذا الاسم وهو ليس من أسماء آبائك وأجدادك؟! قال: إني سميته بهذا الاسم أرجو أن يحمده أهل السماء وأهل الأرض!
وعقّ عنه سابع الميلادِ *** دعا قريشًا رؤساء النادي
سمّاه لما حضروا محمدا *** قالوا: لماذا؟ قال حتى يُحمدا
يحمده أهل السما والأرضِ *** فحقّق الله رجاه المرضي
فكان المحمود؛ ما حُمِدَ في السماء والأرض مثل محمد ﷺ، وفي القيامة يحمده الأولون والآخرون، (عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء:79] ﷺ.
فاختاره الله لحبيبه وهو من خير الأسماء، وهو الأشهر في الأرض، والأشهر في السماء اسم: أحمد. وقد جاء في التوراة والإنجيل اسم محمد واسم أحمد، والعجيب أن بعض أهل الإنجيل لما بُعث محمد ﷺ، حسدوا بعّدوا اسم محمد حوّلوه إلى أحمد، فأنزل الله بعد ذلك على نبيه: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف:6]، هو هذا الذي هربتم منه، هو أحمد وهو محمد ﷺ.
"وآله"؛ أقاربه المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب؛ من آمن من قرابته بنو هاشم وبنو المطلب، قال: إنما نحن وبنو المطلب شيء واحد في الجاهلية والإسلام، وهم ذوو القربى الذين تصرف إليهم الخمس من الغنائم، (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ)[الأنفال:41]؛ بني هاشم وبني المطلب.
"وصحبه"؛ كل من آمن به واجتمع به وهو مؤمن ومات على الإيمان، فهم صحبه الكرام -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- صحبهُ؛ كل من صحبه، وفي الحديث: ما تصاحب اثنان في ساعة من ليلٍ أو نهار إلا سأل الله عن صحبتهما، فتثبت الصحبة بساعة. وكذلك تثبت الصحبة لكل مؤمن رأى الحبيب ﷺ أو رآه الحبيب ﷺ، كل من اجتمع به مؤمنًا فهو صحابي، من اجتمع بالنبي مؤمنًا ومات على الإيمان فهو صحابي، وإن كانوا درجات:
- السابقون الأولون مهاجرون وأنصار أفضلهم
- وأفضل أولئك أهل بدر.
- وأفضلهم العشرة المبشرون بالجنة.
- وأفضلهم الخلفاء الراشدون؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
هذا ما استُشِفّ مما ورد في السنة الكريمة من فضل الصحابة الكرام، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
- ثم أهل أُحُد.
- ثم أهل بيعة الرضوان.
وقد كان بعض الصحابة يذكر أن فضيلة بيعة العقبة لا تقل عن فضيلة بدر، وإن كان بدر أشهر ذكرًا في الناس، ولكن بيعة العقبة شأنها عند الله وعند رسوله، لأنه الأساس الذي قام به نهضة الدين والإسلام ونصرة المصطفى ﷺ، الذين بايعوه بيعة العقبة، أعظم من الذين بايعوه تحت شجرة الرضوان هؤلاء مثل البدريين -عليهم رضوان الله- وهم سبعون من الأوس والخزرج.
"والسلام"؛ هو التحية ومعناه: السلامة والأمان من جميع الآفات. "صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم"، ثم ذكّر بحديثين؛ الحديث الأول: "طلب العلم فضيلة على كل مسلم"، الذي جاء في سنن ابن ماجه أيضًا عند غيره ما ذكروه هنا، فطلب العلم فريضة على كل مسلم، واتفق أهل العلم أن من العلم الشرعي:
- ما هو فرض عين
- وما هو فرض كفاية
- وما هو مسنون
فعلوم الشريعة التي هي علوم القرآن التفسير وأصوله، وعلوم الحديث علوم السنة من الحديث ومصطلحه، وعلوم الأحكام من الفقه وأصوله؛ هذه العلوم الشرعية، علوم الشريعة تأتي ما بين فرض عين وفرض كفاية ومندوب مسنون.
- فرض العين: علم ما يجب اعتقاده وما يجب أيضًا فعله وما يجب اجتنابه مما يتعرّض له المسلم المؤمن.
ويدور هذا العلم الذي هو فرض عين، فرض عين على كل مسلم، لا يجوز له أن يجهل ما يجب اعتقاده، ولا أن يجهل كيفية ما يجب عليه فعله ويتعلق به من الفرائض، ولا ما يجب عليه اجتنابه من المحرمات التي يتعرض لها. ثم لمن أراد أن يزاول شيئًا من المعاملات تجب عليه معرفة ما يجوز وما لا يجوز في تلك المعاملة، من بيع أو شراء، أو إجارة، أو وكالة، أو قرض، أو قراض، وما إلى ذلك، وكذلك معرفة التروك؛ المنهيات التي يمكن أن يتعرض لها في حياته، هذا فرض عين على كل مسلم لا يجوز جهله به، ولا يسعه جهله به.
- بعد هذا الفرض العين يأتي فرض الكفاية على أهل كل قطر أن يكون فيهم متسع في علوم الشريعة، بحيث يستطيع الفتوى فيما يطرأ من المسائل.
- وما عدا ذلك فوقه فهو سُنة ولا يحيط بالعلم أحد.
إذن هذا حكم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم:.
وكذلك الحديث الثاني: "من سلك طريقًا يلتمس فيها علمًا"، وفي رواية: "فيه"، وفي رواية: "يطلب"، ومعنى يلتمس يطلب، "سلك الله به طريقًا إلى الجنة"، الحديث عند أبي داود والترمذي وغيرهما. يقول: "من سلك طريقا يلتمس فيها علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة"، فهو يحث ﷺ أن نُهيئ لنا طريقًا وسبيلاً لنتمكن فيه من تحصيل العلم:
- بتفريغ شيء من أوقاتنا
- بسفرنا إلى مكان
- بحضورنا لدروس معيّنة، أو لدورة معينة
نسلك سبيل نطلب فيها العلم، وأن الله يكافئ من سلك هذا السبيل أن يسلك به سبيلاً إلى الجنة، وما معنى أن يسلك به طريقًا إلى الجنة؟ ثلاث أشياء:
- الأول في الدنيا؛ يوفق لأعمال أهل الجنة وأوصافهم فيعمل بأعمالهم ويتّصف بأوصافهم.
- الثاني عند البعث؛ يكون الناس ما بين نور وظلمة فينوَّر، ويأتيه النور عند القيام من القبر لأنه سبيله إلى الجنة.
- الثالث يُثبَّت قدمه على الصراط عند المرور إلى الجنة.
هذا معنى: "سلك الله به طريقًا إلى الجنة"؛ في الدنيا بتوفيقه لأعمال أهل الجنة وصفاتهم، عند القيامة بالنور بدل الظلمة وعند المرور على الصراط بتثبيت القدم، تثبيت القدم عند المرور على الصراط، "سلك الله به طريقًا إلى الجنة" الله يجعلنا من اهل جنته.
وكان سيدنا أبو الدرداء يقول: "من رأى أن الغدوة في طلب العلم ليس بجهاد، فقد نقص في رأيه وعقله"، فالتكبير والسبق والتصبيح في طلب العلم إذا ما هو جهاد، من لا يعرف هذا ناقص عقله وناقص رأي! قال: من رأى أن الغدوة إلى طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله. فهو من جملة الجهاد في سبيل الله قبلنا الله وإياكم.
"وبعدُ، فهذه مسائل"؛ جمع مسألة
- والمسألة لغة السؤال
- وهي في الاصطلاح مطلوب خبري يبرهن عنه في العلم، يقال له: مسألة
فمعناه في اللغة السؤال لكن في الاصطلاح مطلوب خبري يبرهَن عنه في العلم، يقال: مسألة. ثم إن المجموعة من المسائل يقال: لها فصل، وهو جملة من المسائل تحتوي على مسائل، و وراء الفصل باب يحتوي على فصول ومسائل، ويلحق بها التنبيه غالبًا، وفوقه الكتاب؛ الكتاب أيضًا يأتي في الاصطلاح: قطعة من العلم أو جملة من الأحكام تشتمل على أبواب وفصول وفروع ومسائل وتنابيه غالبًا.
إذًا؛ عندنا معنى المسألة في اللغة السؤال، وفي الاصطلاح مطلوب خبري يبرهن عنه في العلم.
قال: "مسائل مختصرة" قالوا والمختصر ما قلّ لفظه وكثُر معناه غالبًا، "من بعض كتب حجة الإسلام الغزالي"، قالوا: أن أهل السنة لم يشتهر بينهم في العلماء من يلقّب حجة الإسلام إلا الإمام الغزالي محمد بن محمد بن بن محمد حامد الغزالي الذي ولد سنة 450هـ، وتوفي سنة 505هـ؛ فعمره 55 سنة، وهو في أول القرن السادس كانت وفاته عليه رحمة الله تعالى. وهو الموسوم بـ مجدّد الدين في ذلك القرن؛ "حجة الإسلام الغزالي غالبًا"، يعني: غالب هذه المسائل "من عرفها وعمل بها نرجو له من الله أن يكون من أهل العلم ظاهرًا وباطنًا"؛ أوراق محدودة لكن عند معرفتها والعمل بها هذا الرجاء أن تكون من أهل العلم ظاهرا وباطنا؛
- والعلم الظاهر: معرفة الأحكام.
- والعلم الباطن: نور يُقذف في القلب تدرك به سر الصلة بالحق -تبارك وتعالى- ومعاني مراداته ودلالات كلامه وكلام رسوله.
فالعلم الظاهر معرفة الأحكام، والعلم الباطن هذا النور الذي يُقذف في القلب تدرك به سر الصلة بالرحمن، وحسن المعاملة له وتدرك به معاني دقيقة من كلامه وكلام رسوله وخطابه الأعلى -جل جلاله-، الله يجعلنا من أهل العلم ظاهرًا وباطنًا.
"أركان الإسلام خمسة:
- شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله
- وإقام الصلاة
- وإيتاء الزكاة
- وصوم رمضان
- وحج البيت من استطاع إليه سبيلا
مع الإخلاص والتصديق، فمن لم يكن مخلصًا فهو منافق، ومن لم يكن مصدقًا بقلبهِ فهو كافر".
لا إله إلا الله .."أركان الإسلام" أركان جمع ركن.
- والركن لغة: جانب الشيء الأقوى.
- وهو في الاصطلاح: جزء من الماهية لا تتحقق الماهية إلا به؛ الركن.
"فالإسلام":
- لغة: الاستسلام والانقياد.
- شرعًا: الاستسلام والانقياد للأحكام الشرعية العملية التي بُعث بها نبينا محمد ﷺ.
"أركان الإسلام"؛ أي: ما يقوم عليه بشهادة: "بُنيَ الإسلام على خمس"، "أركان الإسلام خمسة".
"شهادة"؛ والشهادة معناها الاعتقاد بالقلب؛ معنى "الشهادة" الاعتقاد بالقلب؛ "شهادة أن لا إله إلا الله"، والإله: هو المعبود بحق، فلا معبود بحق إلا الله جلّ جلاله، "شهادة أن لا إله إلا الله"؛ أي: الاعتقاد بالقلب أن لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، وإنما تكون الشهادة معتبرة إذا نطق بها مبيّنًا فهو معتقد بقلبه مبيّن لغيره مقرّ بلسانه أن لا معبود بحق في الوجود كله، أي لا يستحق العبادة أحد في جميع الأكوان إلا الله الرحمن الخالق سبحانه وتعالى. "شهادة أن لا إله إلا الله"؛ أي لا معبود بحق، فكل ما عُبِد دون الله فهو معبود بباطل، لا معبود بحق إلا الله.
"شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله"، فهي مفتاح للدخول في دين الله، "شهادة أن محمد رسول الله"؛ أي: أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق وجعله خاتم النبيين.
- فالرسول: إنسان حر ذكر منزّه عن دناءة أب وعن خنى أم، أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه هذا هو معنى الرسول. الرسول: إنسان حر ذكر سليم عن منفرات الطبع وعن دناة الأب وعن خنى الأم أوحي إليه بشرع من قِبل الله تعالى وأمر بتبليغه هذا يُقال له الرسول.
ودونه النبي، وكل رسول نبي وليس كل نبي رسول، فكل نبي من أوحي -لله تعالى إليه بشرع يتبع فيه شرع من قبله لم يخصص بكتاب ولم يخصّص بنسخ أحكام، هذا النبي.
ولكن إذا أنزل عليه كتاب أو نسخ أحكام من قبله فيقال: رسول؛ فالرسول منوطٌ شأنه بتبليغ جديد، والأنبياء يجددون سنن وشرع الرسل الذين جاءوا قبلهم ولكن خُتم النبيون بمحمد ﷺ، فما بقي تجديد شريعة إلا على أيدي علماء أمته في كل زمان. يقول: فمن هنا كانت وظيفة العلماء في الأمة تشبه وظيفة الأنبياء، ومن هنا جاء: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، وجاء أيضًا: "العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ودرهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".
"شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" هي المفتاح، والأصل ويبتني عليها كل شؤون الدين من الإسلام، والإيمان، والإحسان، والوصول بالإحسان إلى رتبة المعرفة الخاصة، والمحبة الخالصة كلها مبنية على الشهادتين.
شهادة "لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله"،
- فآيات القرآن التي فيها التوحيد وذكر أخبار النبوة والرسالة، شرح للشهادتين.
- بقية الآيات كالشرح لهذه الآيات الأصل.
- والسُّنة شرح للقرآن.
- وأقوال الصحابة والعلماء شرحٌ للسُّنة
فرجعت كلها إلى شهادة "لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله"؛ شُرحت بآيات التوحيد وآيات النبوة والرسالة، وشُرحت آيات النبوة والرسالة ببقية القرآن، وشُرح القرآن بسنة المصطفى، وشُرحت السنة بأقوال الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان من العلماء العاملين، فرجعت كلها إلى الشهادتين. حققنا الله بحقائقها.
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة"؛ ومعنى الإقام الصلاة: الملازمة والاستمرار وأدائها على وجهها، فرق بين الصلاة وإقام الصلاة؛ إنما يقيمها من جمع شروطها وأركانها واجتنب مبطلاتها ولازم عليها، أدّاها في أوقاتها بشروطها وأركانها، "إقام الصلاة"، لهذا القرآن لم يأتِ بمجرد صلوا ولكن أقيموا الصلاة وأقِم الصلاة، فالإقامة أدائها على جمع أركانها وشروطها واجتناب مبطلاتها والملازمة عليها والاستمرار.
"وإقام الصلاة"؛
- والصلاة معناها لغة: الدعاء.
- ولكن معناها في الشرع: أقوال وأفعال غالبًا مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
"وإيتاء الزكاة"؛ والإيتاء هو الإعطاء، "والزكاة"؛
- معناها النماء والتطهير في اللغة،
- وفي الشرع: اسم لما يجب إخراجه من مال عن مال أو بدن؛ اسم لمال مخصوص يخرج على وجه مخصوص، إما عن مال وهي أنواع:
- زكاة الأموال.
- وإما عن بدن؛ وهي زكاة الفطرة الخروج من رمضان ودخول شوال
"وإيتاء الزكاة وصوم رمضان". "والصوم"
- لغة: الإمساك.
- وشرعًا: الإمساك عن المفطّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
"رمضان" الشهر التاسع من الأشهر القمرية، وفُرض صوم رمضان والزكاة في شعبان، في السنة الثانية من الهجرة، في شهر شعبان، في السنة الثانية من الهجرة كان فرض الصوم والزكاة، وأما الصلاة فُرضت ليلة الإسراء والمعراج.
"وحج البيت من استطاع إليه سبيلا"؛ الحج بمعنى القصد؛ وهو قصد البيت الحرام لأجل النُسك، وهو أركان الحج، "من استطاع إليه سبيلا" لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [ال عمران:97]، هو من وجد الزادة والراحلة وتمكن من الذهاب.
فعل هذه الأركان "مع الإخلاص"؛ أي: إرادة وجه الله وحده لا إرادة شيء آخر، "من لم يكن مخلصاً فهو منافق" والعياذ بالله تبارك وتعالى.
- إذا كان في الشهادتين منافق، فهذا منافق النفاق الأكبر لم يقلها إلا لغرض لا يعتقدها، فهذا منافق.
- وإن كان في غير الشهادتين، فهو مرائي، يتعرض لأن يحبط عمله.
"والتصديق": يعني أن يجزم قلبه بحقيقة ذلك، فجزم القلب بالتصديق هو المفروض ولا يصح الإيمان إلا به، "من لم يكن مصدقاً بقلبه فهو كافر"، أعاذنا الله من ذلك وحققنا بحقائق الإسلام.
[قواعد العقائد]
وأصل الإيمان أن تعتقد أن الله تعالى موجود، وأنه تعالى واحد لا شريك له، ولا مثل له ولا شبه له، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، -عز وجل- خلق السماوات والأرض، وخلق الموت والحياة، والطاعة والمعصية، والصحة والسقم، وجميع الكون وما فيه، وخلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا تزيد ولا تنقص ولا يحدث حادث إلا بقضائه وقدره وإرادته".
سبحانه وتعالى. فهذا بداية الكلام عن علوم الإيمان، فيما ذكر من أصل الإيمان؛ الأصل للإيمان أساسه الذي يُبنى عليه والمراد هنا حقيقة الإيمان.
حقيقة الإيمان: أن تعتقد بقلبك موقنًا جازمًا أن الله تعالى موجود بل قام به الوجود، ولا وجود لشيء إلا به، أنت تعتقد أن الله تعالى موجود؛ المراد هو الوجود الذاتي الحقيقي الأزلي، هذا الوجود يختص به وحده سبحانه وتعالى. أما جميع الموجودات فهي بإيجاده، وليست موجودة بذاتها ولا قديمة، كلها حادثة، سواءً كان عرش أو كرسي أو جنة أو نار أو إنس أو جن أو ملائكة أو روح أو جسم… كل ما سواه فهو حادث، والقديم هو وحده تبارك وتعالى.
وجود جميع الكائنات وجود غير ذاتي، وإنما عارض؛ بإيجاده سبحانه وتعالى، قابل للعدم، جميع الكائنات قابلة للعدم ولكنه يبقي ما شاء منها كالعرش والكرسي والجنة والنار والأرواح يبقيها بإبقائه لا بذاتها؛ لا تبقى بذاتها، ولكن بإبقائه إياها جلّ جلاله. إذًا؛ فوجود جميع الكائنات:
- وجود غير ذاتي
- وجود حادث
- وجود يقبل العدم
بخلاف وجود الحق ذاتي لا يقبل العدم لا أزلاً ولا أبدًا، هذا معنى قولهم: لا موجود إلا الله؛ أي الوجود الحقيقي الذاتي، كل موجود غيره صحيح بإيجاده موجود بإيجاده -سبحانه وتعالى- وهو قابل للعدم.
إذًا؛ فالاعتقاد أن الله تعالى موجود هذا أصل الإيمان؛ أن تعتقد أن الله -تبارك وتعالى- موجود، وهو الذي أنشأ الوجود وفطر الكون وبرأ النسمات والخلق جل جلاله وتعالى في علاه. في البخاري يقول ﷺ: "كان الله ولم يكن شيء غيره"، وفي لفظ: "كان الله ولم يكن شيء معه"، إذًا؛ فهو الموجود الوجود الحقيقي الذاتي وحده، ووجود ما سواه ثابت بإيجاده، ولكن كل موجود سواه فوجود حادث بلا استثناء، كل الكائنات والموجودات غير الله.. حادثة، لم يكن شيء منها قديم، أي: لم يكن شيء موجود بذاته من الأزل، ولم يكن في الأزل إلا الله سبحانه وتعالى.
فأوجد ما شاء من جميع الكائنات، ثم هذا الوجود الطارئ يقبل العدم، بخلاف الوجود الأزلي الذاتي لا يقبل العدم، لا أزلاً ولا أبدًا. إذًا؛ إيماننا بوجود الله، ليس كإيماننا بوجودنا أو بوجود الكائنات والسماوات والأرض، هذا وجودها وجود حادث قابل للعدم، لكن أن نؤمن بوجود الله وجود ذاتي أزلي لا يقبل العدم، لا أزلًا ولا أبدًا سبحانه وتعالى.
حقيقة الوجود له، قال: موجود، وأنه تعالى واحد" لا تعدد له ولا شريك، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى، فهو واحد في ذاته في صفاته وفي أفعاله، بمعنى:
- لا يشاركه في الفعل أحد.
- وليس شيء من صفاته كصفات أحد من المخلوقات.
فإذا وصفنا الحق تعالى بالعلم فليس كعلم المخلوقين، علم المخلوقين حادث ومحصور ولا يحيط بالأشياء، لكن علمه ذاتي أزلي ومحيط بكل شيء، بل العلم على الحقيقة له والكائنات بما فيها العلوية والسفلية، تحت دائرة: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:85]، العالم هو، هو الذي أحاط بكل شيء علما. وإذا وصفناه -سبحانه وتعالى- أيضًا بأنه الباقي فليس بقاءه كبقاء ما أراد إبقائه من الكائنات، وإذا وصفناه سبحانه وتعالى بأنه الحي فليس المراد الحي التي تتعلق بالنبات ولا بالإنسان ولا بالحيوان هذه حيوات كلها مخلوقة وحادثة وتقبل الزوال والعدم، وليست بذاتها، لكن هو الحي بذاته سبحانه وتعالى فلا شريك له في وصف ولا في فعل ولا في ذات، سبحانه وتعالى.
قال تعالى: (وإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) [البقرة:163]، ولما قال: المشركون لنبينا صف لنا ربك، أنزل: (قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ * وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ) [الاخلاص]، أي: مماثلاً وشبيهًا، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ)[الشورى:11].
"وأنه تعالى واحد لا شريك له"؛ جلّ عن الشريك وعن المثيل، وكل من ادُّعيّت له الشركة، فمظاهر النقص بادية عليه، من صنم أو من إنسان أو من حيوان أو من شمس أو من قمر، كلها مظاهر النقص بادية عليها، ومكوّنة متصرَّف فيها، لا يتأتى أن تكون إله من قريب ولا من بعيد، بل وحده -سبحانه وتعالى- هو "واحد لا شريك له، ولا مثل له ولا شبه له." عندهم مثل وشبه ونظير:
- فمن اشترك مع غيره في جميع الصفات فهو مِثل.
- ومن اشترك مع غيره في قليل من الصفات فهو شِبه.
- ومن اشترك مع غيره في أكثر الصفات فهو نظير.
الحق لا شبيه له ولا نظير ولا مثيل؛ لا له مثل ولا شريك ولا نظير، لا يشاركه أحد في شيءٍ من صفاته ولا من أفعاله جلّ جل. "واحد لا شريك له، ولا مثل له ولا شبه له" فهو كما قال عن نفسه في كتابه العزيز (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11].
فنسأل الله كمال الإيمان، وأن يزيدنا إيمانا ويزيدنا يقينًا في كل لمحة وفي كل نَفَس، اللهم زِدنا إيمانا بك وبرسولك وما جاء به عنك في جميع أنفاسنا ولحظاتنا وأقوالنا وأفعالنا وأيامنا وليالينا، واجعل لنا في شهر رجب هذا زيادة في الإيمان، وزيادة في اليقين، وزيادة في المعرفة بك وبرسولك، وزيادة في الأدب معك والعبودية لك، والخضوع لجلالك والاقتداء بخاتم إرسالك، اللهم صل على عبدك المصطفى محمد وثبتنا على دربه، واسقنا من شربه وادخلنا في حزبه، وانظر إلى أمته وفرج كروبهم وأصلح شؤون أهل فلسطين وأهل الشام كله، وأهل اليمن، وأهل الإسلام في المشارق وفي المغارب، أصلح شؤونهم يا رب العالمين، وادفع البلاء عنهم يا أكرم الأكرمين، وحوّل الأحوال إلى أحسنها وأرِنا في الأمة ما تقرّ به عين نبيك محمد، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي ﷺ.
فوائد من الدرس (أحكام البسملة)
14 رَجب 1447