الرسالة الجامعة – 10 | الدرس الأخير - معاصي العين والأذن واليد والرجل والفرج والبدن

للاستماع إلى الدرس

الدرس العاشر والأخير في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

مساء الإثنين 23 رجب 1447هـ

يتضمن الدرس: 

  • معاصي الجوارح والتحذير منها (العين، الأذن، اليد، الرجل، الفرج، البدن كله)
  • تعظيم حرمة الدماء وبيان خطورة الرضا بالقتل ولو بكلمة.
  • حفظ الجوارح وتزكيتها وإعدادها للنظر إلى النبي ﷺ ونيل رضوان الله.
  • محبة النبي ﷺ والشوق إليه وحال الصحابة في ذلك.
  • مراقبة القلب والخطرات

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، من كتاب الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، لسيدنا الشريف العَلاَمة الحبيب محمد بن زين من عمر الحبشي، نفعنا الله به وبعلومه وعلومكم، وعلوم سائر الصالحين في الدارين، رضي الله عنكم إلى أن قال: 

مَعَاصِي العَينِ

مَعَاصِي العَينِ مثل: النظر إلى النساء الأجنبيات، ونظر العورات، والنظر بالاستحقار إلى المسلم، والنظر في بيت الغير بغير إذنه. 

معاصي الأذن

ومعاصي الأذن، كَالِاستِمَاعِ إلى الغِيبَةِ، وغير ذلك من المحرّمات. 

معاصي اليد

 ومعاصي اليدِ كالتطفيف في الكيل والوزن، والخيانة والسرقة، وسائر المعاملات المحرّمة كالقتل والضرب بغير حق. 

معاصي الرِّجْل

ومعاصي الرِّجْل: المشي في سعايةٍ بمسلم أو قتله، أو ما يضره بغير حق، وغير ذلك من كل ما حَرُمَ المشي إليه. 

معاصي الفرْجِ

و معاصي الفرْجِ: كالزنا واللواط، والاستمناء باليد وغير ذلك، وغيرها من معاصي الفرْجِ. 

معاصي البدن

والمعصية بكل البدن: كالعقوق بالوالدين، والفرار من الزحفِ وهو من الكبائر، وغير ما ذُكر مثل قطيعة الرحم، وظلُم الناس. 

 والله الموفق والمعين لما يحب ويرضى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

وصلنا إلى التذكير لنا بمعاصي الجوارح لنجتنبها، وتكون جوارحنا طائعة، ومن فضل الله جعل -سبحانه وتعالى- من المكفّرات للصغائر من عمل الجوارح، هذا الوضوء، ويخرج مع قطرات الوضوء ذنوب الإنسان، كما أخبر ﷺ.

قال: "معاصي العين" والعين خلقها الله لك آية من آياته -سبحانه وتعالى- تبصر بها وتنظر الأكوان والكائنات، وتنظر بها وجوه الأنبياء والمقرّبين والصديقين في البرزخ وفي القيامة، ثم تنظر بها الجنة، ثم تنظر بها رب العالمين -جل جلاله- فهذه العين المعدودة لهذه المواهب والعطايا حق أن تحرسها، وحق عليك أن تحميها؛ لا تطخها بالأوساخ ولا بالقاذورات، بل تعدها للنظر إلى وجه النبي محمد ﷺ، الذي قال: الويل لمن لا يراني يوم القيامة "ويل لمن لا يراني يوم القيامة"، قالت السيدة عائشة: ومن لا يراك يوم القيامة؟ قال: "من ذُكرت عنده فلم يصل عليّ" اللهم صل وسلم عليه وعلى آله.

يعني الذي ما عنده عاطفة وإحساس إذا ذُكرت يهتز له، أُذكَر عنده ويمشي الذكر هكذا، قال هذا من أين يراني! كيف يراني يوم القيامة وما عنده صدق محبة؟.. 

وإني لتعروني لذكراك هزّةٌ ***

إذا ذكروا المحبوب اهتزوا.. جاء في رواية بسند صحيح: أن سادتنا الصحابة لما وصلوا عند ملك الروم -هنا عندكم في الشام- أخرج لهم صور للأنبياء، أخرج لهم ألواح فيها صور أنبياء، وأخرج لهم أول صورة، قال: تعرفون هذا من؟ قالوا: لا، قال لهم: هذا نوح، تعرفون هذا من؟ قالوا: لا، قال: هذا هود، قال: تعرفون هذا من؟ قالوا: يشبه نبيّنا! قال: هذا إبراهيم، ثم أخرج لهم صورة الحبيب، قال: فلما بَدَت لهم ضجّوا بالبكاء وصاحوا صيحة واحدة كلهم الصحابة عنده، قال: ما لكم؟ قالوا: هذه صورة نبيّنا، قال: نعم، وأنا استعجلت في إخراج هذا اللوح لأرى ما عندكم، وعاد قبله ألواح فيها صور أخرى لأنبياء، فمجرد ما شافوها اهتزوا وضجوا وامتلأوا بالبكاء بمجرد الصورة! صلى الله عليه وعلى آله، هكذا كان الصحابة.

بل يقولون له -كما صح في الحديث- إني لأذكرك وأنا بين أهلي وولدي، فلا أصبر؛ أقوم حتى آتي أنظر إلى وجهك، أخرج من بين أولادي وأهلي وسط بيتي أجيء أشوفك، يا رب صل عليه وعلى آله وصحيه.

بل فكروا كيف رؤيتهم له في الآخرة، وقالوا: إن كنا في الجنة ولا نراه فما يغنينا الجنة عنه، وأهمّهم هذا الفكر، أما سيدنا ثوبان؛ ثلاثة أيام لا أكل ولا شرب ولا نوم، ما يقدر يأكل ما قدر يشرب ما قدر ينام، إن دخلت الجنة كنت في منزلة دون منزلته فلا أراه، عندما أدخل الجنة لا أراه، فكيف الحال؟!.. ما عاد قدر يأكل ولا يشرب ولا ينام، ظهر عليه بعد ثلاثة أيام، قال له ﷺ: ما لي أراك مصفّر اللون؟ قال: محبتك يا رسول الله! ما شأن محبتي؟ قال: إني لأذكرك وأنا بين أهلي فلا أقدر أصبر حتى آتي وأنظر إلى وجهك، ثم ذكرت الآخرة وأنها حياة الأبد، فقلت إن لم أدخل الجنة لم أرك، وإن دخلتها كنت في منزلة دون منزلتك فلا أراك، فهذا الذي كدّر عيشي ومنعني عن الطعام والشراب والمنام يا رسول الله! استلم النبي كلام صادق، سكت.. وإذا بالوحي ينزل: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)[النساء:69] بشّره بأنك ترانا وتجلس معي وتأكل معي وتصافحني في الجنة، فقدر يأكل ويشرب بعدها، هكذا حال الصحابة مع نبيهم ﷺ، الله يرزقنا محبته. 

 فإذا تُعد عينك للنظر إلى هذا الوجه احمها واحرسها من الملطخات و المكدّرات، "مثل النظر إلى النساء الأجنبيات" من المباشرة، وعبر هذه الصور التي ينشرونها ليصدوا عن سبيل الله، وليقطعوا عن طريق الله، والنظرة سهم مسموم من سهام إبليس المرجوم، قال الله: "من تركها مخافتي أبدلته إيمانًا  يجد حلاوته في قلبه"، (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ) [النور:30-31] إلى آخر الآية. 

 يقول: 

  • "ونظر العورات". 
  • "والنظر بالاستحقار للمسلم"، "بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم". 
  • "والنظر في بيت الغير بغير إذنه"، في شنطة الغير بغير إذنه، في كتاب الغير بغير إذنه، في جوال الغير بغير إذنه… 

هذا كله حرام؛ هذا نظر محرّم ما يجوز، ولهذا يقول: إذا استأذن أحدكم عند دخول البيت أو عند الباب فلا يستقبل الباب، يلوي وجهه فإنما "جُعل الاستئذان من أجل النظر"، أما يفتح الباب وأنت تشوف! ألوي بصرك عن الباب، لا تكن ناظر لما داخل البيت، لأنه شرع الاستئذان من أجل النظر، ما تشوف شيء ما يريدونك تشوفه في البيت، لذلك اصرف نظرك عن البيت. 

 وهكذا؛ ولما رأى بعضهم يجيء يتشوف من شقوق الباب إلى بيت النبي ﷺ، أخذ النبي مسلّة أراد أن يفقأ عينه بها، هرب الرجال، وقال: لو أدركته لفقئت عينه. قال الفقهاء: أن من تشوّف إلى بيت الغير ففقأ عينه فعينه هدر ليس عليه لا قصاص ولا دية؛ راحت حرمتها بهذا الفعل الخبيث، تجسس.. 

هذه "معاصي العين"، عَصَمَ الله أعيننا وحفظها في بقية أعمارنا، وهيأها للنظر إلى وجه النبي ووجوه النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. 

قال: "ومعاصي الأذن، كَالِاستِمَاعِ للغيبة"، يقول: أنا ما اغتبت.. وأنصتّ تتسمّع لهم!.. لا نهيتهم ولا زجرتهم ولا قمت؛ عصيت بإذنك، هم عصوا بألسنتهم وأنت عصيت بإذنك، هم يغتابون لماذا تتسمع لهم؟ 

  • كُف عن عِرض أخيك المؤمن 
  • أو ازجرهم 
  • أو قُم عنهم 

ولا تُصغي وتستمع إلى غيبتهم على بعضهم البعض، الاستماع للغيبة، مثلها النميمة، مثل الاستماع إلى المزمار، وكان ابن عمر سمع واحد يزمّر حط أصابعه في أذنه كي لا يسمع ويقول: للمرافق المولى حقه تسمع صوته؟ يقول: نعم، يبقى يمشي يمشي تسمع؟ يقول: نعم، فيكمل يمشي، قال: تسمع؟ قال: لا، أنزل أصابعه من أذنيه؛ حتى لا يسمع صوت المزمار. لا إله إلا الله…

فهكذا كل ما حرّم الله الاستماع إليه يجب أن تصُن أذنك عنه، حتى تسمع منه تعالى كلام يسُرّك في القيامة، وفي الجنة تسمعه يقول: "أُحِلُّ عليكم رضواني".. أذن تريدها تسمع هذا..احفظها، صُنها، هيئها لهذا، لأنه ناس في القيامة ما يكلمهم، (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ)، هؤلاء محرومين، أسماعهم ما تسمع كلام الله أصلاً! نعوذ بالله من غضب الله، (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران:77]، أجارنا الله من ذلك وهيأ أذاننا لسماع كل خير.

اصغِ إلى الكلام الطيّب، اصغِ إلى كلام الله وكلام رسوله وكلام الصالحين؛ هذا يملأ قلبك بالنور وبالإيمان وبالإخلاص وبالأدب، ولا تزال تزداد من هذا الخير حتى تسمع الطيّبات، يقول: 

لا ينطقون عن الفحشا إن نطقوا *** ولا يمارون من مارى بإكثار 

من تلقى منهم تقول: لاقيت سيّدهم *** مثل النجوم التي يسري بِها الساري

قال: "ومعاصي اليدِ: كالتطفيف في الكيل والوزن" (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * ليَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)[المطففين:1-6]. وهكذا، وهي أول آية نزلت بعد الهجرة، لما هاجر النبي إلى المدينة نزلت آية: ((وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ). ولهذا كان المحتاطون يحبّون إذا أعطوا يزيدون أي شيء فوق الكيل، وإذا أخذوا ينقصون أي شيء، خوفًا من التطفيف.

 ولما كان واحد عندنا في السوق واشترى طعام من واحد، خرج يكيله بكيل عندهم بالبيت حصله ناقص، تعجّب.. هذا الرجل صالح ما بييطّفف! قابله ثاني يوم، قال: يا فلان، أيش قصتك؟ قال: أيش؟ قال: أمس اشتريت منك، قال: نعم، قال: لما رجعت البين وكِلته حصّلته ناقص، لكن اسمع، أنت من أسرة ورِعة معروفين، أنت أهلك عندهم اثنين مكاييل، كيل كبير زايد على حقنا ذا وحق الناس كانوا يخرّجون به ما يأخذون به، ومكيال ثاني كما حقنا ذا يأخذون به، أنت كِلت بالثاني، فانتبه ورجع حصّل كلام الرجل صحيح! قال أنتم أسرة معروفة عندكم ورع، أهلك مصلّحين عندهم  مكيالين، واحد كما حق الناس نفس المكيال، وواحد يزيدونه إذا بيعطون أحد أو بيبيعون عليه يكيلون بالكبير الزايد، وإذا بيأخذون يأخذون بالثاني الصغير، عكس المطففين انتبهوا لنفسهم!.. ظنّوا أنهم مبعوثون ليومٍ عظيم؛ يعني: أيقنوا أنهم مبعوثون ليومٍ عظيم.

قال: وبعض الموتى يُقال له: لا إله إلا الله ما يقدر ينطق بها، لكن كلام ثاني نعم يتكلم، ضاق واحد قال له: ما بك؟! نتكلم تتكلم معنا وإذا قلنا لا إله إلا الله تسكت! قال: أحس بشوكة الميزان توضع على لساني إذا أردت أن أقول: لا إله إلا الله! كان الرجال وزّان يبيع، كل يوم إذا جاء إلى المكان ينفخ الغبار من الكفة التي يحط الأواقي فيها، والتي يحط البضاعة فيها يترك الغبار، غبار ما يساوي شيء… لكنه بسبب الجراءة هذه التي عنده منعته من الشهادة عند الموت، منعته من قول: لا إله إلا الله.

قال: "والخيانة" بأخذ شيء من غير إذن صاحبه، أو استعماله بغير إذن صاحبه، "والسرقة" -والعياذ بالله تعالى-، التي قال: "لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن". "والسرقة، وسائر المعاملات المحرّمة كالقتل" وهو اعظمها وأشدها، ما بعد الشرك من الذنوب أعظم من القتل.

"والضرب بغير حق"، "لا يَزَالُ العبدُ في فَسْحَةٍ من دِينِه ما لم يُصِبْ دَمًا حرامًا" ولو أن أهل السماء والأرض اجتمعوا على سفك دم رجل مسلم بغير حق لأكبّهم الله في النار. وتشاركوا مرة جماعة وقتلوا واحد في صنعاء، وصل الخبر لسيدنا عمر، قال: اقتلوهم؛ اقتلوا التسعة كلهم، قالوا له: بنفس تقتل تسعة؟ قال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به"، قال: لو آل البلاد كلهم اجتمعوا على القتل وقتلوه، وكلهم باشروا سأقتلهم كلهم.. صيانةً لحرمة دم المؤمن. 

وفي الحديث الذي رواه البيهقي في دلائل النبوة، وأيضًا أورده كثير من المفسّرين في آية: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) أن محلم بن جثامة لما كان مع جماعة من الصحابة، فأقبل عليهم رجل كان قومه وقبيلته لازالوا مشركين، ومعه غنم، فقال: السلام عليكم، فقال أميرهم: خلاص هذا قال السلام خلاص هذا مسلم لا أحد يتعرّض لغنمه، قال له محلّم: يضحك عليك هذا! هؤلاء مشركين محاربين.. عدى عليه وقتله.

والنبي ﷺ متوجّه إلى مكة، وصلوا إلى مكة وأخبروه الخبر، فغضب ﷺ، وودى الرجل؛ سلّم دية الرجل لقبيلة الرجل، وأنزل الله: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ)، فجاء محلّم قال: استغفر لي يا رسول الله، قال له: اذهب لا غفر الله لك! فتأثر وبعد يومين توفي.. قبروه، فلفظته الأرض، حفروا حفرة ثانية فلفظته الأرض، ثالث مرة كذلك.. فجاؤوا يستفتون النبي ﷺ، قال: إن الأرض تقبل من هو أشرّ من صاحبكم ولكن الله أراد أن يريكم حرمة الرجل المسلم. ولا فالأرض تقبل شر من هذا، اجعلوه بين جبلين واجعلوا عليه الحجارة. ماقبلته الأرض لفظته.. لا إله إلا الله…  

قتل دم ما ظهر من إسلامه إلا قوله: السلام عليكم فقط، ما يدرون هو مسلم؟… مع أن قبيلته لا يزالون مشركين محاربين، ولكن هو لمّا قال: السلام عليكم أنزلت الآية: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)، فإذا كان بمجرد ظهور السلام يحرم علينا أن نعتدي على مسلم، فكيف وهو يقول: لا إله إلا الله!.. فيا خيبة المستخفّين بـ لا إله إلا الله، الذين ما عرفوا حُرمة لا إله إلا الله… 

واشتد غضبه على سيدنا أسامة بن زيد مع أنه حِبّه وابن حِبّه، كما في البخاري: قال: قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ قال:  عندما هويت بالسيف قالها متعوّذًا، قال: "هلّا شققت عن قلبه؟! ويحك فما تصنع بلا إله إلا الله"، ردّدها عليه قال: حتى تمنيت أني ما أسلمت قبل ذلك اليوم ليأتي الإسلام ويجبّ هذه المصيبة، "هلّا شققت عن قلبه" لا إله إلا الله.. الله يرزقنا الأدب، ومعرفة حقوق المسلمين.

 قال: "كالقتل والضرب بغير حق."، فلو ضربت حيوان بغير حق لأُمسِكت في القيامة وجيء بالحيوان يرفسك بمقدار ما ضربته، ضربت حيوان بغير حق، تعال في القيامة يُبطح لك صفحة من النار، أو حجرة من النار، وتُطرح عليها ويقال  للحيوان تعال انطحه بمقدار ما ضربك تعال اضربه، الحيوان يأخذ حقه، يُقتص بيننا وبين الحيوان، حتى بين الحيوانات "يُقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء" فالمحكمة عادلة في القيامة، اللهم سلمنا. ولم يضرب ﷺ بيده رجلاً ولا امرأة ولا صبيًا ولا حرًّا ولا عبدًا إلا أن يُجاهد في سبيل الله، اللهم صل عليه. 

"ومعاصي الرِّجْل: المشي في سعايةٍ بمسلم أو قتله"، لأن السعاية؛ يعني: ينقل الأخبار إلى عند من يتأذى من أخبار هذا ويضرّه ويضربه، والأصل فيها السعاية للحكام، ينقل للحكام كلام أحد من الرعية هذه السعاية بمسلم، أو سعى في قتل المسلم -والعياذ بالله تعالى- أو في أي شيء يضرّه بغير حق، وفي الحديث: "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله"؛ هذا بنصف كلمة، والأغرب من ذلك أنه لو قُتلت نفس ظلمًا في أقصى المشرق، فرضيها رجل في أقصى المغرب كان شريكًا لإثم قاتلها، ولو قُتلت بأقصى المغرب فرضيها رجل في أقصى المشرق كان شريكًا لقاتلها بغير حق! لا إله إلا الله.. فالأمر خطر!.. بعضهم هو ما قتل لكن قالوا له: قتلوا آل فلان وآل فلان قال: يستاهلون.. يستاهلون؟! هل ارتدوا؟ هل أقرّوا أو ثبت عليهم الزنا وهم محصنين. هل هم كفار حربيين؟ كيف يستاهلون؟! أنت ما تحبّهم ما يعجبك مذهبهم ما تقول هكذا!.. إذا رضيت بقتلهم أنت شريك في سفك الدماء -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فلهذا يحذر الإنسان.

 قال: "وغير ذلك من كل ما حَرُمَ المشي إليه." 

قال: "و معاصي الفرْجِ: كالزنا واللواط"، وهي من أعظم الذنوب التي تقطع عن الحق -سبحانه وتعالى- وتبعد نور الإيمان من القلب، والمتساهل بها غالبًا يموت على غير الملة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ويعمل الشيطان على بث وسائلها وأسبابها بالوسائل المختلفة، وهذا الذي يشتغل فيه جنوده من شياطين الإنس والجن، فيكون المؤمن على حذر في نفسه وأهله وأولاده، ويبعد جميع الوسائل المقرِّبة إلى هذه الكبائر، ومنها: "الاستمناء باليد"، والاستمناء بغير يد الزوجة حرام، "وغيرها من معاصي الفرْجِ". 

"والمعصية بكل البدن: كالعقوق بالوالدين"، عاق الوالدين من رأسه إلى قدمه كله عاصي، لا جارحة وحده، كل بدنه عاصي بعقوق الوالدين، "والفرار من الزحفِ"؛ يعني: جهاد الكفار المحاربين ويفزع ويشرد ويترك الجهاد، قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ)،إما يعدّ نفسه للترتيب أو متحيز إلى فئة من فئات المؤمنين هذا ما عليه، وإلا إذا ما كان هكذا (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [الأنفال:15-16] فلا يجوز الفرار من الزحف "وهو من الكبائر".

 "وغير ما ذُكر مثل قطيعة الرحم"،  قطيعة بكل البدن، "وظلُم الناس"، الظالم عينه عاصية، وإذنه عاصية، ولسانه عاصية، ويده عاصية، كله عاصي، ببدنه كله عاصي والعياذ بالله تعالى.

 "والله الموفق والمعين لما يحب ويرضى"، وفقنا وأعنِّا على ما تحب وترضى به عنا، "وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم."

الإجازة

وهذه على وجازتها واختصارها أوراق محدودة، ومع ذلك جمعت المهم من علوم الإسلام والإيمان والإحسان، وهي ما تتجاوز عشرين ورقة وجمعت هذا! فلكم الإجازة فيها وفي تأمل معانيها وفي العمل بها وفي تعليمها ونشرها أجزناكم في ذلك، بالإجازة العامة:

  •  من الوالد ومن عدد من مشايخنا
  • وكلهم عن الحبيب علوي بن عبد الله بن شهاب الدين 
  • عن الحبيب عيدروس بن عمر الحبشي 
  • وهو عنهم أيضًا عن الجد سالم وعن الحبيب وعمه محمد بن زين 
  • عن الحبيب أحمد بن زين مؤلف الرسالة  

أجزناكم بذلك. 

 الله يثبت القلوب، ويرزقنا النفع والانتفاع والاقتداء والاتباع ظاهرًا وباطنًا يا أرحم الراحمن ويا أكرم الأكرمين. 

 

إجابة أسئلة:

  • رؤية النبي ﷺ

وطلب الرؤية وجه الحبيب ﷺ يشتاق إليه كل مؤمن، وبكثرة الصلاة والسلام عليه، وشدة الشوق إليه، يأذن الله بذلك، وقالت مرة بنت الحبيب علي الحبشي لوالدها: متى يجتمع المؤمن بالنبي يقظة يا والد؟ قال: متى تحننت عليه الروح المحمدية، يتعرض لحنان الروح متى تحننت عليه سيراى، ويتعرض لحنانها: 

  • باتباعه. 
  • وتعظيم سنّته. 
  • وكثرة الصلاة والسلام عليه. 
  • ونشر دعوته.

 

  • مفتاح الإخلاص

ومفتاح الإخلاص تذكّر المرجع ويوم الأخذ بالنواص، والوقوف بين يدي الخلاق -جل جلاله- واطلاعه على الضمائر.

  • أنواع الخواطر

والخواطر التي تخطر في البال يفرق أنها: 

  • من الله فيكون خاطر قوي لا يُستطاع دفعه، يصحبه جلال وطمأنينة وقوة إيمان هذا خاطر من الرحمن. 
  • أو من المَلَك تصحبه طمأنينة ويقوى بذكر الله هذه علامته. 
  • أو من النفس ومعناها تتشبّث بأمر معين ولا يضعف بذكر الله، إنما يضعف بذكر الموت. 
  • أو من الشيطان ويصحبه أيضًا قلقلة ويصحبه عدم طمأنينة، ويضعف بذكر الله، يضعف الخاطر الشيطاني بذكر الله -تبارك وتعالى.

فإذا ذكرت الله بقلبك انقطع الخاطر الشيطاني عنه.  

فعل أم موسى نعم يخالف العادة، فالعادة إذا واحد بيحفظ ولده بيحافظ على ما يرميه في البحر وهي رمته في البحر، ولكن بهذا الوحي الرباني والإلهام: (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي)[القصص:7].

رزقنا الله التوفيق والتوبة والاستقامة، ونفعنا بهذه الكتب وأهليها ومؤلفيها، وجعلنا وإياكم متحابّين فيه، مجتمعين ومتواصين بالحق والصبر، ولا جعله آخر العهد منّا ولا منكم ولا من هذه المجامع والمجالس والدورات، وبارك لنا ولكم في خاتمتها وفي نهايتها، وجعل لنا ولكم وللأمة نصيب وافر من إحسانه وامتنانه الذي يصلح به القلوب والقوالب ويدفع به البلايا والرزايا ويحول به أحوال المسلمين إلى خير حال، اللهم بكتابك وسيد أحبابك اجعل كل واحد من أحبابنا هؤلاء ومن والانا ووالاهم فيك مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، سببًا لنفع الأمة، عاملاً بما يرضيك عنه، أصلح لنا بواطننا وأصلح لنا ظواهرنا، وأصلح لنا سرائرنا وأصلح لنا علانياتنا، وأصلح لنا أقوالنا وأصلح لنا أفعالنا وأصلح لنا قلوبنا، وأصلح لنا نياتنا، وأصلح لنا أهلينا وأولادنا، وبارك لنا فيهم، وأصلح البلاد والعباد وادفع الضر والبلاء والفساد بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

22 شَعبان 1447

تاريخ النشر الميلادي

10 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام