الرسالة الجامعة – 9 | حفظ القلب من المعاصي، وطاعات القلب، ومعاصي البطن واللسان

للاستماع إلى الدرس

الدرس التاسع في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

فجر الاثنين 23 رجب 1447هـ

يتضمن الدرس: 

  • حفظ القلب والجوارح فرض عين، فصلاح الظاهر تابع لصلاح القلب.
  • معاصي القلوب: الشك بالله، الأمن من مكره، اليأس من رحمته، الكِبر، الرياء، العُجب، الحسد، الحقد، سوء الظن، واستصغار المعاصي والطاعات.
  • طاعات القلوب: الإيمان واليقين، الإخلاص، التواضع، النصيحة، السخاء، حسن الظن، تعظيم الشعائر، الشكر، الصبر بأنواعه، التوكل، الرضا، ومحبة الله ورسوله والصالحين.
  • معاصي الجوارح: الربا، المسكرات، أكل مال اليتيم، الغيبة، النميمة، الكذب، السب واللعن.

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

بسندكم المتصل إلى سيدنا الإمام أحمد بن زين الحبشي في كتابه: "الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة"، إلى أن قال رضي الله عنه وعنكم وعنّا بكم ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين -آمين-: 

حِفْظُ الْقَلْبِ مِنَ الْمَعَاصِي

وَحِفْظُ الْقَلْبِ مِنَ الْمَعَاصِي وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، وَكَذَا حِفْظُ الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ فَرْضٌ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.

فَمِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ: الشَّكُ فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّكَبُّرُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالرِّيَاءُ، وَالْعُجْبُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحَسَدُ، وَالْحِقْدُ عَلَى عَبِيدِ اللَّهِ.

وَمَعْنَى الْحَسَدِ: كَرَاهِيَةُ النِّعْمَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاسْتِثْقَالُهَا.

وَمِنْهَا: الإِصْرَارُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَالْبُخْلُ بِمَا أَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى، وَسُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَبِخَلْقِ اللهِ، وَالتَّصْغِيرُ لِمَا عَظَّمَ اللهُ؛ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، أَوْ قُرْآنٍ أَوْ عِلْمٍ، أَوْ جَنَّةِ أَوْ نَارٍ.

وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْخَبَائِثِ الْمُهْلِكَاتِ، بَلْ بَعْضُ ذَلِكَ مِمَّا يُدْخِلُ فِي الْكُفْرِ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ.

 

مِنْ طَاعَةِ الْقَلْبِ

وَمِنْ طَاعَةِ الْقَلْبِ: الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالْيَقِينُ، وَالإِخْلاصُ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالسَّخَاءُ، وَحُسْنُ الظَّنِّ، وَتَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ.

وَالشُّكْرُ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ؛ كَالْإِسْلَامِ، وَالطَّاعَةِ، وَسَائِرِ النعم.

وَالصَّبْرُ عَلَى الْبَلَاءِ؛ مِثْلُ الْأَمْرَاضِ، وَالْمِحَنِ، وَمَوْتِ الأَحِبَّةِ، وَفَقْدِ الْمَالِ، وَتَسَلُّطِ النَّاسِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالصَّبْرُ عَنِ الْمَعَاصِي.

وَالثَّقَةُ بِالرِّزْقِ مِنَ اللهِ، وَبُغْضُ الدُّنْيَا، وَعَدَاوَةُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَصَحَابَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَالتَّابِعِينَ وَالصَّالِحِينَ.

وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ، وَالتَّوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْقَلْبِيَّةِ الْمُنْجِيَةِ.

 

ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، ولله الحمد على كل حال، اللهم لك الحمد شكرا، ولك المَنُّ فضلا.

 الحمدلله الذي يهيء السبيل لمن أراد الوصول بصدق الإقبال، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عظيم النوال، جزيل الإفضال، لم يزل جوده جارٍ بكل حال، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله خاتم الإنباء والإرسال، جمع الله فيه صفات الكمال ورقّاه إلى أعلى الرتب العوال، فصلِّ اللهم وسلم وبارك في كل حين وحال على عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان في خير منوال، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الإفضال ومن خصصتهم بجودك الأوسع والنوال، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرحمين.

أما بعدُ،

فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في خاتمة هذا الكتاب: علوم الإحسان في السير إلى الرحمن والتطهّر والتنقّي عن الذنوب والعصيان وعن المخالفات والأدران، فيما يتعلق بالقلب والجوارح لهذا الإنسان، فإن الله -تبارك وتعالى- جعل القلب والروح والسرَّ لهذا الإنسان أصل، وجعل له مركبًا في الحياة الدنيا وهو هذا الجسد بهذه الأعضاء السبعة، ويخرج -سبحانه وتعالى- الروح الذي قد خلقه سابقًا عندما يتكون الجسد المُعيّن له في بطن الأم، فيُحبس هذا الروح الوسيع العظيم والشريف الذي عاش في الملأ الأعلى قرونًا كثيرة، يُحبس في قفص هذا الجسد، ثم يُخرج من بطن الأم كما قال سبحانه وتعالى: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ) [عبس:18-22]؛ فوجب على كل عاقل أن يهتم بما أوتي من قلب وما أوتي من أعضاء في الجسد فيصرفها في طاعة الذي خلقها -جل جلاله-، ويهيئها لمرضاته فيذيقها من نعيمه -سبحانه وتعالى- ولذة قربه ورضوانه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ويحذر أن يهمل قلبه فيفسد وتفسد الجوارح بارتكاب المعاصي والتقصير في الواجبات، فيتعرّض لعذابٍ أليمٍ شديدٍ مهينٍ عظيمٍ كبيرٍ لا يُطاق -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، في طردٍ وبُعدٍ وغضبٍ وحجابٍ يستمر أصحابه في أنواع النكال والعياذ بالله تبارك وتعالى.

فذكر لنا: "حِفْظُ الْقَلْبِ مِنَ الْمَعَاصِي"؛ والقلب محل نظر الرب -جل جلاله-، وهو كما علمتم اللطيفة الإلهية الربّانية المُدركة، التي يتوجّه إليها الخطاب ويترتب عليها الثواب والعقاب، هذه اللطيفة الربانية والتي تسمى: قلبًا وروحًا وعقلًا، وقد يقال لها: نفسًا.

  • فباطن هذا الإنسان: هذا القلب
  • وباطن ذلك القلب: الروح
  • وباطن تلك الروح: السِّر 

فيرجع:

  • القلب محل المعارف
  • والروح محل المحبة
  • والسر محل المشاهدة.

يقول ﷺ: "ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ"؛ في إشارة إلى ارتباط معنوي بين القلب الحسّي والقلب المعنوي، وما أراد به المضغة وحدها التي هي من عالم الحِس ومن عالم الشهادة ومن عالم الأجسام والمادة؛ وإنما أراد ذلك النور الإلهي والسر الرباني الذي جُعل له ارتباط بهذه المضغة من القطعة اللحمية التي في جسد الإنسان يُكوَّن فيها، فقوّة الارتباط بين هذا القلب والروح الرباني الإلهي، ولذا يجد الناس أنه عند خروج الروح من هذا الجسد يتوقف هذا القلب عن النبض، اللحم الصنوبري شكل وينقطع عن أسباب الحياة الحسية.

فإذًا؛ حياته مستعارة وليست بمقصودة، وإنما الحياة حياة الروح، ويبقى هذا الروح في الجسد حسب المدة التي وُقِّتَت من قبل خلقه وبل من قبل خلق السماوات والأرض، أنه يمكث في بطن أمه كذا، ويخرج في لحظة كذا، فتكون له لحظات من لحظة خروجه من بطن أمه إلى لحظة خروج الروح من الجسد؛ معدودة، مُعيّنة، مُحدّدة، لا يزيد منها لحظة ولا تنقص منها لحظة: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف:34]؛ فوجب الاعتناء بهذا القلب الذي لا يحقق الإنسان حقائق سعادته الكبرى الخاصة به إلا عبر هذا القلب، وذلك أن أعلى وأغلى وأجل وأشرف ما يكسبه الإنسان على ظهر هذه الأرض في طول حياته: معرفة الله الخاصة، وهذه التي لا تُناط بالأعضاء والجوارح، ولكن تُناط بهذا القلب وبهذا السر -اللطيفة الإلهية-، فما أعظم شأنه، فوجب الاهتمام به وتجنيبه المعاصي؛ لأنها هلاكه وداؤه وحجابه وظلمته التي تقطعه عن شهود الإله الحق، وعن الاستعداد للقائه جلّ جلاله. 

قال: "وَحِفْظُ الْقَلْبِ مِنَ الْمَعَاصِي وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"؛ فرض عين، قال تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) [الأنعام:120].

وقال: "وَكَذَا حِفْظُ الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ فَرْضٌ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"؛ من العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل؛ هذه الأعضاء السبعة جعلها الله في تركيبة جسد الإنسان على عدد أبواب جهنم السبعة، فلها سبعة أبواب لا يتعين للدخول من تلك الأبواب إلا من عصى الله بهذه الأعضاء السبعة، والأعضاء السبعة إذا أطاعت الله تعالى لم يكن لها مكان في أبواب النار السبعة ولم تكن من أهلها، ولكن إذا عصت الله تعرّضت أن تتصل بأبواب النار السبعة، أجارنا الله من ناره ومن عذابه.

قال: "وَكَذَا حِفْظُ الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ فَرْضٌ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"؛ فيجتنب جميع الذنوب صغيرها وكبيرها وكثيرها، ويوقن أنها مثل النيران المُحرقة والسموم القاتلة، فلا يخطر على باله أن يتناول قليل من السم ولا كثير، ولا أن يتعرض لقليل من النار ولا لكثير، سُم قليل؟! كيف قليل! فكذلك إذا قَوي إيمانه ويقينه؛ لا يقول ذنب قليل ولا معصية قليلة، مافي قليل!... كلها سموم قاتلة، فيُحسن اجتنابها.

"فَمِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ:" -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فمنها المعاصي الكبرى التي يكون صاحبها خارجًا عن ملة الإسلام، "الشَّكُ فِي اللَّهِ تَعَالَى"؛ إمّا في وجوده وهو شأن الملحدين -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، المتناقضين مع أنفسهم وفطرهم ومع الوجود كله الذي هم وأنفسهم، والوجود وما فيه دلائل على وجود هذا الحق وتقديره وعظمته وتصويره وإبداعه، فيتناقضون مع أنفسهم ومع الكون وما فيه، فيشكّون في وجود الحق -تبارك وتعالى- وينكرونه، أو في صفة من صفاته، أو في اسم من أسمائه -جل جلاله وتعالى في علاه-، يشكّ في اطّلاعه عليه في جميع أحواله وشؤونه وفي العلم به، أو في أي صفة من صفات الحق الواجبة له -سبحانه وتعالى- من العلم والقدرة والسمع والبصر، ومن البقاء ومن مخالفة الحوادث وعدم مشابهته لشيء من الكائنات، فلا يشك في شيء من ذلك، رزقنا الله كمال الإيمان واليقين، رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا.

ثم يأتي مصيبة: "الْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ"، (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف:99]؛ وهو أن يجزم أنه لن يصيبه من قِبَلِ الله شيءٌ من المكاره ولا الأسواء ولا العذاب ولا الطرد، ومَنْ الذي قال لك؟ وكيف تضمن ذلك؟ ومَن له قُدرة فوق قدرة هذا الإله؟ وله سطوة على هذا الإله؟ وهو المهيمن على كل شيء (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف:99]، فلا يأمن مكر الله مَلَكٌ ولا نبيٌّ فكيف يجوز لغيرهم أن يأمن مكر الله؟! فيجب أن يكون الجميع على الخوف، قال الله تعالى في وصف ملائكته: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:26-28]؛ فكلهم خائفون، حملة العرش خائفون، وجبريل خائف، وإسرافيل خائف، وميكائيل خائف، وعزرائيل خائف، ومنكر ونكير، كلهم من الله خائفون، (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) لا إله إلا الله... 

وهكذا؛ قال سبحانه وتعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر:9]، وقال تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [النحل:50]، وهكذا؛ وقال في وصف الأخيار منها: (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) [الإنسان:10]، فالله يرزقنا حقيقة الخوف منه ولا يجعل فينا بلية الأمن من مكره ولا القنوط من رحمته، فكلاهما من الكبائر. 

فمن كبائر ذنوب القلب: "الْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ" -تبارك وتعالى-، ومن كبائر ذنوب القلب: "الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى" واليأس من رحمة الله؛ فكلاهما من كبائر الذنوب للقلب -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ولا تقاس معصية قلب بمعصية جارحة إلا كانت معصية القلب أعظم وأقوى وأرجح، ولا تقاس طاعة للقلب بطاعة للجوارح إلا كانت طاعة القلب أعظم من طاعة الجوارح وأثقل وزنًا وأرفع محلًا عند الحق تبارك وتعالى.

فالأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله؛ كلاهما ناشئ عن جهلٍ، عن جاهلين، من عرف الله لم يأمن مكره ولم يقنط ولم ييأس من رحمته، وكما قال في دعائه سيدنا علي زين العابدين: وأنت يا ربّي حَريٌّ أن لا يأمن مكرك الصدِّيقون ولا ييأس من رحمتك الفاسقون، يقول: أنت بأوصافك وأسمائك حقيق أن لا يغترَّ الصدّيقون والمقربون فيأمنون من مكرك، وحقيق بأن لا ييأس ولا يتبرّم الفُسّاق والعصاة وييأسوا من رحمتك، وإذا كان كذلك؛ فلا يمكن أن يكون الصدّيق يائس من رحمة الله ولا آمن من مكر الله، فهم أحق بالخوف من الله تعالى وأحق برجاء الله تعالى، فكلما اتسعت المعرفة بالله اتسع رجاؤه وخوفه، اتسع الرجاء فيه والخوف منه، كلما عرفته؛ أكثر كان رجاؤك أكبر فيه وخوفك أكبر كذلك، على قدر ما تعرفه سبحانه وتعالى. 

فلا شيء أخوف عليك من الله؛ لأنه لا شيء إلا وهو في قبضة الله، ولا يستطيع شيء من جميع الكائنات: حسّيها ومعنويّها، أرواحها وأجسادها، ملائكة وغيرهم، في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة أن يوصلوا إليك ذرة من ضُر ولا من أذى ولا من شدة إلا أن رضيه وأمره وأراده، لا أحد منهم! فهو أخوف منهم كلهم لأنه ولا أحد أرجى لك منه؛ لأنهم بجميعهم لا يستطيعون أن يجلبوا إليك ذرة من منفعة ولا من لذّة ولا من خير ورحمة إلا بإرادته وتقديره، فهو أرجى لك منهم كلهم -جل جلاله-، فيجب أن يكون الحق أرجى لك من جميع الكائنات والمخلوقات، وأخوف عليك من جميع الكائنات والمخلوقات، لا سباع ضارية ولا قنابل فتّاكة أخوف عليك منه، لا يقدر السبع أن يفترسك ولا يَقرب منك إلا بأمره وإذنه، ولا تقدر القنبلة أن تنفجر ولا تقرب منك ولا تؤذيك إلا بأمره وإذنه سبحانه وتعالى، وإذا شاء صرفها عنك كما أراد، وهكذا. 

خرج سيدنا سفينة مولى رسول الله ﷺ، وكان في البحر في سفينة، وتكسّرت من شدة الأمواج، وتعلَّق معه نفر على لوح من ألواح السفينة، وألقى بهم اللوح إلى جزيرة، لمّا طلعوا في الجزيرة وجدوا الأسد مقبل، فوقف سيدنا سفينة يقول: يا أبا الحارث -كنية الأسد- أنا سفينة مولى رسول الله وهؤلاء نفر من أصحابه، خرجنا نجاهد في سبيل الله فتكسّرت بنا سفينة، فتمسّكنا بلوحٍ ألقانا إلى جزيرتك هذه، فدُلَّنا على الطريق يرحمك الله، طأطأ الأسد رأسه وهَمْهَمْ وتَقدَّم أمامهم ومشوا خلفه، جلبهم إلى جانب من الجزيرة تمر عليها السفن من بعيد، فأشار إليهم، جَلَسوا فتنحّى، هَمْهَم وراح، قال سيدنا سفينة: يودّعنا، أول رحّب بهم وودَّعهم، مأمور بأمر الله -تبارك وتعالى-، ما يقدر يصيب أحد منهم، وهذه بإيمانه ويقينه بالله تعالى قال له: أنا سفينة مولى محمد بن عبد الله، مولى رسول الله ﷺ، أتعرف يا أسد ولا لأ؟ فطأطأ الأسد.

وهكذا؛ يقول عن سيدنا عبد الله بن عمر: أنه كان مرة في طريقه إلى الطائف، وإذا بالقوافل واقفة، قال: ما لهم؟ قالوا: أسد في الطريق جلس معترض وتوقفت القوافل، قالوا: خرج من على ناقته وجاء وأقبل إلى عنده، قال: يا أبا الحارث لا تتعرض للمسلمين في طريقهم، وأمسك بإذنه وقال: امشِ، مشى راح رجع، فالناس تعجبوا! قال: مما تعجبون؟ أنا سمعت النبي ﷺ يقول: "إنه لا يسلّط على ابن آدم إلا ما خافه ابن آدم، ولو أنّ ابن آدم لم يخف إلا الله لما سلَّط الله عليه غيره" لا إله إلا الله…

وهكذا؛ فلا يستطيع شيء أن يضر ولا ينفع غير الله؛ إلا بإذن الله وبأمر الله، وكما علّم سيدنا عبد الله بن العباس -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، وهو غلام صغير، وامسك بمنكبيه: "يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ"؛ ثم بعدها قال له: "واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ".

في فترة كانت أيضًا الشيوعية في جنوب اليمن هناك، بينهم بعض المحاربات هم وأهل الشمال، وتسلل بعض أصحاب الشيوعية إلى بعض المناطق، وواحد من أهل الذكر في نواحي تعز، وحصّل واحد من هؤلاء -أهل الشيوعية- قال له: اسمع، لو كان الأمر لك وأنت تقدر من دون الله تصّلح فينا شيء .. فسحنا في الولاية حقنا! خذ البندقية واضرب إن كنت تقدر، اضرب.. وذاك ارتجف ولا قدر يصلّح شيء، قال: اذهب في طريقك، قال له: إن كان الأمر لك تفضل اضرب بالبندقية، شوف خذ البندقية هيا اضرب، وذاك ما قدر يصلّح شيء، يقول: رُح في طريقك، فالأمر أمر الله سبحانه وتعالى -لا إله إلا الله-.

ومن يوجد على ظهر الأرض من قلوب صادقة معه واثقة به فلن يسلّط عليها سلاح الشرق ولا سلاح الغرب، وستُكسر دونهم، وسيذهب أهل تلك الأسلحة ويبقون هم: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء:105]، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ) ؛ فأي القرارين مشى؟ هؤلاء يقررون والرب يقرر.. قرروا أو ما تقرروا، في قرار من فوق يجيء، ينتهي أمامه كل شي، (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [إبراهيم:13-14]؛ قال: ما هو لكم أنتم الرسل وحدكم: (ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)؛ يهدده من يهدده؛ أنا أؤيده، وأُهلك من يعاديه: (ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)؛ الخائفون مني قال: لا أُسلّط عليهم أحد -لا إله إلا الله-، اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بكنفك الذي لا يُرام.

قال الله بعدما عدّ ما ملكه فرعون وما عنده من قوة وعتاد: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف:137]؛ أتعرف معنى دمّرنا؟ دمّرنا: دمّر! خلاص ماذا بقي له؟! مع أنه تهدّد وقال: (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [الأعراف:127]، (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) [الزخرف:51]، (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) [النازعات:24]، (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [الأعراف:127]؛ وبعدها كيف القاهرون؟ لمّا وقت الغرق: (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) [يونس:90]؛ يعني: فكري كذب غلط، وكلامي كذب غلط، وتصوري باطل وَهِمْ، والحق ما عند موسى، هذا معنى كلامه، وقال: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:91]، أنت! بعدها يقول الحق -تبارك وتعالى-: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ)؛ بماذا؟ ما في خطط ثانية عندهم! (بِمَا صَبَرُوا)؛ صدّقوا وآمنوا وصبروا واتّبعوا موسى وقاموا معه؛ فجاءت النتيجة: النصر بما صبروا، (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف:137].

يقول: (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) [الأعراف:136]؛ ولماذا كان هذا الإغراق؟ ونتيجة الهلاك للقوم؟ ما السبب الحقيقي له؟ قال لك: (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)؛ هذا هو سبب الهلاك الحقيقي، 

  • فسبب الهلاك: التكذيب بآيات الله تعالى، والغفلة عنها، ومضادّتها.
  • وسبب النصر: الصبر، والصدق مع الله -تبارك وتعالى- وقوة الإيمان به. 

هذه الأسباب الحقيقية للنصر وللهلاك، وما عداها مجرد أسباب مقدمات مجازية، والحقيقة تدور حول هذا، هذه كلها تدور حول هذا! (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)؛ إنّ في كل زمان استخلف أصفياء وأوفياء وأولياء لي في الأرض يقومون بأمري وما يقدر عليهم أحد، (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [النور:55]؛ وهذه السُّنّة مكررة من أيام آدم إلى أيامنا هذه إلى أن تكون النهاية: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص:83]، و: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر:51-52]، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم:47]؛ للمجرمين انتقام، والمؤمنين نصر، حكم من واحد أحد حي قيوم لا مُعقِّبَ لِحُكمه. 

(فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ * اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا) [الروم:47-48]؛ ماذا يفعلون هؤلاء؟.. مهما قالوا لكم ومهما آتيناهم من مُكْنَةٍ في المادّيات والحسّيات، يتصرّفون في الرياح؟ يتصرّفون في البحار؟ يتصرفون في السماء؟ هزّة قليل أرضية.. وراحت أسلحتهم وراح..! ما هو لمدة دقيقة بل لمدة ثواني! قوّة القوي وقوة القادر، (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) [الروم:48]؛ لا إله إلا هو.

 

و لمّا أراد أن يهلك الطاغية النمرود، ماذا أرسل؟ لا أسلحة ولا أدوات، بعوضة! بعوضة؟! رَوَّح الرجل كلّه، كان يقول: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، سيدنا إبراهيم مباشرة قال له: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) [البقرة:258]، وقولوا للكافرين المتكبرين على وجه الأرض، قولوا لهم: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) هل يقدرون؟! على ماذا يقدرون؟ والله ما يقدرون! ما أضعفهم وما أعجزهم! والقوة له، بعوضة واحدة جعلت الرجل يصيح، حتى جاء في بعض الروايات: أنه ما يهدأ إلا بالضرب، يضربون رأسه، يُدقْدِقُون رأسه وعاده حي! إهانة وذلّة -والعياذ بالله- في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأذل -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، فلا يجوز الأمن من مكر الله ولا القنوط من رحمة الله.

وله القوّة: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)؛ وَهْم القوة عند غيره يروح! لا يبقى منه شيء، (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) [البقرة:165]؛ حتى الظالمين يوقنون بذلك، يوقنون يروح الوهم من عندهم، لا أحد قوي غيره، وعندما يرون العذاب؛ خلاص الوهم كله يروح: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)؛ القوة له جميعًا والعزة له جميعًا، (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر:10]، -سبحانه وتعالى- فإن العزة لله جميعًا، اللهم أعزّنا بطاعتك وقربك ومحبتك ورضاك. 

قال: "وَالتَّكَبُّرُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ" تبارك وتَعَالَى؛ بأنواع التكبر، أشدها أيضًا التكبر الكُفري، وهو: 

  • أن يتكبر على الله
  • يتكبر على آيات الله
  • يتكبر على رسل الله ويكذبهم

هذا أشد.. ثم أنواع التكبر إلى أدنى، وهو: أن يجزم بأنه أفضل من أحد من خلق الله، وقد غيّب الله عنّا أمر المآل والعُقْبَى والرُّجْعَة والخواتيم؛ فلا جزم، لا يجوز تجزم أنك خير من أحد، لا تدري ما خاتمتك وما خاتمته، وربما أشد مجرم موجود في حياتك يتحوّل قبل وفاته إلى مقرّب ومحبوب، وربّما من مظهره مظهر طاعة وعبادة يتحول قبل موته إلى مبعود ومطرود -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، فالأمر أمر الله ولا مجال للكِبر على أحد من خلق الله -تبارك وتعالى-؛ لأنه غَيَّبَ عنّا الخواتيم والعواقب والنهايات لنتأدب معه، الله يثبّتنا على محبته والصدق معه وما يوجب الفوز بالزلفى إليه ونعيم الأبد إن شاء الله، ويخلّصنا من كل ما يقطعنا عن ذلك ويرزقنا التواضع التام. 

"وَالتَّكَبُّرُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى" يكون: 

  • إما بماله؛ وإذا فكّر فيها قل له: قارون أحسن منك ماله وأكثر منك، وانظر كيف عاقبته، ومن قبله ومن بعده من ذوي الأموال أين ذهبت أموالهم يا أبله!
  • وإما يتكبر بسلطان؛ قل له: جاؤوا سلاطين قبلك وكيف كانت نهاياتهم؟
  • وإما يتكبر بعلم؛ قل له:
  • العلم الذي يوصلك إلى التكبر: علم فاسد، يخرجك عن إدراك الحقيقة في تكوينك وتعيينك وعاقبتك ونهايتك.
  • وإن كان علم من علوم الدين: فعلم الدين هو الذي يعلمك الأدب مع الرب -جل جلاله-، وأعلم الخلق بأنبياءه؛ وانظر سيَرهم، وانظر أدبهم، وانظر خشوعهم، وانظر تواضعهم، وانظر خضوعهم للرب -جل جلاله وتعالى في علاه-، فأي علم هذا الذي تتكبر به؟ وهو لو لحظة من اللحظات يسلب عقلك وما عاد يبقى معك علم، ولو كان بحر من العلم بلحظة يسلب عقلك وكم معلومات عندك باقي؟ ولا عاد شيء، فلماذا وبماذا تتكبر! وإن كان ما عملت بالعلم صار حجة عليك فبماذا تتكبر؟
  • ويتكبر بصورة؛ بصورة ومظهر وجمال فقل له: الفيل أقوى منك وأمتن وأكثر جسد ولا بذلك الشرف والكرامة، وتكبّر بجمال، ورمة واحدة وكمّل حقك الجمال وصرت منظر موحش! والجمال الذي يتكبر به بعد قليل قده في التراب والدود يأكله! بماذا تتكبر! أنت الآن مجنون؟ بماذا تتكبر! 

ويتكبر بأتباع ويتكبر بـ… أشياء من هذه الأشياء كلها، وكلها لا مجال لأن يتكبر بها الإنسان، والكبرياء للإله الرحمن الحق -جل جلاله- القائل: "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهمَا قَصَمتُه" وفي رواية: "قذفته فِي النَّارِ ولا أُبالي"، اللهم ارزقنا الأدب وانفِ عنا الكِبر وشوائبه.  

وأخفى من الكبر: الرياء، يظهر الكبر ثم بعدها في كلام الإنسان وفي تعامله وفي هيئته ومحلّه القلب، ولكن يظهر منه مظاهر على الظاهر: فيأنف من أن يجلس مع الآخر أو يمشي معه، أو يحمل شيء من المتاع، وغير ذلك من مظاهر الكِبر. 

والرياء أخفى من الكبر، وهو في الأمة أخفى من دبيب النمل، وهو: قصد غير الله بشيء من طاعاته، قال العمل من أجل الناس؛ أن تقصد غير الله بشيء من طاعاته، شيء من عباداته، هذا هو الرياء، وهو: الشرك الخفي، وهو أخفى من دبيب النمل؛

  • فإما أن تقصد الناس بأصل الفعل؛ فيحبط كله وعليك الإثم.
  • وإما أن يختلط قصدك لله بقصدك الناس؛ فيذهب الأرجح منهما بالمرجوح.
  • وإما أن تعمل الطاعة بقصد وجه ربك تبارك وتعالى ولكن يبقى في قلبك تعلّق بإن يطّلع الناس عليها، تحرص على اطّلاعهم عليها. 

قال سيدنا سفيان: كان دعاه أحدهم ثم بعدها كانوا نادر عندهم الحج ومن راح الحج يعتبر بينهم مرموق وكذا، فـلمّا يقرب الغداء قال لولده: قل لأمك: هات السفرة التي جئنا بها من الحج، ليس الحج الأخير هذا ولا الذي قبله بل الحجة الأولى، رثى له قال: مسكين، على تقريب سفرة أفسد ثلاث حجّات! يفسد ثلاث حجّات لأجل نحن ندرك أنه حج ثلاث حجات! فقال هذا الكلام، قاله لأجل تقريب سفرة يفسد ثلاث حجّات مسكين على نفسه، يعني يقول: قلبه معلّق يعرف الناس أنه حج، وبعدين؟ أنت تحج له أم لهم؟ تقصده أم تقصدهم؟ لا إله إلا الله...

  • قال: ومنهم من يتجاوز هذا ولا يحب اطّلاع الناس على طاعاته وعباداته ولكن؛ لو أحد اطّلع صدفة يفرح، وجود الفرح دليل رياء، فيه رياء مُستَكِن فيك، ما ظهر لك إلى حين ظهر هذا الخبر.
  • ثم بعدها، أخفى من ذلك: أنه يقصد وجه الله بالأعمال ولا يحرص على إظهارها، وإذا اطّلع أحد لا يفرح باطلاعه، لكن؛ قهرٌ في قلبه من أنّ له بين الناس حقٌ أن يقدموه وأن يحترموه، لماذا؟ من أجل طاعاته، هذه الطاعة من أجلهم يعني! أنت تعبده أم تعبدهم؟ يرى نفسه لما أنه عنده هذه العبادات فقال في قلبه: واجب يقدمونه ويحترمونه وأنّ له حق عليهم أن لا يتقدّموا عليّ وأن يقضوا حاجاتي! من أجل الطاعات! أنت تطيعهم أم تطيعه؟ تعبدهم أم تعبده -سبحانه وتعالى-؟ هذا الدليل أنه فيه خفية من الرياء في القلب. 

طهرنا الله ونقانا وصفّانا إنه أكرم الأكرمين. 

وقال سيدنا الفضل بن عياض: العمل لأجل الناس شرك، وترك العمل لأجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما، لا تعمل من أجل أحد من خلقه ولا تترك العمل من أجل أحد من خلقه، من أجله اعمل ومن أجله أترك وحده -جل جلاله وتعالى في علاه-، أكرمنا الله بذلك وخلّصنا الله من قصد غيره وإرادة سواه.

وقال ﷺ: لما سُئل الرجل يقاتل حميّة، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، والرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، أيهم في سبيل الله؟ نفاهم كلهم، قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، وأنزل الله مصداق ذلك: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). 

يقول: نبّه الله بعض الخارجين في الجهاد في سبيل الله، يتكلم كان مع صاحبه وقال: إن شاء الله غدًا هؤلاء ينصرنا الله عليهم ونهزمهم ونأخذ الغنم، عندهم أغنام طيبة وأنا أحب الكبد، بنذبح من غنمهم ونأكل الكبد، ومضوا ثاني يوم في المعركة فأراد الله ينبّهه، فرأى أثناء النوم أنه ملكين أحدهم يقول للثاني: أعندك أسماء أهل الغزوة الذين خرجوا في سبيل الله؟ قال: نعم، قال: قصّهم، قال فلان وفلان وفلان وهذا ما طلع اسمه! قال: أنا حضرت معهم، قال الملك للثاني: هذا يقول حضرت معهم، قال الملك: لا هذا قصد كبد، قال: أراد يأكل الكبد، قال: صحيح، قال: لا والله ما قصدي هذا إلا فقط تمنيت هذا، ولكن أنا خرجت مجاهد في سبيل الله وأخذ يبكي، يقول له الملك: يقول ماذا تصنع به؟ قال: ما نصنع به أنا سمعته يقول لصاحبه: إذا غنمنا غدًا سآكل الكبد من الغنم، قال له: اكتبه في الحاشية، قل: يُلحق بهم صاحب الكباد فلان و دَعْ ربك يحكم فيه ما شاء، أنت قل لهم: سمّوه صاحب الكبد هذا وشوف ربك يحكم فيه، فيقبله وإلا يردّه؟ فانتبه من النوم وهو منزعج قال: ما هذه المصيبة! بضيّع جهادي كله من أجل هذا. وفي الحديث: "من غزا وهو ينوي عقال"؛ حتى ليس جمل، عقال الجمل فقط، "فله ما نواه."؛ خلاص، يعني: حصيلة الغزو كله خذ العقال واذهب، ولا عاد ثواب، وثواب كبير والدرجات العظمى كلها تفوت بقصد العقال، فالله لا يجعل لنا قصد غيره ولا مراد سواه.

قال: وأخفى من الرياء: العُجب، دقيق وخفي، وهو: أن ينسب إلى نفسه الفضائل كالمُستقل والمُدِلْ على الله تعالى بشيء من الأعمال أو الصفات، يرى أنه صاحب مكانة وقدر، وما درى أنه وكل ما فعل من فضل الله عليه، قال: سيدنا داود مرة قال: لك الحمد يا رب؛ ما من ساعة من الليل أو النهار إلا و أحد من آل داود ساجد لك أو راكع أو ذاكر، فأوحى الله إليه: من الذي أعطاهم ذلك؟ من الذي وفّقهم؟ قال: سبحانك لك وسجد شكر لله تعالى وتوبة إلى الله تعالى، أنتم تعبدون وتشكرون، مَن الذي أكرمكم بهذا وشرفكم ووفقكم له؟! فقال: الحمد لله، (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17].

انظر سادتنا الصحابة من سادتنا الأنصار قال لهم ﷺ: "أجيبوا" قالوا: ما نجيب يا رسول الله؟ قال: قولوا: جئتنا وحيد فآويناك، وجئتنا مخذول فنصرناك، قالوا: لا، لا لا المَنُّ لله ولرسوله، ليس لنا الفضل، الفضل لك أن جئت عندنا، فكان فيه نهاية إكماله لتزكيتهم وتربيتهم -عليهم رضوان الله تعالى-، وإنما تكلم بعض شبابهم في تلك الغزوة وقالوا: إن رسول الله أدركته الرِّقة على قومه وأصحابه أنه يعطيهم الغنائم وسيوفنا تقطر من دمائهم، فأمر بجمع الأنصار الموجودين معه الذين حضروا فتح مكة والذين حضروا غزوة حنين، أمرهم أن يُجمعون في خيمة واحدة ولا يكون معهم أحد من المهاجرين، وخرج معه عمه العباس ودخل، "ما مقالة بلغتني عنكم معشر الأنصار؟"، سكتوا، ردَّ الكلام ثاني مرة، ثالث مرة، قال له الكبار: يا رسول الله أما كبراؤنا وفُضلاؤنا فلم يقولوا شيء، وأما بعض سفهائنا من شبابنا فقد قالوا الذي بلغك، قال: "يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، أَلَمْ آتكُمْ ضُلَّالًا، فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بي؟ أَلَمْ آتكُمْ مُتَفَرِّقِينَ، فَجَمعكُمُ اللَّهُ بي؟ أَلَمْ آتكُمْ مخذولون، فَنَصَرَكُمُ اللَّهُ بي؟" فبكوا وقالوا: نعم، المَنُّ لله وَرَسولُهُ، فَقالَ: "أجِيبُوا" قالوا: بمَ نجيب يا رسول الله؟ قالَ: "لو شِئْتُمْ لَقُلتم فَصَدَقتُمْ وَ صُدِّقْتُمْ"، قولوا: "جئتنا وحيد فآويناك، وجئتنا مخذول فنصرناك"، فَقالَوا:لا، لا، المَنُّ لله وَلرَسولُهُ، سبحان الله! كملت تربية الأنصار، فقال لهم: أحزنتم على لُعَاعَةٍ من الدنيا، تألَّفتُ بها قلوب أقوام، ووكَّلتُكم لما أعلم من صدقكم وإيمانكم؟ أما ترضون أن يَنقَلِبَ النَّاس -يرجعون- بالشاة والبعير وترجعون أنتم برسول الله إلى رحالكم تحوزونه إليكم؟ فوالله لما تنقَلبون به خير مما ينقلبون به، بكوا حتى اخضلّت لحاهم من الدموع، "يا معشر الأنصار إنكم سَتَلقون بعدي أثَرَةً"؛ ستجري الأحداث وما يولّونكم ولايات ولا إمارات، ما بتجيء عندكم، وأنتم أنصار وأحقُّ بها ولكن ستذهب عند غيركم، "ستلقون بعدي أثَرَةً فاصبروا، حتى تلقوني على الحوضِ، فإني منتظركم"؛ سبحان الله! كَمُلَتْ تربيته للأنصار، تهذيبه لهم، وتزكيته إياهم، وثبتوا، وبعده هم وجدوا الأثرة وكانوا جنود في عهد الخلفاء، وكانوا داخلين في الجيوش وليس عندهم إمارة وثبتوا حتى..، "حتى تلقوني على الحوضِ، فإني منتظركم"، عليهم رضوان الله، عليهم رضوان الله وصلى الله على مربّيهم ومعلّمهم. 

قال: "وَالْعُجْبُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى"؛ فإن المَنَّ لله إن وفقك لقيام أو لركوع أو لسجود أو لخشوع أو لبكاء أو لاتصاف بوصف حسن أو لجهاد أو لبذل أو لتضحية؛ فمنه، وحقك أن تشكره وتقول: لك الحمد أن وفّقتني لهذا ولست بشيء، وأنا أَصْلِي عدم، وأوجدتني من العدم، وجعلتني في خير الأمم، وأسبغت علي النعم، وأقدرتني على هذا، ووفقتني لهذا، فلك الحمد، ولو شئت رميتنا في أي مكان من مكان الكفر أو الشرك أو النفاق، فلك الحمد ولك الشكر، اللهم لك الحمد شكرًا ولك المَنُّ فضلًا.

"وَالْحَسَدُ"، وهو كما شرحه: "كَرَاهِيَةُ النِّعْمَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاسْتِثْقَالُهَا"؛ الحسد: كأنه أحد يأخذ من خزانتك أو من مالك، النعم من المنعم -سبحانه وتعالى-، ولماذا تستثقلها؟ وإن ترد نعمة أطلبها منه ولا تستثقلها على أحد من عباد الله تعالى من المسلمين، فاستثقال للنعمة وكراهيتها هو: الحسد، فمنها: 

  • أن يريد انتقالها إليه.
  • ومنها أن يريد انتقالها إلى غيره؛ كأنه يقول للجبار: ما تعرف تقسّم، لماذا تعطي هذا؟ اعطِ هذا عشان..، وربك أعلم.
  • وأشد منها: أن يريد زوالها منه فقط، من دون ما تنتقل لأي أحد، لا عنده ولا عند غيره، القصد أنها تزول هذه النعمة! هذا أشد أنواع الحسد.

وهو قالوا: معاداة لله؛ لأن الله هو الذي قسّم (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ) [الزخرف:32]؛ وما أنعم على أحد بنعمة إلا وهو مريد لذلك ومختار، فلماذا الاستثقال؟ كأنك تنتقد عليه لماذا؟ لماذا أعطى ولماذا منح؟ (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ) [النساء:54].

ولكن؛ الحسد المحمود هو: أن تتمنى نعمة مثل النعمة من دون زوالها مع البركة له فيها وتطلب مثلها. وقال: وهذه إنما هي في مثل عالم ينفق علمه لوجه الله تعالى الليل والنهار، أو صاحب ثروة سُلِّط على نفقة ثروته في الحق، قال: هؤلاء ممكن تحسدهم لا حسد إلا في اثنتين يعني تغبطهم، تتمنى أن تكون مثلهم، وغيرهم كما سمعتم في الحديث الذين ذكرهم الشيخ مصطفى: يقول ﷺ: "الناس أربعة؛ رجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا وعلمًا فهو يعملُ في مالِه بعلمِه" يأخذ منه حقّه وينفقه في مستحقه، ماذا يعمل؟ يتصدق، ويقضي الديون، ويبني المساجد، ويقيم مباني، ويأوي الفقراء،.. أنواع الطاعات، وينفق في سبيل الله، قال: وآخر -ثاني- "رجلٌ آتاه اللهُ علمًا ولم يُؤْتِه مالًا فهو يقولُ لو أنّ عندي مالًا لعملتُ فيه مثلَ هذا، قال رسولُ اللهِ ﷺ: فهما في الأجرِ سواءٌ"؛ فهما في الأجر سواء هذا بعمله وهذا بنيّته، ويجيء معه ثواب مشاريع، وثواب إنفاقات، وثواب سُقيا ماء، وهو ما فعل شيء يقول: من أين هذا؟ قال: نويت، أنت قلت سأعمل مثل هذا العمل، وكان صادقًا في نيّته، "فهما في الأجرِ سواءٌ، ورجلٌ آتاه اللهُ مالًا ولم يُؤْتِه علمًا فهو يخبطُ في مالِه بجهله"؛ وللعاهرات، وللباغيات، وللفُسّاق، وللمُغنّيين، ولأنواع..، ولشرب الخمر، بلايا ومصائب، ثم بعدها: وآخر "ورجلٌ لم يُؤْتِه اللهُ علمًا ولا مالًا فهو يقولُ لو كان لي مثلَ هذا لعملتُ فيه مثلَ الذي يعملُ قال رسولُ اللهِ ﷺ فهما في الوِزْرِ سواءٌ"؛ وإذا يجلبوا بعدين أنها مشاريع شر، قال: أنا ما فعلت هذا! أنا كنت فقير، يقول: أنت نويت، هذا بعمله وهذا بنيّته: "فهما في الوِزْرِ سواءٌ"، الله يصلح نياتنا ومقاصدنا.

وكان أحدهم من بني إسرائيل مرّ في وقت مجاعة للناس، والرمال واسعة أمامه، قال: يا ليت لي مثل هذه الرمال حب -طعام- فـاُنفِقَهُ على الناس في هذه الأيام أيام حاجة، كان صادق، فأوحى الله إلى نبي ذاك الزمان، قل لفلان: قبلنا صدقتك، قال له: يا نبي الله أنا ما تصدّقت بشيء، ما عندي شيء اتصدّق به! فأوحى الله يقول له: أكوام من البُرْ تصدق بها، قال: يا نبي الله أنا نويت، مرّيت وتمنيت أنّ لي مثل هذه الأكوام من البُر وأتصدّق به على خلق الله، قال: خلاص قد قبل الله ذلك منك، فكتب له ثواب الصدقة بهذا كله، ولهذا كانوا يقولون عن الصادق وعن الصوفي: أنه لو الأمر بيده لأصلح جميع الخلق ووهبهم كلهم غاية الصلاح الظاهر والباطن وما إلى ذلك، فيكون لو أنّ ما في باطنه طِيْفَ به على طبق من السوق لم يستحيي من ظهور شيء منه، -لا إله إلا الله-. 

ويقول شاعرهم: 

ألا قُل لمن بات لي حاسداً *** أتدري على من أسأت الأدب؟

أسأتَ علـــــى الله في حكمه *** لأنك لم ترضَ لــــي ما وهب

فكــان جزاؤك أن خـصّني *** وسـدّ علـــيـــك طريق الطلـب  

قالوا: والحاسد يُتعب نفسه، لماذا؟ لأنّ النعم لا تزول بحسده، بل تزيد وهو يتآكل من داخله، والنعم تزيد وهو يتضايق، فمسكين متعوب في الدنيا ومتعوب مُعذّب في الآخرة -والعياذ بالله تعالى-؛ لأنه ما يقدر يقطع نعم الله على خلقه. 

"وَالْحِقْدُ عَلَى عَبِيدِ اللَّهِ"؛ والحقد هو: من الغضب، إذا غضب ولم يستطع أن يُنفِّذ غضبه أن يتحوّل إلى حقد يتربّص بصاحبه السوء ويريد له الشر، طهّر الله قلوبنا وقلوب أهالينا من ذلك.

"الإِصْرَارُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ"؛ فالمعصية لو كانت صغيرة فالإصرار عليها كبيرة، فالإصرار عدم الإقلاع وعدم الندم وعدم الارتفاع عنها، يقول: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران:135].

"وَالْبُخْلُ بِمَا أَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى"؛ من زكاة ومن غيرها مما فرض، من نفقة على والدين، وعلى زوجة، وعلى أولاد، إلى غير ذلك.

"وَالْبُخْلُ بِمَا أَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى، وَسُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَبِخَلْقِ اللهِ"؛ اللهم ارزقنا حسن الظن بك وبخلقك، وسوء الظن: أن يكون لهم قول أو فعل يحتمل محامل حسنة أو سيئة فتحمله على السيئة، هذا سوء الظن -والعياذ بالله-، وأحيانًا عمل صالح ولكنك تسيء الظن فتقول: هذا قصده كذا وكذا، أعوذ بالله! مَن أدراك بما في قلبه! "هلّا شققت عن قلبه؟"؛ فالله يرزقنا حسن الظن به وبخلقه.

قال: "وَالتَّصْغِيرُ لِمَا عَظَّمَ اللهُ"؛ عظّم الله القرآن، عظّم الله النار، عظّم الله الجنة، عظّم الله -سبحانه وتعالى- الطاعة، عظّم الله المعصية، "مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ"؛ فلا تستصغر طاعة ولا معصية؛ فإن ربّما كان رضاه في تلك الطاعة، وغضبه في تلك المعصية. 

"أَوْ قُرْآنٍ" القرآن الكريم: وكان الاستهزاء بالقرآن كفر، ورمي القرآن كفر، والدعس على القرآن بالرجل الكفر -والعياذ بالله تعالى-.

"أَوْ عِلْمٍ" من علوم الشرع: الاستصغار به أيضًا استصغاره -والعياذ بالله- كبيرة من الكبائر، بل قيل أنّها مُكفِّرة، حتى خشي بعض الفقهاء الكفر على من استهزأ بعمامة عالم، فلو قال: عُمَيْمَة عالم على وجه الاستهزاء؛ قال: أخشى عليه أن يكون كافر لأنها سنته ﷺ والاحتقار لها احتقار له ولما جاء به، والعياذ بالله تعالى.

 "أَوْ جَنَّةِ أَوْ نَارٍ"؛ ولهذا ما تسمع من كلام بعض العارفين أنهم ما عبدوا لأجل الجنة والنار، ما كان أحد منهم يحتقر الجنة ولا النار، يعلمون أنها المصير الكبير الخطير لكن ما هي علّة للعبادة، ليست علّة للعبادة فقط هذا معناه عندهم، وأما هم فلا أحد منهم يستصغر النار ولا يستصغر الجنة، بل كلهم يسألون الله الجنة ويستعيذون به من النار، ولكن ليست علة للعبادة، يقولون عرفناك أنت فأنت أحق بالعبادة ولو لم تخلق جنة ولم تخلق نار، هذا معنى كلامهم، وإلا فلا أحد منهم يستهين بالجنة ولا يستهين بالنار.

وذكروا عن سيدنا عيسى -عليه السلام-: أنّه مرّ على قوم يعبدون الله، قال: لمَ تعبدون الله؟ قالوا: خوفًا من ناره، قال: نِعم ما فعلتم ومخلوقًا خفتم، وذهب، النار مخلوق، مخلوقًا خفتم! ثم مرَّ على قوم يعبدون الله، فقال: لمَ تعبدون الله؟ قالوا: طمعًا في جنته، قال: نِعمَ ما فعلتم ومخلوقًا رجوتم، ثم ذهب، ثم مرّ على قوم يعبدون الله، قال: لمَ تعبدون الله؟ قالوا: لأنه يستحق العبادة، لأنه ربنا، قال: معكم أُمرت، وجلس يعبد الله معهم -لا إله إلا الله-. فلا تظن أنه أحد من الأولياء والصالحين يستحقر الجنة، لا أحد منهم يستحقرها، لكن لا أحد منهم يعبد من أجلها، عرفوا الرب وعلموا أنه أهل للعبادة من دون جنة ومن دون نار -لا إله إلا هو-.

 قال: "وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْخَبَائِثِ الْمُهْلِكَاتِ، بَلْ بَعْضُ ذَلِكَ مِمَّا يُدْخِلُ فِي الْكُفْرِ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ.".

قال: "وَمِنْ طَاعَةِ الْقَلْبِ: الإِيمَانُ بِاللهِ"؛ اللهم زدنا إيمانًا. 

"وَالْيَقِينُ"؛ قوة الإيمان: مِن علم اليقين إلى عين اليقين إلى حق اليقين.

"وَالإِخْلاصُ"؛ وهو العمل لله وحده.

"وَالتَّوَاضُعُ"؛ بالتذلل لعظمة الله تبارك وتعالى.
"وَالتَّوَاضُعُ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ"؛ بأن يؤدّي وسعه فيما ينفعهم ولا يبخل بشيء، ويشير عليهم بالذي يحب، ويتمنى لهم كل الخير، وهذه النصيحة للمسلمين، وما في يده من أي قدرة على نفعهم وعلى إفادتهم وعلى تقريبهم وعلى صلاحهم؛ ما يبخل بشيء من ذلك، هذا النصح للمسلمين، "وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ"؛ على أنّ: "الدين النصيحة"، "للهِ، ولكتابِه، ولرسولِه، ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم" كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

"وَالسَّخَاءُ"؛ وهو الفرح بالإعطاء والبذل من أجل الله -تبارك وتعالى-، وإن: "السَّخَاءُ شجرةٌ في الجنةِ أغصانُها في الدنيا، فمَن تمسّك منها بغُصْنٍ وصل إلى الجنةِ، وإنّ البُخْلُ شجرةٌ في النارِ أغصانُها في الدنيا، فمَن تمسّك بغُصْنٍ منها أوصَله إلى النارِ"، ويقولوا أنّ: "السَّخِيُّ قريب من الله، قريب من الناس، قريبٌ من الجَنَّةِ، بَعِيد من النار، والبَخِيلُ بَعِيد من الله، بَعِيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار"، (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر:9]. 

"وَحُسْنُ الظَّنِّ"؛ بالله وبعباد الله -تبارك وتعالى-؛ بأن يعظِّم أمر الله، وينزِّهه عن كل ما لا يليق بجلاله، ويرجو الخير منه -سبحانه وتعالى- وهو القائل في حديثه القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء". 

"وَتَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ"؛ وهي: معالم دينه، وقد ذكرنا أعظمها: 

  • القرآن.
  • محمد ﷺ.
  • والكعبة المشرفة.
  • والصلوات الخمس.
  • ورمضان.

هذا أعلى الشعائر، وكل ما وُضِع علامة من علائم دين الله؛ فهو من شعائر الله، كما ذكرنا حتى البُدْنة التي تُهدى للحرم من شعائر الله.

"وَالشُّكْرُ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ"؛ -تبارك وتعالى- (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ:13]؛ يقول الله -تبارك وتعالى-، ومعناه: صرف النعمة فيما خُلِقَت من أجله؛

  • أن تشهد أنها منه وحده لا شريك له.
  • وأن تصرفها في طاعته ومرضاته؛ فهذا شكر النعمة.
  • وأن تحمده على ذلك.

فالشكر يورث بالقلب: 

  • إدراك أنها من الله، وحمد له وشكر، وتعظيم لمنّته.
  • وتفيد باللسان حمدًا له وشكرا.
  • وتفيد بالجوارح عملًا بالطاعة.

أفادتكمُ النعماءُ مني ثلاثةً *** يدي ولساني والضميرَ المحجَّبا 

فالشاكر: يظهر الشكر على يده، يعني: أعماله؛ يصرف النعمة في طاعة الله، ولسانه: يحمد الله ويشكره، والضمير المحجَّبا: يشهد المنّة من الله -تبارك وتعالى- ويستعظم فضله عليه، فهذا هو الشكر.

(وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)؛ وإبليس قطع على نفسه العهد أنه يبعدنا عن الشكر قال: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف:17]، ما عاد تحصّلهم شاكرين -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-، (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:62].

ويقول: وأعظّم النِّعَم: "كَالْإِسْلَامِ"؛ اللهم كما أنعمت علينا بالإسلام فزدنا منه، وكما أنعمت علينا بالإيمان فزدنا منه، وكما أنعمت علينا بالعافية فزدنا منها، وكما أنعمت علينا بالعمر فبارك لنا فيه. 

"وَالطَّاعَةِ"؛ إذ كل ما وفّقك لطاعة فـاحمده على ذلك واسأله الزيادة، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [ابراهيم:7]. 

"وَسَائِرِ النعم". 

ثم يتّسع الشكر هذا من الصادق والمخلص؛ حتى يشكر على البلاء كما يشكر على النعمة، ويشكر على الشدائد، وما إلى ذلك، وهكذا، مع أنها تُذكر في مراتب الصبر: "وَالصَّبْرُ عَلَى الْبَلَاءِ؛ مِثْلُ الْأَمْرَاضِ، وَالْمِحَنِ، وَمَوْتِ الأَحِبَّةِ"؛ قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة:155-157]؛ نِعمَ العَدلانِ ونِعمَت العِلاوَةُ؛ قال سيدنا عمر، (صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)؛ العدلان، (ۖوَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)؛ علاوة.

و لما انطفأ السراج، قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: إِنَّا للَّهُ وإنا إليه رَاجِعُونَ، قالوا له: هل هذه المصيبة؟! قال: كل ما أساء المؤمن فهو مصيبة، ولكنه يؤجر عليه إذا صبر وإذا شكر. 

وهكذا؛ ولمّا كان سيدنا سفيان بن عيينة مُدّة من الهيبة التي نازلته ما يُرى مُتَبسِّم، فلمّا تُوفّي ولده خرج مُتبسِّمًا، وكان في جنازة ولده، قالوا: ما لك؟ قال: رأيت الله أراد أمرًا فيه يخصُّني فأظهرت له الرضا، أنا راضي بما قضى -لا إله إلا الله-.

"وَمَوْتِ الأَحِبَّةِ"؛ والمرأة الصالحة التي عرفتم قصّتها، لمّا كان الولد عندهم مريض حتى مات، وجاء أبوه قال: كيف الولد؟ قالت: أسكن ما كان، وقرّبت له العشاء وتزيّنت له وقَرُب من زوجته، وثم بعدها قالت له: أرأيت لو أنّ جيرانًا أعطوا جيرانهم وديعة، ثم طلبوها منهم فأبوا، قال: لا مالهم أن يأبوا يردّوا وديعتهم، قالت: فإنّ ولدك وديعة عندك من الله وإنّ الله استردَّ وديعته، قال: توفّي؟! وما أخبرتني! وتخلّيني آكل وأشرب وأنا مرتاح، وحتى أقرُب منك؟! إنا لله وإنا إليه راجعون، فلمّا خرج وكلّم النبي في الصباح، قال له ﷺ: بارك الله لكما في ليلتكما، قالوا: فحملت تلك الليلة، بولد جاء بتسعة كلهم حفظوا القرآن وجاهدوا في سبيل الله، حصلت بركة من صبرها؛ لأنه تعجّب من صبرها وأدبها مع الله -تبارك وتعالى-، وهي أم فارقت الولد ولكنّها ما جزعت ولا تبرَّمت. 

"وَفَقْدِ الْمَالِ ، وَتَسَلُّطِ النَّاسِ"؛ الله يدفع عنا شرار الخلق. 

قال: "وَالصَّبْرُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالصَّبْرُ عَنِ الْمَعَاصِي"؛ فصارت ثلاثة أنواع: 

  • صبر على البلاء.
  • وصبر على الطاعة.
  • وصبر عن المعصية.

والصبر على الطاعة؛ بإحسانها، وإتقانها، والحضور فيها، والمواظبة عليها. 

والصبر عن المعاصي؛ بالبعد عنها، وأن لا يقترب مما يُقرِّبه منها: من أصدقاء، ولا من صور، ولا من أماكن ومواطن تقرّبه من المعصية، يبتعد عنها، فيصبر عن المعاصي، ومَنْ وَطَّنَ نفسه على ترك المعاصي جالت روحه في عالمِ الملكوت.

"وَالثَّقَةُ بِالرِّزْقِ مِنَ اللهِ"؛ -سبحانه وتعالى- (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات:58] -جل جلاله-، سمع الأعرابي من يقرأ: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات:22-23]، قال: وَيلهم، وَيحَهم، قال: ما صدّقوا ربهم حتى حلف لهم! قال: قال لهم ربهم رزقكم في السماء وما توعدون، قال: فما اطمأنوا، قال: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)؛ قال: يحلف لهم ربهم! أيش من قوم هؤلاء؟! ما صدّقوا بكلام ربهم حتى يحلف لهم! (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ).

قالوا لـ ذا النون المصري: ما هو سبب توبتك؟ قال: كنت يوم تحت شجرة، نائم، وما أدري إلا قَنبرة طائر، قنبرة عمياء وقعت من فوق الشجرة -وهي عمياء- على الأرض، قال: وإذا الأرض تفتح وإذا بـ سُكُرُّجتان: في هذا حب سمسم، وفي هذا ماء، قال: أكلت من السمسم وشربت من الماء، ثم رجعت إلى الشجرة وانطبقت الأرض، قال: لا إله إلا الله! ما هذا؟! ما نسي القنبرة العمياء هذه، ويطعمها، ويشرّبها، ويخرّجها، إذا جاعت تسقط على الأرض ويظهر لها هذا وتأكل وتشرب وترجع محل ما كانت، قال: وهل ينساني أنا؟! ما نَسيَ القنبرة العمياء، قال: وأقبلت على الله، وكانت سبب توبتي، أقبلت على الله حتى قبلني -لا إله إلا الله- وإذا شاء يقبل المُقبلين عليه المُتوجِّهين إليه.

قصة أبو بكر بن الهوارة: كان من قطّاع الطرق، كان في طريق الموصل يتقطّع الناس، وحتى اشتهر أبو بكر ابن الهوارة قاطع للطريق، جاء يوم تحت بيته يسمع المرأة تُنبّه زوجها؛ لأنه من قبل قال لها: أنا بكرة سوف أسرح إلى الموصل ولكن أخاف هذا يتقطّعنا أبو بكر بن الهوارة، فنبّهينا قبل الفجر، أيقظينا حتى أخرج قبل الفجر، فجاءت وقام متأخّر من الليل: قُم قُم! لا يذهب الوقت عليك، لا يتقطّعك أبو بكر بن الهواري، وهو يسمع تحت، قال: يا ويحي أخفت طريق المسلمين! فصاح وقال: يا هذه اتركِ زوجك ينام أبو بكر بن الهوارة تاب إلى الله، خلاص ما عاد يقطع الطريق أبو بكر، راح يتأمل شيء مسجد حتى وجد مسجد قريب، صادف فيه بعض الأولياء والصالحين في المسجد مشغولين بربهم، دخل اغتسل وتوضأ وجاء وصلّى معهم الفجر، جلسوا بعد الفجر يذكرون فجلس معهم، وبعدها يتذاكرون في بعض العلوم وهو قاعد يستمع، ولزم المسجد محلّه، وثاني يوم، وثالث يوم، في اليوم الثالث: فلمّا بدؤوا يتذاكرون، ذكر معهم بعض الكلمات أعجبتهم، وهم من اشتغالهم بالله ما سألوه مَنْ؟ سألوا فالتفتوا وقالوا: أنت مَنْ؟ لست من عندنا غريب جئت، لك ثلاثة أيام هنا، قال: أنا أبو بكر بن الهوارة، قالوا:  مَن؟! قال: أبو بكر بن الهوارة! أبو بكر بن الهوارة قاطع الطريق؟! قال: ايوا أنا، قالوا: هو أنت؟! عجيب! كيف صار حالك هكذا وصرت اليوم تشاركنا في العلم وتأتي ببعض الذوق! قال: أقَبلت إليه وقَبلني، أنا تبت إليه وقبلني، خلاص أنا وقفت على بابه وقَبِلني، وصار معهم بعد ذلك وفتح الله عليه، ورجع من الصالحين. يا تواب تب علينا وارحمنا وانظر إلينا.

"وَبُغْضُ الدُّنْيَا"؛ ما قطع عن الله تعالى من مالٍ وجاهٍ وعَرَضٍ من الأعراض، ما قطع عن الله: 

  • إما أوقع في معصية الله
  • أو قطع عن القيام بأمر من أو أمر الله

هذا المراد بالدنيا، الدنيا: كل الأعراض والأغراض التي تقطعك عن الله فتوقعك في معصيته أو تحول بينك وبين طاعته -جل جلاله-، فيجب أن نبغضها؛ لأنها مبغوضة لله تبارك وتعالى. 

"وَعَدَاوَةُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ"؛ 

وَخَالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا *** وَإِنْ هُمَا مَحَضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمِ

لأن لهم تلبيس وكذب 

وَلَا تُطِعْ مِنْهُمَا خَصْمًا وَلَا حَكَمًا *** فَأَنْتَ تَعْرِفُ كَيْدَ الْخَصْمِ وَالْحَكَمِ 

-لا إله إلا الله-

كَــــمْ حَسَّنَتْ لَــــــذَّةً لِلْمَرْءِ قَاتِلَــةً *** مِنْ حَيْثُ لَـمْ يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ فِي الدَّسَمِ

وَالنَّفْسُ كَـالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى *** حُبِّ الرَّضَــــاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَــــطِمِ

فَاصْرِفْ هَــوَاهَا وَحَــــاذِرْ أَنْ تُوَلِّيَهُ *** إِنَّ الْــهَوَى مَــــا تَوَلَّى يُصْمِ أَوْ يَصِمِ

إن الهوى ما تولى: إذا تولى عليك هوى النفس؛ واحدة من اثنتين: يُصْمِ، أو يَصِمِ.

  • يُصْمِ: يقتل
  • يَصِمِ: يوقع في العار

فإذا توسّع عليك الهوى؛ إما قتلك وبعدت من الدين كله، وإلا وصمك بالعيب والعار.

إِنَّ الْــهَوَى مَــــا تَوَلَّى يُصْمِ أَوْ يَصِمِ

(وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [ص:26].

قال: "وَمَحَبَّةُ اللَّهِ"؛ اللهم ارزقنا محبتك وزدنا محبّة، وهو الأحق بالمحبة من كل شيء، بل لا شيء يستحق أن يُحب لذاته من جميع الوجوه غيره، لا شيء! لا شيء يحق لكل ذي عقل أن يُحبَّ لذاته من جميع الوجوه إلا الله. 

  • فإن كنت تحبه من أجل الإنعام والإفضال؛ خلقك كله منه، وجودك كله منه، وسمعك وبصرك منه، وما من نعمة وصلت إليك بواسطة أو بغير واسطة إلا وهي منه، (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53].
  • وإن كنت تحب لجمال؛ فلا أجمل من ربك، ولا أجمل من صفاته، ولا أجمل من أسمائه، سبحانه.
  • وإن كنت تحب من أجل كمال؛ فالكمال كله لله سبحانه وتعالى. 

فهو الذي يحقُّ أن يُحب قبل كل شيء، ويُحب لذاته من جميع الوجوه؛ لأنه الله! خالقك وموجدك أحق بمحبتك من كل شيء.

ومحبة غيره؛ أعظمهم: يليق بمحبتهم من أجل الله: عبده محمد (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ ) [التوبة:24]، "أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا"؛ 

  • فلا أحد يُحب من أجل الله كـ محمد، هو أولى مَن يُحَب من أجل الله؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- أحب الخلق إلى الله، ولأنه سبب النعمة على عباد الله، ولأنه الأكرم عند الله ﷺ، فهو أحق أن يُحَب من أجل الله تعالى.
  • ثم بقية الأنبياء، والملائكة، والمقربين، والعباد الصالحين؛ على الخصوص.
  • والخلائق على جميع العموم، وخصوصًا منهم المؤمنين والمسلمين. 

أمّا محبتنا لغير المسلمين محبة هِداية لهم فقط، محبة هداية وليست محبة لأعمالهم ولا لكفرهم، ولكن محبة هداية لهم، أن يهتدوا وأن يرجعوا، قال لسيدنا موسى وهارون: (اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) [طه:43-44]؛ فقولا له قولًا لينًا؛ يعني: تمنّوا هدايته، وتمنّوا رجوعه، وتسبّبوا في الهداية، والله يعلم أنه لن يهتدي لكن؛ تعبَّدهم بذلك، فقاموا بذلك -عليهم صلوات الله- "مَحَبَّةُ اللَّهِ"؛ اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقرّبنا إلى حبك.

فتَأمُّل عظمته وجلاله، وتَأمُّل إنعامه وكرمه وإفضاله -سبحانه وتعالى-؛ يورث العبد هذه المحبة حتى تنفتح له أبواب المعرفة بالله، فكلما عَرَفَ أَحَب، كلما عرف أكثر أحب أكثر، كلما عرف أعظم أحب أعظم، وهكذا تزداد.. ولا شيء مثل محبة الله -تبارك وتعالى- وإنّ ذرّة من محبة الله تُفني العبد عن كل ما سوى الله.

ويذكر أن نبي من أنبياء بني إسرائيل قال له بعض أهل العبادة في وقته: أدعو الله يرزقني ذرّة من محبته يا نبي الله، قال: إن شاء الله إذا ناجيته، فلمّا ناجى الحق -سبحانه وتعالى- نسي يقول، قال له: ما أرسلك إلي أحد من عبادي؟ قال: من يا رب؟ قال: فلان، قال: نعم نعم، يقول: يسألك ذرّة من محبتك، قال: قل له: أجبنا دعائك، في اليوم الفلاني ينالها، ورجع وبشّره، بعد هذا بمدة مرّ وذهب يزوره فما حصّله؟ حصّله مأخوذ بقوة وشِدّة، وقال: يا نبي الله، اسأل ربك يخفف عني من هذه الذرّة، يعني: ما عاد قدرت على شيء وما عاد… فلمّا كلّم ربه قال: يا ربي، إن فلان يقول: أنه قويت عليه المحبة من الذرة التي أعطيته، فيسألك أن تخفف عنه، فأوحى الله إليه: إن 12 ألف من عبّاد بني إسرائيل سألوني ما سأل، كلّهم سألوني ذرّة من محبتي، فلمّا كان اليوم الذي أخبرتك فيه؛ أخرجت ذرة من محبتي فوزّعتها على الاثني عشر ألف، قال: هذا نصيبه، جزء من 12 ألف جزء من الذرة من محبة الله، واستوعبته كلّه وما عاد خلّته يقدر يعي ما حوله إلا ما ندر، وهكذا. 

ولهذا يقول الإمام الحداد: 

يَا اللّٰه بِـــــذَرَّة مِنْ مَحَبَّـــــةِ اللّٰه *** نَفْنَى بِهَا عَـنْ كُلِّ مَا سِوَى اللّٰه 

وَلَا نَرَى مِـــنْ بَعْدِهَا سِوَى اللّٰه *** اَلْوَاحِــدُ المَعْبُودْ رَبِّ اَلْأَرْبَاب

الله يفتح لنا باب محبته، ويدخلنا في أحبته.

"وَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"؛ وكل من أحب الله؛ أحب رسوله ﷺ حتماً، لأنّه أحب الخلق إليه -عليه الصلاة والسلام-.

"وَصَحَابَتِهِ"؛ من أولهم إلى آخرهم، وخصوصًا: السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فهم محلّ التقدير والإحترام والتعظيم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى. 

"وَصَحَابَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ"؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهم: أهل الكساء وذرّيتهم، هؤلاء أهل بيته. آله؛ أوسع من ذلك، جميع بني هاشم والمطّلب آله. "وَأَهْلِ بَيْتِهِ"؛ من بينهم، هؤلاء: أمهات المؤمنين، وأهل الكساء الخمسة، بناته ﷺ، وذرّيتهم ذرّية الحسن والحسين؛ فهؤلاء أهل بيته، والذين أوصى بهم في حديثه الشريف في سننه كما جاء في البخاري ومسلم وبقية أهل السنن.

"وَالتَّابِعِينَ"؛ لهم، وهم: الرعيل الثاني بعد الصحابة. 

"وَالصَّالِحِينَ"؛ على مدى القرون، قال سيدنا الشافعي: 

أحب الصالــحين ولست منهم *** لعلي أن أنــــال بهم شفاعة 

وأكره مَن بضاعته المعاصي *** ولو كنّا سواءً في البضاعة 

"وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ"؛ 

يالله رضا يالله رضا *** والعفو عمّا قد مضى

"وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ"؛ الرضا به ربًا، والرضا عنه في أحكامه، والرضا عنه في أقضيته وأقداره -جلّ جلاله-

وكـــن راضٍ بـــما *** قــدّر المولـى ودبّر

ولا تسخط قضا الله *** رب العرش الأكبر

"وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ" -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. الله يرزقنا الرضا عنه، والرضا منه، قال تعالى: (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة:8]. 

"وَالتَّوَكَّلُ عَلَيْهِ"؛ الاعتماد والركون إليه -سبحانه وتعالى-، باليقين أنه لا يكون إلا ما أراد وقدّر، (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [المائدة:23]؛ إن كنتم مؤمنين، (فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [يونس:85-86]؛ على الله توكلنا.

"وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْقَلْبِيَّةِ الْمُنْجِيَةِ"؛ وألّف فيها الإمام الغزالي ربع الإحياء، ربع المنجيات، وأبدع فيها بالقول العظيم الذي يَلِجُ إلى القلب ويحوّله إلى قلب سليم، الله ينور قلوبنا، والله أعلم.

 

معاصي الجوارح

وَأَمَّا مَعَاصِي الْجَوَارِحِ:

فَمَعَاصِي الْبَطْنِ: مِثْلُ أَكْلِ الرِّبَا، وَشُرْبِ كُلِّ مُسْكِرٍ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَكُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، وَقَدْ لَعَنَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ آكِلَ الرِّبَا وَكُلَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى أَكْلِهِ، وَلَعَنَ شَارِبَ الْخَمْرِ وَكُلَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى شُرْبِهَا حَتَّى الْبَائِعَ لَهَا.

مَعَاصِي الْلِّسَانِ

وَمَعَاصِي الْلِّسَانِ كثيرةٌ أيضًا: مثلُ الغيبةِ؛ وهي: ذِكرُكَ أخاكَ المُسلم بما يَكرَهُ وإن كنتَ صادقًا.

والنميمة، والكَذِب، والشَّتِم والسَّبِّ، واللَّعِن، وغَيرِها.

 

أعاذنا الله منها، وحفظنا من جميع الذنوب والمعاصي، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنتك ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا.

و معاصي الجوارح فالبطن: "أَكْلِ الرِّبَا"؛ وابتدأ بأكل الربا لأنه أخطر ما يصل إلى البطن، ولأنه ما من سُحت يصل إلى البطن فينبت منه لحم إلا كانت النار أولى به، والربا خطير: "الرِّبا بضع وستون شعبة، أدناها مثلُ أن ينكح الرَّجلِ أمَّه"؛ إثم أدنى شيء في الربا مثل إثم من يَنكِح أُمَّه، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

في أكل الربا قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة:275]؛ وهو فيما يتعلق أكثر بالنقد والمطاعم والمشارب: ما كان من نسيئة في بيع الطعام بالطعام، أو النقد بالنقد، أو ما كان من مفاضلة في النوع الواحد، أو ما كان من عدم التقابض في المجلس، تترتب عليها الربا، "البُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والذَّهَبُ بالذَّهَبِ، سواءً بِسَواء، يَدًا بِيَدٍ"؛ ومن خالف ذلك وقع في الربا، و "يَأْتِي على أُمَّتي زَمانٌ، لا يَبقى فيه أَهل بيتٍ إلَّا أَكَلَوا من الرِّبا، فمنْ لمْ يَأكُلْه أَصابَهُ مِن غُبارِه"؛ فنشروا هذه المعاملات الربويّة بيننا فيما سمّوه من حضارتهم الرأسمالية، وأوصلوا الربا إلى جوانب بيوت المسلمين، حتى المساجد الثلاثة أوصلوا المعاملات الربوية إلى جنبها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله يخلّص الأمة من هذه المصائب والآفات.

"لَعَنَ اللهِ الرِّبَا، وَآكِله، وَمُؤْكِله، وَكَاتِبه، وَشَاهِدَهِ"؛ كلهم واقعين في اللعنة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة:278-279]؛ وما صرّح القرآن ثم السنة بحرب على أحد إلا اثنين: آكل الربا ومعادي الأولياء، معادي الأولياء في السُّنة يقول الله تعالى في الحديث القدسي: "من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"، وقال عن الربا: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) انظر لمّا انتشرت معاداة الأولياء وأكل الربا، أيش أصاب الأمة؟ وما الذي نزل الأمة؟ هذا حرب! ومن حاربه الله على أي حال يموت، من أين يأتي بحسن الخاتمة؟ من أين يأتي؟ إذا الله يحاربه، بيجيبها مِن عند مَنْ؟ مَن سيتثبّته عند الموت إذا الله حاربه! -والعياذ بالله تعالى- فنعوذ بالله من معاداة الأولياء، ونعوذ بالله من أكل الربا. 

والغبار هذا أصاب الناس كما أخبر ﷺ في كل محل، ولكن فرق بين مَن يبالي ومَن لا يبالي، ومَن يحترز ما استطاع ومَن لا يحترز، فرق بينهم. 

"وَشُرْبِ كُلِّ مُسْكِرٍ"؛ وهي التي ينشرونها بين الناس، المخدرات وغيرها، ويحرص الكفّار تبع قائدهم إبليس على نشر المسكرات بين المسلمين؛ لأنها أم الخبائث وإذا انفتح بابها ذهبت الفضائل كلها -والعياذ بالله تعالى- وقعوا في مصائب، فيجب الحذر من كل مُسكر وما يقرّب إلى ذلك، "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خمرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ"، ويقول: "لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وهو مُؤْمِنٌ".

"وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ"؛ و: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء:10]. قالوا كانوا في سفينة في البحر وانطفأت النار عليهم، وماعندهم النار، وبعدين لاذوا ببعض الصالحين بينهم، قال لهم: من أين نجيب لكم نار؟! قالوا: القوت الذي معنا لا بد له من طبخ ومعنا أيام في البحر سنهلك، شوف حل ادْعُ ربك، قال: أحد عندكم متولّي مال أيتام هنا؟ قالوا: نعم بعضهم، جاء عنده، قال: أنت متولي على أيتام؟ قال: نعم، قال: لا بُدَّ شيء من هكذا ما باليت به، قال: ربنا يغفر...، قال: قصدنا الآن ربنا يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا)؛ أهل السفينة مساكين تعبانين، نريد شوي من النار هذه، قال: لاا! بطني مثل بطنك لحم وشحم! ما عندي، قال: لا لا كلام الله صدق، هاتوا شيء من الذي يشتعل بسرعة،قربوه عند فمه، قال له: انفخ فيه، نفخ فيه فاشتعلت النار، قال: خلاص اذهب أنت ونارك، أخذنا قصدنا، أمر معنوي لكن حوّله الله إلى حسّي كرامة لهذا الولي، قال لهم: بس خلاص حافظوا على ناركم هذه، وخلّوا الرجل، إنما أراد الله أن يجعلها لكم عبرة وعِظة، (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، و: "إنّ الله ينظر إلى البيت الذي فيه يتيم يُكرَمْ"، ويُحِبُّ أهل بيتٍ فيهم يتيمٌ يُكرَمْ بينهم، ويَبْغَض البيت الذي فيهِ يَتيم يُظْلَم ويؤذى ويُحتَقر.

"وَكُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، وَقَدْ لَعَنَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ آكِلَ الرِّبَا وَكُلَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى أَكْلِهِ، وَلَعَنَ شَارِبَ الْخَمْرِ"؛ وعاصرها، ومعتصرها، بائعها، ومبتاعها، آكل ثمنها، حاملها، والمحمولة إليه، كلهم واقعين في اللعن -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، حتى البائع لها، حتى الحامل لها -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، قال: إنما أنا الحمّال، حمّال تحمل خمر للناس! تدخل في اللعنة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- قال: أنا ما شربت منها.. مجرّد حملها تقع في اللعنة -والعياذ بالله تعالى-.

"وَمَعَاصِي الْلِّسَانِ كثيرةٌ"؛ الله يحفظنا ويسلّمنا منها ويعفو عنّا. 

قال: "مثلُ الغيبةِ؛ وهي: ذِكرُكَ أخاكَ المُسلم بما يَكرَهُ وإن كنتَ صادقًا".

"والنميمة"؛ وهي: نقل الكلام بقصد الافتتان، ينقل كلام هذا إلى كلام هذا، وإلى هذا، ويقول فلان قال عليك، فلان.. والقصد أنه يفسد بين المتحابين، وهذا: شِرار الأمّة "المشَّاؤون بالنميمة، المُفرِّقون بين الأَحبَّة".

"والكَذِب"؛ وهو كان ﷺ يشقُّ عليه أمر الكذب حتى إذا عَلِمْ من أحد كذبة تغيّر عليه كثيرًا، حتى يعلم أنه صدق في توبته، وكان الصحابة لا يتَّهمون به إلا المنافقين، لا يتهمون بالكذب إلا المنافقين، ولما سُئِلَ ﷺ هل يكذب المؤمن؟ قال: "لا"، وتلى قوله تعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)[النحل:105]؛ فالكذب أمره خطير، وإن كان يجوز في الإصلاح بين الناس، وعند الحرب، وقول الرجل لزوجته فيما يؤلّف بينهم وفيما يقوّي العلاقة بينهم فقط، وغير ذلك فالكذب خطير.

"والشَّتِم والسَّبِّ"؛ كلّهما بمعنى، وهو: أن يذكر معايب الآخر وينسب إليه قبائح.

"واللَّعِن"؛ أشد، "لعن المؤمن كقتله"، وإذا لعن واحد آخر فإنها تصعد اللعنة إلى السماء فتُغلق دونها أبواب السماء، ترجع إلى الأرض فتُغلق دونها أبواب الأرض، فإن وجدت مساغًا في الذي لُعن؛ وقعت عليه، وإلا عادت إلى الذي لَعن فتقع عليه، ومعنى اللعن: الطرد من رحمة الله، لُعِنَ؛ أي: طُرِدَ من رحمة الله -تبارك وتعالى-، ولا يجوز ذلك إلا لمن تُيُقِّنَ وفاته على الكفر كمثل: إبليس أو أبو جهل، ومع ذلك فلا يُفيدك لعنه، لا يفيدك، ذكر الله أحسن من ذلك، وهكذا.. 

البقية، إن شاء الله الليلة بنكمل بقيّة المقرر من درس الإحياء، ونكمل هذا أيضًا إن شاء الله بعده، عسى البركة لنا ولكم، أيامنا وليالينا كلها، ويجعل هذه الأيام سُلَّم لنا للإرتقاء والدخول في أهل التقى، وحُجّة لنا لا حُجّة علينا إن شاء الله.

 

إجابة أسئلة:

  • معنى النفس 

قد ذكرنا أنه: قد تُطلق النّفس على الروح نفسها، وقد تُطلق على الدم  يُقال ما لا نفس له سائلة؛ أي: لا دم، وقد تطلق على مجموع قوى الشر عند الإنسان، ومن المعلوم أن قوى الشر ما جاءت إلا من خلال الكثائف والجسد، أما الروح فهي صافية في حد ذاتها، ولكن لمّا رُغِمَتْ على الدخول في هذا الجسد؛ فإن الجسد له تعلُّقات بالدنايا، منه تكونت النفس الأمّارة.

  • دوام الصدق والإخلاص 

ومن أراد الدوام على الصدق الإخلاص؛ يدوم شهوده للحق -تبارك وتعالى- واستحضار أنه مطّلع عليه ويرقُب باطنه، فيستديم على هذا، فيدوم له الصدق والإخلاص.

  • علاج الكبر 

علاج الكِبر مِن علم وعمل، كل الأوصاف الذميمة علاجها مركب من: علم وعمل، العلم في الكِبر: أن يعلم بدايته ونهايته ورجوعه إلى الله -تبارك وتعالى-، وحقيقة ما تكبّر به وحقارته، ثم مداواته بأن يتعاطى أعمال المتواضعين، وأن يتذلل لمن رأى نفسه أنه خير منه، ويجعل تواضعه في القلب وأثره على اللسان. وأما مِن المصائب التي عند الأمة أصابتهم: تحويل التواضع من القلب إلى اللسان، فيقول بلسانه: أنا ضعيف، وأنا فقير، وأنا مُقصِّر، وأنا محتاج، وإذا أحد قال له: أنتَ مُقصِّر يغضب، هل أنت صادق أم كاذب؟! ولكن من بقلبه أنه مُقصّر، ولو أحد قال له: أنتَ مُقصِّر لا يتأثر؛ لأنه تحوّل تواضعه إلى اللسان بدل القلب. وسيدنا الفضيل لمّا قال له صبي وهو يمشي في الطريق: يا مُرآئي، قال: عرف هذا اسمي الذي أضلّه أهل البصرة، قال: أهل البصرة نسوا اسمي، ما جاؤوا على اسمي، هذا جاء على اسمي، صحيح أنا مُرآئي! لا إله إلا الله.

  • كيف نزيد من محبة رسول الله؟ 

محبة النبي ﷺ تزيد بذكر أخباره، وشمائله، وما خّصه الله به، وكثرة الصلاة والسلام عليه، كذلك محبة أهل بيته، ومحبة السيدة فاطمة وأخواتها؛ بذكر أخبارهن وأوصافهن وأحوالهن وما ورد عنهن من كلام الرسول ﷺ، ومحاولات المشابهة والاقتداء بهن، كذلك بقية الصحابة وبقية الصالحين تزداد محبتهم بذكر أخلاقهم وأخبارهم وأوصافهم وفضائلهم ومحاولة الاقتداء بهم.

  • توبة آكل الربا 

وأكل الربا؛ واجبة عليه التوبة: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) [البقرة:279]، وما زاد يَردُّه إلى أصحابه إن قدر على معرفتهم فواجب، وإلا وَرَثتهم، وإذا ما قدر على معرفتهم؛ فيتصدق بذلك عنهم ويرجو من الله -إذا صدق في التوبة- أن يُرضي عنه هؤلاء الخصماء، وأن يعفو عنه يوم القيامة، ويقذف في قلوبهم العفو عنه.

  • طهارة البدن والقلب 

طهارة البدن: بالوضوء والغُسل، وطهارة القلب: بالتوبة، وعمارته بالذكر، والتنزيه عن إرادة الذنوب والمعاصي، وبذلك يطهر القلب. 

 

اللهم طهّر قلوبنا وصفِّ مشروبنا وزدنا زيادة واسعدنا سعادة، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي ﷺ.

 

لتحميل الكتاب pdf

تاريخ النشر الهجري

03 شَعبان 1447

تاريخ النشر الميلادي

22 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام