الرسالة الجامعة – 7 | باب الصوم، وباب الزكاة

للاستماع إلى الدرس

الدرس السابع في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

فجر السبت 21 رجب 1447هـ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال -رحمه الله تعالى- ورضي الله تعالى عنه وعنكم:

 

[باب الصَّوْمُ]

وَأَمَّا الصَّوْمُ وَهُوَ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ: فَهُوَ إِمْسَاكٌ مَعْرُوفٌ عَلَى وَجْهِ مَخْصُوصٍ

وَمِنْهُ: النِّيَّةُ لِكُلِّ يَوْمٍ ، وَتَبْيِيتُهَا مِنَ اللَّيْلِ

وَالإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفَطَّرَاتِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْجِمَاعِ، وَالِاسْتِمْنَاءِ بِمُبَاشَرَةٍ، وَالِاسْتِقَاءَةِ بِالاخْتِيَارِ.

وَمِنْ تَمَامِ الصَّوْمِ: كَفُّ الْجَوَارِحِ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ تَعَالَى كالْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ الآتِي ذِكْرُهَا؛ فَفِي الْحَدِيثِ: "خَمْسٌ يُفَطَّرْنَ الصَّائِمَ: الْكَذِبُ، وَالْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ، والْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةِ".

وَمِنْ تَمَامِ الصَّوْمِ: تَحَرِّي الإِفْطَارِ عَلَى حَلَالٍ، وَعَدَمُ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْأَكْلِ.

وَيَنْبَغِي الِاسْتِكْثَارُ مِنَ الصَّوْمِ، لَا سِيَّمَا الْأَيَّامُ الْفَاضِلَةُ في الشرع. 

وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

[باب الزَّكَاةُ]

وَأَمَّا الزَّكَاةُ -وَهِيَ رَابِعُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ- .. فَيجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ الأَمْوَالِ الْوَاجِبَةِ فِيهَا، وَهِيَ: النَّعَمُ، وَالنَّقْدَانِ، وَالتِّجَارَةُ، وَالرِّكَازُ، وَالْمَعْدِنُ، والْمُعَشَّرَاتُ، وَهِيَ: الْحُبُوبُ وَالثَّمَارُ .

ولَا زَكَاةَ فِيمَا سِوَى النَّعَمِ السَّائِمَةِ ؛ وَيُشْتَرَطُ لها: الْحَوْلُ؛ وَكَذَا يُشْتَرَطُ لِلنُّقُودِ وَالتِّجَارَةِ،  وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ: النِّصَابُ أَيْضاً.

وَوَاجِبُ النَّقْدَيْنِ وَالتِّجَارَةِ: رُبْعُ الْعُشْرِ .

وَوَاجِبُ الْحُبُوبِ وَالثَّمَارِ الَّتِي سُقِيَتْ بِمَؤُونَةٍ: نِصْفُ الْعُشْرِ، وَبِغَيْرِ مَؤُونَةٍ: الْعُشْرُ.

[زَكَاةُ الْفِطْرِ]

وَزَكَاةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِذَا فَضَلَتْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ يَقُوتُهُ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ، وهي: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدَّ النَّبِيِّ ﷺ.

وَتَجِبُ النِّيَّةُ فِي الْجَمِيعِ.

ولا يجوز أن يصرف الزكاة والفطرة إلا إلى: حُرٍّ، مسلم، مُتَّصِف بصفة أحد الأصناف الثمانية: كالفقراء، والمساكين.

وكونه غير هاشميٍّ ولا مُطَّلِبيٍ ولا مولى لهم.

ويجب استيعاب الموجودين منهم.

 

الحمد لله مبيّن الشريعة على لسان حبيبه محمد ذو الوجاهات الوسيعة، وجاعلها الحصون المنيعة لكل المستجيبين لها من أهل القلوب المطيعة، وصلى الله وسلم وبارك وكرّم على من أحسن بيانها وشيَّد بنيانها، عبده المختار المجتبى من جاءنا عن الله بالنَبَأ، وعلى آله وصحبه النجباء وعلى من اتَّبَعهم بإحسان واقتدى بهم في السرّ والإعلان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- ما يتعلق بالصوم والزكاة والحج، وهي من أركان الإسلام. 

والصوم لغة: الإمساك. وهو شُرع أيضًا -كما ذكرنا- في السنة الثانية من الهجرة في شهر شعبان، فصام نبينا ﷺ تسعة رمضانات، كان أكثرها خرج تسعًا وعشرين، ورمضان واحد وقيل اثنان من التسعة؛ كانت ثلاثين، وأكثر الرمضانات في حياته خرجت بإثبات الهلال، خرجت تسعًا وعشرون.

  • الصوم لغة: الإمساك عن أي شيء كان، ومنه قول الله لمريم: (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) [مريم:26]، يعني: إمساكًا عن الكلام.
  • وشرعًا: الإمساك عن المُفطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية.

الصوم: "إِمْسَاكٌ مَعْرُوفٌ عَلَى وَجْهِ مَخْصُوصٍ"؛ إمساك عن المُفطِّرات التي تُفطِّر الصائم من حين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، و "عَلَى وَجْهِ مَخْصُوصٍ وَمِنْهُ: النِّيَّةُ"؛ "إنما الأعمال بالنيات"، فالنيّة في الصوم واجبة "تَبْيِيتُهَا مِنَ اللَّيْلِ"؛ إن كان الصوم فرضًا، إذا كان الصوم فرضًا فيجب تبييتها من الليل، والليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فأي وقت من هذه الأوقات نوى الصوم إذا كان فرضًا؛ سواء: فرض رمضان، أو قضاء، أو عن كفارة (كفّارة نذر)، أو قتل، أو غيره، أو بنذر: نذر أن يصوم، فيصير واجب، فإذا صار واجبًا: فقد أوجب الشافعية وجمهور العلماء أن يُبيّت النية من الليل، لقوله ﷺ: "من لم يُبيّتِ الصيامَ من الليل فلا صيامَ له". 

والأفضل أن يكون من آخر الليل، والأفضل أن تكون النية بعد السحور بحيث لا يتناول بعدها مُفطِّرًا حتى يطلع الفجر، وأنه على المعتمد: لا يضر أن يأكل بعدها، فإذا نوى من بعد غروب الشمس صوم اليوم صحَّ، صوم اليوم المُقبل صَح، وإن تناول بعدها أنواع المُفطّرات، ولكن هذا هو الأكمل، فينوي صوم يوم غدٍ عن رمضان أو عن كفارة أو عن النذر، ينوي هذا ويُضاف إليه على سبيل الاستحباب؛ يقول: لله تعالى فيستكمل ما قيل بندبه في النية في صوم رمضان، مثلًا: بأن يقول: نويت صوم غدٍ عن أداء فرض شهر رمضان في هذه السنة لله تعالى، فيكون استكمل كل ما قيل باستحبابه في النية بعد الوجوب.

وهكذا؛ تكون النية في الصوم لكل يوم، فإن لم يكن فرضًا؛ صحّت النية ولو بعد طلوع الفجر ما لم يتناول مُفطِّرًا إلى الزوال، إلى وقت الزوال، لما جاء في الأحاديث: أنه قد يسألُ ﷺ إذا عاد بعد الضحى إلى بيته، يسألُ أم المؤمنين: "هل عندكم شيء؟"، فإن قالوا: نعم؛ تناوله، وإن قالوا: لا، قال: "إني إذن صائم"، فينوي الصيام في ذلك اليوم في أثناء الضحى، فجعل الشافعية وأكثر العلماء فيها: النية مستمرة إلى وقت الزوال، لمّا إذا قد زالت الشمس وإن لم يتناول مُفطِّر: فلا يصح أن يصوم ولو كان نفلًا، فإن وقت النية قد مضى.

يقول: "وَمِنْهُ: النِّيَّةُ لِكُلِّ يَوْمٍ، وَتَبْيِيتُهَا مِنَ اللَّيْلِ"؛ أي: في صوم الفرض، وإذا نوى أن يصوم رمضان كله: 

  • فالنية صحيحة عند الشافعية ليومٍ واحد وهو اليوم المقبل. 
  • وعند المالكية صحيحة للشهر كله، فجعلوا صيام الشهر عبادة واحدة؛ فيجوز أن ينوي ولو من أول ليلة صوم جميع رمضان فيكفي.

قالوا: فينبغي أيضًا للشافعي وغيره أن ينوي هذه النية احتياطًا، فإذا نسي في شيء من الليالي؛ صحَّ صومه على مذهب الإمام المالك، فإن أراد أن يحتاط: يقضي يومًا لا بأس، ولكن قد صحَّ الصوم، فلا يكون مجرد إمساك بلا صوم؛ لأن الإمساك واجب بالاتّفاق، ولكن عند المالكية: قد صحَّت النيّة في أول ليلة من رمضان، فيصوم الشهر كله، لصوم الشهر كله فيكفي ذلك.

وبعد ذلك قال: من الوجه المخصوص في الصوم: "الإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفَطَّرَاتِ"، أشهر المفطرات يقول: "مِنَ الطَّعَامِ"؛ كلُّ أكلٍ:

  • فأما ما يصل إلى الجوف -المعدة- عبر الحلق: فمفطر بالاتفاق والإجماع.
  • ولكن أيضًا ما يصل إلى الجوف من أي منفذ مفتوح فهو عند معتمد الشافعية: يبطل الصوم، وصول عين إلى جوف من منفذ مفتوح يبطل الصوم.

وفي الجوف مثل البطن، وكذلك مثل الدماغ، وكذلك ذكروا واختلفوا في باطن الأذن، هل يُعدّ من الجوف ويبطل الصوم؛ ما دخل من الأذن أم لا.

وفي الحديث: "وبالِغْ في الاستِنشاقِ إلَّا أن تَكونَ صائمًا"؛ فدلّ أنّ إيضًا ما ولج عبر الأنف إلى الجوف: يبطل الصوم، والأنف منفذ مفتوح هذا معروف بالاتفاق.

ثم قالوا: أن ما تتشربه المسام إلى الباطن: لا يضر، وحتى قالوا في من يكتحل في نهار رمضان: فلا يبطل صومه ولو وجد طعم الكحل في حلقه، لأنّ ذلك إذًا من باب تشرّب المسام. ولكن الوصول من منفذ مفتوح إلى الباطن يضر، فيأتي على هذا؛ فذلك حكم الإبرة، استعمال إبرة في نهار رمضان.

  • أمّا ما كان مثل المغذّية -مغذّية عبر الوريد-: فأقرب إلى أن تبطل الصوم.
  • وأما ما لم يكن كذلك: فلا يبطل الصوم. 

ومع ذلك فلبعض الفقهاء كلام: فإذا لا ضرر على صاحب الاستعمال -الإبرة- أن يؤخّرها إلى الليل فهو أفضل، وإلا ففي الباب سعة، خصوصًا في غير ما يكون عبر الوريد فيغذي الجسد بدل الأكل، والشراب كذلك. إلا أن الناسي في الطعام والشراب فهو عند الجمهور: لا يبطل صومه إذا نسي الصوم فأكل أو شرب، سواءً كان قليلًا أو كثيرًا.. 

  • قال المالكية: يبطل صومه وإن كان ناسيًا. 
  • وأخذ الجمهور بقوله ﷺ: "مَن أكَلَ أَوْ شَرِبَ ناسِيًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّما أطْعَمَهُ اللَّهُ وسَقاهُ".

وكذلك "الجماع"، جماع الزوج زوجته يحرم في نهار رمضان ويبطل أي صومٍ كان، فإن كان في رمضان: فعليه الإثم، وعليه إمساك ذلك اليوم، وعليه القضاء، وعليه الكفارة، ولو علم به الحاكم عزَّره. يكون من الكفّارة في الجماع: 

  • أن يعتق رقبة.
  • فإن عجز: فليَصُمْ شهرين متتابعين. 
  • فإن عجز: فليطعم ستين مسكينًا.

كما جاء في السُنّة الغرّاء، وهذا مخصوص برمضان. 

وأما من أفطر بالجماع في غير رمضان -ولو كان قضاءً أو نذرًا-: فعليه الإثم، ويبطل الصوم، وعليه أن يقضي يومًا بدله، وعليه الاستغفار والتوبة، والكفّارة مخصوصة بالفطر في رمضان.

"والاستمناء": وهو تعمّد إخراج المني؛ فيُبطل الصوم. "والاستقاء": تعمّد إخراج القيء، وفي الحديث: "من ذرعَهُ القيءُ فلا شيء عليه، ومن استقاءَ فليقضِ"؛ يعني: إذا طلب إخراجه من المعدة فتسبب لذلك: بطل صومه، فأما إن لم يتسبب وذرعه القيء كما في الحديث: فلا شيء عليه، إلا لو فرضنا عودة شيء من الفم من الباطن؛ فهذا مبطل ليس من أجل القيء ولكن من أجل دخول شيء إلى الجوف، فيبطل.

ويأتي في هذا أيضًا حكم النخامة، حكم النخامة: قرر الشافعية؛ 

  • أنه إذا قد وصلت إلى حد الظاهر وهو مخرج الحاء أو الخاء من الحلق، ثم عادت إلى الجوف: بطل الصوم. 
  • وإن لم تصل إلى الظاهر: فلا يبطل الصوم. 
  • وتوسّع المالكية وقالوا: هي كالريق لا تبطل الصوم.

"وَالِاسْتِقَاءَةِ بِالاخْتِيَارِ"؛ وهذه المُفطِّرات الحسّية.

ثم ذكر مبطلات أجر الصوم: وهي المفطّرات المعنوية، وفيها قال ﷺ: "مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ"، وقال شاعرهم: 

إذا لــم يكــــن في السمع مني تصاونٌ *** وفي بصري غَضٌّ وفي منطقي صمتُ 

فحظّـــي إذًا من صوميَ الجوع والظما *** وإن قــلت إني صمتُ يومي فما صمتُ

وهكذا؛ قال ﷺ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ"؛ أي: وقاية وحِرز وحجاب من النار، "فإذا كانَ يوم صوم أحدكم، فلا يَرْفُثْ ولا يصخب ولا يفسق، فإن قَاتَلَهُ أوْ شَتَمَهُ امْرُؤٌ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ".

فهكذا؛ يُراد بهذه العبادات تهذيب النفس وتطهيرها، والبُعد عن الخِصام، وعن الشتم، وعن السَّبْ وما إلى ذلك، وعن قول الزور والعمل به. والزور كله محرّم؛ حرَّمه الله من: غيبة، ومن نميمة، ومن كذب، ومن يمين كاذبة، ومن سب، ومن شتم، كل ما حرّمه الله تعالى: فهو زور، قول الزور، "مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ".

وأشار إلى ما يُروى في الحديث: "وَمِنْ تَمَامِ الصَّوْمِ: كَفُّ الْجَوَارِحِ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ تَعَالَى كالْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ"، وفي الحديث: "خَمْسٌ يُفَطَّرْنَ الصَّائِمَ: الْكَذِبُ، وَالْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ، والْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةِ"؛ فصارت مُذهبات للأجر.

  • وقال بعض أهل الفقه: أنها تبطل الصوم وعليه قضاء. 
  • وجمهور أهل الفقه قالوا: إنما يفوته الأجر والثواب العظيم الجزيل في الصوم. 

الذي قال عنه في الحديث القدسي: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعفُ له؛ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها، إلى سَبْعِمائةِ ضِعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة، إِلَّا الصَّوْمَ؛ فإنَّه لِي، وأنا أجزي به"، وهذا يأتي يذكّر بما سمّوه صوم الخصوص؛

  • فصوم العموم: الكف عن المفطّرات الحسّية.
  • وصوم الخصوص: الجمع بين ذلك، وكف جميع القلب والجوارح عن المفطّرات المعنوية، عن جميع الذنوب والمعاصي؛ فهذا صوم الخصوص.
  • بقي صوم خصوص الخصوص: وهو كَفَّهُم القلب عن الالتفات لغير الله -تبارك وتعالى- والفكر فيما سواه، فهذه جمعيةٌ على الله -تبارك وتعالى-: يرون أن الفطرة فيها الالتفات إلى غير الله وقصد غير وجهه الكريم، يقول قائلهم: 

فلو خطرت لي في سواك إرادةٌ *** على خاطري يومًا قَضَيتُ بِردَّتي 

لا إله إلا الله! فهم يجمعون بين ترك المفطّرات، وترك المنهيات، وترك الالتفات إلى ما سوى الله؛ فهؤلاء خصوص الخصوص من ذرّية آدم، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

فعلى الصائم أن لا يقصر عن درجة الخصوص؛ بكفِّ الجوارح عن الذنوب والمعاصي، فيبتعد عن معاصي القلب ومعاصي الجوارح من خلال الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ثم بعد ذلك يكون تدريبًا له على أن يُمضي لَيلَه في الطاعة كذلك، ثم اليوم الثاني والثالث، فيكون الشهر إلى رمضان تدريبًا له على أن يقضي بقية الأشهر في التزام الطاعة والبُعد عن المعصية، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183]؛ أي: تصلوا إلى التحقق بالتقوى عبر الصوم.

وإذا كان تَكُفْ عن مثل الطعام والشراب وهي قوام الحياة، فكيف لا تكف عن الذنوب والمعاصي؟! وأنت تستعد من أجل الله تعالى أن تكف، قال سبحانه: "يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصَّومُ لي وأنا أجزي به".

وقال: "وَمِنْ تَمَامِ الصَّوْمِ: تَحَرِّي الإِفْطَارِ عَلَى حَلَالٍ"؛ أمّا يصوم ثم لا يبالي يفطر بشبهة! أو عند من لا دخل له إلا من جمارك، وعند من لا دخل له إلا من ربا يجيء يفطر عنده!... كيف تصوم عن الحلال طول اليوم وتفطر على الحرام؟ فلهذا قال بعض العارفين: إذا صمت فانظر على ماذا تفطر؟ وعند من تفطر؟… فكانوا يتحرّون الفطر من الصوم على حلال خالص. 

وأفضل الإفطار: 

  • ما يكون على الرُّطب
  • ثم البِسر 
  • ثم التمر 
  • ثم ماء زمزم
  • ثم بقية المياه
  • ثم على أي شيء حلو؛ أي: بطبعه
  • ثم على حلواء وهي: المصنوعة. 

فمن رطب فالبِسْر فالتمر زمزم *** فماء فحلوٌ ثم حلوى لك الفِطر  

 فهذه درجات الأفضلية في الإفطار: الإفطار بالرُّطب أفضل، فإن لم يكن أوان الرُّطب أو لم يوجد؛ فالبِسر، فإن لم يكن رُطب ولا بِسر؛ فالتمر، فإن لم يجد تمر؛ فزمزم، فإن لم يجد زمزم؛ فأي ماء، ثم بعده الفطر بـالحالي. ثم بالحلواء.

فمن رطبٍ فالبِسْر فالتمر زمزم *** فماء فحلو ثم حلوى لك الفِطر  

والفِطر من سننه: المباشرة، ولكن بشرط تيقّن الغروب، فأما مع الشك فيحرم أن يقدم على الإفطار حتى يتيقن الغروب، إذا تيقن الغروب أو ظنه بعلامة ناجزة وغلب على ظنه: فيُباشر بالفِطر، تعجيل الفِطر من سننه ﷺ، وقال: "لا تزالُ أُمَّتِي بخيرٍ ما عجَّلُوا الفِطرَ وأخَّرُوا السُّحورَ"؛ أي: تأخير السحور إلى ما قبل طلوع الفجر ما لم يقع في شك، سنّة تأخير السحور ما لم يقع في شك، أمّا إذا قد وقع في شك طلوع الفجر فلا، ولكن ما دام متيقّن أنّ الليل باقي؛ فيؤخر السحور إلى آخر هذا اليقين، فذلك أفضل، وإن كان وقت السحور يدخل من نصف الليل، فأي شيء تناوله الصائم بعد نصف الليل فهو: سحور، سواء كان طعامًا أو شرابًا، إذا تناول شيء بعد نصف الليل فهو: سحور، والأفضل أن يكون في وقت السَّحر قريبًا من الفجر، بحيث يكون بينه وبين الفجر مقدار خمسين آية، مقدار قراءة خمسين آية، وهو حدود ما بين عشر دقائق وربع ساعة، يكون هذا ما يسع خمسين آية بالتأنّي.

كما سألوا الصحابي كم كان بين السحور والصلاة؟ أي: دخول وقت الصلاة، قال: مقدار خمسين آية، لمّا تسحَّر مع النبي ﷺ في آخر الليل قال: ما عاد بقي من الفجر إلا مقدار ما أقرأ خمسين آية وطلع الفجر، فكان هذا الوقت الأفضل للسُحُور.

  • فهو بضم السين: سُحُورٌ، تناول الطعام والشراب بعد نصف الليل. 
  • وأما السَّحور: فهو اسم لما يُتناول، اسم للطعام، الطعام الذي يُتناول بعد نصف الليل يقال: سَحور. 

وأما السُحور: فهو التناول نفسه، التناول للطعام هذا سُحورٌ، أما السَّحور: هو الطعام، مثل الوُضوء والوَضوء، الوَضوء: الماء، الماء الذي يتوضأ به يُقال وَضوء، ليس بوُضوء: وَضوء. والوُضوء: فعل الطهارة نفسها، وكذلك السُحور والسَحور.

ويُسنّ أيضًا في السُّحور أن يكون فيه: تمر، لما جاء: "نِعمَ سُحور المؤمن التمر"؛ أن يُحضِر مع السُّحور تمر، ويسنُّ في التمر أن يكون فِطرًا أو سُحورًا وترًا، إما ثلاث أو خمس أو سبع، أن يتناول التمر وِترًا. وسَمّى ﷺ السُّحور: الغداء المبارك، وقال لبعض أصحابه: "هَلُمَّ للغداء المبارك".

وفي تفطير الصائمين الثواب الكبير والخير الكثير، "مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا"، "من فَطّّرَ فيه صائمًا كان مغفرةً لذُنوبِه، وكان له مثل أجر الصائم من غير أن ينقص من أجره شيء، قلنا: يا رسول الله، ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم"؛ يدل على أن أحوال الصحابة الاقتصادية والمادية كانت ضعيفة، يقولوا: ما كلنا يجد ما يفطر به الصائم، قال: "يُعطي الله هذا الأجر، مَنْ فَطَّرَ الصائم ولو على تمرة أو مَذقة لبن أو شربة ماء"، وصحَّ في الحديث: "مَنْ فطَّر صائمًا مِنْ مالٍ حلالٍ؛ صلَّتْ عليه الملائكةُ لياليَ رمضانَ، وصلّى عليه جبريل ليلة القدر"، بل في رواية قد أوردها في الترغيب والترهيب المنذري قال: "وصافحَه جبريلُ ليلةَ القدرِ"؛ أي: مَنْ فطَّر صائمًا مِنْ مالٍ حلالٍ، قال: "وصافحَه جبريلُ ليلةَ القدرِ، ومَنْ صافَحهُ جبريلُ يرِقُّ قلبُه وتكثُر دموعُه"؛ فإن الله تعالى يجعل الملائكة مع المؤمنين وخصوصًا في ليلة القدر، يختلطون بهم في مجالسهم وقراءتهم وصلواتهم، وإذا تصافحوا يتصافحون معهم، فتكون أيدي الملائكة مع أيدي الناس وهم يصافح بعضهم بعضًا، ولكن يؤمر جبريل في ناس مخصوصين أن يصافحهم على الخصوص، قال: "ومَنْ صافَحهُ جبريلُ يرِقُّ قلبُه وتكثُر دموعُه". لا إله إلا الله...

قال: "وَعَدَمُ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْأَكْلِ"؛ أي: في الليل، فإن لتقليل الأكل فوائد: 

  • من حيث الفطنة والذكاء 
  • ومن حيث تهذيب النفس وتزكيتها 
  • ومن حيث صحة البدن حتى 

فإذا عوّض ما تركه في النهار واستعمله في الليل ذهبت الفوائد من تقليل الأكل والطعام،الفوائد الصحية والفوائد التزكوية لباطنه، بل يمكن ضرر أن تتناوله دفعة واحدة أكثر من ضرر أن تتناوله مفرّق، فيجمعه دفعة واحدة في الليل بدل النهار، فيعوّض ما تركه في الصباح من الفطور والغداء، يعوّضه فيأكل مثله في الليل مرة ونصف ومرّتين! فما عاد يحس بأثر الصوم ويذهب كثير من الفوائد.

قال: "وَيَنْبَغِي الِاسْتِكْثَارُ مِنَ الصَّوْمِ، لَا سِيَّمَا الْأَيَّامُ الْفَاضِلَةُ في الشرع"؛ وذلك أنه بعد رمضان يأتي الصيام المستحب والمسنون، أمّا من فاته شيء من رمضان: يجب عليه القضاء. 

  • إن فاته بغير عذر؛ يجب أن يكون القضاء معجّل مباشرة. 
  • وإن كان بعذر؛ فالقضاء على التراخي إلى رمضان الثاني. 

فمن أفطر بعذر في رمضان: يجب أن يقضي خلال السَّنة، ويحرم أن يؤخر حتى يأتي رمضان الثاني ولم يَصُمْ، فإذا تمكن من الصوم فلم يَصُمْ حتى جاء رمضان الآخر: وجب عليه بعد رمضان الآخر أن يقضي ويُخرج كفّارة عن كل يوم مُدْ، كفارة التأخير، تأخير الصيام إلى رمضان الثاني. 

يقول: فإذا كان غيرَ القضاء، وغيرَ رمضان، كذلك غير النذر، وغير الكفارة، فهناك صومٌ مستحب؛ فمنه:  

صومُ ستٍ من شوال، لما جاء في صحيح مسلم "مَنْ صامَ رمضانَ وأتْبعَهُ ستاً من شوّال كان كصيامِ الدَّهْر" أي كأنه صام السنة كلها، يقول العلماء: صوم السنة هنا أي كأنه صامها فرضًا، لأن صومَ الفرض يَفضُل على النفل بسبعين درجة، فكأنّه صامَ السنة كلَّها فرضًا، فله ثواب عظيم، وإلى غير ذلك مما جاء في ثواب صوم الست من شوال.

ثم صيامُ يوم عرفة، أو يومٍ من أيام العشر، أيام العشر كلها، وخصوصًا يوم عرفة لغير الحاج، صيام العشر من ذي الحجة وصيام يوم عرفة، يكفّرُ ذنوب سنتين، "صيامُ يوم عرَفةَ إنّي احتسبُ على الله أنْ يكفٌّر ذنوبَ السّنةَ التي قبلَها والسنة التي بعدها"،

ثم صوم يوم عاشوراء، وكذلك تاسوعاء.

ثم صيام ثلاثة أيّامٍ من كل شهر، ذلك أيضًا فيما جاء عنه ﷺ "صوم ثلاثةِ أيامٍ صومٌ حسن،" "صيامُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ يُذْهِبنَ وَحَرَ الصدر" وهو صومُ الخليل إبراهيم، فقال عنه عليه الصلاة والسلام: "صامَ الدَّهرَ وأَفْطرَ الدهر" الخليل إبراهيم، فكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فاليوم بعشرة، فالثلاثة كأنها ثلاثين، كأنه صام الشهر كله، فهو صام الدهر، ولكنه أكثر الأيام مفطر، يصوم إنما ثلاثة أيام، فقال  "أفطر الدهر وصام الدهر"، يعني ثواب صيامه كثواب صيام الدهر، ثلاثة أيام من كل شهر.

والأفضل أن يكنَّ الأيام البيض، وهن يوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، ويمكن أن يتفرقن، ويكنّ أيَّ أيام، وقاس بعضُ أهل الفقه على الأيام البيض الأيام السود، وهن يوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين والثلاثين من كل شهر، بالقياس على الأيام البيض، لأن هذه الليالي القمر لا يظهر فيها في الليل، فهي أيام سود، وأيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر،القمر يظهر فيها طول الليل، فهي أيامٌ بيض، نُسبت إلى لياليها، اما الأيام كل يوم تطلع الشمس، ما يكون يوم فيه شمس ويوم ما فيه شمس؟ لكن بالنسبة لليالي، يعني أيام الليالي البيض، وأيام الليالي السود.

 أو يصوم اثنين وخميس واثنين. أو خميس واثنين وخميس، من خلال الشهر، وكله وارد، وما من يومٍ من أيام الأسبوع إلا وقد ورد صومه فيه ﷺ، كثيرًا ما يصوم الاثنين والخميس، وقد صام الجمعة مع خميس أو سبت، وقد صام السبت، وقد صام الأحد، وقد صام الثلاثاء، وقد صام الأربعاء، فما من يوم من أيام الأسبوع إلا وقد صام في مثله ﷺ. 

فهذه "الْأيَّامُ الفَاضِلَةُ فِي الشَّرْعِ"، بهذا قالوا:

  • أن الصوم منه ما يتكرر بتكرر السنة، كمثل الست من شوال، ومثلِ ايام العشر ويوم عرفة منها، ومثل عشر المحرم، وتاسوعاء وعاشوراء منها على الخصوص، هذا يتكرر بتكرر السنة.
  • ومنها ما يتكرر بتكرر الأشهر، وهذا مثل صيام أيام البيض، الصوم الحسن، ثلاثة أيام من كل شهر. 
  • ومنها ما يتكرر بتكرر الأسبوع؛ كصوم الاثنين والخميس. 

قال: "وَيَنْبَغِي الِاسْتِكْثَارُ مِنَ الصَّوْمِ، لَا سِيَّمَا الْأَيَّامُ الْفَاضِلَةُ في الشرع. "، والله علم.

ثم ذكر: "باب الزَّكَاةُ"، والزكاة قنطرة الإسلام، الزكاة فُرضت في السنة الثانية من الهجرة كالصوم، فكان فرضهما في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، والزكاة تنقسم إلى قسمين: زكاة مال، وزكاة بدن.

  • وزكاة الأموال: في هذه الأنواع المخصصة.
  • وزكاة البدن: هي زكاة الفِطرة التي تلزم بإدراك جزء من رمضان وجزء من شوال.

يقولوا: "وَأَمَّا الزَّكَاةُ"؛ 

  • والزكاة؛ لغة: النماء والتطهير، وكذلك لها معاني عديدة في اللغة. 
  • وهذا ما يتعلق بالمعنى الشرعي منها، وهي اسم لما يُخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص. 

فيها نماء للمال وبركة، وفيها تطهير للنفس من مرض الشُّحْ، وهذه الزكاة من المعلوم من الدين بالضرورة.

قال: "وَهِيَ رَابِعُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ"؛ وثالثه في أكثر ما يعدُّون أركان الإسلام، "فَيجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ الأَمْوَالِ الْوَاجِبَةِ فِيهَا"؛ الزكاة. 

وهي على قسمين كما ذكرنا: فالقسم الأول: زكاةُ الأموال، وهي التي أشار اليها  "النَّعَمْ"، النَّعَمْ،: بفتح النون يُراد بها الإبل والبقر والغنم، يقال لها نَعَم وأنعام، أنعام ونعَم، وهي الإبل والبقر والغنم،

 فهذه إذا وُجدت مع أحدٍ خمسٌ من الابل فأكثر، أو ثلاثون من البقر فأكثر، أو أربعون من الغنم فأكثر، لزمته الزكاة، إذا كانت ترعى في كلأٍ مباح، إذا كانت ترعى في وادي، ترعى في مرعى عام، أما إن كان يشتري لها قوتَها ويطعمها، فلا زكاة عليه، إنما تكون في السائمة، السائمة من النعم، الإبل والبقر والغنم، وبقية الحيوانات ما فيها زكاة.

  • قيل بوجوب الزكاة في الخيل. 
  • والذي عليه الجمهور: لا زكاة إلا في الإبل والبقر والغنم، إذا بلغت النصاب: 
    • وهي خمسٌ في الإبل 
    • وثلاثون في البقر 
    • وأربعون في الغنم

والخمس من الإبل تلزمُه فيها شاة، والعشر تلزمه فيها شاتان، وما بين الخمس والعشر وَقْصٌ معفوٌ عنه، يعني مَن كان عنده خمس سائماتٍ من الإبل تلزمه شاه، ومَن عنده ستا تلزمه شاة، ومَن عنده سبعة تلزمه شاه، من عنده ثمانٍ تلزمه شاه، من عنده تسعا تلزمه شاه، فاذا بلغت عشر، شاتان، وهكذا الى خمسة عشر. فالخمسة عشر فيها ثلاث شياه إلى  عشرين. فإذا وصلت  إلى 25 فتلزم فيها واحدةٌ منهن، -من الجمال-، بنت مخاض، ليس غنم، لا يخرج غنمًا، بعد الآن. ففي كل خمسٍ شاة، إلى أن تصل إلى خمس وعشرين. 

فإذا وصلت إلى خمس وعشرين، تلزم فيها بنت مخاض، أي واحدةٌ من إناث الجمال، قد مضت لها سنة ودخلت في الثانية، فصارت بنت مخاض، لأنه آن لأُمِّها أن تكون ماخِضًا، أي: حاملاً بغيرها، فهي بنتُ مَخاض، وهكذا إلى أن تصل إلى 36. 

إذا وصلت إلى 36 ففيها ابن لَبون، يصح أن يكون ذكر أو أنثى؛ ابن لبون له سنتان ودخل في السنة الثالثة، وهكذا إلى أن يصل إلى كم؟ إلى 46 ففيها كم؟ حقة، وهي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وهكذا إلى أن يصل من 46 إلى 61.

 إذا وصلت 61 ففيها كم؟ فيها جَذَعة، وهي التي لها أربع سنين دخلت في الخامسة، الجذعة لأنها تكون أجذعت مُقدَّم أسنانها. 

ثم بعد ذلك من 61 إلى 76، كم فيها؟ بنتا لبون، -اثنتان من بنات لبون-، وهكذا إلى أن تصل إلى كم؟ 91،  ضعف الحقة،  فيها حقتان. وهكذا إلى أن تصل 121، ففيها ثلاث بنات لبون. وما زادت بعد ذلك، إذا وصلت 150، ففيها ثلاث حقاق.  وهكذا تستمر: 

  • في كل أربعين بنت لبون. 
  • وفي كل خمسين حُقة.

 فإذا كانت 200 فكم يلزم فيها؟ إما أربع حقاق، وإما خمس بنات لبون، إذا كان أربعين وأربعين وأربعين وأربعين، تصل إلى مئتين، خمس بنات لبون، وإما خمسين وخمسين وخمسين وخمسين، أربع حقاق. وهكذا يتغير في كل عشر، إذا زادت عشرًا يتغير الواجب عليه.

وكذلك في البقر، في كل ثلاثين منها تبيع، وفي كل أربعين منها يَلزم مُسنَّة، إما تبيعٌ أو مُسِنّة، في الأربعين مُسنة وفي الثلاثين تبيع، التبيع له سنة ودخل في السنة الثانية، والمُسنة لها سنتان دخلت في السنة الثالثة.

  •  فإذا كان عنده ستون من البقر كم يلزمه؟ تبيعان.
  •  فإذا عنده سبعون يلزمه مسنة وتبيع. 
  • فإذا عنده ثمانون عليه مسنتان. 
  • فإذا عنده تسعون فثلاث مسنات.
  •  فإذا عنده مائة، تلزمه تبيعان ومسنة، تبيعان بستين، ومسنة في أربعين.
  •  فإذا عنده مائة وعشر، يلزمه مسنتان وتبيع، مسنتان أربعين وأربعين وثلاثين.
  •  فإذا كان عنده مائة وعشرون، يتخير بين أربعة تِبْعان وإما ثلاث مسنات، وهكذا .

ثم زكاة الغنم

  • تبدأ من الأربعين ففيها شاة، وهكذا إلى مائةٍ وواحد وعشرين، فالذي يملك أربعين، والذي يملك مائة وعشرين، على كلٍ منهما شاة.
  • فإذا صارت مائةً وواحداً وعشرين، تكون شاتان، إلى مائتين وواحدة، فمن عنده مائة وواحد وعشرون، أو من عنده مائتان، عليهم شاتان.
  • فإذا كان عنده مائتان وواحدة، ففيها ثلاث شياه، إلى أربع مائة، تستمر من مائتين وواحدة إلى أربع مائة.  
  • إذا كان عنده أربع مائة فيها أربع شياه. 
  • فإذا وصلت أربع مائة قال فيها أربع شياه، إذا صارت أربع مائة، صارت أربع شياه، لكن أقل من أربع مائة ليس فيها إلا ثلاث، 

من مائتين وواحدة إلى ثلاث مائة وتسعة وتسعين فيها ثلاث شياه، فإذا وصلت أربع مائة  صارت أربعاً، وهكذا إلى خمس مائة فخمس، وفي كل مائةٍ بعد ذلك شاة.

وهذا الذي كتبه ﷺ، وكتبه بعد سيدنا أبو بكر الصديق، هذا كتاب فرضه عليه الصلاة السلام في زكاة النعم، فذكرَ هذا التقسيم.

ثم زكاة النقدين، "وَالنَّقْدَانِ": الذهب والفضة، ثلاثةُ أواقي من الذهب، وواحدةٌ وعشرون أوقية من الفضة، هو النصاب، فمن ملك ذلك ومضى عليه حولٌ، وجب عليه إخراجُ رُبعِ العُشر، 2.5% من الذهب أو من الفضة.

 وقد راج رواج الذهب والفضة هذه العملات التي استبدلوها، فمَن كان عنده قيمةُ 21 أوقيةٍ من الفضة، إذا مضى عليها سنة، وجب عليه فيها إخراج الزكاة، وإن كان أقل من ذلك فليست بنصاب.

"وَالتِّجَارَةُ"؛ وهي كل مالٍ قُلِّب لغرض الربح كائنًا ما كان، أيّ مالٍ كان، من حديد أو إسمنت، أو حجر أو طين، أو أيِّ شيءٍ قُلِّب لغرض الربح فهو تجارة. وتلزم فيه ربع العشر عند مرور السنة، إذا بلغت عند الحول نصابًا وجب إخراج الزكاة، وهي ربعُ العشر، اثنان ونصف في المئة، من مجموع المال.

ما هو مجموع المال؟

  • ماعنده من نقدٍ داخل في التجارة.
  • وما عنده من بضاعةٍ موجودة حسب قيمتها الآن في السوق، ولا عبرة بقيمتها حين اشتراها، ولكن بقيمتها الحالية.
  • وما عنده أيضًا من ديون متعلقة بالتجارة له، ما كان له من ديون متعلقة بالتجارة.

 فيَحسبُ الدَّين الذي له، والنقدَ الذي معه، وقيمةَ البضائع، ويُخرج منها 2.5%؛ ربع العشر.

والدَّين لايمنع الزكاة، إذا كان عليه دينٌ لا يمنع الزكاة، إذا جاء الحول قال: أنا عليّ كذا كذا دين، ما علينا منك، شوف كم لك من دَينٍ واحسبه، وكم قيمة البضائع الموجودة، وكم النقد الموجود معك المتعلق بالتجارة، احسبها وخرّج زكاتها، هذا دين، وهذا دَيْن، هذا دين الله، وذاك دين الخلق، أخرج دين الله، ثم سدد دين الخلق، فيُحسَب الذي له، ولا يُحسب الذي عليه، هذا في زكاة التجارة. 

وَالرِّكَازُ: وهو دفين الجاهلية من الذهب والفضة، فمن أدرك شيئًا كان مدفونًا من قبل الإسلام -في أيام الجاهلية- من ذهب أو فضة، فعليه أن يُخرج في الحال زكاته، ليس فيها حول، هذا في نفس الوقت يخرج الزكاة في الحال، من الذهب أو الفضة التي وجَدَها، وهي ملكٌ لأول من عَمَر هذه الأرض؛ من عمر هذه الأرض فوجد فيها شيء من الذهب والفضة من أيام الجاهلية؛ فهو الركاز، يلزمه فيه الخُمُس مباشرة، يخرج الخمس والباقي له، ملكٌ له، فالواجب في الركاز الخمس.

أما ما وُجد من المدفونات من ذهب وفضة بعد الإسلام، فهذا حكمُه حكم اللُّـقَطة، ليس له حكم الركاز، حكم اللقطة، يجب عليه تعريفها لمدة سنة، إن أراد تمليكها.

 "وَالْمَعْدِنُ": استخراج الذهب والفضة من باطن الأرض، المعدن إذا استَخرجَ مقدار النصاب من ذهب وفضة، يُخرج زكاته في الحال أيضًا.

"والْمُعَشَّرَاتُ، وَهِيَ: الْحُبُوبُ وَالثَّمَارُ"، عند الشافعية مخصوص الزكاة فيما يتعلق بـ "الْحُبُوبُ" التي تُقتات، "وَالثّمَارُ" التمر والعنب فقط، ومن الحبوب كل ما يُقتات في حالة الاختيار، كل ما يعد قوتاً.

 وقال الحنفية: كلُّ ما أثمرت الأرض يجب فيها الزكاة، وأخذوا بعموم قوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ) [الأنعام:141].

 وهذا الذي يلزم فيها كما ذكر؛ 

  • إن كانت تُسقى بمؤونة أي بتعبٍ وإنفاق من المالك لهذه الأرض، فعليه نصفُ العشر. 
  • وإن كانت تُسقى بماء السيل، بماء النهر، بماء العيون، من دون أن تكون عليه مؤونة فعليه العشر، يخرج عشر المحصول من الثمر.

 قال: "ولَا زَكَاةَ فِيمَا سِوَى النَّعَمِ السَّائِمَةِ" واحد عنده دجاج، واحد عنده  خيول، واحد عنده شيء من الحيوانات غير الإبل والبقر والغنم. "وَيُشْتَرَطُ لها: الْحَوْلُ؛ وَكَذَا يُشْتَرَطُ لِلنُّقُودِ وَالتِّجَارَةِ" خلاف الركاز والمعدن فلا حول فيها، وكذلك المعشَّرات لا حول فيها (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ). "وَوَاجِبُ النَّقْدَيْنِ وَالتِّجَارَةِ: رُبْعُ الْعُشْرِ. وَوَاجِبُ الْحُبُوبِ وَالثَّمَارِ الَّتِي سُقِيَتْ بِمَؤُونَةٍ: نِصْفُ الْعُشْرِ، وَبِغَيْرِ مَؤُونَةٍ: الْعُشْرُ".

"زَكَاةُ الْفِطْرِ"، وزكاة الفطر: هذه زكاة البدن، وهي طُهرةٌ للصائم من اللغو والرفَث، وسببٌ لقبول الصوم، فالصوم معلقٌ بين السماء والأرض -صوم رمضان- لا يُرفَع إلا بصدقة الفطر.

 "وَزَكَاةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِذَا فَضَلَتْ"؛ أي: وجد من المال ما زاد "عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ يَقُوتُهُ"؛ أي: يلزمه نفقته "يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ"، المراد بليلته المقبلة لا الذاهبة، إذا قال ليلة كذا فالمراد الليلة السابقة له، إلا قولهم هنا يوم العيد وليلته، يعني الليلة المقبلة بعد العيد، إذا قالوا ليلة كذا، فالمعنى الليلة السابقة، إلا هذا؛ قولهم: "يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ"، فمُرادهم الليلة اللاحقة الثانية التي تأتي بعد العيد.

 "أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدّ النَّبِيِّ ﷺ". عن نفسه وعن كل واحدٍ ممن تلزمه نفقته، صغيراً أو كبيراً "وهي: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدّ النَّبِيِّ ﷺ".

 "وَتَجِبُ النِّيَّةُ فِي الْجَمِيعِ."، فيخرج زكاة الفطر عن نفسه وعن زوجته وعن أولاده، فإذا كان أولاده عنده في البيت وهم كبار، تلزمهم نفقتهم، لكنه ينفق عليهم هذا من الإحسان والمعروف، فإذا جاءت الزكاة، فليأمرهم ويملّكهم مقدار الزكاة وينوونها عن أنفسهم، أو يوكلونه ويُخرج الزكاة عنهم. 

 يقول: "أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدّ النَّبِيِّ ﷺ"، من قوت البلد، القوت الذي يقتاته أهل البلد.

  •  إخراج القيمة يجوز عند الحنفية.
  •  وعند غيرهم لابد من القوت، يخرجها من قوت أهل البلد الذي يعتادونه.

 البلد:  التي غربت عليه شمسُ ليلة العيد وهو فيها، فيُخرج الزكاة فيها.

 وتصرف لمن الزكاة؟

الزكاة تصرف إلى الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في القرآن (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [التوبة:60] ثمانية أصناف، ثمانية الأصناف. 

  • إن كان وزَّع الإمام الحاكم، -جَمَع الزكاة من الناس- فيجب عليه أن يستوعبهم كلهم، جميع الموجودين من الأصناف الثمانية، يستوعبهم. 
  • وإن وزع صاحب المال بنفسه، فيكتفي بثلاثة من الموجودين من الأصناف، إن وسعت زكاته. 
  • فإذا كان هناك إنسان وحده، معه مثلاً زكاة فطر حق شخص واحد بتسع كم؟ هذا يقسمها بين ثلاثة من الفقراء والمساكين يكفي. 

وأما إن قسمها وتولاها الحاكم "يَجِبُ اسْتِيعابِ المَوْجُودِينَ مِنْهُم".

 يقول: "وكونه" الذي يستلم الزكاة "غيرُ هاشميٍّ ولا مُطَّلِبيٍ" ليس من بني هاشم ولا بني المطلب، فإن هؤلاء لا يجوز لهم أن يأكلوا الزكاة، قال: فقير! وإن كان فقير،  مسكين! وإن كان مسكيناً وهكذا، قال أنا غارم أنا كذا، ما يأكلونها بوصف الفقر ولا المسكنة.

وكذلك إذا كان مولى لهما، "ولا مولى لهم"؛ مولى لهاشمي أو مطلبي، أعتقه هاشمي أو اعتقه مطّلبي، صار مولى لهم، فلا يجوز إعطاؤه الزكاة، لقول ﷺ: "إنها لا تحل لمحمدٍ ولا لآل محمد، إنما هي أوساخُ الناس". ولما أخذ تمرة سيدنا الحسن وهو طفل، من تمر الصدقة وضعها في فمه،  قام ﷺ يقول: كخ كخ، وأخرجها من فمه وقال "ألا تعلم أننا لا نأكل الصدقة" وردّها إلى الصدقة ﷺ. 

فيقول: فإن في خُمُس الخُمـس ما يكفيهم؛ خُمس الخمس من الغنائم يُصرَف للمؤمنين من بني هاشم وبني المطلب، هذا فقط يغنيهم عن الزكاة ولا يأخذوا من الزكاة شيئًا. ولذا بحث أهل الفقه إذا كان انقطع خمس الخمس ما عاد يُعطَون شيء منه، هل نخليهم في فقرهم هكذا، ما نعطيهم شيء من الزكاة؟! 

  • نقول من كانت تسخو نفسه يخرج من غير الزكاة لهم فهو أفضل. 
  • ولكن إذا ما وجدوا إلا زكاة؛ فقد قال جماعةٌ من أهل العلم أنه عند انقطاع خمس الخمس عليهم، يجوز أن يأخذوا من الزكاة، إذا وجدت فيهم أحد الأوصاف الثمانية.

"ويجب استيعاب الموجودين منهم."، هذا إن قسّم الحاكم.

 

إجابة أسئلة:

  • الركاز

أرض الغير من أول وصول مسلم إليها، وإقامة شعائر الإسلام فيها صارت أرض إسلام، إذا قد وصل لها المسلمون وأقاموا الشعائر فيها، فهي أرض إسلام وإن كان الحكام كفار، ولكن ما كان من قبل وصول الإسلام، من أيام الجاهلية؛ فيأتي له  حكم الركاز، ما لم يُعلم أنه مدفون عن قرب، لمن يترقّب وينتظر استخراجه متى مشى هذا، فهذا ما له حكم الركاز ولا حكم اللقطة، ولكن هذا ملك لأهله ولكن إذا كان مدفون على هيئة قد فني أصحابها ولم يبق أحد ممن دفن هذا، وكان وقت دفنه قبل وصول أي من المسلمين إلى تلك الأرض، فهذا يرجع إليه حكم الركاز، وما عدا ذلك فلا.

  • تحنيك طِفل وقت الصوم. 

وقت الصوم ما يضع تمر ولا غيره في فمه الصائم، إنما يمكن ينفث عليه ويليّنه بريقه أو بماء ويحنّك، فتحنيك الطفل ما يضر لكنه وضع شيء من الطعام في فمه، مكروه، فإن سرى منه شيء من الريق إلى داخل الجوف بطل صومه، وإلا فهو مكروه، فلا يضع شيء من الطعام في فمه، المحنِّك هذا الصائم، ولكن إما ينفث عليه ويليّنه إما بريقٍ أو بماء ثم يحنّك به الطفل.

وبعد ذلك قال عن الحج، بلغنا الله لكم حج بيته وزيارة نبيه ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم خامس أركان الإسلام، وفّر الله حظنا من سِرّه وبركته والواجب على المستطيع… فيأتي معنا إن شاء الله الكلام عنه.

رزقنا الله الاستقامة، وأتحفنا بالكرامة، وبارك لنا فيما أعطانا وأنعم به علينا، وجعلنا ممن ترعاهم عين عنايته في جميع الشؤون، في الظهور وفي البطون، ودفع عنّا الآفات، وبلغنا الأمنيات، ورعانا بعين العنايات، وثبّتنا اكمل الثبات، وأصلح شؤوننا وشؤون المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، ووهبنا مواهب المحبوبين من عباد أهل التمكين في لطف وعافية، وإلى حضرة النبي ﷺ.

 

لتحميل الكتاب pdf

 

تاريخ النشر الهجري

21 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

10 يناير 2026

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام