آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 11 | علامات علماء الآخرة: السلامة من السلطان والفتوى
الدرس الحادي عشر في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
مساء الجمعة 20 رجب 1447هـ
متابعة شرح علامات علماء الآخرة: أن يكون منقبضاً عن السلاطين، ألا يكون مسارعاً إلى الفتوى، أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:
"ومنها: أنْ يكونَ منقبضاً عنِ السلاطينِ: فلا يدخلُ عليهِمْ البتَّةَ ما دامَ بجدُ إلى الفرارِ عنهُمْ سبيلاً، بلْ ينبغي أنْ يحترزَ مِنْ مخالطتِهِمْ وإنْ جاؤُوا إليهِ؛ فإنَّ الدنيا حلوةٌ خَضِرَةٌ، وزمامُها بأيدي السلاطينِ، والمخالطُ لهُمْ لا يخلو عَنْ تكلُّفٍ في طلبٍ مرضاتِهِمْ واستمالةٍ قلوبهِمْ معَ أنَّهُمْ ظَلَمَةٌ، ويجبُ علىٰ كلِّ متديِّنِ الإنكارُ عليهِمْ، وتضييقُ صدورِهِمْ بإظهارِ ظُلمِهِمْ وتقبيح فعلِهِمْ.
فالداخلُ عليهِمْ إمَّا أنْ يلتفتَ إلىٰ تجمُّلِهِمْ فيزدريَ نعمةَ اللهِ عليهِ، أوْ يسكتَ عنِ الإنكارِ عليهِمْ فيكونَ مداهنًا لهُمْ، أوْ يتكلَّفَ في كلامِهِ كلامًا لمرضاتِهِمْ وتحسينِ حالِهِمْ وذلكَ هوَ البَهْتُ الصريحُ، أوْ أنْ يطمعَ في أنْ ينالَ مِنْ دنياهُمْ، وذلكَ هوَ السُّحْتُ وسيأتي في كتابِ الحلالِ والحرامِ ما يجوزُ أنْ يُؤخذَ مِنْ أموالِ السلاطينِ وما لا يجوزُ مِنَ الإدرارِ والجوائزِ وغيرِها.
وعلى الجملةِ: فمخالطتُهُمْ مفتاحٌ للشُّرورِ، وعلماءُ الآخرةِ طريقُهُمْ الاحتياطُ.
وقدْ قالَ ﷺ: "مَنْ بَدَا.. جَفاً-يعني: مَنْ سكنَ الباديةَ.. جفا- ومَنِ اتبعَ الصيدَ.. غَفَلَ، ومَنْ أتى السلطانَ.. افتُتِنَ".
وقالَ ﷺ: "سيكونُ عليكُمْ أمراءُ تعرفونَ منهمْ وتنكرونَ، فمَنْ أنكرَ.. فقدْ بَرِئ، ومَنْ كرِهَ.. فقدْ سَلِمَ، ولكنْ مَنْ رَضِيَ وتابعَ.. أبعدَهُ اللهُ تعالىٰ"، قيلَ: أفلا نقاتِلُهُمْ؟ قال: "لا، ما صلَّوا".
وقالَ سفيانُ: في جهنَّمَ وادٍ لا يسكنُهُ إلا القُرَّاءُ الزوَّارونَ للملوكِ.
وقالَ حذيفةُ: إيَّاكُمْ ومواقفَ الفتنِ، قيلَ: وما هيَ؟ قالَ: أبوابُ الأمراءِ، يدخلُ أحدُكُمْ على الأميرِ فيصدّقُهُ بالكذبِ، ويقولُ فيهِ ما ليسَ فيهِ.
وقالَ النبيُّ ﷺ: "العلماءُ أمناءُ الرسلِ علىٰ عبادِ اللّهِ تعالىٰ ما لمْ يُخالطوا السلطانَ، فإذا فعلوا ذلكَ.. فقدْ خانوا الرسلَ، فاحذروهُمْ واعْتزلُوهُمْ"، رواه أنسٌ.
وقيلَ للأعمشِ: لقدْ أحييتَ العلمَ لكثرةِ مَنْ يأخُذُهُ عنكَ، فقالَ: لا تعجلوا؛ ثلثٌ يموتونَ قبلَ الإدراكِ، وثلثٌ يلزمونَ أبواب السلاطينِ فهُمْ شرُّ الخلقِ، والثلثُ الباقي لا يفلحُ منهُمْ إلا القليلُ.
ولذلكَ قالَ سعيدُ بنُ المسيّبِ -رحمه الله تعالى-: إذا رأيتمُ العالمَ يغشى الأمراءَ فاحترزوا منهُ؛ فإنَّه لصٌّ.
وقالَ الأوزاعيُّ: ما منْ شيءِ أبغض إلى اللهِ تعالىٰ منْ عالمِ يزورُ عاملاً.
وقالَ رسول اللّٰه ﷺ: "شرارُ العلماءِ الذينَ يأتونَ الأمراءَ، وخيارُ الأمراءِ الذينَ يأتونَ العلماءَ".
وقالَ مكحولٌ الدمشقيُّ -رحمه الله-: مَنْ تعلَّمَ القرآنَ وتفقَّهَ في الدينِ ثمَّ صحبَ السلطانَ تملُّقاً إليهِ وطمعاً فيما لديهِ.. خاضَ في نارِ جهنَّمَ بعدَدٍ خُطاهُ.
وقالَ سُحنونٌ: ما أسمجَ بالعالمِ أنْ يُؤتىٰ إلىٰ مجلسِهِ فلا يوجدُ، فيُسألُ عنهُ، فيُقالُ: إنَّهُ عندَ الأميرِ!
قالَ: وكنتُ أسمعُ أنّهُ يُقالُ: إذا رأيتمُ العالمَ يحبُّ الدنيا.. فاتهمُوهُ علىٰ دينِكُمْ حتَّىٰ جرَّبْتُ ذلكَ؛ إذْ ما دخلتُ قطُّ على هذا السلطانِ إلا وحاسبتُ نفسي بعدَ الخروج، فأرىٰ عليها الدَّرَكَ، وأنتمْ ترَوْنَ ما ألقاهُ بهِ مِنَ الغلظةِ والفظاظةِ وكثرةِ المخالفةِ لهواه، ولودِدتُ أن أنجوَ مِنَ الدخولِ عليهِ كفافاً، معَ أنِّي لا آخذُ منهُ شيئاً، ولا أشربُ لهُ شربةَ ماءٍ، ثمَّ قالَ: وعلماءُ زمانِنا شرٌّ مِنْ علماءِ بني إسرائيلَ؛ يخبرونَ السلطانَ بالرُّخَصِ وبما يوافقُ هواهُ، ولو أخبروهُ بالذي عليهِ وفيهِ نجاتُهُ.. لاستثقلَهُمْ، وكَرِهَ دخولهُمْ عليهِ، وكانَ ذلكَ نجاةً لهُمْ عندَ ربَّهِمْ.
وقالَ الحسنُ: كانَ فيمِنْ كانَ قبلَكُمْ رجلٌ لهُ قِدَمٌ في الإسلامِ وصحبةٌ لرسولِ اللهِ ﷺ -قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ: عنىٰ بهِ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ رضيَ اللهُ عنهُ- قالَ: وكانَ لا يغشى السلاطينَ، وينفرُ عنهُمْ، فقالَ لهُ بنوهُ: يأتي هؤلاءِ مَنْ ليسَ هوَ مثلَكَ في الصحبةِ والقِدَمِ في الإسلامِ، فلوْ أتيتَهُمْ!
فقالَ: يا بَنِيَّ؛ آتي جيفةً قدْ أحاطَ بها قومٌ؟! واللهِ؛ لئنِ استطعتُ لا شاركتهُمْ فيها.
قالوا: يا أبانا؛ إذاً نهلِكَ هزالاً.
قالَ: يا بَنِيَّ؛ لأنْ أموتَ مؤمناً مهزولاً أحبُّ إليَّ مِنْ أنّ أموتَ منافقاً سمينا.
قالَ الحسنُ: خصمَهُمْ واللهِ؛ إذْ عِلِمَ أنَّ الترابَ يأكلُ اللحمَ والسِمَنَ، دونَ الإيمانِ.
وفي هذا إشارةٌ إلىٰ أنَّ الداخلَ على السلطانِ لا يسلَمُ مِنَ النفاقِ البتةَ، وهوَ مضادٌ للإيمانِ.
وقالَ أبو ذرّ لسلمةَ: يا سلمةُ؛ لا تغشَ أبوابَ السلاطينِ؛ فإنَّك لا تصيبُ مِنْ دنياهُمْ شيئاً إلا أصابوا مِنْ دينِكَ أفضلَ منهُ.
وهذهِ فتنةٌ عظيمةٌ للعلماءِ، وذريعةٌ صعبةٌ للشيطانِ عليهِمْ، لا سيما مَنْ له لهجةٌ مقبولةٌ وكلامٌ حلْوٌ، إذْ لا يزالُ الشيطانُ يُلقي إليهِ أنَّ في وعظِكَ لهُمْ ودخولِكَ عليهِمْ ما يزجرُهُمْ عنِ الظلْمِ ويقيمُ شعائرَ الشرعِ، إلى أنْ يخيِّلَ إليهِ أنَّ الدخولَ عليهِمْ مِنَ الدينِ، ثمَّ إذا دخلَ.. لمْ يلبثْ أنْ يتلطَّفَ في الكلامِ ويداهنَ، ويخوضَ في الثناءِ والإطراءِ، وفيهِ هلاكُ الدينِ.
وكانَ يُقالُ: العلماءُ إذا علموا.. عملوا، فإذا عملوا.. شُغلوا، فإذا شُغلوا.. فُقدوا، فإذا فُقدوا.. طُلبوا، فإذا طُلبوا.. هَربوا.
وكتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى الحسنِ -رحمَهُما اللهُ-: أما بعدُ: فأشرْ عليَّ بقومٍ أستعينُ بهِمْ علىٰ أمرِ اللهِ تعالىٰ.
فكتبَ إليهِ: أمَّا أهلُ الدينِ.. فلنْ يريدوكَ، وأمَّا أهلُ الدنيا.. فلنْ تريدَهُمْ، ولكنْ عليكَ بالأشرافِ؛ فإنَّهُمْ يصونونَ شرفَهُمْ أنْ يدنِّسوهُ بالخيانةِ.
هذا في عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ -رحمه الله-، وكان أزهدَ أهلِ زمانِهِ، فإذا كانَ شرطُ أهلِ الدينِ الهربَ منهُ.. فكيفَ يستتبُّ طلبُ غيرِهِ ومخالطتُهُ؟!
ولمْ يزلِ السلفُ العلماءُ مثلُ الحسنِ والثوريِّ وابنِ المباركِ والفضيلِ وإبراهيمَ بنِ أدهمَ ويوسفَ بنِ أسباطِ يتكلَّمونَ في علماءِ الدنيا مِنْ أهلِ مكَّةَ والشامِ وغيرهِمْ؛ إمَّا لميلِهِمْ إلى الدنيا، وإما لمخالطتِهِمُ السلاطينَ".
الحمد لله الذي يحفظ قلوب أهل الوجهة إليه من الالتفات إلى ما سواه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعالى في علاه، يأخذ بيد المقبلين عليه فيحميهم من قصد ما عداه، ونشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أكرم من قربه واصطفاه، وأخلصُ قلبٍ ما أراد غير الله.
اللهم أدم صلواتك على الصفيّ الصافي المُصَفَّى، والنقيِّ المُنتقى المصطفى، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واهتدى بهداه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك أئمة الهدى، وعلى من آمن بهم واتبعهم من آلهم وصحبهم والمقتدين، وعلى ملائكتك المقربين وجميع الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ولم تزل دائرة الخلق محل الاختبار والابتلاء، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) [الفرقان:20] -جل جلاله-، وبقيَ:
- اختيار من يُجالس الإنسان؟ ومن يحب الجلوس معهم؟ ومن يواليهم في الله تعالى؟ ومن ينصحهم في الله؟ وإلى غير ذلك من المقاصد الحسنة.
- ومن يَحذَر منهم؟ من أجل دينه ومن أجل سلامة قلبه، ومن أجل استقامة حاله مع ربه -جل جلاله وتعالى في علاه-.
وكان الغالب على أهل الولايات بعد زمان الخلافة الأولى؛ الثلاثون عام التي حددها ﷺ: "الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تكون ملكا"؛ عضوضًا ثم جبرية، إلا أنه أخبر في الحديث أن بعد هذه المراحل الطويلة: "ثُمَّ تَكُونُ خلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّة"؛ ففي الثلاثين عام تولَّى الخلافة -هذه الظاهرة- على المؤمنين خمسة:
- سيدنا أبو بكر.
- وسيدنا عمر.
- وسيدنا عثمان.
- وسيدنا علي.
- وسيدنا الحسن.
في شهر ربيع الأول الذي توفي فيه ﷺ، على رأس الثلاثين سلّم الخلافة سيدنا الحسن. وكما أتى أنه لما قُتل سيدنا علي كانت باقية ستة أشهر من الثلاثين عام، قُتل في رمضان -قُتل سيدنا علي في رمضان- والنبي توفي في ربيع، فباقي ستة أشهر كانت هي أيام خلافة الحسن، وفي نفس الشهر الذي توفي فيه ﷺ سلَّم الخلافة؛ حَقنًا لدماء المسلمين، ولكنه ما خرج عن الخلافة الباطنة، فكان خليفة رسول الله ﷺ في التعليم والهداية والإرشاد والدلالة على الله تعالى، وزَهِد في الخلافة الظاهرة.
وقد أخبر ﷺ أنه سيحصل منه هذا الإيثار لأجل حقن دماء المسلمين، فأثنى عليه وقال -وهو طفل على حجره-: "إنَّ ابْنِي هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ به بيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.. فكان ذلك.
فكان بعد عصر هؤلاء أكثر من يتولى يقعون في الظلم والإجحاف والتقصير في حق الله وفي حقوق الخلق، إلا ما نَدَر كمثل سيدنا عمر بن عبد العزيز، وبعض الولاة هنا وهناك من وقت إلى وقت، ولكن الأكثر هو هذا كما وصف ﷺ المُلك العضوض والجبرية، وهكذا إلى أن يأذن الله تعالى فتعود.
فمثل هؤلاء لِمَيل قلوب العامة إليهم لأن الغالب بأيديهم كثير من شؤون الدنيا سواء وجاهتها ومالها وثرواتها يستحوذون عليه؛ فبذلك يكون غشيانهم والتردد إليهم مُتَّهَمٌ القصد فيه، ونادر أن يصحَّ قصد من يخلص لأجل النصيحة، أو الشفاعة لحق مسلم، أو إحقاق حق أو إبطال باطل، أوغير ذلك من المصالح والخيرات.
فمن صح ذلك منه فحاله بينه وبين الله على ما يعلم من صدقه؛ وإلا فالأصل هو هذا الانقباض عند علماء الآخرة من غَشَيان السلاطين وأنواع الغافلين وأنواع من لا ينتفعون بهم، فما يحبون مخالطتهم ولا قصدهم؛ حرصًا على أعمارهم وأوقاتهم، واهتمامًا بأحوالهم مع الله تبارك وتعالى.
وبعد ذلك أيضًا كانت لهم أنواع من المواقف ومن الاختيارات، ولكن يرجع الجملة فيها إلى هذا الحذر والمحافظة على الدين:
- فإما يُبتلى من ينظر إليهم ويجلس إليهم بازدراء نعمة الله عليه لما يرى من مظاهر الزينة والبهرجة.
- وإما يتحول إلى راغب في الدنيا.
- أو إلى فاقد للشكر فيما هو فيه من حاله بينه وبين الله تبارك وتعالى.
- أو أنواع أخرى من الفتن والشرور تصيب الإنسان.
وذكر ﷺ: "سيكونُ عليكُمْ أمراءُ تعرفونَ منهمْ وتنكرونَ"، يعني: يعملون بعض الخير والهدى، ولكن ترون منهم ما يخالف الشرع ويخرج عن الجادَّة، يقول:
- "فمَنْ أنكرَ.. فقدْ بَرِئ".
- "ومَنْ كرِهَ -بقلبه-.. فقدْ سَلِمَ".
- "ولكنْ مَنْ رَضِيَ وتابعَ -من رَضِيَ بأي ظلم وبأي مخالفة للشريعة وقام على ذلك-.. أبعدَهُ اللهُ تعالىٰ".
وقيلَ للرسول ﷺ: أفلا نقاتِلُهُمْ؟ قال: "لا" -وهو الأعلم بالواجب وبأحوال أمته وبما يصلح لهم- قال: "لا، ما صلَّوا"؛ يعني: ما داموا يصلون. هذه رواية مسلم، وجاء روايات كثيرة في هذا المعنى فيها: "إلّا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا". ولم يأذن بالخروج على الأمراء ما داموا لم يظهروا الكفر الخالص، ونهى الأمة عن ذلك لما يعلم من معرَّة ذلك ومضرّته وإيقاعه البلاء بين الأمة. وقال: "إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ على الإمارَةِ، وسَتَكُونُ نَدامَةً يَومَ القِيامَةِ".
وهكذا نقل لنا كثير من أقوال العارفين في القرون الأولى ومنها بعضها أحاديث، وكما جاء حديث: "العلماءُ أمناءُ الرسلِ علىٰ عبادِ اللّهِ تعالىٰ ما لمْ يُخالطوا السلطانَ؛ -أي: المعلوم أنه لأجل الدنيا ولأجل غرضٍ غير صحيح- فإذا فعلوا ذلكَ.. فقدْ خانوا الرسلَ، فاحذروهُمْ واعْتزلُوهُمْ"، رواه أنسٌ.
ولما ذكروا "للأعمشِ: لقدْ أحييتَ العلمَ لكثرةِ مَنْ يأخُذُهُ عنكَ، فقالَ: لا تعجلوا" -عسى لو كان ذلك لهم يسلمون ويستقيمون نعم- ولكن قال: "ثلثٌ -يدركهم أما موت أو انقطاع- قبلَ الإدراكِ، وثلثٌ -يتحولون إلى ملازمة باب السلاطين وهم شر الخلق- والثلثُ الباقي لا يفلحُ منهُمْ إلا القليلُ" ويصل لله. فلو كان الكل يستقيم في المنهج حتى يصل إلى الغاية لنرى في الأمة حياة كبيرة، ولكن هكذا عجائب إرادة الله تعالى في الخلق.
ومع كل الأحوال المؤمن الصادق مُتعبَّد بأن ينشر الخير ويدعو إليه ويدل وينصح ما استطاع، والهداية بأمر الله تبارك وتعالى، وكثيرٌ أجرى الله على أيديهم خيورًا كثيرة ومنافع كثيرة في مختلف العصور والأزمان هذه، وفي مختلف القرون الماضية، نعم، حتى في بعض البلدان يقول: فأصبح العلم منطوقًا بكل فم، وانتشر العلم حتى صار مع الصغار ومع الكبار بسبب صدق وإخلاص القائمين في تلك البلدة على العلم ونشر الخير، والله ينشره فينا ويثبت أقدامنا في ظواهرنا وخوافينا إن شاء الله، ويجعلنا مفاتيح للخير مغالق للشر.
وهكذا ينقل عن سعيد بن المسيب والأوزاعيّ التّحذير من ذلك، ويذكر حديث ابن ماجه: "وإنّ من أبغض القُرّاء إلى الله الذّين يزورون الأمراء". وكلام سلمة بن دينار: "إنّ خير الأمراء من أحبّ العلماء".
وذكره كذلك عدد من النّقولات ومنهم عن سيّدنا الحسن البصري -عليه رحمة الله- يقول: "كانَ فيمِنْ كانَ قبلَكُمْ رجلٌ لهُ قِدَمٌ في الإسلامِ وصحبةٌ لرسولِ اللهِ ﷺ -قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ: عنىٰ بهِ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ رضيَ اللهُ عنهُ- قالَ: وكانَ لا يغشى السلاطينَ، وينفرُ عنهُمْ، فقالَ لهُ بنوهُ: يأتي هؤلاءِ مَنْ ليسَ هوَ مثلَكَ في الصحبةِ والقِدَمِ في الإسلامِ، -و يكرمونهم يقولون له- فلوْ أتيتَهُمْ! "فقالَ: يا بَنِيَّ؛ -يعني: يا أولادي- آتي جيفةً قدْ أحاطَ بها قومٌ؟! واللهِ؛ لئنِ استطعتُ لا شاركتهُمْ فيها" أبداً. قالوا: تفكر بهذا التّفكير فنهلك من الهَزَال، ما نجد الغذاء؟ "فقال لهم: يا بَنِيَّ؛ لأنْ أموتَ مؤمناً مهزولاً أحبُّ إليَّ مِنْ أنّ أموتَ منافقاً سمينا" فاصبر على ما قلّ في العيش ولا أبيع شيئّا من أمر ديني! -لا إله إلا الله-.
"قالَ الحسنُ: خصمَهُمْ واللهِ -يعْني تمكّن بالحجّة عليهم- إذْ عِلِمَ أنَّ الترابَ يأكلُ اللحمَ والسِمَنَ، دونَ الإيمانِ"، علم أن ما يأكله التراب... وكان يقول سيدي أحمد بن علوان: "من شغله تغذية جسده عن تغذية روحه فليأخذ أجره من الحيتان والديدان"، -لماذا؟- لأنّه يعيش شغال لها، يوفّر لها اللّحم والشّحم من شأن تأكله لمّا يصل لقبره، فهو عاش شغّال لها، يبغى أجر فليأخذُه من عندها إذا اشتغل بتغذية جسده عن تغذية روحه وقلبه، -لا إله إلا الله-
وتكون "فتنةٌ عظيمةٌ.. لمن لهُ لهجة مقبولةٌ وكلامٌ حلْوٌ"، فإذا اشتغل "في وعظِكَ لهمْ ودخولِكَ عليهِمْ ما يَزجرُهُم عنِ الظّلم و يقيمُ شعائرَ الشرعِ، إلى أن يُخيّلَ إليه أنَّ الدّخول عليهِم من الدّينِ، ثمّ إذا دخلَ … لم يلبثْ أنْ يتلطَّفَ في الكلامِ و يداهنَ" ويطيب له الهلاك بعد ذلك.
ويقول: "يقال العلماء إذا علموا .. عملوا، فإذا عملوا .. شُغلوا"، بنتائج العمل من الأذواق والمعارف، "فإذا شُغلوا .. فُقدوا" ما عاد حصّلوهم في الأماكن العامّة، "فإذا فُقدوا .. طُلبوا، فإذا طُلبوا" من قبل السّلاطين ومن لا يفيدهم في الدّين "هَربوا" -لا إله إلا الله-
ويقول سيّدنا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى الحسنِ -رحمَهُما اللهُ-: أما بعدُ: فأشرْ عليَّ بقومٍ أستعينُ بهِمْ علىٰ أمرِ اللهِ تعالىٰ. فكتبَ إليهِ: أمَّا أهلُ الدينِ.. فلنْ يريدوكَ، وأمَّا أهلُ الدنيا.. فلنْ تريدَهُمْ"، سيّدنا عمر بن عبد العزيز قال أهل الدّين لا يريدونك وأنت لا تريد أهل الدنيا، فانظر الذّي بقي عنده مروءة وشرف من خلق الله خذه! أقرب ما يخون، ولا يبالغ في شره هؤلاء بيعاونونك. أمّا أهل الدّين لا يريدونك وهم فارين منّك، وأهل الدّنيا أنت لا تريدهم، بيهلكون عليك، مسلكك في مملكتك، وقيامك بالخلافة. شوف أهل المروءة والشّرف، من عاد بقي عنده شرف ومروءة هم هؤلاء، هم قرّبهم! عسى يساعدونك، لأنّهم تمنعهم مروءتهم أنْ يخونوا، و أن هؤلاء هم بس. فهذه إشارة سيّدنا الحسن البصري على سيّدنا عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه-. ومع ذلك تعب، ومع أنه ما استقر في الخلافة إلا سنتين وستّة أشهر، وظهر أثر الخلافة في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه. انتشر الزّهد، والورع، و كثرت البركة، وصار النّاس على حال جميل، و داروا بالذّهب ما حصّلوا من يقبله، وردوه إلى بيت المال في خلال سنتين وستّة أشهر. ومع ذلك تعب في الأمر -عليه رضوان الله تعالى-، حتّى قال انّه طلب من بعض مجابي الدّعوة أن يدعوا له بالانتقال، فقالوا له: لا… لا تفعل، إذًا أكون أنا عدوّ أمّة محمد، يموت فيهم خليفة عادل؟ قال: خلاص أخذت عَليك العهد أن تُلبّي طلبي. ولمّا ألحّ عليه دعا له وقال له: هذا ولد من أولادي أخاف عليه من بعدي أن يفتن، أحسن يكون معي. قال: اللّهم هو، وولده، وأنا معه! قالوا فماتوا في أسبوع -الثلاثة كلّهم ماتوا في أسبوع واحد-، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى -سبحان الله-، وهذا كان خليفة الصّدق عمر بن عبد العزيز العادل الأموي، "وكان أزهدَ أهلِ زمانِهِ" وأهل الدّين عادهم يهربون من الولايات معه.
وهكذا قال: "ولمْ يزلِ السلفُ العلماءُ مثلُ الحسنِ والثوريِّ وابنِ المباركِ والفضيلِ وإبراهيمَ بنِ أدهمَ ويوسفَ بنِ أسباطِ" ، كلّهم يحذّرون من علماء الدّنيا، الذّين يغشون السّلاطين، يقول: "إمَّا لميلِهِمْ إلى الدنيا، وإما لمخالطتِهِمُ السلاطينَ"، فيَرون أنّ هذا سوء على الإسلام! أن يظهر بصورة العلم أنَاس مائلون للدّنيا، وكانوا يخافون على الدّين، وهكذا كانوا يتكلّمون عليهم، أي: تحذيراً من هذا المسلك!
الله يحفظ علينا حقيقة الإيمان، والتّقوى، والبر، والعلم، والعمل، ويصلح الرّعاة والرّعية، ويدفع كل أذيّة عنّا وعن أهل لا إله إلا الله.
"ومنها: ألا يكونَ مسارعاً إلى الفتوىٰ: بلْ يكونُ متوقِّفاً ومحترزاً ما وجدَ إلى الخلاصِ سبيلاً، فإنْ سُئِلَ عمَّا يعلمُهُ تحقيقاً بنصٌ كتابِ اللهِ أو بنصِّ حديثِ أوْ إجماعٍ أوْ قياسٍ جلِيِّ.. أفتىٰ، وإنْ سُئِلَ عمَّا يشكّ فيهِ.. قال: لا أدري، وإنْ سُئِلَ عمَّا يظنُّهُ باجتهادٍ وتخمينٍ.. احتاطَ ودفعَ عنْ نفسِهِ وأحالَ علىٰ غيرِهِ إنْ كانَ في غيرِهِ غُنيةٌ.
هذا هوَ الحزمُ؛ لأنَّ تقلُّدَ خطرِ الاجتهادِ عظيمٌ.
وفي الخبرِ: العلمُ ثلاثةٌ: كتابٌ ناطقٌ، وسنةٌ قائمةٌ، ولا أدري .
وقالَ الشعبيُّ: لا أدري نصفُ العلمِ.
ومَنْ سكتَ حيثُ لا يدري للهِ تعالىٰ.. فليسَ بأقلَّ أجراً ممَّنْ نطقَ؛ لأنَّ الاعترافَ بالجهْلِ أشدُّ على النفسِ، وهكذا كانتْ عادةُ الصحابةِ والسلفِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-.
كانَ ابنُ عمرَ إذا سُئِلَ عنِ الفتوىٰ.. قالَ: اذهبْ إلىٰ هذا الأميرِ الذي تقلَّدَ أمورَ الناسِ فضَعْها في عنُقِهِ.
وقالَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: إنَّ الذي يُفتي الناسَ في كلِّ ما يستفتونَهُ لَمجنونٌ.
وقالَ: جُنَّةُ العالِمِ لا أدري، فإذا أخطأها.. أصيبتْ مقاتلُهُ.
وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ -رحمه الله-: ليسَ شيءٌ أشدَّ على الشيطانِ مِنْ عالمٍ يتكلَّمُ بعلْمٍ ويسكتُ بعلْمِ، يقولُ: انظروا إلى هٰذا، سكوتُهُ أشدُ عليَّ مِنْ كلامِهِ.
ووصفَ بعضُهُمُ الأبدالَ فقالَ: أكْلُهُمْ فاقةٌ، وكلامُهُمْ ضرورةٌ، أي: ما يتكلمونَ حتَّىٰ يُسألوا، فإذا سُئِلوا ووجدوا مَنْ يكفيهِمْ.. سكتوا، فإنِ اضطروا.. أجابوا، وكانوا يعدُّون الابتداءَ قبلَ السؤالِ مِنَ الشهوةِ الخفيَّةِ للكلامِ.
ومرَّ عليٌّ وعبدُ اللهِ -رضيَ اللهُ عنهُما- برجلٍ يتكلَّمُ على الناسِ، فقالا: هذا يقولُ: اعرفوني.
وقالَ بعضُهُمْ: إنَّما العالمُ الذي إذا سُئِلَ عنِ المسألةِ فكأنَّما يقلَعُ ضرسَهُ.
وكانَ ابنُ عمرَ يقولُ: تريدونَ أنْ تجعلونا جسراً تعبرونَ علينا إلىٰ جهنَّمَ؟!
وقالَ أبو حفصٍ النيسابوريُّ: العالمُ هوَ الذي يخافُ عندَ السؤالِ أنْ يُقالَ لهُ يومَ القيامةِ: مِنْ أينَ أجبتَ؟
وكانَ إبراهيمُ التيميُّ إذا سُئِلَ عنْ مسألةٍ.. يبكي ويقولُ: لمْ تجدوا غيري حتَّى احتجتُمْ إليَّ؟
وكانَ أبو العاليةِ الرياحيُّ وإبراهيمُ والثوريُّ وابنُ أدهمَ يتكلَّمونَ على الاثنينِ والثلاثةِ والنفرِ اليسيرِ، فإذا كثروا.. انصرفوا.
وقالَ ﷺ: "ما أدري أعزيرٌ نبيٌّ أمْ لا، وما أدري أتُبَّعٌ ملعونٌ أمْ لا، وما أدري ذو القرنين نبيٌ أمْ لا".
ولمَّا سُئِلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عنْ خيرِ البقاعِ في الأرضِ وشرِّها، قالَ: لا أدري، حتّىٰ نزلَ عليهِ جبريلَ -عليهِ السلامُ-، فسألَهُ عنْ ذلكَ، فقالَ: لا أدري، إلى أنْ أعْلَمَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ أنَّ خيرَ البقاعِ المساجدُ، وشرَّهَا الأَسْواقُ.
وكانَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُما- يُسألُ عنْ عشرِ مسائلَ، فيجيبُ عنْ واحدةٍ ويسكتُ عنْ تسعِ.
وكانَ ابنُ عبّاس -رضيَ اللهُ عنهُما- يجيبُ عنْ تسعٍ ويسكتُ عنْ واحدة.
وكان في الفقهاءِ مَنْ يقولُ: لا أدري أكثرَ مِنْ أن يقولَ: أدري؛ منهمْ سفيانُ الثوريُّ، ومالكُ بنُ أنسٍ، وأحمدُ ابنُ حنبلٍ، والفضيلُ بنُ عياضٍ، وبشرُ بنُ الحارثِ.
وقالَ عبدُ الرحمٰنِ بنُ أبي ليلى: أدركتُ في هذا المسجدِ مئةً وعشرينَ مِنْ أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ ما منهُمْ أحدٌ يُسألُ عنْ حديثٍ أوْ فتوى إلا وَدَّ أنّ أخاهُ كفاهُ ذلكَ.
وفي لفظِ آخرّ: كانتِ المسألةُ تعرضُ علىٰ أحدِهِمْ فيردُّها إلى الآخرِ، ويردُّها الآخرُ إلى الآخرِ، حتَّىٰ تعودَ إلى الأوّلِ
ورُويَ أنَّ أصحابَ الصُّفَّةِ أُهديَ إلى واحدٍ منهمْ رأسٌ مشويٍّ وهوَ في غايةِ الضرّ، فأهداهُ إلى آخرَ، وأهداهُ الآخرُ إلى آخرَ، وهكذا دارَ بينهُمْ حتَّىٰ رجعَ إلى الأولِ.
فانظرِ الآنَ كيفَ انعكسَ أمرُ العلماءِ، فصارَ المهروبُ عنهُ مطلوبًا، والمطلوبُ مهروبًا عنهُ.
ويشهدُ لحسنِ الاحترازِ مِنْ تقلُّدِ الفتوىٰ ما رُوِيَ مسنداً أنَّهُ قالَ ﷺ: "لا يفتي الناسَ إلا ثلاثةٌ: أميرٌ، أوْ مأمورٌ، أوْ متكلَّفٌ"
وقالَ بعضُهُمْ: كانَ الصحابةُ يتدافعونَ أربعةَ أشياءَ: الإمامةَ، والوصيةَ، والوديعةَ، والفتيا .
وقالَ بعضُهُمْ: كانَ أسرعُهُمْ إلى الفتيا أقلَّهُمْ علماً، وأشدُّهُمْ دفعًا لها أورعَهُمْ.
وكانَ شغلُ الصحابةِ والتابعينَ رضيَ اللهُ عنهُمْ في خمسةِ أشياءَ: قراءةِ القرآنِ، وعمارةِ المساجدِ، وذكرٍ اللهِ تعالىٰ، والأمرِ بالمعروفِ، والنّهي عنِ المنكرِ؛ وذلكَ لما سمعوهُ مِنْ قولِهِ ﷺ: "كلُّ كلامِ ابنِ آدمَ عليهِ لا لهُ إلا ثلاثةً: أمرٌ بمعروفٍ، أوْ نهيٌ عنْ منكرٍ، أوْ ذكرُ اللهِ تعالىٰ".
وقالَ تعالىٰ: (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) [النساء:114] الآية.
ورأى بعضُ العلماءِ بعضَ أصحابِ الرأي مِنْ أهلِ الكوفةِ في المنام، فقالَ: ما رأيتَ فيما كنتَ عليهِ منَ الفتيا والرأي؟ فكرهَ وجهَهُ وأعرضَ عنهُ، وقالَ: ما وجدناهُ شيئاً، وما حمدْنا عاقبتهُ.
وقالَ أبو حَصِينٍ: إنَّ أحدَهُمْ ليفتي في مسألةٍ لوْ وردتْ علىٰ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ لجمعَ لها أهلَ بدرِ!
فلمْ يزلِ السكوتُ دأبَ أهلِ العلمِ إلا عندَ الضرورةِ، وفي الخبرِ: إذا رأيتمُ الرجلَ قدْ أُوتيَ صمتاً وزهداً.. فاقتربُوا منهُ؛ فإنَّهُ يُلَقَّى الحكمةَ.
وقيل: العالمُ: إمَّا عالمُ عامَّةٍ، وهوَ المفتي، وهُمْ أصحابُ الأساطينِ، أوْ عالمُ خاصَّةٍ، وهوَ العالمُ بالتوحيدِ وأعمالِ القلوبِ، وهُمْ أصحابُ الزوايا المنفردون.
وكانَ يُقالُ: مثلُ أحمدَ بنِ حنبلٍ مثلُ دِجلةً، كلُّ أحدٍ يغترفُ منها، ومثلُ بشْرِ بنِ الحارثِ مثلُ بئرٍ عذبةِ مغطَّاةٍ، لا يقصدُها إلا واحدٌ بعدَ واحد.
وكانوا يقولونَ: فلانٌ عالمٌ، وفلانٌ متكلِّمٌ، وفلانٌ أكثرُ كلامًا، وفلانٌ أكثرُ علماً.
وقالَ أبو سليمانَ: المعرفةُ إلى السكوتِ أقربُ منها إلى الكلامِ.
وقالَ بعضُهُمْ: إذا كثرَ العلمُ.. قلَّ الكلامُ.
وكتبَ سلمانُ إلى أبي الدرداءِ -رضيَ اللهُ عنهُما- وكانَ قدْ آخىٰ بينَهُما رسولُ اللهِ ﷺ: يا أخي؛ بلغني أنَّكَ أُقعدتَ طبيباً تُداوي المرضىٰ، فانظرْ فإنْ كنتَ طبيباً.. فتكلَّمْ؛ فإنَّ كلامَكَ شفاءٌ، وإنْ كنتَ مُتَطَبِّباً.. فالله الله، لا تقتلْ مسلماً، فكانَ أبو الدرداءِ يتوقَّفُ بعدَ ذلكَ إذا سُئِلَ.
وكان أنسُ بنُ مالكِ -رضيَ اللهُ عنهُ- إذا سُئِلَ يقولُ: سَلُوا مولانا الحسنَ.
وكانَ ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُما- إذا سئلَ يقولُ: سَلُوا جابرَ بنَ زيدٍ.
وكانَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُما- يقولُ: سَلُوا سعيدَ بنَ المسيَّبِ.
وحُكِيَ أنَّهُ روىٰ صحابيٌّ في حضرةِ الحسنِ عشرينَ حديثاً، فسُئِلَ عنْ تفسيرِها فقالَ: ما عندي إلا ما رويتُ، فأخذ الحسنُ في تفسيرِها حديثا حديثاً، فتعجّبوا مِنْ حسنِ حفظِهِ وحسنٍ تفسيرِهِ، فأخذَ الصحابيُّ كفا مِنْ حصىّ ورماهُمْ بهِ وقالَ: تسألوني عنِ العلمِ وهذا الحبرُ بينَ أظهرِكُمْ؟!".
ويقول أيضاً في علامات علماء الآخرة: تحرُّزُهم من أن يسارعوا إلى فتوى، وإذا وجدوا من يكفيهم في ذلك، فرحوا بذلك للمسؤولية بينهم وبين الله -سبحانه وتعالى- أن يدخل بين النّاس وبين ربّهم -جل جلاله-، وخصوصًا:
- فيما فيه مشكل.
- وفيما يكثر فيهِ الاختلاف.
- وفيما ليس له قوة اطلاع عليه.
فيحذرون من كلّ ذلك خوفًا من الحق -تبارك وتعالى- أن يقولوا ما لا يعلمون، وهذه:
- صف-ة الصّحابة يتدافعون الفتيا،
- وصفة خيار الأمّة.
- وصفة أهل الزيغ والبدعة يتسابقون إلى الفتيا ويفتون من غير علم وينصبون أنفسهم مفتين للمشارق والمغارب -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، على خلاف منهج السّلف الصاّلحين عليهم الرّضوان.
يقول: "بلْ يكونُ متوقِّفاً ومحترزاً ما وجدَ إلى الخلاصِ سبيلاً، فإنْ سُئِلَ عمَّا يعلمُهُ تحقيقاً بنصٌ كتابِ اللهِ أو بنصِّ حديثِ أوْ إجماعٍ أوْ قياسٍ جلِيِّ.. أفتىٰ.. -وإن صادف ما يشكُّ فيه- قال: لا أدري، وإنْ سُئِل عمّا يظنُّهُ باجتهادٍ وتخمينٍ -ووجد غيره يستفاد منه- وأحالَ علىٰ غيرِهِ إنْ كانَ في غيرِهِ غُنيةٌ. هذا هوَ الحزمُ"، والطّريقة التّي عليها خاصّة الأكابر من العلماء على مدى القرون الماضية.
ويروى: "العلم ثلاثة: كتاب ناطقٌ، وسنّة قائِمَةٌ، ولا أدري"، "لا أدري نصفُ العلمِ" كما يقول الشعبيُّ.
قال: "ومَنْ سكتَ حيثُ لا يدري للهِ تعالىٰ.. فليسَ بأقلَّ أجراً ممَّنْ نطقَ -وهو يدري، قال: بل ربّما ارتفعت درجته- لأنَّ الاعترافَ بالجهْلِ أشدُّ على النفسِ". قالوا: "وهكذا كانتْ عادةُ الصحابةِ والسلفِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-". قال ابن عمر يُسأل فيقول: "اذهبْ إلىٰ هذا الأميرِ الذي تقلَّدَ أمورَ الناسِ فضَعْها في عنُقِهِ."، رح تخبّره هناك وخصوصا إذا كانت تتعلق بحقوق النّاس وما إلى ذلك، يقول له رح إلى عند الأمير.
يقول "ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: إنَّ الذي يُفتي الناسَ في كلِّ ما يستفتونَهُ لَمجنونٌ"، لو عنده عقل لكان كفَّ عن بعض المسائل واتّقى الله -تبارك وتعالى- ورأى الصّالح.
ولمّا سُئل مرّة الشّافعي نزل، سكت، فقال له واحد: مالك سكت؟ أجب!، قال: اصبر حتى ننظر الخير لنا عند الله في الكلام نتكلم، وفي السكوت نسكت". نحن ندوّر المكانة عند الله، ما هو قصدنا أنا هدْرمة، ولا كلام، ولا ادعاء العلم.
وهكذا يقول إبراهيمُ بنُ أدهمَ -رحمه الله-: ليسَ شيءٌ أشدَّ على الشيطانِ مِنْ عالمٍ يتكلَّمُ بعلْمٍ ويسكتُ بعلْمِ، -في وقت السّكوت- يقول: انظروا إلى هٰذا، سكوتُهُ أشدُ عليَّ مِنْ كلامِهِ"، يعني: كلّه ضدّ الشّيطان، إن تكلّم وإن سكت؛ لأنّه يتكلّم لله، ويسكت لله -سبحانه وتعالى-.
"ووصفَ بعضُهُمُ الأبدالَ فقالَ: أكْلُهُمْ فاقةٌ، وكلامُهُمْ ضرورةٌ"، يعني: ما يتكلّمون حتّى يسألوا، فإذا سئلوا وجدوا من يكفيهم سكتوا، وإن اضطروا أجابوا.
وهذا غير الحث على الفضائل، وغير ما سمعتم من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في الأمور الواضحة الظاهرة الجليّة، هذا أمر مستحب من المؤمنين كلهم في كل وقت وفي كل مكان، ما قدروا وما استطاعوا ذلك وما رجوا الفائدة. ولكن في دقيق المسائل ومحل النّظر للحَاذقين من أهل العلم، يتحرّزون من هذا. ولهذا سيّدنا عليّ وسيّدنا عبد الله بن مسعود لمّا رأوا واحد يتكلّم -لا هو من الصّحابة، ولا هو من ذوي العلم، ولكن يقوم بين النّاس هكذا- قالوا: هذا يقول اعرفوني؛ يعني يريد يعرِض، يعني يطلب منزلة في قلوب الخلق، فحذّروا من ذلك سادتنا الصّحابة.
ويروى أنّه سيّدنا عليّ لمّا دخل مسجد البصرة، وأخذ يستمع الذّين عندهم حلقات، فأقام كثير من الحلقات وقال قُم وأمره ينصرف؛ وجاء عند الحسن البصري سمعه يتكلم، قال: مثلك يدرّس، قال مثلك يعلم، لما سمع كلامه عن علم، وعن دراية، و عن خشية.-لا إله إلا الله-
ويقول: "إنَّما العالمُ الذي إذا سُئِلَ عنِ المسألةِ فكأنَّما يقلَعُ ضرسَهُ" يعني: خوفاً من الله -تبارك وتعالى- نعم. يقال: يخاف عند السؤال أن يقال له يوم القيامة من أين أجبت، كيف قلت هذا؟ لأنه أمانة بينه وبين الله -تبارك وتعالى-.
"وكانَ سيدنا إبراهيمُ التيميُّ إذا سُئِلَ عنْ مسألةٍ.. يبكي ويقولُ: لمْ تجدوا غيري حتَّى احتجتُمْ إليَّ؟" أيش من وقت هذا ما عاد حصلت غيري؟ حتى تحتاجون لمثلي أنا؟ وتجون لعندي تسألون ما سأت، أما وجدتم من يكفيكم في هذه المسائل؟
ولما "ولمَّا سُئِلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عنْ خيرِ البقاعِ في الأرضِ وشرِّها، قالَ: لا أدري -فسأل جبريل وقال لا أدري فسأل الرب تعالى فأخبره- "خيرَ البقاعِ المساجدُ، وشرَّهَا الأَسْواقُ".
وجاء بعد ذلك في روايات "وكانَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُما- يُسألُ عنْ عشرِ مسائلَ، فيجيبُ عنْ واحدةٍ ويسكتُ عنْ تسعِ".
و "ابنُ عبّاس -رضيَ اللهُ عنهُما- يجيبُ عنْ تسعٍ ويسكتُ عنْ واحدة" وكان يكثر من الفقهاء من يقولون "لا أدري"، ذكر منهم سيدنا سفيانُ الثوريُّ، وسيدنا مالكُ بنُ أنسٍ في مجلس سُئِل عن ستة وثلاثين مسألة فأجاب في اثنتين وقال في أربعة وثلاثين: الله أعلم، وهو إمام دار الهجرة من أعلم الناس في وقته -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- وهكذا.
"وقالَ -سيدنا-عبدُ الرحمٰنِ بنُ أبي ليلى: أدركتُ في هذا المسجدِ مئةً وعشرينَ مِنْ أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ ما منهُمْ أحدٌ يُسألُ عنْ حديثٍ أوْ فتوى إلا وَدَّ أنّ أخاهُ كفاهُ ذلكَ"، فكانوا قد يردُّها إلى الثاني والثالث والرابع وقد يرجعون إلى الأول، وهكذا كما يفعلون أيضاً في الطعام وغيره، قال: قُدِّم "إلى واحدٍ منهمْ رأسٌ مشويٍّ.." قدم إلى واحد من أصحابه وهو في حاجة إليه ولكن آثر أخاه، أعطاه للثاني، هذا أيضاً محتاج، أعطاه الثالث، الثالث كان محتاجه لكن أعطاه الرابع، بالإيثار دار على سبعة، السابع رجعه إلى الأول، لا يدري أنه جاء من عنده.. "وهكذا دارَ بينهُمْ حتَّىٰ رجعَ إلى الأولِ"، -لا إله إلا الله، عليهم رضوان الله -تبارك وتعالى-.
قال: "فانظرِ الآنَ كيفَ انعكسَ أمرُ العلماءِ" الذي كانوا يهربون منه صار مطلوباً عنده، والذي كان مطلوباً للسابقين صار هم يهربون عنه في هذا الزمان. لا إله إلا الله.
قالَ ﷺ: "لا يفتي الناسَ إلا ثلاثةٌ: أميرٌ -أمير متقلد الأمر فعليه مسؤولية-، أوْ مأمورٌ -عُيِّن من قبل الوالي أن يفتي الناس- أوْ متكلَّفٌ" -مَكْفي ويحب أن يتعرض للفتوى-.
قال: "كانَ الصحابةُ يتدافعونَ أربعةَ أشياءَ:
- الإمامةَ.
- والوصيةَ.
- والوديعةَ.
- والفتيا .
وقالَ بعضُهُمْ: كانَ أسرعُهُمْ إلى الفتيا أقلَّهُمْ علماً، وأشدُّهُمْ دفعًا لها أورعَهُمْ.
وكل ما للنفس فيه حظ ويخشى منه في الآخرة فكانوا يتدافعونه، لكن يتسابقون إلى:
- الجهاد.
- الصدقة.
- القيام في الليل.
- صلة الرحم.
- خدمة الضعفاء والمساكين.
هذه الأمور يتسابقون إليها الصحابة ما يتأخرون عنها، لكن الإمامة والفتوى والوصية والوديعة وما إلى هذه يتدافعونها؛ ما للنفس فيه حظ وما يُخشَى عليه ويحتاج إلى قوة أمانة واحتراس. لا إله إلا الله.
قال: "كانَ أسرعُهُمْ إلى الفتيا أقلَّهُمْ علماً، وأشدُّهُمْ دفعًا لها أورعَهُمْ".
قال: "وكانَ شغلُ الصحابةِ والتابعينَ رضيَ اللهُ عنهُمْ في خمسةِ أشياءَ:
- قراءةِ القرآنِ.
- وعمارةِ المساجدِ.
- وذكرٍ اللهِ تعالىٰ.
- والأمرِ بالمعروفِ، والنّهي عنِ المنكرِ.
وذلكَ لما سمعوهُ مِنْ قولِهِ ﷺ: "كلُّ كلامِ ابنِ آدمَ عليهِ لا لهُ إلا ثلاثةً: أمرٌ بمعروفٍ، أوْ نهيٌ عنْ منكرٍ، أوْ ذكرُ اللهِ تعالىٰ". عند الترمذي وعند ابن ماجه قريب منها بهذا المعنى.
ويقول الرحمن سبحانه: (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ -من المحادثات والمكالمات بينهم- إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ -الأمر بمعروف أو إصلاح بين الناس- ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ -مخلص ماله غرض ثاني- (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:114] الآية. أجر عظيم، حتى جاء في بعض الأخبار أنه تسعى في إصلاح بين متخاصمين فتصلحهم خير لك من ثلاثين حجة مقبولة، في الإصلاح بين اثنين أعظم لك عند الله من ثلاثين حجة مقبولة، لذلك قال (..فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
وسيدنا أبو حصين كان يقول: شوف الناس الآن تساهلوا في أمر الدين، أحدهم يفتي في مسألة، هذه المسألة لو سئل عنها سيدنا عمر بن الخطاب -عليه رضوان الله- ما أجاب فيها ولجمع لها أهل بدر يستشيرهم فيها، يجمع الموجودين عنده من أهل بدر ويستشيرهم في المسألة، وهذا يمشي في الطريق ويفتي في هذا وهذا.. ما لهم ما عاد عرفوا عظمة الدين ولا قدر الدين ولا عظموا أحكام الشرع، أنكر عليهم وقال: "إنَّ أحدَهُمْ ليفتي في مسألةٍ لوْ وردتْ علىٰ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ لجمعَ لها أهلَ بدرِ!" -وهذا يفتي وهو يمشي في الطريق- قال:فلمْ يزلِ السكوتُ دأبَ أهلِ العلمِ إلا عندَ الضرورةِ، وفي الخبرِ: إذا رأيتمُ الرجلَ قدْ أُوتيَ صمتاً وزهداً.. فاقتربُوا منهُ؛ فإنَّهُ يُلَقَّى الحكمةَ"، وفي رواية "يلقّن الحكمة" عند ابن ماجه.
"وقيل: العالمُ:
- إمَّا عالمُ عامَّةٍ، وهوَ المفتي، وهُمْ أصحابُ الأساطينِ،
- أوْ عالمُ خاصَّةٍ، -وهم أهل العلم بحقائق التوحيد- وهوَ العالمُ بالتوحيدِ وأعمالِ القلوبِ، وهُمْ أصحابُ الزوايا المنفردون"،
هذا العلم كان المتوفر عند الصحابة وكان المرجع إليهم فيه؛ أما العلم بالمسائل والأحكام والعلم العام كان كثير من الصحابة -كما سمعتم- يحيلونهم على التابعين عليهم رضوان الله -تبارك وتعالى-.
ويفرَّق بين العلم والكلام من شأن تعرف أنه ما هو كل ما سمي علم فهو علم."يقول وقالَ أبو سليمانَ: المعرفةُ إلى السكوتِ أقربُ منها إلى الكلامِ"، "وقالَ بعضُهُمْ: إذا كثرَ العلمُ.. قلَّ الكلامُ". وإذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شراً أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل.
سيدنا أبو الدرداء حكيم الأمة -يقال له الصحابي الجليل يُقال له حكيم هذه الأمة- سيدنا سلمان الفارسي كتب إليه لما ظهر في تقبل المسائل والفتوى فيها قال:
"بلغني أنَّكَ أُقعدتَ طبيباً -يعني: عُينتم طبيبًا- تداوي المرضىٰ، فانظرْ فإنْ كنتَ طبيباً.. فتكلَّمْ؛ فإنَّ كلامَكَ شفاءٌ، وإنْ كنتَ مُتَطَبِّباً.. فالله الله، لا تقتلْ مسلماً"، شبه أمر المسائل بالدين بالطب، لأن هذه تقتل القلب والدين عندك، والطب تقتل البدن، وقال له هكذا.. "فكانَ أبو الدرداءِ -من نُصح سيدنا سلمان له- يتوقَّفُ -في كثير من المسائل- بعدَ ذلكَ إذا سُئِلَ" عليه رضوان الله.
"وكان أنسُ بنُ مالكِ -رضيَ اللهُ عنهُ- إذا سُئِلَ يقولُ: سَلُوا مولانا الحسنَ"، هذا صحابي وأنس بن مالك وخادم النبي ﷺ، وبعدين انتقل إلى البصرة بعد وفاة النبي، فبعض المسائل اللي متعلقة بالأحكام يقول: سلوا مولانا الحسن، وشوف عند الحسن البصري عندكم الحسن البصري تابعي وهذا صحابي، ولكن هكذا كانوا -عليهم الرضوان-.
وابن عباس أحياناً يُسأل وهو حبر الأمة -لقبه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس- "إذا سئلَ يقولُ: سَلُوا جابرَ بنَ زيدٍ"، جابر بن زيد تابعي.
"وكانَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُما- يقولُ: سَلُوا سعيدَ بنَ المسيَّبِ"، سعيد بن المسيب أيضاً تابعي.
قالوا: هذا في مسائل الأحكام؛ أما حقائق الإيمان، وشؤون القلوب ما كان الحسن البصري ولا غيره يفوق الصحابة فيها؛ كانوا الصحابة أعلم بها، وكانوا يرجعوا الناس فيها إلى الصحابة.
- مسائل الأحكام الظاهرة الصحابة كثير منهم يحيلون على التابعين.
- أما حقائق الإيمان والمعرفة الخاصة وشؤون القلوب والصفات الصحابة أمكَن فيها لجلوسهم بين يديه ﷺ وتلقيهم منه مباشرة.
ومرة جاء صحابي وكان سيدنا الحسن جالس في الفصل مع مجموعة، فألقى إليهم الصحابي عشرين حديثاً مما سمعه من رسول الله ﷺ، "فسُئِلَ عنْ تفسيرِها فقالَ: ما عندي إلا ما رويت"، واسألوا عنها، فسيدنا "فأخذ الحسنُ في تفسيرِها حديثا حديثاً" واحدًا واحدًا، حفظها كلها من الصحابي هذا وأخذ يشرح، وتعجب منه الصحابي، "فأخذَ الصحابيُّ كفا مِنْ حصىّ ورماهُمْ بهِ وقالَ: تسألوني عنِ العلمِ وهذا الحبرُ بينَ أظهرِكُمْ؟!". رماهم وقال: ها إذا مثل هذا العالم عندكم ليش تسألوني؟ وهو صحابي عليه رضوان الله تعالى، لكن تربية سيدنا ﷺ هكذا رباهم بعده بحمد الله.
"ومنها: أنْ يكونَ أكثرُ اهتمامِهِ بعلمِ الباطنِ ومراقبةِ القلبِ، ومعرفةِ طريقِ الاخرةِ وسلوكِهِ، وصدقِ الرجاءِ في انكشافِ ذلكَ: منَ المجاهدةِ والمراقبةِ؛ فإنَّ المجاهدةَ تفضي إلى المشاهدةِ في دقائقِ علومِ القلوبِ وتتفجرُ بها ينابيعُ الحكمةِ مِنَ القلبِ، وأمَّا الكتبُ والتعليمُ.. فلا تفي بذلكَ، بلِ الحكمةُ الخارجةُ عنِ الحصْرِ والعدِّ إنَّما تنفتحُ بالمجاهدةِ والمراقبةِ، ومباشرةِ الأعمالِ الظاهرةِ والباطنةِ، والجلوسِ مع اللّهِ تعالىٰ في الخلوةِ معَ حضورِ القلبِ بصافي الفكرِ، والانقطاعِ إلى اللهِ تعالىٰ عمَّا سواهُ، فذلكَ مفتاحُ الإلهامِ، ومنبعُ الكشْفِ.
فكمْ مِنْ متعلِّمٍ طالَ تعلُّمُهُ ولمْ يقدِرْ على مجاوزةِ مسموعِهِ بكلمةٍ، وكمْ مِنْ مقتصرٍ على المهمِّ في التعلُّمِ ومتوفِّرٍ على العملِ ومراقبةِ القلْبِ فَتَحَ اللهُ لهُ مِنْ لطائفِ الحكمِ ما تحارُ فيهِ عقولُ ذوي الألبابِ!
ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ عملَ بما علمَ.. وَرَّثَهُ اللهُ علْمَ ما لمْ يعلمْ".
وفي بعضِ الكتبِ السالفةِ: (يا بني إسرائيل؛ لا تقولوا: العلمُ في السماءِ مَنْ ينزلُ بهِ، ولا في تُخُومِ الأرضِ مَنْ يصعدُ بهِ، ولا مِنْ وراءِ البحارِ مَنْ يعبرُ يأتي بهِ، العلْمُ مجعولٌ في قلوبِكُمْ، تأدَّبوا بين يديَّ بآدابِ الروحانيينَ، وتخلَّقُوا لي بأخلاقِ الصدِّيقينَ.. أُظهِرِ العلمَ في قلوبِكُمْ حتَّىٰ يغطيَكُمْ ويغمرَكُمْ).
وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ -رحمه الله-: (خرجَ العلماءُ والعبَادُ والزهَّادُ مِنَ الدنيا وقلوبُهُمْ مقفلةٌ، ولمْ تُفتحْ إلا قلوبُ الصدِّيقينَ والشهداءِ، ثمَّ تلا قولَهُ تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) [الأنعام:59] الآيةَ.
ولولا أنَّ إدراكَ قلبِ مَنْ لهُ قلبٌ بالنورِ الباطنِ حاكمٌ على علْمِ الظاهرِ.. لما قالَ ﷺ: "أَسْتَفْتِ قلبَكَ وإنْ أفتَوكَ وأفتَوكَ وأفتَوكَ ".
وهكذا يتكلم في هذه العلامة من علامات علماء الآخرة: اهتمامهم واعتناؤهم "بعلمِ الباطنِ" وبشؤون "مراقبةِ القلبِ"، وما يخطر على البال وما يجول في باطن الإنسان، فلهم بذلك انتباه ولهم اهتمام ولهم تركيز عليه.
ولتعرُّف طريق الآخرة وسلوك طريق الآخرة سيراً إلى الله تعالى، ومعهم "صدقِ الرجاءِ في انكشافِ ذلكَ: منَ المجاهدةِ"؛ بشاهد قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69]، فلا زال لهم اهتمام "بعلمِ الباطنِ ومراقبةِ القلبِ، ومعرفةِ طريقِ الاخرةِ وسلوكِهِ، وصدقِ الرجاءِ في انكشافِ ذلكَ: منَ -خلال- المجاهدةِ والمراقبةِ؛ فإنَّ المجاهدةَ تفضي إلى المشاهدةِ"، ومن لم يجاهد في البدايات لم يشاهد في النهايات.
وَجَاهِدْ تُشَاهِدْ وَاغْنَمِ الوَعْدَ بِالْهُدَى *** هُدىً نَصُّهُ فِي العَنْكَبُوتِ بِآيَةِ
بآية العنكبوت: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)[العنكبوت:69]، فيكون لهم نصيب من هذه المجاهدة.
قال: "وتتفجرُ بها ينابيعُ الحكمةِ مِنَ القلبِ، وأمَّا الكتبُ والتعليمُ.. فلا تفي بذلكَ" ولا توصل إلى هذا الحال وإلى هذا المقام. ولهذا قال بعض العارفين: إني قرأت تفسيراً للقرآن فلم يشفِ لي غليلًا، وقرأت ثاني تفسير فلم يشفِ لي غليلًا، وقرأت ثالث تفسير فلم يشفِ لي غليلًا، وقرأت رابع تفسير فلم يشفِ لي غليلًا، خامس سادس سابع قال حتى قرأت مائة تفسير ولم تروِ لي غليلاً، قال حتى أكرمني الله يوماً وقرأت في سورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلى القرآن، ووقفت على قوله جل جلاله: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) [الأعلى:3]، ففتح علي فتحاً شفا غليلي، انكشفت له إشارات وعلامات ودلالات في القرآن ما هي في التفاسير هذه كلها، مائة تفسير ما حصَّل فيها هذا العلم الواسع.
قال: "بلِ الحكمةُ الخارجةُ عنِ الحصْرِ والعدِّ إنَّما تنفتحُ بالمجاهدةِ والمراقبةِ، ومباشرةِ الأعمالِ الظاهرةِ والباطنةِ، والجلوسِ مع اللّهِ تعالىٰ في الخلوةِ معَ حضورِ القلبِ بصافي الفكرِ، والانقطاعِ إلى اللهِ تعالىٰ عمَّا سواهُ، فذلكَ مفتاحُ الإلهامِ، ومنبعُ الكشْفِ". قال بعضهم لسيدنا الجنيد بن محمد يقول: درسنا نحن وإياك وعلمنا، لكن علوم عندك تجيبها منين؟ نحن درسنا نحن وإياك، سواء المشايخ هم ذولا حقك وحقنا، لكن تجيب علوم ما نعرفها، منين هذا؟ أشار إلى درجة في البيت قال: من جلوسي مع الله تعالى عند هذه الدرجة عشرين سنة. قال أنا قاعد في الخلوة هنا عشرين سنة جاءت هذه العلوم.
يقول: إيش تنفتح "الحكمةُ الخارجةُ عنِ الحصْرِ" غير المحصورة، "الحكمةُ الخارجةُ عنِ الحصْرِ والعدِّ إنَّما تنفتحُ بالمجاهدةِ والمراقبةِ، ومباشرةِ الأعمالِ الظاهرةِ والباطنةِ، والجلوسِ مع اللّهِ تعالىٰ في الخلوةِ معَ حضورِ القلبِ بصافي الفكرِ، والانقطاعِ إلى اللهِ تعالىٰ عمَّا سواهُ، فذلكَ مفتاحُ الإلهامِ، ومنبعُ الكشْفِ".
وقال الشيخ الشعراوي -الله يرحمه- قال: الله إذا وجد الإنسان مأمون على العلم.. يديله دي، يديله دي، يديله دي، بلهجته المصري يديله دي، يديله دي، يديله دي - قال لي: وإذا قرأت شيئاً من الكتب ورأيت شيئاً ما اتضح لك معناه، اترك الكتاب، خل الكتاب، قم توضأ وإن كنت متوضئ صل ركعتين ترجع ثمار ما تحصله مفهوم.
قال لي واحد كان معاه في جدة ومتوجه إلى جلسة كانت معه قال: جيت بالسيارة منشان أنقله، حصلته يصلي، وقام يصلي ثاني مرة، وقام يصلي كمان ركعتين ركعتين وأنا قاعد منتظره ووقت الجلسة قريب، قال قريب مئة ركعة صلى، قام قال: الحمد لله، مالك؟ قال: كان عندي إشكال في بعض المسائل ما زلت والحين خلص انحلت، فهمتها ومشى هو وياه.
يقول: "الحكمةُ الخارجةُ عنِ الحصْرِ والعدِّ إنَّما تنفتحُ بالمجاهدةِ والمراقبةِ، ومباشرةِ الأعمالِ الظاهرةِ والباطنةِ، والجلوسِ مع اللّهِ تعالىٰ في الخلوةِ معَ حضورِ القلبِ بصافي الفكرِ، والانقطاعِ إلى اللهِ تعالىٰ عمَّا سواهُ، -لا إله إلا الله- فذلكَ مفتاحُ الإلهامِ، ومنبعُ الكشْفِ - فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف".
قال: "فكمْ مِنْ متعلِّمٍ طالَ تعلُّمُهُ ولمْ يقدِرْ على مجاوزةِ مسموعِهِ بكلمةٍ، -يكرر وهو بنفس الكلام- وكمْ مِنْ مقتصرٍ على المهمِّ في التعلُّمِ ومتوفِّرٍ على العملِ ومراقبةِ القلْبِ فَتَحَ اللهُ لهُ مِنْ لطائفِ الحكمِ ما تحارُ فيهِ عقولُ ذوي الألبابِ!".
ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ عملَ بما علمَ.. وَرَّثَهُ اللهُ علْمَ ما لمْ يعلمْ". رواه أبو نعيم في الحلية حديث.
"وفي بعضِ الكتبِ السالفةِ: يا بني إسرائيل؛ لا تقولوا: العلمُ في السماءِ مَنْ ينزلُ بهِ، ولا في تُخُومِ الأرضِ مَنْ يصعدُ بهِ، ولا مِنْ وراءِ البحارِ مَنْ يعبرُ يأتي بهِ، العلْمُ مجعولٌ في قلوبِكُمْ، تأدَّبوا بين يديَّ بآدابِ الروحانيينَ، وتخلَّقُوا لي بأخلاقِ الصدِّيقينَ.. أُظهِرِ العلمَ في قلوبِكُمْ حتَّىٰ يغطيَكُمْ ويغمرَكُمْ".
"وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ -رحمه الله-: خرجَ العلماءُ والعبَادُ والزهَّادُ مِنَ الدنيا وقلوبُهُمْ مقفلةٌ، ولمْ تُفتحْ إلا قلوبُ الصدِّيقينَ والشهداءِ، ثمَّ تلا قولَهُ تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [الأنعام:59].
ولولا أنَّ إدراكَ قلبِ مَنْ لهُ قلبٌ بالنورِ الباطنِ حاكمٌ على علْمِ الظاهرِ.. لما قالَ ﷺ لسيدنا وابصة وهو من أصحاب القلوب-: "أَسْتَفْتِ قلبَكَ وإنْ أفتَوكَ وأفتَوكَ وأفتَوكَ ". قال مبلغ علمهم هذا؛ لكن قلبك المنور شوفه بيدلك على الحقيقة، بيدلك على أصل المسألة.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
جنة العالم لا أدري (الورع في الفتوى)
21 رَجب 1447