الرسالة الجامعة – 8 | باب الحج والعمرة

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثامن في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

فجر الأحد 22 رجب 1447هـ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم،

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيِّن، وعلى آله وصحبه أجمعين قال الإمام -رحمه الله تعالى- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين:

 

الْحَجُّ

وَأَمَّا الْحَجُّ: فَهُوَ خَامِسُ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ حُرٌ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً بِشَرْطِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَهِيَ: أَنْ يَمْلِكَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَفَرِهِ إِلَى الْحَجِّ ذَهَابَاً وَإِيَاباً، وَنَفَقَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتْهُ إِلَى رُجُوعِهِ.

وَأَعْمَالُ الْحَجِّ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَرْكَانٌ، وَوَاجِبَاتٌ، وَسُنَنٌ.

 

أَرْكَانُ الْحَجِّ

فَالْأَرْكَانُ خَمْسَةٌ:

الإِحْرَامُ، وَهُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ: (نَوَيْتُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ وَأَحْرَمْتُ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى)، وَلَا يَصِحُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِهِ: وَهِيَ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَآخِرُهَا طُلُوعُ فَجْرِ لَيْلَةِ النَّحْرِ.

وَبَاقِي الْأَرْكَانِ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الإِفَاضَةِ، وَالسَّعْيُ، وَالْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ.

 

أَرْكَانُ الْعُمْرَةِ

وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: هِيَ أَرْكَانُ الْحَجِّ إِلَّا الْوُقُوفَ فَلَيْسَ مِنْهَا.

وَيَجِبُ لِلطَّوَافِ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَالطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثَيْنِ وَمِنَ النَّجَاسَةِ، وَأَنْ يَكُونَ سَبْعَ طَوْفَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتُ عَنْ يَسَارِهِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهُ.

وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ السَّعْيُ: سَبْعاً، وَبَعْدَ طَوَافٍ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا وَيَخْتِمَ بِالْمَرْوَةِ.

 

وَاجِبَاتُ الْحَجِّ

وَوَاجِبَاتُ الْحَجِّ: الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَالْمَبِيتُ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ بِمِني، وَالرَّمْيُ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ.

 

سُنَنُ الْحَجِّ

وَأَمَّا السُّنَنُ: فَكُلُّ مَا سِوَى الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ؛ فَمَنْ تَرَكَ رُكْناً .. لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ، وَلَا يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ، وَلَا يَجْبُرُهُ دَمٌ وَلَا غَيْرُهُ. 

 

وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَرْكَانِ لَا تَفُوتُهُ مَا دَامَ حَيَا، وَهِيَ: الطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالْحَلْقُ.

وَمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنَ الْوَاجِبَاتِ .. صَحَ حَجَّهُ وَلَزِمَهُ دَمٌ، وَعَلَيْهِ إِثْمٌ إِنْ لَمْ يُعْذَرْ.

وَمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنَ السُّنَنِ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تَفُوتُهُ الْفَضِيلَةُ.

 

مُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ

وَيَحْرُمُ سَتْرُ رَأْسِ الرَّجُلِ وَوَجْهِ الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَيْنِ أَوْ بَعْضِهِمَا، وَإِزَالَةُ الظُّفْرِ وَالشَّعَرِ، وَدَهْنُ شَعَرِ الرَّأْسِ وَاللَّحْيَةِ، وَتَطْبِيبُ جَمِيعِ الْبَدَنِ. 

وَيَحْرُمُ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ، وَإِتْلَافُ كُلِّ حَيَوَانٍ بَرِّي وَحْشِيٌّ مَأْكُولٍ. 

وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ.

 

ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. 

الحمد لله الذي نصَبَ بيته الحرام وجعله أول بيت وضِع للناس، فجعل فيه محطًّا للأشواق وتلقيًا للإيناس. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس له مثلٌ، ولا ندٌّ، ولا شريكٌ، ولا شِبهٌ، ولا مثلٌ، لا إله إلا هو، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير. نصب شعائر له في عباده وبريّته، وجعل فيها معاني الوجهة إليه، وجعل فيها تخفيفًا لأعباء الشوق التي تتحملها المؤمنون به جلّ جلاله. 

وقال: مشيرًا إلى جميع الشعائر وهي المعالم على دينه، (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32]، وأعظم الشعائر قال أهل العلم خمسٌ: 

  • محمد رسول الله 
  • والقرآن الكريم المعظم
  • والكعبة المشرفة
  • والصلوات الخمس
  • ورمضان

 هذه أعلى وأعظم الشعائر، وكل مَعلم من معالم دين الله، يدل على الله؛ فهو من الشعائر حتى جعل الله ما يُهدى من الأنعام إلى البيت الحرام من الشعائر (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ) [الحج:36]، وجعل الجبلين الذين يُسعى بينهما في أعمال الحج والعُمرة من الشعائر، وقال: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ) [البقرة:158]، نص صريح واضح، فكيف يكون هذا الجبل والبُدن من الشعائر؟ ثم لا يكون الأولياء من الشعائر؟ يمكن هكذا؟!.. يمكن البُدن المهدى للحرم شعائر، وأهل الولاية ما هم من الشعائر؟ جبل من الشعائر وأهل الدلالة على الله ما هم شعائر؟ فالأنبياء أعظم الشعائر وَلَتَتُمُّ هَذِهِ شَعَائِرُ اللَّهِ الَّتِي تَعْظيمُهَا مِن تَقْوَى القلوب، وجاء الله تعالى لرأس هذه الشعائر حبيبه محمد وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات:2]. أنتم وزكواتكم، وصلواتكم، وحجّاتكم، ووجهاتكم تروح.. إذا ما انتبهتم عند الحبيب (أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ). ثم مدح القوم مثل سيدنا أبو بكر… (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) [الحجرات:3]. وجعل سبحانه وتعالى الملامة والعتاب على الذين يرفعون أصواتهم تحت بيوته: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الحجرات:4-5]، صلى الله على سيدنا محمد وآله. 

وجعل هذا البيت كما نص في القرآن (أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) لذا فإن الأصحّ أن بنايته الأولى كانت قبل آدم -عليه السلام- وكانت على أيدي الملائكة، فبَنَته الملائكة وحجّوه ولكن كأن المقصود به هؤلاء الناس؛ (وُضِعَ لِلنَّاسِ) فصنف الناس على وجه الخصوص مقصودين بهذا. الملائكة يطوفون به ويحجّونه، والجان يطوفون به ويحجّونه ولكن الناس مقصودين على وجه مخصوص (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران:96]. وحجّه آدم -عليه السلام- وجاء في الحديث أنه بعد ما أمر الله بالحج فحجّه، قابلته الملائكة وقالوا: "بِرَّ حَجَّكَ يَا آدَمُ، قَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ"، ألفين سنة ونحن نحج قبل ما تخرج أنت للأرض، وقبل ما تأتي، فسبحان الله.. فحج آدم، وفي بعض الأخبار: ما من نبي إلا وحج البيت، مختلف الأنبياء وردوا. ورسول الله في حجّة الوداع كان يتذكر ورود الأنبياء ومرورهم قبله، يذكر كل نبي لما بينهم من الصِّلة والرابطة في الله -تبارك وتعالى- ويقول: أي وادٍ هذا؟ يقولون: وادي كذا، قال: كأني بهُودٍ وصالح مرّا من هذا الوادي، يحجان هذا البيت حتى يصف بعض لباسهم. قال: ما هذا الوادي؟ قالوا: وادي هرشى، قال: كأني بموسى بن عمران يجأر إلى الله بالتلبية، وهو مار في هذا الوادي يجأر إلى الله بالتلبية، وأخذ يتذكرهم في مسيرته في الحج ﷺ. كما أمره الله أن يمر عليهم في ليلة الإسراء والمعراج، وكان في حجة الوداع يتذكرهم، فصار هذا التذكُر بين الأنبياء والمقرّبين من أعجب ما يبسط الله لقلوبهم في أسرار الصلة به، وأسرار التحابب فيه -سبحانه وتعالى- ومن أجله؛فالحُبُّ في اللهِ والبغضُ في اللهِ من أوثق عُرى الإيمان. 

وثم أن فريضة الحج على هذه الأُمة فُرضَت في السنة السادسة من الهجرة، على أصح الأقوال. في السنة السادسة التي تم فيها صلح الحديبية. وشُرطت الاستطاعة، ونزل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ) [آل عمران:97]. 

  • في السنة السابعة، اعتمر ولم يحج ﷺ. اعتمر بدل العُمرة التي رجع منها. 
  • ثم في السنة الثامنة، فتح مكة ولم يحُجّها. 
  • ثم في السنة التاسعة، وقد صارت مكة تحت يده ﷺ أرسل سيدنا أبو بكر الصديق يحج بالناس، وتخلّف هو إلى السنة الآتية لحِكَم، منها: 

○ استقامة التاريخ؛ لأنهم كانوا يلعبون في الجاهلية، ويقدِّمون يوم ويأخرون يوم، ويقدمون شهر.. فاستقر حتى قال في حجة الوداع: إن الزمان قد استدار على هيئته كيوم خلق الله السماوات والأرض.. رجع كل شيء في محله. 

○ والثاني، أنه لا يزال المشركون يطوفون بالبيت عرايا، وهم عُراة، ويحضرون مع الموقف، ونزلت آيات براءة، فأرسل سيدنا علي يلحق سيدنا أبو بكر الصديق ليبلّغ براءة. وينادي في الناس: ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.

قالوا: سيدنا أبو بكر الصديق كان في محل وقفوا فيه باتوا وقام يصلي الصبح بالركب معه المتوجهين للحج. وصل سيدنا علي على ناقة رسول الله ﷺ، لما سيدنا أبو بكر أقاموا الصلاة بالحرم سمع رغاء الناقة؛ فعرفها. رغاء الناقة.. شوف صلة الصدِّيق بالحبيب، لما سمع رغاء الناقة، وصل، وقف، وقال جاء رسول الله ﷺ!.. قالوا لا سيدنا علي أرسله ﷺ على ناقته. قال: تفضل علي، أرسلك أمير؟ قال: لا، معنا أمير، أرسلنا ﷺ مُبلِغ، أنت أمير الحج، أرسلني مُبلّغ وأصلي وراءك. صلّى خلفه، توقف عن الإحرام من صوت رغاء الناقة. 

أيش العلاقة هذه التي بين أبو بكر وبين الحبيب ﷺ حتى صوت ناقته يميزها! واهتز لها وقال: أجاء رسول الله؟ لأن صوت الناقة. قالوا: لا إنما أرسل علي. قال: أرسلني بكذا كذا، وآية كذا كذا. قال: نحن معك نبلغهم ومشى هو إياه، وأرسل معه بعض الصحابة -أبو هريرة وغيره- في عرفة وفي منى، يدورون بين الناس، يبلّغون هذا البلاغ، يدورون بين الناس على لا يحجن بعد العام وقرأ عليهم الآيات سيدنا علي في عرفة وفي منى، تلى عليهم: (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ ) [التوبة:1-2]. في السنة العاشرة، تطهَر البيت الحرام، ولا عاد مشرك ولا أحد يطوف به عريان، وتهيأت الأُمة، فأعلن أنه ذاهبٌ الحج ﷺ، فتوارد الناس من هنا ومن هناك، وحرصوا الناس أن يفدوا ليحجوا معه -عليه الصلاة والسلام- فتجمع مئة ألف وأربع وعشرون ألف. 

الذين خرجوا معهم من المدينة كان يمشي بينهم، والراوي يقول: ما ترى يمينك إلا ناس مد البصر، وأمامه على مد البصر ناس. قالوا: عن يساره ومن خلفه ناس على مد البصر وهو يمشي بينهم ﷺ حتى أكمل حجّة الوداع، وسمّاها حجّة الوداع، ولهجوا بحجّة الوداع، وما دروا أيش هذا الوداع! لما توفي بعدها قالوا: إذن كان يودعنا هذا وداع أُمته ووداعه لأُمته، كنا نقول حُجة الوداع، حُجة الوداع.. أيش من وداع! وداعه لأُمتي، وداعه ﷺ وأحسن البلاغ والبيان أنزل عليه، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ..) [المائدة:3] وهو في عرفة، أما بعدها إلا ثمانين ليلة ما بين عرفة حتى توفي عليه الصلاة والسلام. 

وقال: "خذوا عني مناسككم"، وقال لهم فيها وأشار: "أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا"، وتفطن لها سيدنا أبو بكر. لما نزلت حتى الآية؛ بكى سيدنا أبو بكر الصديق، وقالوا: اليوم يوم فرح يا أبا بكر! ما يبكيك؟ وقال له ما سمعت الآية. قال: الآية أبكتني، قال: ما وظيفة رسول الله بيننا؟ مهمته يكمل الدين، إذا قد كمل، أيش الباقي؟ فرأى أن في هذا تلميح من الحق بأنه قرب رحيل رسول الله ﷺ؛ هذا فهمه سيدنا أبو بكر. وما زال عنده، فكان يترقب الفراق. حتى في أيام مرضه ولما خرج على المنبر يخطب بهم لما اجتمعوا في أول أيام مرضه، وأوصاهم وتكلم معهم، وقال: "إن عبدًا خيّرهُ اللهُ بين الدنيا وبين ما عندهُ فاختارَ ما عندهُ". صاح سيدنا أبو بكر بالبكاء. قد كان حاضر بعض الأعراب أصحابه، يقول: ما يبكي هذا الشيخ؟ النبي ذكر أنه واحد خيره الله بين الدُّنيا، فاختار ما عنده! فكان فقه هنا؛ عرف أن النبي يقصد نفسه، والذي يُخيّر بين البقاء في الدُّنيا وبين اللقاء، فاختار ما عند الله. ولمّا بكى سيدنا أبو بكر التفت وقال: إن أمنّ الناس عليّ في صُحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا، لاتخذت أبابكر خليلًا ولكن صاحبكم خليل الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه. 

ووصى بالأنصار، ووصى بالمهاجرين، فكانت فيها إشارات.. ثم فكان يخرج من المرض في الجمعة فقط، يصلي، يمسك به اثنان، والغالب كان سيدنا العباس وسيدنا علي، يصل للمنبر ومحل الصلاة حتى كان اليوم الأخير، جمعتين في أيام مرضه -من آخر صفر إلى أن توفي في ربيع الأول- فكان يوم وفاته يوم الاثنين، خرج أحسّ بخفة ونشاط، خرج من الحجرة إلى الممر إلى عند مدخل المسجد، رفع الستارة، أشرق نور وجهه، وسيدنا أبو بكر يصلي بالناس، حتى التفت سيدنا أبو بكر -عادته ما يلتفت- وأراد أن يتأخر، فتبسّم في وجوهم، وأشار إليه مكانك، وأرخى الستارة وعاد إلى بيته الكريم. ففي ذاك اليوم كانت وفاته ﷺ، حتى الناس أصبحوا بخير فرحانين يقولون: يمشي بنفسه وما عاد أحد يمسك يده لما خرج، وقف، نظرة وداع بها، واطمأن على أُمته خلف خليفة يُصلون، قائمين بأمر الله تعالى، وعاد إلى مكانه. حتى تفرّقوا في أعمالهم ذاك اليوم، كان كثير منهم تركوا أعمالهم ولزموا المسجد للوجد الذي عندهم على مرض رسول الله ﷺ، فلما رأوه ذاك اليوم ففرحوا وراحوا إلى أماكنهم، فكان يوم الوفاة، فكانت الرجّة كبيرة والضجة ما ثبت لها حتى كبار الصحابة.

حتى سيدنا عُمَر، قال: إن قال أحد أن رسول الله مات، أضربه بسيفي، لا تقولوا رسول الله مات.. هي غيبة كما غاب موسى عند ربه، ولا قدرت نفسه تتقبل هذا الفراق. ثبت لها أبو بكر مع أنه كان أرقّهم، كان أرقّهم قلبًا لكن ذاك اليوم كان أقواهم. ودخل مباشرة.. حتى هو خرج إلى ناحية السنح المحل حقه الذي فيه مزرعة له، وجاءه  الخبر وهو هناك، فجاء دخل إلى بيت عائشة -الحجرة-، وكشف عن وجهه الشريف، قبّل جبهته، وقال: أما الموت الذي كتبه الله عليك فقد مُتّها، لا موت عليك بعد اليوم. وأخذ يقول في كلامه: اذكرنا عند ربك، ولنكن من بالك، وتلى الآية، وخرج إلى المسجد. سيدنا عُمَر بسيفه، قال: اسكت يا عُمَر.. تشّهد سيدنا أبو بكر، والتفت الناس حوله، قال: أيُّها الناس، مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدَا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلى الآية. تلى الآيات كأنها أُنزلت الآن، ما كأننا قرأناها من قبل، (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ) [آل عمران:144] ضجوا كلهم بالمسجد يقرأون (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ…)، (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر:30]، ثبّتهم. لا إله إلا الله.. 

فكانت هذه حجة الوداع هي الحجة الوحيدة التي حجها بعد الهجرة. قبل الهجرة، حج حجّات متعددة؛ قبل النبوة وبعد النبوة، قد حج حجّات كثيرة. والعجيب أن قريش أحدثوا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، ما ينبغي أن نخرج من الحرم حدودنا إلى مزدلفة، خلوا الناس يروحوا إلى عرفة، نحن لا، نحن الحُمس؛ يعني قبائل قريش -أهل الحرم-، ما نخرج من الحرم. النبي ﷺ تلك الأيام لما يحج يذهب إلى عرفة حتى من قبل النبوة. حتى واحد ضل له جمل، وراح يتابعه، وصل لعرفة، حصّله قال: هذا محمد بن عبد الله من الحُمس، ما له يخرج إلى عرفة! ثم شرع الله لهم، وأبطل هذا الإحداث من قريش، (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) [البقرة:199]، (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ)، وأمر الكل حجّهم من هنا. 

ويقول: "الْحَجُّ: فَهُوَ خَامِسُ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ" جعله الله -تبارك وتعالى- تخفيفًا لما يعالج قلوب المؤمنين من الشوق، والحق -تبارك وتعالى- لا يحل في أرض ولا في سماء، ولا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، وهو بعظمته وعلمه وإحاطته معكم أينما كنتم -جلّ جلاله-. لا يمكن أن يُرى بالأبصار، نَصَب هذه المعالم، وقال لأهل المحبة والشوق حطّوا أثقال؛ أثقال شوقكم وهيامكم هنا، في هذه الأماكن، وفي هذه الأعمال، فيخففون ما يجدونه. 

فرض الله الحج على المُستطيع، قال: "وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ"؛ يعني: بالغ عاقل، "حُرٌ" ليس بمملوك. 

"وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً" على ما هو: أن الحج واجب والعُمرة كذلك واجبة لكن مرة. واختلفوا في العُمرة، واتفقوا على الحج فكان من المعلوم من الدين بالضرورة فريضة الحج للمُستطيع. 

فللحج خمسة مراتب: 

  • المرتبة الأولى: مرتبة الصحة. وهذه لها شرط واحد: وهو الإسلام؛ فكل مسلم يصح منه الحج، صغير كبير، ذكر أنثى، عاقل مجنون، يُحَج عنه، صبي بالغ غير بالغ؛ كلهم يصح الحج منهم أو عنهم إذا كان صبي غير مميز أو مجنون؛ يصح الحج عنهم. فمرتبة الصحة هذه مطلقة، شرطها واحد وهو الإسلام. 
  • والمرتبة الثانية: صحة مباشرة، لها شرطان: 
    • الإسلام 
    • والعقل 

فكل مسلم عاقل يمكن أن يباشر بنفسه الحج، فالصبي غير مميز أو المجنون لا يمكن يباشر من الحج ولكن يُحَج بهم؛ يجوز. في حجّة الوداع استقبلته امرأة وهو على ناقته، أخرجت طفلها، قالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر. فأحرمت عنه وحجت به، هذه المرتبة الثانية. 

  • المرتبة الثالثة: مرتبة وقوع النذر. وقوع النذر له ثلاثة شروط: 
    • الإسلام 
    • والعقل 
    • والبلوغ؛ ما يصح النذر من غير البالغ

فما يقع النذر إلا إذا كان من مسلم بالغ عاقل، هذه المرتبة الثالثة. 

  • المرتبة الرابعة: وقوع عن حجة الإسلام؛ يعني: يسقط به فريضة الحج بأربعة شروط: 
    • الإسلام 
    • والعقل 
    • والبلوغ 
    • والحرية؛ لا يكون مملوك 

فإن حج وهو مملوك ثم عَتَق؛ وجب عليه أن يحج حجة الإسلام. مثل حجه وهو صبي قبل أن يبلغ ثم بلغ؛ وجب علي حجة الإسلام، وهكذا حُجَّ به وهو مجنون كذلك. فإذا جمع الأربعة فيصح أن يكون واقع الحج عن فريضة الحج، الإسلام والعقل والبلوغ والحرية. 

  • بقيت المرتبة الخامسة: مرتبة الوجوب، وشروطها خمسة: 
    • الإسلام 
    • والعقل 
    • والبلوغ 
    • والحرية 
    • والاستطاعة

 لا يجب إلا بالاستطاعة لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ ) [آل عمران:97] 

لذا قال: "بِشَرْطِ الِاسْتِطَاعَةِ"، وفسّر الاستطاعة: "وَهِيَ: أَنْ يَمْلِكَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَفَرِهِ إِلَى الْحَجِّ ذَهَابَاً وَإِيَاباً، وَنَفَقَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتْهُ إِلَى رُجُوعِهِ."؛ 

  • فكل قادر أن يذهب إلى الحج، فخرج به بعد ذلك الذي لا يملك هذا. 
  • لكن مَن كان يملك هذا ولكنه معضوب؛ معنى معضوب: لا يستطيع السفر بنفسه، كمُشلل وملقى على السرير، ما يستطيع أن يذهب. 

وكان يفسرونه أنه الذي لا يثبت على الراحلة، وعنده المال؛ يملك ما يحتاج إليه إذا كان سيسافر، فهذا يقال: الاستطاعة بالغير؛ الاستطاعة بالغير وليس بالنفس، فيجب عليه أن يستأجر مَن يحج عنه. فالمعضوب الذي لا يستطيع الذهاب بنفسه وعنده مال؛ يجب عليه أن يستأجر واحد يحج عنه، هذا هو المعضوب. الاستطاعة بالغير كالاستطاعة بالنفس؛ يصير الحج واجب عليه، ولا يجوز له أن يوصي بالحج بعده، ومن دون أن يستأجر أحد مادام أنه حي وعنده مال يستطيع أن يذهب به إلا أنه لا يذهب بنفسه، فيجب عليه أن يستأجر، يستأجر مَن يحج عنه. 

وهذه الاستطاعة: 

  • فيها أمن الطريق.
  • وفيها إذا كانت المرأة متزوجة إذن الزوج. 
  • وكذلك اسمه وجود محرَم، محرَم يحج معها أو نسوة ثقات؛ إن كانت حجة الإسلام؛ يجوز أن تحج مع نسوة ثقات محرَم معها. فإذا ما وجدت المحرَم؛ سقطت الاستطاعة. 

وهكذا، قال: "وَنَفَقَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتْهُ إِلَى رُجُوعِهِ." ثم إن جميع "أَعْمَالُ الْحَجِّ" تندرج في "ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَرْكَانٌ، وَوَاجِبَاتٌ، وَسُنَنٌ." جميع أعمال الحج تدخل تحت هذه الأقسام الثلاثة: إما أركان، وإما واجبات، وإما سنن، ويذكر عندكم أن: 

  • الأركان ما يقوم الحج إلا بها، ولا يصح الحج قط حتى يأتي بها.
  • أما الواجبات؛ فإن قصر شيء منها:
    • إن كان بعذر لم يأثم.
    • وإن كان بغير عذر يأثم.
    • ويصح الحج؛ ما يكون باطل بترك الواجب هذا، وإنما تكون عليه الكفارة بتركه واجب من الواجبات.  
  • القسم الثالث: سُنن، إن ترك شيء منها -بعذر أو بغير عذر- حجّه صحيح، فإن كانت بغير عذر؛ فاته الثواب؛ فاته الأجر العظيم لتلك السنن.  

إذًا؛ أركان، وواجبات، وسنن. ففرّق الشافعية في الحج بين الركن والواجب، وإلا في بقية الأبواب الركن والواجب عندهم شيء واحد، كله واجب؛ الركن واجب، ولكن في الحج فرّقوا كما فرّق الحنفية في مختلف الأبواب بين الفرض والواجب. 

"فَالْأَرْكَانُ خَمْسَةٌ: الإِحْرَامُ"، ومعنى الإحرام فسّره: "وَهُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ،" هذا هو الإحرام؛ أن ينوي الدخول في الحج والعمرة؛ فهذا هو الإحرام. قال: "وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ: (نَوَيْتُ الْحَجَّ أَوِ" نويت "الْعُمْرَةَ وَأَحْرَمْتُ بِهِ" أو بها "لِلَّهِ تَعَالَى" أو بهما إذا نواهما معًا؛ حج والعمرة إذا كان قارن لأن أداء النُّسكين على ثلاثة أوجه: إما إفراد، وإما تمتّع، وإما قِران. 

  • فالإفراد: أن يبدأ بالحج ولم يكن اعتمر في أشهر الحج في تلك السنة، ثم بعد تمام الحج يعتمر؛ إذا أكمل أيام المبيت بمنى والرمي، يعتمر؛ فهذا هو الإفراد. 
  • وأما التمتع؛ فأن يقدم العُمرة بأن يعتمر في أشهر الحج من نفس العام، ويحج من نفس العام؛ فهذا متمتع. 
  • والثالث القارن وهو الذي أحرم بالحج والعُمرة معًا. 
  • وقال الجمهور: عليه سعي واحد، يكفي عن الحج والعُمرة. 
  • والطواف إذا كان بعد الوقوف، يكفي عن الحج والعمرة ولكن إذا كان طواف مع الوصول إلى مكة، فهذا طواف القدوم يكون عن العُمرة. 
  • وقال الحنفية: لابُد من طوافين، لابُد من سعيين، واحد للحج، واحد للعُمرة لأن القِران عندهم أفضل. 

والحنابلة قالوا: التمتع أفضل. 

وقال الشافعية والمالكية: الإفراد أفضل أن يُحرَم أولًا بالحج، فإذا أتمّه، اعتمر، والإفراد أفضل بشرط أن يعتمر من عامه نفسه بعد الحج. أما إذا كان بآخر العُمرة إلى أن يخرج العام، ما يكون الإفراد أفضل، يكون التمتع أو القران أفضل من الإفراد.

يقول: "نَوَيْتُ الْحَجَّ" وقال: والنية في الحج يقول ﷺ في الحديث الصحيح: أن جاءني جبريل وهو في العقيق قريب من ميقات أهل المدينة، وقال لي: "قُل حجة في عمرة". قالوا: قل هو اللفظ، ومن هنا قالوا: يُسَن التلفظ بنية الحج، ثم قاس عليها الشافعية بقية النوايا بالقياس أنه يُسن التلفظ، يقول: نويت الحج لله تعالى. 

هذا الإحرام، أول ركن، فمَن لم يُحرم، ما يصح منه. راح من دون ما ينوي الدخول في حج وعمرة، طواف وسعي، ووقوف بعرفة… ماشي حج!.. لابُد من نية. "وَلَا يَصِحُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِهِ"، قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ)[البقرة:197]، والأشهر ثلاثة وهي عبارة عن شهرين وعشر ليالي، وسمّوها ثلاثة أشهر؛ "شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ" إلى فجر يوم العاشر، انتهى ليلة يوم العاشر، فجر يوم العاشر انتهى وقت الحج. فإذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج؛ انعقد عُمرة. 

  • بعض الأئمة قال: يصح يبقى محرم حتى يجيء وقت الحج. 
  • والجمهور: أنه ما يكون الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، فإذا أحرم في غيرها؛ انعقدت عُمرة؛ يروح ويعتمر. 

قال: "وَهِيَ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَآخِرُهَا طُلُوعُ فَجْرِ لَيْلَةِ النَّحْرِ."، فمَن أحرم قبل طلوع الفجر، ووقف بعرفة قبل طلوع الفجر؛ فقد أدرك الحج. 

"وَبَاقِي الْأَرْكَانِ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ،" الركن الثاني، الوقوف بعرفة. قال ﷺ: "الحج عرفة"؛ يعني: أعظم أركانه الذي يفوت ولا يُجبَر بشيء؛ الوقوف بعرفة. فمَن فاته الوقوف بعرفة حتى طلع فجر يوم العيد، ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج؛ فعليه أن يتحلل بأعمال عُمرة، ويقضي من العام القادم، وعليه أيضًا الكفّارة وهو: 

  • أن يذبح شاة، فإن عجز. 
  • يصوم عشرة أيام.

هذا بالنسبة للوقوف. 

"وَطَوَافُ الإِفَاضَةِ،" وهو الطواف الذي يكون بعد الرجوع من عرفات. يقال له: طواف الزيارة، وطواف الإفاضة. لأن الطواف بالنسبة للحج على ثلاثة: 

  • إما طواف قدوم، وهو سُنّة. 
    • سُنّة عند الجمهور. 
    • واجب عند المالكية. 

طواف القدوم وهو عندما يقدم إلى مكة قبل موعد عرفة، أي حاج جاء من خارج مكة؛ فيسن له أن يطوف طواف القدوم عند الجمهور. ويجب عند المالكية أن يطوف طواف القدوم. 

  • والثاني طواف وداع، طواف الوداع واجب، وهو بعد أن يُنهي الحج. كلما أراد الخروج من مكة، ويجب عند الشافعية والجمهور أن يجعل آخر عهده بالبيت الطواف. وقيل: بسُنيّته بعدد من المذهب وحتى قول عند الشافعية وهو أيضًا عند المالكية في المعتمد سُنّة. 

فالمالكية اعتمدوا وجوب طواف القدوم وسُنية طواف الوداع. 

خلاف الجمهور؛ قالوا: أن طواف القدوم سُنة وطواف الوداع هو الواجب. 

ويسقط طواف الوداع على الحائض إذا حاضت، ورفقتها يسافرون؛ تسافر معهم لأن صفية -أم المؤمنين- حاضت فقال النبي: "أحابستنا هي؟"؛ يعني إذا كان عادها ما طافت طواف الإفاضة، لابُد للركب وواجب عليهم أن ينتظرونها حتى تطهر وتطوف. قالوا إنها قد طافت. قال: "فلا إذًا" تمشي معنا، فأسقط عنها طواف الوداع حتى تسافر معهم. 

  • وطواف الإفاضة هو ركن؛ ركن من أركان الحج. يدخل وقته بمنتصف الليل في ليلة العيد. والشافعية عندهم إذا انتصف ليل ليلة العيد، دخل وقت الرمي الجمرة، ووقت النحر، ووقت الحلق، ووقت الطواف. الأعمال هذه كلها يدخل وقتها بمنتصف ليلة العيد؛ ليلة العاشر من شهر ذي الحجة؛ إذا انتصف الليل خلاص رجعوا من عرفة؛ إن أراد يرمي صحّ، وإن أراد ينحر صحّ، وإن أراد يحلق صحّ، وإن أراد يطوف صحّ. 

هذه أربعة الأركان التي قد سُئل عنها ﷺ كثيرًا، ويقول بعضهم: قدّمت كذا، وبعضهم يقول قدمت كذا. وكلما سأله سائل، قال: افعل ولا حرج. قال: نحرت قبل أن أحلق، حلقت قبل أن أطوف، طفت قبل أن أنحر... قال: افعل ولا حرج، كلما سأله سائل قال: افعل ولا حرج. 

فصار الترتيب بين الأربعة الأعمال سُنة، لا يلزم. ومع الزحمات وغيرها قد يصعب، وكلٌّ يعمل ما تيسر له. وأما أصل الترتيب: رمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف؛ يضبطونها يقولون في الترتيب: رنحط! ايش رنحط؟ الراء للرمي، والنون للنحر، والحاء للحلق، والطاء للطواف، رنحط. وحتى لا ينسون، يقولون لهم أهل مكة: الترتيب بين الأركان: رنحط، يوم عرفة خذ رنحط، وامشِ عليها. الراء للرمي، والنون للنحر، والحاء للحلق، والطاء للطواف، فيُسَن الترتيب على هذه الكيفية. 

يقول: "وَبَاقِي الْأَرْكَانِ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الإِفَاضَةِ، وَالسَّعْيُ"؛ أي: بين الصفا والمروة، لقوله تعالى: (إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ) [البقرة:158] يجب البدء بالصفا والختم بالمروة. يقول ﷺ: "ابدأوا بما بدأ الله به". 

"وَالْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ." 

  • والحلق أفضل للرجل. 
  • والتقصير أفضل للمرأة. 
    • والأفضل للمرأة أن تأخذ من جميع اطراف شعرها للتقصير. 

والأفضل للرجل أن يحلق، قال ﷺ: "اللهم اغفر للمحلقين". قالوا: وللمقصرين؟ قال: " اللهم اغفر للمحلقين". قالوا: وللمقصرين يا رسول الله؟ قال: " اللهم اغفر للمحلقين". قالوا: وللمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة أو الرابعة: "وللمقصرين". فدعا لأهل الحلق أكثر. فيُسن الحلق والواجب في الحلق والتقصير، الواجب قال الشافعية: إزالة ثلاث شعرات. إذا أزال ثلاث شعرات، سواءً بالنتف أو بالحرق أو بالحلق أو بالقص، إذا أزال ثلاث شعرات حصل الواجب. والأفضل أن يحلق الرجل. 

وجاء بعض الحجاج إلى حلاق، قال له: بكم تحلق لي؟ قال له: يا هذا، اترك المشارطة في أعمال الحج! قال له: صح أنا نسيت، لا حول ولا قوة إلا بالله.. جلس، قال له: استقبل القبلة، قال هذه ثاني وحدة… جاء ناوله الشق الأيسر، قال له: لا، نبدأ بالأيمن.. قال هذه ثالث وحدة، تعلمتها من حلاق مكة، تعلمت ثلاث سنن، لذا قيل: حجّوا بأهل مكة. 

لما قدم بعض الفقهاء قالوا له: نشوف لك مطوف من أهل مكة؟ قال: ما يحتاج، نحن نقرر أحكام الحج… ونفصلها في دروسنا، ما تحتاج. أول ما دخل نسي قام يصلي تحية المسجد قبل أن يطوف، جاءه طفل من أهل مكة، قال: يا شيخ، تحية البيت الطواف! فقال: هات مطوف من أهل مكة. أنا أقرر هذه المسألة، وأنا دائمًا أقول للطلاب، تحية البيت الطواف، فإذا دخلتوا البيت، ما شي صلاة، أولًا طواف ثم صلاة. لكني نسيت يوم ارتكزت نفسي أني ما أحتاج إلى مطوف، هاتوا مطوف. وجاءوا له بمطوف معه. حجّوا بأهل مكة... لا إله إلا الله. 

"فَالْأَرْكَانُ خَمْسَةٌ: الإِحْرَامُ،الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الإِفَاضَةِ وَالسَّعْيُ، وَالْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ." وبعض الأئمة عدّ الحلق والتقصير استباحة فقط وليس بركن، عدّه واجب وليس بركن. 

والمعتمد هذا عند الشافعية أن الأركان خمسة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير. 

السعي بين الصفا والمروة شرطه أن يكون بعد طواف صحيح، إما طواف القدوم وإما طواف الانتفاضة. والأفضل أن يقدمه بعد طواف القدوم؛ السعي بين الصفا والمروة. إذا دخل مكة وطاف طواف القدوم، يسعى بين الصفا والمروة. 

وإذا وقف بعرفة، ولم يسعَ بين الصفا المروة؛ لا يصح أن يسعى حتى يطوف طواف الإفاضة؛ فلا يجوز أن يتخلل الوقوف بين الطواف والسعي. الوقوف بعرفة، ما يجوز أن يتخلل. فإذا وقف بعرفة؛ لا يجوز له أن يسعى حتى يطوف طواف الإفاضة. فشرط صحة السعي أن يكون بعد طواف صحيح  إما طواف القدوم أو طواف الإفاضة. 

وينبغي للنشيط أن يطلع قليل في طرف جبل الصفا، وكذلك في المروة، والمحتاط كذلك يقول للذي يمشي به بالعربية، يطلع قليلًا، ما يبقى تحت حتى يتأكد أنه استوعب ما بين الصفا والمروة. والصعود على جبل الصفا والمروة؛ سُنة حتى يرى الكعبة؛ يصعد ويتوجه نحو الكعبة.

"وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: هِيَ" -نفسها- "أَرْكَانُ الْحَجِّ إِلَّا الْوُقُوفَ"؛ فصارت أربعة: الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير. قال في شروط الطواف: "وَيَجِبُ لِلطَّوَافِ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ" لقوله ﷺ: "الطواف بمنزلة الصلاة". "سَتْرُ الْعَوْرَةِ". 

  • وعورة الرجل ما بين السرة والركبة. 
  • والمرأة جميع بدنها إلا الوجه والكفين. 

ولهذا يذكر عن الشافعي أنه قال: لو أن امرأة حجّت فظهر في طوافها شعرة من شعر رأسها، رجعت بلا حج، لأنه ما سترت العورة، فيجب تستر عورتها؛ جميع البدن ما عدا الوجه والكفين. "سَتْرُ الْعَوْرَةِ". 

"وَالطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثَيْنِ" الأكبر والأصغر، والطهارة "مِنَ النَّجَاسَةِ"، في الثوب والبدن والمكان، "وَأَنْ يَكُونَ سَبْعَ طَوْفَاتِ" بدايتها من عند الحَجر، مقابلة الحَجَر. فلو ابتدأ من بعد الحَجر، ما يُعَد شيء إلى أن يصل الحَجر فيبتدأ الطواف، "وَالْبَيْتُ عَنْ يَسَارِهِ"؛ شرط أن يجعل البيت عن يساره حتى يكون المشي على اليمين، فيكون البيت عن يساره ويمشي على اليمين؛ وهذا هو الدورة الصحيحة. الدورة الصحيحة التي تطابق ما جعل الله في الأفلاك من دورات، حتى دورة الأرض تميل هكذا على اليمين، وكذلك طواف المؤمنين بالكعبة، وطواف الملائكة بالبيت المعمور؛ هكذا يدور. وكثير من غير أهل الملة دوراتهم على اليسار؛ يدور بالعكس ويدوروا بالعكس حتى يوم تولوا عندنا صناعة الساعات وصلحوها هكذا.. بدل ما تمشي هكذا، خلوها تمشي بالعكس هكذا، عكس دورة الأرض. ولو صنعها المسلمين، كانوا صلحوها على الدورة الصحيحة. وحتى الجنين في بطن أمه، يدور سبع دورات -سبحان الله- في البطن، هكذا يدور بالشكل الذي ندور به على الكعبة، على اليمين، سبحان الله.

والكائنات كلها خلق واحد -جل جلاله وتعالى في علاه- والعابدين هؤلاء في الطواف متناسقين منسجمين مع دورات الأكوان، لا إله إلا الله… 

كلما مال المطاف به *** قال: هذه هالة القمر

ما شاء الله.. 

يقول: فيجب أن يكون خارج البيت، فلا يصح أن يطوف وسط الكعبة، ومن وسط الكعبة ستة أذرع من جهة الحِجر من الكعبة، فإذا مرّ وسط الحجر؛ بطل طوافه يجب أن يرجع، ويطوف من خارج الحجر لأن ستة أذرع من الكعبة تركتها قريش لما قصُرت بهم النفقة -من قواعد إبراهيم-.  فكانت ستة أذرع من الحجر من جملة الكعبة، حتى أن سيدتنا عائشة لما أرادت، استأذنت النبيّ تدخل الكعبة، ما أحب أن تُزاحم الرجال، قال: تعالي في الحِجر، صلِّ في الحجر فإنه من الكعبة. صلِّ في الحجر فإنه من الكعبة، تركته قريش لما قصُرت بهم النفقة. وقال لها: لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لنقضت البيت حتى أرد على قواعد إبراهيم، وأُدخل ما أخرجوه، وأجعل له بابين، وأُلصقهما بالأرض. بابين من الأرض مباشرة تدخِل إلى الكعبة. قال: فإن قومك رفعوه وجعلوه باب واحد يُدخِلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، وقصّرت بهم النفقة، فقصّروا هذا. 

فلما تولى الزبير بن العوام، وبعد ما ضربوا الكعبة ورموه بالمنجنيق وكسروا الكعبة، ردها على ما أراده النبي ﷺ، ودخّل الستة الأذرع، وجعل البابين في الأرض. ولما هزموه وانتصروا عليه، جاءهم الهوى وقالوا: لمَ ردّها هذا الزبير.. وردّوها ثاني مرة على قاعدة قريش، وبقيت على هذا. 

فكان أول بناء على يد الملائكة، ثم يُقال هل جدّدها آدم أو لا؟ ثم مرّت القرون، وكان التجديد على يد إبراهيم الخليل (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) [الحج:26]، فأمره الله يجدده. وقد تهدّم البيت من أثر السيول ولكن بقي مكانه، لأنه حتى قبل ما يبني البيت، قال ربنا: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) [إبراهيم:37]، مكانه معروف لكنه مكسّر، فأمره الله أن يجدد بناؤه، (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [البقرة:127]، وبقيت هذه القواعد حتى لمّا جددت قريش بناؤه قبل النبوة، والنبي ﷺ ابن 35 سنة، حضر معهم السنة التي ولدت فيها السيدة فاطمة. في الخامسة والثلاثين من عمره ﷺ شارك معهم في نقل الأحجار وبناء البيت، وكانوا يخرجون ثيابهم، ويتعرّون ويحطونها على أكتافهم ويحملون الحجر، والنبي ﷺ بثيابه فشكوه إلى أبو طالب وقالوا له: محمد… قال: هذا محمد …47. خلّوه يمشي بثيابه، ثم ألحوا عليه، وكلّف عليه، فأراد أن ينزع ثوبه فلطمه المَلَك فيه، لا تنزع ثيابك. قال: خلاص أبو طالب وقال: هذا مسموح له خلوه يمشي بثيابه، من أراد يخرجها منكم يخرجها، خلّوا محمد بثيابه ﷺ. 

جدّدوه، فوصلوا إلى عند قواعد إبراهيم، ووصلوا قواعد إبراهيم، ضرب منهم، فدخل خرجت شعلة نار، قالوا خلاص أبقوا القواعد على ما هي عليه،، إلا أنهم قصّروا الستة الأذرع هذه لمّا قصرت بهم النفقة، وبنوه عليه. فاستمر هذا البناء إلى وقت الزبير ولمّا كان الحجاج رمى بالمنجنيق، وكسّر الكعبة، جددوه، ثم بناها الزبير. قاموا يجددونها ثلاث مرات، وكذا بقيت على هذا التجديد، لا إله إلا الله... 

يقول: "وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ السَّعْيُ: سَبْعاً، وَبَعْدَ طَوَافٍ"، ويقولون: أن السيدة هاجر لما ظمي ولدها إسماعيل ولم تجد ماء، جاءت إلى عند جبل الصفا فارتفعت، تنظر هل من ماء، هل أحد عنده ماء، وتنزل فكانت إذا وصلت إلى وسط الوادي تجري، ثم ترتفع إلى جبل المروة وتنظر، ورجعت ثاني مرة… كمّلت السابعة، لمّا وصلت إلى المروة، إذا بصوت قالت: يا هذا إن معك غياث أغِث، عندنا طفل يموت من الظمأ. وإذا به جبريل هناك، قريب من الكعبة، ضرب الأرض برجله، فطلع الماء، وإذا بالماء، أقبلت عليه وخافت أنه يكمُل فجاءت بالأحجار، وقالت: زُم، زُم، زُم، فسُمّي زمزم. ويقول النبي ﷺ: لو أن هاجر تركته، لصار نهرًا جاريًا بمكة ولكن لما جاءها الحرص والخوف، صار بئر بدل ما يكون نهر.. ولو تركته على جريه واطمئنت، لأصبح نهر قال في مكة، ولكن لمّا ضيّقته فخلاص، بئر، بئر زمزم. 

يمتاز ماءها عن مياه الآبار في الأرض كلها، وهو "شفاء سُقمٍ، وطعام طُعم"، يقول ﷺ عنه. "وماء زمزم لمَا شرب له"، وهو أفضل ماء على وجه الأرض، ليس أفضل منه إلا الماء الذي نبع من بين أصابع المصطفى ﷺ. 

فأفضل المياه ماءٌ قد نبع *** بين أصابع النبي المُتّبع

فماء زمزمٍ فماء الكوثرِ *** فنهر مصرًا ثم باقي الأنهِر 

يقول: "وَأَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا وَيَخْتِمَ بِالْمَرْوَةِ." 

  • ويُسَن الطهارة عن الحدثين في السعي بين الصفا والمروة. 
  • والطهارة عن النجاسة يُسَن. 
  • وكما يُسن أيضًا الرَمَل؛ وهو أن يقارب بين خطوتين ويهز الكتفين في وسط المكان ما بين الميلين الأخضرين.

 وهو أيضًا سُنة في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى لمَن كان بعد الطواف يسعى. مَن له طواف بعد السعي فيُسن الرجل أن يرمل في الثلاثة الأشواط الأولى. وإن كان أصله أن الرمل ﷺ إلا ما بين الركنين، فالجهات الثلاث يرمل، بين الركنين يمشي على الهينة لأن جماعة من قريش كانوا في جهة الحِجر هناك، فيرونهم، ويقولون في عام العُمرة، لما جاءهم العام السابع من الهجرة، يقولون: هؤلاء قوم أوهنتهم حمّى يثرب، فرمل ﷺ ورملوا معه. إنهم ينفرون كما تنفر الظباء الأقوياء. وكان إذا جاء بين الركنين هم ما يشوفونهم في الركن الثاني، فيمشي بالهينة. وبقي سُنة، ثم جاء في المطاف أيام الفتح، ثم جاء في حجة الوداع، فرمل إلا بين الركنين، فاستمر سُنة. 

هذه الأركان، أما "وَوَاجِبَاتُ الْحَجِّ: الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ،" أليس قال الإحرام من الميقات، كيف يقول من الواجبات؟ من الأركان مجرد الإحرام نفسه، لكن هنا "مِنَ الْمِيقَاتِ"؛ كونه "مِنَ الْمِيقَاتِ،"؛ هذا واجب؛ وليس بركن. واجب أن يكون "مِنَ الْمِيقَاتِ،". كونه "مِنَ الْمِيقَاتِ،" هو الواجب، أما الإحرام هو من الأركان وليس من الواجبات، لكن "مِنَ الْمِيقَاتِ،". هناك ما قال من الميقات، قال إحرام فقط. الإحرام ركن لكن كونه من الميقات واجب. فلو أحرم من بعد الميقات؛ إن كان بغير عذر؛ أثم، وعليه دم؛ يذبح شاة أو يصوم عشرة أيام. هذا الإحرام من غير الميقات. فيحرم من الميقات أو من قبله، ووقّت النبي المواقيت وقال: "هنَّ لهُنَّ، ولمَن مرّ عليهن من غير أهلهن"، هذا الميقات المكاني يسمونه. المواقيت الزمانية، (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ). 

قال: "وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ" فهذا واجب وليس بركن. مَن لم يبت بمزدلفة؛ صح حجه وعليه الكفارة. 

  • والمبيت عند الشافعية: حضوره في حدود أرض مزدلفة، ولو لحظة بعد نصف الليل. 
  • وعند الحنفية: المبيت بصلاته الفجر في مزدلفة. 
  • وعند المالكية، أن يجلس في مكة مقدار ما تُحط الرحال وتشَد؛ قريب ساعة إلا ربع؛ مدة تتسع حط الرحال وشده، سواء أول الليل أو وسطه أو آخره، كلهم سواء.

هذا الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ، واجب وليس بركن

"وَالْمَبِيتُ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ بِمِنى" ويعذر فيه السقّائين -الذين يسقون الناس في مكة-، فإن العباس لما كان عنده السقاية، قال له النبي: اجلس هناك في مكة، اسقوا الحجيج، وعذره عن المبيت بمنى. فغير المعذور، يجب عليه المبيت بمنى. 

قال الشافعية: ومعنى المبيت بمنى أن يمضي أكثر الليل وهو في حدود منى. فإذا مضى أكثر الليل، وأراد الخروج بعد نصف الليل، ما عليه شيء. فبعضهم يكون له سكن بمكة أو بجدة وهو حاج، فيجيء من المغرب في منى إلى بعد نصف الليل، ثم يذهب ينام في جدة أو مكة، يجوز لأنه بات، خلاص قد بات.  المبيت: أن يمر أكثر الليل وهو داخل حدود منى. 

"وَالْمَبِيتُ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ بِمِنى، وَالرَّمْيُ" لجمرة العقبة في أول يوم -يوم النحر- ثم الجمار ثلاث أيام التشريق، إما يومين لمَن ينفر النفر الأول، وإما ثلاث أيام لمَن ينفر النفر الثاني. لكل واحدة من الجمار سبع حصيات: 

  • فإن ترك حصاة واحدة فعليه مد 
  • أو حصاتين فعليه مُدّين 
  • أو ثلاث فأكثر فعليه دم. 

"وَطَوَافُ الْوَدَاعِ." واجب من الواجبات، وليس خاص بالحج؛ كل من دخل مكة لا يخرج منها حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف. 

ثم "السُّنَنُ: فَكُلُّ مَا سِوَى الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ؛" من مثل: 

  • أن يغتسل للإحرام 
  • أن يتطيب قبل الإحرام 
  • وأن يصلي ركعتين للإحرام 
  • وأن يلبي. 

والتلبية واجبة عند الحنفية، وهي من شروط الإحرام عندهم التلبية؛ يقرِن النية بالتلبية. وعند غيرهم: سُنة التلبية. وأفضلها الوارد عنه ﷺ: "اللهم لبيك لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة، لك والملك، لا شريك لك". معنى لبيك: أنا مستمر على الإجابة لك، تلبية إجابة بعد إجابة. أنا مواظب على التلبية لك، أنا قائم بإجابتك مستمرًا، معنى لبيك. 

ثم كذلك كلمّا لبى ثلاث أو أكثر، يصلي على النبي ﷺ، ويسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، وهكذا. ثم يستمر الرجل برفع الصوت بالتلبية، وفي الحديث قال أن جبريل جاءني، وقال: مُرْ أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية. قال الصحابة: فلم نزل نرفع أصواتنا حتى بحّت حلوقنا. وتستمر التلبية إلى وقت الرمي، رمي جمرة العقبة في يوم العيد. ابتدأ بالرمي، انتقل من التلبية إلى التكبير، هذا هو كان فعله ﷺ. وأما وهم في عرفة وفي مزدلفة، كان منهم المُلبي ومنهم المُكبّر، ولا ينكر هذا على هذا، ولا هذا على هذا، ورسول الله ﷺ بينهم ولكن هو لازم تلبيته حتى رمى جمرة العقبة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فكان أيضًا من السُّنن، أن الرمى الذي ذكرناه والاضطباع للرجل كذلك. الاضطباع معناه: أن الرداء يجعله تحت منكبه الأيمن، ويجعل طرفي الرداء على المنكب الأيسر، فهذا هو الاضطباع. يُسن للرجل في الطواف الذي بعده سعي، وفي السعي؛ بأن يجعل الرداء وسطه تحت منكبه الأيمن، وطرفيه -طرفي الرداء- يجعله على منكبه الأيسر. 

  • وكذلك الأذكار واستحضار النيات أيضًا سُنة؛ لأن نية الإحرام تشمل جميع أركان الحج وواجباته. 
  • وكذلك صلاة ركعتين بعد الطواف. 
  • وكذلك تقبيل الحجر الأسود لكن من دون مزاحمة، من دون ما يؤذي أحد، إلا فيكتفي فيه بالإشارة إليه. 
  • وكذلك الإتيان المُلتزم وهو ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، هذا الملتزم، نُجح المطالب عنده، وكان يستجاب فيه الدعاء. 

وجاء ﷺ، ووضع صدره الشريف على الملتزم، ورفع يديه ورأسه الكريم وبكى، ثم بعد أن أكمل دعاؤه وبكى، التفت إلى سيدنا عمر بجانبه، قال: "ها هُنا تسكب العبرات يا عمر" قال: "ها هُنا تسكب العبرات"، صلى الله عليه وسلم وعلى آله. 

  • ثم الاضطباع والطهارة في السعي؛ سُنن  كذلك سُنن. 

وغير ذلك من سنن الحج، "فَمَنْ تَرَكَ رُكْناً .. لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ، وَلَا يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ، وَلَا يَجْبُرُهُ دَمٌ وَلَا غَيْرُهُ." فإن فاته الوقوف وجب عليه أن يتحلّل بأعمال عُمرة ويقضي. "وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَرْكَانِ لَا تَفُوتُهُ مَا دَامَ حَيَا، وَهِيَ: الطَّوَافُ"، الطواف يجوز، فربطه بعض الفقهاء بشهر الحج، وهو عند الشافعية مستمر مَا دَامَه حَي، طواف الإفاضة ما يفوت. وكذلك "السَّعْيُ،" بين صفا والمروة "وَالْحَلْقُ.". ما له وقت، وقيدها بعضهم بشهر ذي الحجة. "وَمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنَ الْوَاجِبَاتِ .. صَحَ حَجَّهُ وَلَزِمَهُ دَمٌ، وَعَلَيْهِ إِثْمٌ إِنْ لَمْ يُعْذَرْ. وَمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنَ السُّنَنِ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تَفُوتُهُ الْفَضِيلَةُ."

 

ثم ماذا يحرم بالإحرام؟ 

"وَيَحْرُمُ" بالإحرام للرجل "سَتْرُ رَأْسِ الرَّجُلِ وَوَجْهِ الْمَرْأَةِ" لماذا؟ لأن العادة في الغالب أن الرجل يكون مستور الرأس في غير الإحرام، والمرأة مستورة الوجه. فقال: خالفوا عاداتكم، واخرجوا من العادات. ففي وقت الإحرام، اكشفي يا امرأة الوجه، واكشف يا رجل الرأس. هكذا "سَتْرُ رَأْسِ الرَّجُلِ وَوَجْهِ الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَيْنِ أَوْ بَعْضِهِمَا"؛ بعض الرأس وبعض الوجه، بما يعد ساترًا. أما يحط يده على وجهه أو يده على رأسه؛ ما يعد ساتر هذا ولا يحرم عليه. أو يحمل شيء فوق رأسه؛ ما يعد ساتر إلا إذا كان مثل زنبيل تدلى حتى ستر الرأس، هذا صار قلنسوة!... وأما ما لم يعم الرأس فلا يضر حمله. وهكذا؛ فبما يعد ساترًا يحرم عليه ستر رأسه، ويحرم على المرأة ستر وجهها. 

فإذا خافت نظر الأجانب إليها: 

  • يجوز لها أن تستر وجهها وعليها الكفارة، عند أكثر العلماء. 
  • وقال المالكية: إذا سترت وجهها بغير غرز ولا ربط، من أجل نظر الأجانب فلا شيء عليها ولا فدية عليها. 
  • وأما إذا سترته من بعيد -كما يعمل بعضهم- فهذا بالاتفاق ما تعد ساترة الوجه، إذا لم يلامس الوجه. 

واختار ﷺ لأمهات المؤمنين وابنته فاطمة في السفر، أن إذا أقبل الركبان عليهم، أن يسترن وجوههمن. فقالت السيدة عائشة: كنا إذا أقبل الركبان علينا، أسدلنا الستر على وجوهنا، وهم يحجون معه في البيت المُطهر، اختار لهم أن يكونوا بهذا المثابة، وما ألزم بذلك بقية النساء. فمَن اقتدى بهم عمل الأفضل، ومَن لا، فقد سألته الخثعمية ووجهها مكشوف، وهو راجع من مزدلفة يريد منى، ووقف على جمله، ووقفت تسأله عن حج أبيها، وكان الفضل بن العباس مردف خلفه، فلما لاحظ أنها تنظر للفضل، والفضل ينظر إليها، أخذ يده شريفة لوى بها رأس الفضل للجهة الثانية حتى أكملت السؤال، وعندما أكملت السؤال فكه رسول الله ومشى.. ويلاحظ عمه العباس، تقول: لويت عنق ابن عمك يا رسول الله، قال: ما هو إلا أن رأيت شاب وشابة، فخشيت عليهما الشيطان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

"وَإِزَالَةُ الظُّفْرِ وَالشَّعَرِ،" 

  • فإذا أزال ظفرًا واحدًا؛ وجب عليه  مد 
  • أو ظفرين؛ فمدين 
  • أو ثلاثة أظفار في وقت واحد ومكان واحد؛ عليه دم. 

وهو مخير من ثلاثة أشياء: 

  • إما ذبح شاة 
  • أو يطعم ستة مساكين 
  • أو يصوم ثلاثة أيام 

هذا كفارة إزالة الظفر والشعر. فإذا أزال ظفر واحد لكن أول مرة خرّج ثلث، بعد قليل ثلث، بعد قليل ثلث. نقول: عليك دم. قال: هذا ظفر واحد!.. ظفر واحد لكن متوالي، أما إن كان متباعد؛ ثلاثة أمداد. قال: ظفر واحد، بمكان واحد لكن ما عملته في وقت واحد. وكذلك إذا أخذ قليل من هذا الظفر، وقليل من هذا، وقليل من هذا، ثلاثة صارت، ليس ظفر كامل لكن جزء من ثلاثة، نقول: وجب عليك دم، وهو مخير: تذبح شاة أو تصوم ثلاثة أيام أو تطعم ستة مساكين كل مسكين مدين. 

وكذلك الشعر، فإذا أخرج شعرة واحدة، فعليه مد أو ثنتان فعليه مدان. فإن كان ثلاث في وقت واحد؛ فعليه الخيار بين الثلاثة: إما ذبح شاة أو صوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين.

"وَدَهْنُ شَعَرِ الرَّأْسِ" كذلك، إذا دهن شعر رأسه أو لحيته؛ وجب عليه الكفارة؛ فلا يجوز يدهن شعر الرأس ولا شعر اللحية. فإذا كان يأكل دسم، فيحذر أن يسيل إلى لحيته. يأكل شحم ودسم، فإذا سال إلى لحيته؛ وجب عليه الكفارة. 

  • هذا الدُّهن، وكذلك الطيب لو فعله ناسيًا بالإحرام؛ لا شيء عليه. 
  • أما الحلق والتقليم للأظافر ولو فعله ناسيًا؛ عليه الكفارة. 

الإثم ليس عليه لأنه ناسي لكن عليه الكفارة. أما إذا نسي في الطيب أو في الدهن؛ فلا كفارة عليه إذا فعله ناسيًا لأن هذا من باب الترف وذاك من باب الإتلاف. ما كان من باب الإتلاف، يلزم فيه المقابل؛ الكفارة وإن كان ناسيًا. فإذا قص الظفر أو أزال الشعر، وإن كان ناسيًا فعليه الكفارة. أما إن تطيب أو دهن شعر رأسه ناسيًا الإحرام؛ فلا شيء عليه. "وَدَهْنُ شَعَرِ الرَّأْسِ وَاللَّحْيَةِ،" بخلاف باقي البدن يجوز يدهنه. 

"وَتَطْبِيبُ جَمِيعِ الْبَدَنِ."؛ حرام. لا يُطيّب لا رأس ولا لحية، ولا يد ولا رجل، ولا أي شيء، ما يمس الطيب. بما يعد طيبًا.

  • المسك بمجرد حمله؛ يحرم عليه لأن حمله يعد تطيّب. 
  • وأما مثل العطور إذا حملها في القارورة حقها ما يحرم عليه لكن إذا فتحها وأخرج منها شيء حرام، أما حملها ما يضر. 
  • وأما الورد؛ ما يضر حمله ولكن شمّه، شمّ الورد لأن الورد يتطيّب بشمه. 

فلهذا ينبغي أن لا يستعمل الصابون الذي فيه الرائحة، إذا يغسل يديه ولهذا يصنعون صابون خاص للمحرمين ليس فيه طيب. قال: "وَتَطْبِيبُ جَمِيعِ الْبَدَنِ."؛ يحرم عليه أن يتطيّب ويُسن أن يتطيب قبل الإحرام. 

  • فإذا تطيب قبل الإحرام، وأحرم والطيب عنده؛ ما عليه شيء، هذا في البدن. 
  • فإذا طيّب الثوب ولبسه قبل الإحرام؛ جاز 

ثم أخرجه؛ ما عاد يجوز أن يرجعه لأنه مُطيب، ثوب مطيب، بخلاف إذا طيّب البدن ولم يطيّب الثوب؛ فيُعفى عما ينجر إلى الثوب من طيب البدن؛ معفو عنه ولو خرّجه ورجع الثوب. أما إذا طيّب الثوب نفسه ولبسه قبل الإحرام، أحرِم لا شيء عليك ما دام عليك. لكن إذا خرّجته ما تردّه، هات ثوب غير مُطيّب؛ أو غسّله أزل الطيب منه ثم البسه، أما إذا رجعت لبسته ثاني مرة؛ فعليك كفارة الطيب.

"وَيَحْرُمُ عَقْدُ النِّكَاحِ،" سواء يكون ولي أو يكون زوج؛ حرام. يجوز أن يكون شاهد وعلى خلاف فيه، لكن ما يجوز أن يكون ولي ولا زوج؛ حرام أن يَنكح أو يُنكِح. 

وكذلك إذا كان وكيل والموّكل مُحرِم؛ يحرُم على الوكيل أن يزوّج. 

إذا فرضنا إنسان وكّل رجل بتزويج ابنته، وسافر إلى الحج، جاء هؤلاء قالوا بسم الله، نريد البركة نعقد في يوم عرفة؛ هذا عقد باطل لأن الموكّل هناك محرِم، فلابُد إذ أراد أن يعقد الوكيل يتأكد أن الموكّل في تلك الساعة ليس بمُحرِم. إن كان مُحرِم بحج وعمرة؛ فالعقد باطل لأن الوكيل نائب عن الموكّل والموكّل مُحرم. فلا يصح، لابد أن يكون في وقت هذاك غير مُحرم فيه. يؤخرونه حتى إذا عرفوا أنه يوم الأول من أيام التشريق أو يوم الثاني، وذاك قد تحلل هناك، قد تحلل المُحرم بالحج؛ صح. وأما قبل أن يتحلل المُحرم؛ فلا يجوز لوكيله أن يعقد عنه. 

وكذلك إذا واحد وكّل رجل يقبل الزواج له وسافر هو، فإذا كان الزوج مُحرِم؛ فلا يصح له قبول الزواج من الوكيل إلا في الوقت الذي يكون الزوج نفسه غير مُحرِم؛ فوكيله يقبل عنه الزواج.

 

"عَقْدُ النِّكَاحِ، وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ"؛ فإذا قبّل وهو مُحرِم، قبّل زوجته وهو مُحرم؛ عليه: 

  • إما ذبح شاة 
  • وإما إطعام ستة مساكين 
  • أو صوم ثلاثة أيام 

هذه لمقدمات الجماع. أما الجماع: 

  • فيفسد الحج من أصله 
  • ويجب عليه المُضي في فاسده 
  • ويجب عليه القضاء من العام المقبل 
  • ويجب عليه كفارة عُظمى؛ وهي: 
    • بَدَنة.
    • فإذا لم يجد، فبقرة. 
    • فإذا لم يجد، فسبع شياه. 
    • فإن لم يجد، فيُطعِم بقيمة البَدنة. 
    • فإن لم يجد، يصوم بعدد الأمداد. 

والبدنة بتجيب كم ألف؟ كم أمداد تجيب؟ … ألوف الأمداد! يقول: صُم على عددها. فهذه الكفارة العُظمى مخصوصة بمَن أفسد الحج بالجماع. 

أما مَن جامع بين التحلّلين أو عمل مقدمات الجماع مثل التقبيل ونحوه؛ فهذا عليه واحد من ثلاثة أشياء: 

  • إما أن يذبح شاة 
  • وإما أن يصوم ثلاثة أيام
  • وإما أن يتصدق على ستة مساكين، كل مسكين نصف صاع، وهو مُدّان. 

قال: "وَإِتْلَافُ كُلِّ حَيَوَانٍ بَرِّي وَحْشِيٌّ مَأْكُولٍ."، قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) [المائدة:96]، فيحرم اصطياد الحيوان الوحشي المأكول. "وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ."؛ يحرم عليها الطيب، يحرم عليها حلق الشعر وقص الظفر، كل المحرمات إلا التغطية؛ تغطية الرأس يجوز لها، تغطية رأسها؛ جائز لها، بل واجب عليها بخلاف الرجل. فإحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها، "وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ." والله أعلم.

 

إجابة أسئلة

  • كفارة ستر المرأة المحرِمة وجهها

نفس الشيء في الكفارة، مَن قال بالكفارة على ستر المرأة لوجهها، فهو واحد من ثلاث أشياء: إما ذبح شاة، إما إطعام ستة مساكين، أو صوم ثلاثة أيام. فكما تلاحظ أنه يتجدد بتجدد الستر، كلما سترت.. إذا سترت ثاني مرة، وثاني يوم؛ عليها نفس الكفارة، تتخير بين ثلاثة أشياء. ولو كان يسير، إذا سترت وجهها مباشرة عليها الكفارة، لكن عند المالكية، ما عليها شيء إذا كان من غير غرز ولا ربط؛ ألقت الستر على وجهها الغير مغروز فيها ولا مربوط بباقي ثيابها، وضعت فقط خرقة كذا على وجهها، ما هي مربوطة بباقي الثياب، فعندهم ما فيه كفارة وقت ما تكون عند الرجال، فتستعد معها بخرقة، لما تكون وقت رجال تحطها كذا على وجهها من دون ما تغرزها ولا تربطها، ما يكون عليها كفارة.

 

  • مَن يحج عن غيره بعد أداء فريضته، هل يحصّل أجر مساوي لمن ينوي عن نفسه؟ 

الذي يحج بأجرة، يحصل الأجر للّذي استأجره. أما هو بحسب نيّته بينه وبين الله تعالى، وأنه إن تجردّت نيته لتحصيل الأجرة؛ فما له إلا الأجرة. وإن كان يودّ أنه يكتفي عن الأجرة ويسعى إما متطوعًا أو آخذًا للأجرة ولكن عن حاجة أو فقر، ويودّ أنه لو استغنى عنها، ويرى أنه يحب أن يحج عن أخيه ولو لم يُعطَ أجرًا؛ فهذا له أجر بأنه قام عن أخيه بهذا؛ فيحصّل أجر بمقدار نيته. 

وأما من غير أجرة فله مثل ثوابه، نعم، له مثل ثوابه. 

وأما إن كان عن أحد الأبوين، فله سبع حجّات؛ إذا حج عن أبيه أو عن أمه فله ثواب سبع حجات. وكذلك العُمرة عن أبيه أو عن أمه له ثواب سبع، لشأن البر بالوالدين. 

 

  • طواف الوداع

إذا كان بعد العُمرة مباشرة يريد الخروج من مكة، ما عليه شيء. وإذا بيجلس عاده في مكة بعد أن ينهي السعي مدة؛ فعليه… إلا إذا شك بوجود زحام وغيره، ففيه القول بسنيته، في قول عند الشافعية وهو معتمد المالكية، أن طواف الوداع سُنة.

ومدة المكوث بالعُرف يعد أنه يجلس بأنه ليس خارج؛ بأن يروح يزور ناس ويشتري حاجات وينام؛ هذا خلاص مكث في مكة. أما إن كان يشتغل بعد العُمرة بتهيئة أسباب السفر فقط، ما عليه شيء، يسقط عنه طواف الوداع لمَن اعتمر وبعد العُمرة مباشرة هو خارج من مكة؛ ما عليه شيء لأنه الآن عاده طاف طواف العُمرة. وأما إذا جلس بعد إنهاء العُمرة، راح يتضيّف عند ناس وينام عندهم، ويشتري ويبيع وهكذا، ثم قال: أنا قد اعتمرت، اعتمرت.. الآن عليك طواف الوداع على المعتمد. 

إذا كان وقف للأكل على الطريق ما يضر أو حتى ينتظر مجيء سيارة ونحوه ما يضر لأنه مشتغل بالسفر نفسه، والله أعلم. 

 

بقي هذا الجزء الثاني وهو متعلّق بشؤون الإسلام والأحكام كمّلناه، والأول متعلّق بشؤون الإيمان والاعتقاد كمّلناه. بقي ركن الإحسان. فأخذنا عن ركن الإيمان، وركن الإسلام، بقي ركن الإحسان. 

الله يجعلنا في المحسنين، ويلحقنا بالمحسنين، ويجعلنا في الهداة المهتدين، ويرقينا على مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين في لطف وتمكين وعافية تامة، ويصلح أحوالنا وأحوال الأُمة، ويحفظ الحجاج والمعتمرين والزائرين لسيد المرسلين، والقائمين بالخير في المسلمين ويصونهم ويحميهم ويرعاهم بعين عنايته ويشرِكنا في ثوابهم، وجوده عليهم وخيراته الواصلة إليهم. الله يقبل منا ومن جميع عاملي الخير، ويدفع عنا كل شر وضير، ويلهمنا الرشد في كل حركة وسكون، ويبارك لنا في خاتمة رجب وفي ذكرى الإسراء والمعراج، ويرفعنا إلى أعلى مراتب القرب منه والدنو إليه والفهم عنه والسرور والابتهاج بمحبته ومحبة رسوله حتى نحيا ونموت والله رسوله أحب إلينا مما سواهما، ولا نحب إلا لله وفي الله، ولا نبغض إلا لله وفي الله، يكون هوانا تبعًا لما جاء به مصطفاه بِسِرّ الفاتحة، وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ. 

 

لتحميل الكتاب pdf

 

 

 

تاريخ النشر الهجري

28 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

17 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام