آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 16 | علامات علماء الآخرة: التوقي من محدثات الأمور

للاستماع إلى الدرس

الدرس السادس عشر في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

مساء الأحد 22 رجب 1447هـ

من علامات علماء الآخرة: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (إحياء علوم الدين) إلى أن قال:

"ومنها: أنْ يكونَ شديدَ التوقي مِنْ محدثاتِ الأمورِ وإنِ اتفقَ عليها الجمهورُ: فلا يغرَّنَّهُ إطباقُ الخلْقِ على ما أُحدثَ بعد الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-، وليكنْ حريصاً على التفتيشِ عنْ أحوالِ الصحابةِ وسيرتِهِمْ وأعمالِهِمْ، وما كانَ فيهِ أكثرُ همِّهِمْ: أكانَ في التدريسِ والتصنيفِ والمناظرةِ والقضاءِ والولايةِ وتولِي الأوقافِ والوصايا ومالِ الأيتامِ ومخالطةِ السلاطينِ ومجاملتِهِمْ في العِشْرةِ، أمْ كانَ في الخوفِ والحزنِ والتفكُّرِ والمجاهدةِ ومراقبةِ الباطنِ والظاهرِ واجتنابِ دقيقِ الإثمِ وجليلِهِ والحرصِ علىٰ إدراكِ خفايا شهواتِ النفسِ ومكايدِ الشيطانِ، إلىٰ غيرِ ذلكَ مِنْ علومِ الباطنِ؟

واعلمْ تحقيقًا: أنَّ أعلمَ أهلِ الزمانِ وأقربَهُمْ إلى الحقِّ أشبهُهُمْ بالصحابةِ وأعرفُهُمْ بطريقِ السلفِ، فمنهُمْ أُخِذَ الدينُ، ولذلكَ قالَ عليٌّ -رضيَ اللهُ عنهُ-: خيرُنا أتبعُنا لهذا الدينِ،  لمَّا أن قيلَ لهُ: خالفتَ فلانًا.

فلا ينبغي أنْ يكترثَ بمخالفةِ أهلِ العصرِ في موافقةِ أهلِ عصرِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ فإنَّ الناسَ رأوا رأيًا فيما هُمْ فيهِ لميلِ طباعِهِمْ إليهِ، ولمْ تسمحْ نفوسُهُمْ بالاعترافِ بأنَّ ذلكَ سببُ الحرمانِ مِنَ الجنةِ، فادَّعَوا أنَّه لا سبيلَ إلى الجنَّةِ سواهُ.

ولذلكَ قالَ الحسنُ: مُحدَثانِ أُحدِثا في الإسلامِ: رجلٌ ذو رأي سوءٍ زعمَ أنَّ الجنَّةَ لمنْ رأى مثلَ رأيهِ، ومُتْرَفٌ يعبدُ الدنيا، لها يغضبُ ولها يرضىٰ وإيَّاها يطلبُ، فارفضوهُما إلى النارِ، إنَّ رجلا أصبحَ في هذهِ الدنيا بينَ مترفٍ يدعوهُ إلى دنياهُ، وصاحبِ هوىً يدعوهُ إلى هواهُ، قدْ عصمَهُ الله تعالىٰ منهما، يحنُّ إلى السلفِ الصالحِ، يسألُ عنْ أفعالِهِمْ ويقتصُّ آثارَهمْ.. متعرِّضٌ لأجرٍ عظيمٍ، فكذلكَ كونوا.

وقدْ رُوِيَ عنِ ابنِ مسعودٍ موقوفاً ومسنداً أنّهُ قالَ: إِنَّما هما اثنانِ:

الكلامُ والهَدْيُ، فأحسنُ الكلامِ كلامُ اللهِ تعالىٰ، وأحسنُ الهدْيِ هديُ رسولِ اللهِ ﷺ، ألا وإيَّاكمْ ومحدثاتِ الأمورِ؛ فإنَّ شرَّ الأمورِ محدثاتُها، إنّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، ألا لا يطولَنَّ عليكُمُ الأمدُ فتقسوَ قُلوبُكُمْ، ألا كلُّ ما هوَ آتٍ قريبٌ، ألا إنَّ البعيدَ ما ليسَ بآتٍ.

وفي خطبةِ رسولِ اللهِ ﷺ: "طُوبىٰ لمَنْ شغلَهُ عيبُهُ عنْ عيوبِ الناسِ، وأنفقَ مِنْ مالٍ اكتسَبَهُ مِنْ غيرِ معصيةٍ، وخالطَ أهلَ الفقهِ والحكمةِ، وجانبَ أهلَ الزللِ والمعصيةِ، طُوبَىٰ لمَنْ ذَلَّ في نفسِهِ وحسنتْ خليقتُهُ، وصلحتْ سريرتُهُ، وعَزَلَ عنِ الناسِ شرَّهُ، طُوبىٰ لمَنْ عملَ بعلمِهِ وأنفقَ الفضْلَ مِنْ مالِهِ وأمْسَكَ الفضلَ مِنْ قولِهِ، ووسعتْهُ السنَّةُ ولمْ يعدُها إلىٰ بدعةٍ".

وكانَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- يقولُ: حُسنُ الهدْيِ في آخرِ الزمانِ خيرٌ مِنْ كثيرٍ مِنَ العملِ.

وقالَ: أنتمْ في زمانٍ خيرُكُمْ فيهِ المسارعُ في الأمورِ، وسيأتي بعدَكُمْ زمانٌ يكونُ خيرُهُمُ المتثبِّتَ المتوقِّفَ لكثرةِ الشبهاتِ.

وقدْ صدق؛ فمَنْ لمْ يتثبَّتْ في هذا الزمانِ ووافقَ الجماهيرَ فيما همْ عليهِ، وخاضَ فيما خاضوا.. هلك كما هلكوا.

وقالَ حذيفةُ: أعجبُ مِنْ هٰذا أنَّ معروفَكُمُ اليومَ منكرُ زمانٍ قدْ مضىٰ، وأنَّ منكرَكُمْ اليومَ معروفُ زمانٍ قدْ أتىٰ، وإنَّكُمْ لا تزالون بخيرٍ ما عرفتمُ الحقَّ، وكانَ العالمُ فيكُمْ غيرَ مُستخَفِّ بهِ.

ولقدْ صدقَ؛ فإنَّ أكثرَ معروفاتِ هذهِ الأعصارِ منكراتٌ في عصرِ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-؛ إذ مِنْ غررِ المعروفاتِ في زمانِنا تزيينُ المساجدِ وتنجيدُها، وإنفاقُ الأموالِ العظيمةِ في دقائقِ عماراتِها، وفرشُ البُسُطِ الرفيعةِ فيها.

ولقدْ كانَ يُعدُّ فرشُ البواري في المسجدِ بدعةً، وقيلَ: إنَّهُ مِن محدثاتِ الحَجَّاجِ، فقدْ كانَ الأوَّلونَ قلَّما يجعلونَ بينَهُمْ وبينَ الترابِ حاجز."

 

وهكذا -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- يواصل البيان في علامات علماء الآخرة، الله يلحقنا بهم ويجعلنا منهم. 

"ومنها: أنْ يكونَ شديدَ التوقي مِنْ محدثاتِ الأمورِ" التي تخالف هدي السلف ومنهجهم ومسلكهم ومرماهم ومراداتهم ووجهاتهم الصحيحة، وإن اتفق عليها -أي: هذه الأمور المخالفة- الجمهور والناس الكثير؛ فإنه يكثر الميل إلى الهوى واتباعه من أناس كثير، لا يُعوَّل على كثرتهم، إنما يُعوَّل على الموافقة.

الموافقة: 

  • للوحي. 
  • والبلاغ النبوي.
  • والهدي الذي كان عليه الرعيل الأول؛ من كل ما يجمع القلوب على الله تعالى. 

قال: "فلا يغرَّنَّهُ إطباقُ الخلْقِ على ما أُحدثَ بعد الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-"؛ أي: مما يخالف هديهم ومنهجهم، "وليكنْ حريصاً على التفتيشِ عنْ أحوالِ الصحابةِ وسيرتِهِمْ وأعمالِهِمْ، وما كانَ فيهِ أكثرُ همِّهِمْ".

وذكر لذلك نموذج يقول: "أكانَ -أكثر هَمِّ الصحابة- في التدريسِ والتصنيفِ والمناظرةِ والقضاءِ والولايةِ وتولِي الأوقافِ والوصايا ومالِ الأيتامِ ومخالطةِ السلاطينِ ومجاملتِهِمْ في العِشْرةِ"، هل هذا كان من هدي الصحابة؟ هل كان هذا همّتهم ووجهتهم؟ يعني وهو الآن عند كثير من الناس هذا هو الشرف الأفخر عنده!

ما كان همَّهم؟..

"أمْ كانَ في الخوفِ والحزنِ والتفكُّرِ والمجاهدةِ ومراقبةِ الباطنِ والظاهرِ واجتنابِ دقيقِ الإثمِ وجليلِهِ والحرصِ علىٰ إدراكِ خفايا شهواتِ النفسِ ومكايدِ الشيطانِ، إلىٰ غيرِ ذلكَ مِنْ علومِ الباطنِ؟" أين كان اهتمامهم؟ أين كانت وجهتهم؟ ما كان شغلهم وحرصهم ورغبتهم؟ -عليهم رضوان الله-.

استجابة لدعوة الله على لسان رسوله؛ كانت رغبتهم في هذه الأشياء التي ذكرها الطيبة الصالحة، يلاحظون قلوبهم، يلاحظون مقاصدهم، يلاحظون حالهم مع ربهم، يلاحظون تأديتهم لما فُرض عليهم ومسارعتهم إلى ما نُدبوا له واستُحِبَّ لهم من الأوصاف ومن الأقوال والأفعال، في حق أنفسهم، في حق أسرهم، في حق أهليهم؛ هذا كان وصف الصحابة، ملبين للنداء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْۖ)[الأنفال:24]؛ فحيوا بالحياة الطيبة -عليهم رضوان الله- المشار إليها بقول الله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل:97].

يقول: "واعلمْ تحقيقًا: أنَّ أعلمَ أهلِ الزمانِ وأقربَهُمْ إلى الحقِّ أشبهُهُمْ بالصحابةِ وأعرفُهُمْ بطريقِ السلفِ، فمنهُمْ أُخِذَ الدينُ، ولذلكَ قالَ عليٌّ -رضيَ اللهُ عنهُ-: خيرُنا أتبعُنا لهذا الدينِ، لمَّا أن قيلَ لهُ: خالفتَ فلانًا"؛ من كان هواه تبع للدين هو الخير، ما هو رأي فلان ولا فلتان؛ الذي هو أخضَعُ للدلالة التي دل عليها النص وجاء بها الحبيب ﷺ، هذا هو "خيرُنا أتبعُنا لهذا الدينِ"

قال: "فلا ينبغي أنْ يكترثَ بمخالفةِ أهلِ العصرِ في موافقةِ أهلِ عصرِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ فإنَّ الناسَ رأوا رأيًا فيما هُمْ فيهِ لميلِ طباعِهِمْ إليهِ، ولمْ تسمحْ نفوسُهُمْ بالاعترافِ بأنَّ ذلكَ سببُ الحرمانِ مِنَ الجنةِ، فادَّعَوا أنَّه لا سبيلَ إلى الجنَّةِ سواهُ"، بل ادّعوا أنه هو السبيل الوحيد للوصول إلى الجنة؛ زيغهم وبدعتهم وضلالهم قالوا: هو هذا طريق الجنة… بل ماشي غيره! 

بعدوا من الطريق وسلكوا طريق يقرب إلى النار وقالوا: هذه الجنة.. هذه طريق الجنة! ويدخلون فيما حذّر فيه ﷺ أنه عدة طوائف يظهرون في الأمة ينطبق عليهم الحديث يقول: يكون خير "وفيه دَخَنٌ". قالوا: وما دَخَنُه؟ قال: "قَومٌ يَستَنُّونَ بغيرِ سُنَّتي، ويَهدونَ بغيرِ هَدْيي"، وفي الحديث لمَّا سألوه عن بعض هذه الأحوال التي في الأمة قال: "دُعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ مَن أجابَهم إليها قَذَفوه فيها"،  "دُعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ -نعوذ بالله- مَن أجابَهم إليها قَذَفوه فيها"، نعوذ بالله من غضب الله.

وكان الذين ظهروا من أوائلهم في العهد القديم والقرون الأولى منهم الذين استباحوا المدينة المنورة، واستباحوا فيها الأعراض والدماء، وعُطِّلَتْ الصلاة في المسجد النبوي الحرام ثلاثة أيام، ثم بعض الذين فعلوا تلك المنكرات قال عند خروجهم من المدينة: لا يعذبني الله بعدها، أنا قد عملتُ هذا ما عاد هناك عذاب عَلَيّ! عملتَ ماذا؟! "مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"؛ تقول ما عاد هناك عذاب عَلَيّ!! قال: ما عاد هناك عذاب عَلَيّ أنا!.. قَتَّل في المدينة وأهل المدينة، وانتهك الأعراض والحُرُمات؛ وخرج قال: خلاص ما عاد علينا إثم، ما عاد علينا عذاب بعد اليوم! "دُعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ مَن أجابَهم إليها قَذَفوه فيها"، نعوذ بالله من غضب الله.

ذكروا عن سيدنا سعيد بن المسيب أنه كان تلك الأيام في المسجد وحده، وقال: كنت أسمع الأذان من القبر، وقت الصلاة يدخل وما حد في المسجد، قال: أسمع من القبر الأذان، رضي الله عنه. 

لا إله إلا الله.

ويقول: "قالَ الحسنُ -عليه رضوان الله-: مُحدَثانِ أُحدِثا في الإسلامِ: 

"رجلٌ ذو رأي سوءٍ"، بعدين هو هذا الرأي السوء جعله مفتاح الجنة؛ "زعمَ أنَّ الجنَّةَ لمنْ رأى مثلَ رأيهِ"، هذه من الأمور التي طرأت على الأمة وحَدَثَتْ فيها. 

قال: "ومُتْرَفٌ يعبدُ الدنيا" تُهِمُّه هي وشهواتها، فهذا مقصوده، "لها يغضبُ ولها يرضىٰ وإيَّاها يطلبُ" قال: فالصنفان "فارفضوهُما إلى النارِ"..

  • صاحب الرأي السوء. 
  • وصاحب العبادة للفانيات. 

قال انتبهوا منهم "فارفضوهُما إلى النار، إنَّ رجلا أصبحَ في هذهِ الدنيا بينَ مترفٍ يدعوهُ إلى دنياهُ، وصاحبِ هوىً يدعوهُ إلى هواهُ، قدْ عصمَهُ الله تعالىٰ منهما، يحنُّ إلى السلفِ الصالحِ، يسألُ عنْ أفعالِهِمْ ويقتصُّ آثارَهمْ" ما هو هذا الرجل؟.. قال: "متعرِّضٌ لأجرٍ عظيمٍ، فكذلكَ كونوا".

  • قال: إذا قد ظهروا المترفين في الدنيا، الذين يدعوننا إلى دنياهم وهم أصناف موجودين من وقت إلى وقت وبأشكال مختلفة، يدعوننا إلى دنياهم لها يرضون ولها يغضبون؛ الميزان عندهم هذا الذي تعلقت به قلوبهم من الدنيا، لا الرحمن ولا رسوله ولا أهل قربه وحضرته الميزان هذا فقط؛ رغبتهم في الفانيات، يدعوننا إلى الدنيا. 
  • وأقوام يدعوننا إلى آرائهم، آراء لهم في الدين تخالف منهج السلف ومنهج الصالحين، يدعوننا إليه. 

قال: من أصبح بين هذه الدعوة وهذه الدعوة، ولكن عَصَمَهُ الله من هؤلاء ومن هؤلاء، وحنَّ إلى السلف وما كانوا عليه ومسلكهم وأحوالهم مع ربهم، "يسألُ عنْ أفعالِهِمْ ويقتصُّ آثارَهمْ" قال: هذا "متعرِّضٌ لأجرٍ عظيمٍ" "للعامِلِ فيهم مِثلُ أجرِ خَمسينَ مِنْكُمْ" يقول ﷺ "فكذلكَ كونوا" كونوا مثل هذا، لا تغترون بذا ولا بذا.

  • لا بأصحاب الآراء الشاذة المخالفة. 
  • ولا بأصحاب الدنيا. 

وَحِنُّوا إلى ما كان عليه أوائلكم وسلفكم الصالحون، الذين أحسنوا الاستجابة للنداء الرباني والنداء المحمدي ولبُّوه بأحسن التلبية، انظروا أفعالهم وآثارهم وصفاتهم واقتدوا وتشبهوا بهم.

فَتَشَبَّهوا إن لَم تَكُونوا مثلَهم *** إنَّ التَّشَبُّهَ بالكرَام فَلاحُ

 الله يلحقنا بالصالحين صالحين.

وكذلك ابن مسعود -عليه الرضوان- فيما رواه ابن ماجه يقول: "إِنَّما هما اثنانِ: الكلامُ والهَدْيُ، فأحسنُ الكلامِ كلامُ اللهِ تعالىٰ، وأحسنُ الهدْيِ هديُ رسولِ اللهِ ﷺ، ألا وإيَّاكمْ ومحدثاتِ الأمورِ؛ فإنَّ شرَّ الأمورِ محدثاتُها"، أي: من كل ما يخالف؛ فإذا تحدثنا عن المحدثات والبدع فالمراد: 

  • كل ما خالف أصلاً من الأصول وكل ما خالف نصًّا من النصوص، هذا هو الذي يُسمى في الشرع بالبدعة
  • وأما ما يقول سيدنا عمر: "نعمت البدعة"؛ فهي البدعة اللغوية من حيث اللغة.

 أنه أحدث حدث لم يكن في عهد النبي ﷺ ولا في عهد أبي بكر، وهو جمعه للناس على صلاة التراويح؛ فهذا بدعة من حيث المعنى اللفظي. أما من حيث الشرع.. كيف بيقول نعمت؟ ما بيقول نعمت إلا وهي صارت من الخيرات والسنن؛ نعمت البدعة هذه.

إذن؛ فالبدعة إذا كانت موافقة لأصل المنهج؛ فليست بمذمومة، وهي كما قال الإمام الشافعي: البدعة بدعتان محمودة ومذمومة:

  • ما وافق كتاباً وسنة وأثراً فذلك المحمود. 
  • وما خالف الكتاب والسنة والأثر فذلك المذموم. 

ويبين حديث مسلم: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنةً كان له أجرُها، وأجرُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعدِه مِن غَيرِ أن يَنتَقِصَ مِن أُجورِهم شَيءٌ، ومَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً، كان عليه وِزرُها، ووِزرُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعدِه مِن غَيرِ أن يَنتَقِصَ مِن أوزارِهم شَيءٌ"؛ لأن السنة بالمعنى الشرعي كلها حَسَن، ما فيها سيء؛ لكن بالمعنى اللغوي.

إذن فبالمعنى اللغوي البدعة والسنة يأتي لهما لفظ معنوي وقد يشتركان في شيء واحد: 

  • "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً" فهي بدعة، هي بدعة من جهة المعنى ومن جهة الشرع. 
  • "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنةً" سُنَّةً حَسَنةً سواء كان لها مثال سابق أو لم يكن؛ لكنها تتفق مع الأصول، "له أجرُها، وأجرُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعدِه" إلى يوم القيامة.

ويقول: "فأحسنُ الكلامِ كلامُ اللهِ تعالىٰ، وأحسنُ الهدْيِ هديُ رسولِ اللهِ ﷺ، ألا وإيَّاكمْ ومحدثاتِ الأمورِ؛ فإنَّ شرَّ الأمورِ محدثاتُها، إنّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ -وكل ضلالة في النار- ألا لا يطولَنَّ عليكُمُ الأمدُ فتقسوَ قُلوبُكُمْ، ألا كلُّ ما هوَ آتٍ قريبٌ، ألا إنَّ البعيدَ ما ليسَ بآتٍ" الذي لا يجيء، وأما الذي يأتي فهو قريب.. فالموت آت فهو قريب، وأحوالنا في البرزخ آتية فهي قريبة، والساعة آتية فهي قريبة، والجنة أو النار آتيتان إما جنة وإما نار فكلها قريبة. 

"الجَنَّةُ أقرَبُ إلى أحَدِكُم مِن شِراكِ نَعلِه، والنّارُ مِثلُ ذلك"..

  • ما بينك وبين الجنة إلا أن تموت على حالة مرضية يرضاها الرب. 
  • وما بينك وبين النار إلا أن تموت على حالة سيئة يكرهها الرب؛ قريبة منك كلها جنبك. 

و"كُلُّ ما هو آتٍ قريبٌ".

قال: "وفي خطبةِ رسولِ اللهِ ﷺ: "طُوبىٰ لمَنْ شغلَهُ عيبُهُ عنْ عيوبِ الناسِ" بدل ما يفكر في عيوب الناس، انصرف فكره إلى عيوبه؛ ليتنزه منها. 

"إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا بصرَهُ بعيوبِ نفسِهِ". 

وَشاهِد إِفلاسَ الفَتى جَهلَ عَيبِهِ *** وَذِكرُ عُيوبِ العالَمينَ مِنَ العَقلِ

إفلاسه من العقل، دليل أنه مفلس من العقل:  يجهل عيبه ويذكر عيوب الآخرين، هذا مفلس من العقل.

وَشاهِد إِفلاسَ الفَتى جَهلَ عَيبِهِ *** وَذِكرُ عُيوبِ العالَمينَ مِنَ العَقلِ

أي: إفلاسه من العقل؛ مفلس من العقل من يجهل عيوبه ويذكر عيوب الناس؛ وفي عيوبك شغل شاغل، يشغلك ويأخذ وقتك وفكرك، فاترك ذكر عيوب الناس. 

لا إله إلا الله.

قال: "طُوبىٰ لمَنْ شغلَهُ عيبُهُ عنْ عيوبِ الناسِ، وأنفقَ مِنْ مالٍ اكتسَبَهُ مِنْ غيرِ معصيةٍ، وخالطَ أهلَ الفقهِ والحكمةِ" هؤلاء أثنى عليهم ﷺ ووعدهم بالخير، في رواية أبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان يقول: "طُوبىٰ لمَنْ شغلَهُ عيبُهُ عنْ عيوبِ الناسِ، وأنفقَ مِنْ مالٍ اكتسَبَهُ مِنْ غيرِ معصيةٍ"، "إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلّا طَيِّبًا". 

يقول: "وخالطَ أهلَ الفقهِ والحكمةِ، وجانبَ أهلَ الزللِ والمعصيةِ" فيوجدون في كل زمان وكل مكان:

  •  "أهلَ الفقهِ والحكمةِ". 
  • "أهلَ الزللِ والمعصيةِ". 

وَاِصحَب ذَوي المَعروفِ وَالعِلمِ وَالهُدى *** وَجانِب وَلا تَصحَب هُدِيتَ مَنِ اِفتَتَنِ

قال: "طُوبَىٰ لمَنْ ذَلَّ في نفسِهِ"؛ رأى نفسه ذليلًا أمام عظمة الله وجلاله وكبريائه، "وحسنتْ خليقتُهُ" بمعنى: أخلاقه وسيرته، "وصلحتْ سريرتُهُ": باطنه، "وعَزَلَ عنِ الناسِ شرَّهُ"؛ لا يسيء الظن، ولا يبطن السوء، ولا يغتاب ولا ينم، ولا يسرق ولا يظلم ولا يؤذي، "عَزَلَ عنِ الناسِ شرَّهُ، طُوبىٰ لمَنْ عملَ بعلمِهِ وأنفقَ الفضْلَ مِنْ مالِهِ وأمْسَكَ الفضلَ مِنْ قولِهِ"..

  • الفضل الزائد من ماله ينفقه. 
  • والفضل الزائد من قوله يمسكه.

 وفي هذا قالوا: "فُكَّ كَفَّكَ، وكُفَّ فَكَّكَ"..

  •  فُكَّ كَفَّكَ: فُكَّ كَفَّكَ هذا -أي: اليد-؛ أنفق.  
  • وكُفَّ فَكَّكَ: الفَك -أي: الفم- حقك هذا كُفَّهُ؛ اجعله يسكت عما لا ينبغي وعما لا يليق، فُكَّ كَفَّكَ، وكُفَّ فَكَّكَ.

يقول: "طُوبىٰ لمَنْ عملَ بعلمِهِ وأنفقَ الفضْلَ مِنْ مالِهِ وأمْسَكَ الفضلَ مِنْ قولِهِ، ووسعتْهُ السنَّةُ ولمْ يعدُها -أي: يتجاوزها- إلىٰ بدعةٍ".

وكانَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- يقولُ: حُسنُ الهدْيِ في آخرِ الزمانِ خيرٌ مِنْ كثيرٍ مِنَ العملِ"؛ يعني: التمسك بالاقتداء والاهتداء وما عليه السلف والسُّنَّة؛ أحسن من أعمال صالحة كثيرة على غير تمسك بالهدي. 

"وقالَ: أنتمْ في زمانٍ خيرُكُمْ فيهِ المسارعُ في الأمورِ، وسيأتي بعدَكُمْ زمانٌ يكونُ خيرُهُمُ المتثبِّتَ المتوقِّفَ لكثرةِ الشبهاتِ".

"وقدْ صدق" عليه رضوان الله تعالى ابن مسعود يقول: "فمَنْ لمْ يتثبَّتْ في هذا الزمانِ ووافقَ الجماهيرَ فيما همْ عليهِ، وخاضَ فيما خاضوا.. هلك كما هلكوا".

"وقالَ حذيفةُ: أعجبُ مِنْ هٰذا أنَّ معروفَكُمُ اليومَ منكرُ زمانٍ قدْ مضىٰ"، تعدُّونه معروف وكان الماضين يعدُّونَه منكر! "وأنَّ منكرَكُمْ اليومَ معروفُ زمانٍ قدْ أتىٰ، وإنَّكُمْ لا تزالون بخيرٍ ما عرفتمُ الحقَّ".

اعرف الحق لأهل الحق واسلك معاهم *** في طريق التقى من حيث ساروا وراهم 

فالسعادة منوطة كلها باقتفاهم *** بخت من قد رآهم أو رأى من رآهم

"وكانَ العالمُ فيكُمْ غيرَ مُستخَفِّ بهِ"؛ مَن هو متحقق بحقيقة العلم مُجَل ومُكرَّم ومُطاع أمره. 

وقال في الحديث ﷺ: "إنَّ لِهذا الدينِ إِقْبالًا وإِدْبارًا ألا وَإِنَّ مِنْ إِقْبالِ هذا الدينِ أن تَفْقَهَ القبيلَةُ بأسْرِها"، حتى لا يكون فيهم إلا الأفراد إن قالوا رُدَّ قولهم، "وإنَّ مِنْ إدْبارِ هَذا الدِّينِ أنْ تَجْفُوَ الْقَبِيلَةُ بأسْرِها"، قبيلة كلهم جهّال آباء وأمهات وصغار وكبار ورجال ونساء! ولا يكون فيهم إلا الثلاثين والثلاثة… قليل فقهاء، إذا تكلموا ردُّوا عليهم قولهم؛ هذا من إدبار الدين، ومن إقباله ينتشر الفقه بين القبيلة، عامة الأسرة على جهل في الدين. 

رَبِّ فَقِّهۡنَا وَفَقِّهۡ اَهۡلَنَا *** وَقَرَابَاتٍ لَنَا فِى دِينِنَا

مَعَ أهۡلِ القُطۡرِ أُنۡثَى وَذَكَرۡ 

الله ينشر الفقه والدين في الأمة. لا إله إلا الله. 

سمعتم الشيخ مصطفى قبيل يقول لكم: إن الدين الآن أحسن مما قبل، مرَّت أيام الفتن الكبيرة أيام الشيوعية وأيام غيرها من التي مرت، فكان في الناس إدبار كثير وإقبال أقل، فإن شاء الله يبارك الله في هذا الإقبال للأمة، ويحقق لهم الاستقامة على الحق والهدى والمنهج المرضي له ويبارك في ذلك، ويكون إقبال للدين إن شاء الله يعمُّ الصغير والكبير.

قال: "ولقدْ صدقَ -سيدنا حذيفة- فإنَّ أكثرَ معروفاتِ هذهِ الأعصارِ منكراتٌ في عصرِ الصحابةِ" والتابعين.

 قال سيدنا الإمام الغزالي منها: "مِنْ غررِ المعروفاتِ في زمانِنا تزيينُ المساجدِ وتنجيدُها -أي: الزخرفة فيها- وإنفاقُ الأموالِ العظيمةِ في دقائقِ عماراتِها، وفرشُ البُسُطِ الرفيعةِ -الوطيئة- فيها" يعدونه عندنا من غرر المعروفات، معروف كبير، قال: ولقد كان يُعد عندهم أنه نَقْص، قال: "ولقدْ كانَ يُعدُّ فرشُ البواري" بورية أو بارية أو باريَّة قصدهم: حصير منسوج؛ هو إلا حصير لكنه منسوج؛ عدُّوه بدعة الأولين، "وقيلَ: إنَّهُ مِن محدثاتِ الحَجَّاجِ -بن يوسف-، فقدْ كانَ الأوَّلونَ" أكثر المساجد عندهم تراب ويسجدون فوق الحصى وفوق التراب. 

ومنهم سيدنا ﷺ، حتى قال في علامة ليلة القدر: "وإنِّي أُريتُها -يعني: في تلك السَّنَة- وإنِّي أسجُدُ في صبيحتِها في طينٍ وماءٍ" هذا حق المساجد ماء وطين؛ ولما صلى بهم في فجر يوم الحادي والعشرين من رمضان كانت مطر نزلت في الليل تخللت السقف، فسجد على الماء والطين، ولما انصرف من الصلاة رأوا أثر الماء والطين على جبهته، فذكروا قوله"وإنِّي أُريتُها -يعني: في تلك السَّنَة- وإنِّي أسجُدُ في صبيحتِها في طينٍ وماءٍ" أنه ﷺ كان يسجد على الطين. 

والعجيب اكتشفوا الآن من فوائد السجود على التراب استخراج جميع الزائد من الكهرباء في الجسد، إذا سجد على التراب خلاص تخرج منه، لا إله إلا الله. 

وكان الحبيب أحمد بن حسن العطاس في السفر جاءوا له بفراش يصلي عليه فقال لهم: اغتنموها فرصة خلُّونا على الطين، ماشُرِعَت الصلاة إلا للتذلل للخضوع والتواضع.. فخَلُّوها فرصة لا تفرشوا شيء؛ خلُّوا نحنا نسجد على التراب أفضل -لا إله إلا الله- هذا كان من زمن قديم قد بَعُد وقد قال: "قلَّما يجعلونَ بينَهُمْ وبينَ الترابِ حاجز".

 

وقال -رضي الله عنه- ونفعنا بعلومه وعلومكم: 

"وكذلكَ الاشتغالُ بدقائقِ الجدَلِ والمناظرةِ مِنْ أجلِّ علومِ أهلِ الزمانِ، ويزعمونَ أنَّهُ مِنْ أعظمِ القرباتِ، وقدْ كانَ ذلكَ مِنَ المنكراتِ.

ومِنْ ذلكَ التلحينُ في القرآنِ والأذانِ.

ومِنْ ذلكَ التعسُّفُ في النظافةِ والوسوسةُ في الطهارةِ، وتقديرُ الأسبابِ البعيدةِ في نجاسةِ الثيابِ، معَ التساهلِ في حلِّ الأطعمةِ وتحريمِها، إلىٰ نظائرِ ذلكَ.

ولقدْ صدقَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ الله عنهُ- حيثُ قالَ: أنتمُ اليومَ في زمانٍ الهوى فيهِ تابعٌ للعلمِ، وسيأتي عليكُمْ زمانٌ يكونُ العلمُ فيهِ تابعاً للهوىٰ.

وكانَ أحمدُ يقولُ: تركوا العلمَ وأقبلوا على الغرائبِ، ما أقلَّ الفقهَ فيهمْ، واللهُ المستعانُ.

وقالَ مالك بنُ أنسٍ: لمْ يكنِ الناسُ فيما مضىٰ يسألونَ عنْ هذهِ الأمورِ كما يسألُ الناسُ اليومَ، ولمْ يكنِ العلماءُ يقولونَ: حرامٌ ولا حلالٌ، أدركتُهُمْ يقولونَ: مكروهٌ ومستحبٌ.

ومعناه: أنَّهمْ كانوا ينظرونَ في دقائقِ الكراهيةِ والاستحبابِ، فأمَّا الحرامُ.. فكانَ فحشُهُ ظاهراً.

وكانَ هشامُ بنُ عروةَ يقولُ: لا تسألوهُمُ اليومَ عمَّا أحدثوا؛ فإنَّهمْ قدْ أعدُّوا لهُ جواباً، ولكنْ سلوهُمْ عنِ السنَّةِ؛ فإنَّهمْ لا يعرفونَها.

وكانَ أبو سليمانَ الدارانيُّ -رحمه الله- يقولُ: لا ينبغي لمَنْ أُلهمَ شيئاً مِنَ الخيرِ أنْ يعملَهُ حتَّىٰ يسمعَ بهِ في الأثرِ، فيحمدُ الله تعالى إذْ وافقَ ما في نفسِهِ.

وإنَّما قالَ هٰذا لأنَّ ما أُبدِعَ مِنَ الآراءِ قدْ قَرَعَ الأسماعَ وعلِقَ بالقلوبِ، فربَّما يشوِّشُ صفاءَ القلبِ، فيُخيَّلُ بسببِهِ الباطلُ حقّاً، فيُحتاطُ فيهِ بالاستظهارِ بشهادةِ الآثارِ.

ولهٰذا لما أحدثَ مروانُ المنبرَ في صلاةِ العيدِ عندَ المصلَّىٰ.. قامَ إليهِ أبو سعيدٍ الخدريُّ -رضيَ اللهُ عنهُ- فقالَ: يا مروانُ؛ ما هذهِ البدعةُ؟ فقالَ: إنَّها ليستْ بدعةً، إنَّها خيرٌ ممَّا تعلمُ، إنَّ الناسَ قدْ كثروا، فأردتُ أنْ يبلغَهُمُ الصوتُ، فقالَ أبو سعيدٍ: واللهِ؛ لا تأتونَ بخيرٍ ممَّا أعلمُ أبداً، وواللهِ لا صليتُ وراءَكَ اليومَ.

إنّما أنكرَ ذلك لأن رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يتوكَّأ في خطب العيدِ والاستسقاءِ علىٰ قوسٍ أوْ عصاً، لا على المنبرِ.

وفي الحديثِ المشهورِ: "مَنْ أحدثَ في دينِنا ما ليسَ منهُ.. فهوَ ردٌّ".

وفي خبرِ آخرَ: "مَنْ غَشَّ أمَّتِي.. فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ"، قيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ وما غشُّ أمَّتِكَ؟ قالَ: "أن يَبتدعَ بدعةً يحمِلُ الناسَ عليها" 

وقالَ ﷺ: "إنَّ للهِ عزَّ وجلَّ ملكاً ينادي كلَّ يومٍ: مَنْ خالفَ سنَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ.. لمْ تنلْهُ شفاعتُهُ".

 

وهكذا يقول: أشياء صارت معروفة عندنا في هذا الزمان وكانت في الزمان الماضي منكرة، قال: مثل "الاشتغالُ بدقائقِ الجدَلِ" بعدما ذكر لنا شؤون المساجد فينبغي التوسط في شؤون المساجد من جهة تزيينها؛ ولكن أين عمارتها بالبكاء؟ أين عمارتها بالخشوع؟ أين عمارتها بقيام الليل؟ قد قال شاعرهم:

أما المساجد فهي اليوم عامرة *** كأنها من قصور الفرس والرومِ 

ترى على الباب والمحراب زخرفة *** تلهيك عن كل منطوق ومفهومِ

ولا يصلي بــهــا إلا مــؤذنها *** أو الإمام ولكن دون مأمومِ

وإن رأيت صفوفــاً في مساجدنا *** فمن فقير ومسكين ومحرومِ

لاحول ولا قوة إلا بالله..فما عمارة المساجد إلا:

  • بالخشوع.
  • وبالبكاء في السجود.
  • وبكثرة التذلل. 
  • وبقراءة القرآن مع الخشوع والتدبر. 

هذه تعمر المساجد بها هذه حقيقة عمارة المساجد فزخرفة المساجد عدّوه من البدع قال: وفي زمننا صار معروف من خير المعروفات، قال: "ويزعمونَ أنَّهُ مِنْ أعظمِ القرباتِ".

"وكذلكَ الاشتغالُ بدقائقِ الجدَلِ والمناظرةِ -عدُّوه- مِنْ أجلِّ علومِ أهلِ الزمانِ" وهو من المنكرات عند السابقين.

"ومِنْ ذلكَ التلحينُ في القرآنِ والأذانِ"؛ وهو المبالغة في المد في غير محله، وإخراجه عن وجه الخشوع والخضوع إلى مجرد الترنم بالأصوات؛ فالمبالغة في ذلك أيضًا حدثت، لا في القرآن ولا في الأذان كان ذلك. 

فيُعَدُّون مثل: سيدنا بلال، وابن أم مكتوم، وأبي محذورة وغيرهم من مؤذني رسول الله ﷺ وبعدهم؛ أذان متوسط سهل يسير، ما فيه تمطيط ولا فيه تطويل ولا فيه ترنّم زائد؛ ولكن فيه معنى يهزُّ في القلب عندما يُسمَع.

وهكذا والقرآن كذلك؛ يخرجون عن حدود الإتقان بإعطاء الحروف حقها ومستحقها والعمل على ما ورد في روايات القراءات، إلى مد زائد وتقصير في بعض محال المد الواجب، وإلى مجرد النغم والصوت، ويخرجون عن المعنى والتأمل للمعاني، حتى يصير يَذكُر أحيانًا بعضهم آيات النار والعذاب ويصيح بعضهم من صوته يقول: يا سلام! يا سلام!.. يا سلام ماذا؟ نار! يذكر عذاب! قل: أعوذ بالله، وأستغفر الله، وهو يقول: يا سلام!..هذا القرآن هذا! ما هذا القرآن؟ القرآن يخوفك ويذكر لك عذاب تقول: يا سلام؟! ماهذا؟ يريد نفسه خاشع! يريد نفسه حاضر مع القرآن! 

فما كان هكذا يُقرأ القرآن، ولا كان هكذا يُرَتَّل قال: صار في زماننا من المعروفات وهو عند السابقين من المنكرات.

"ومِنْ ذلكَ التعسُّفُ في النظافةِ والوسوسةُ في الطهارةِ، وتقديرُ الأسبابِ البعيدةِ في نجاسةِ الثيابِ، معَ التساهلِ في حلِّ الأطعمةِ وتحريمِها" قال: هذا عكس ما كان عليه السلف: 

  • كانت الأطعمة والأموال يتحرُّون فيها ويخافون ويقدرون الاحتمالات، 
  • أما الوضوء والطهارة والنجاسة باليسر يمشون فيها بغلبة الظن ما يحترزون. 

قال: فجاء ناس بعدهم يصلّحون احتياط قوي في شأن النجاسة، واحتمالات بعيدة إلى حد الوسوسة؛ يوسوس في النظافة، "والوسوسةُ في الطهارةِ، وتقديرُ الأسبابِ البعيدةِ" قريبة، وإذا جاء أكل أو فلوس على طول يأخذها ولا شك ولا وسوسة من أين جاء؟.. 

قال: هذا عكس منهج السلف الصالح؛ كانوا يوَسوِسُون من هذا، لهذا كان يقول الحبيب علي:  تجيء بوسوسة وأنت تتوضأ وإلا بتكبِّر في الصلاة، فإذا قدموا لك الصَّحفَة -يقصد: المائدة- فيها وسوسة؟ أو تلهفها على طول؟ حتى الخواطر قال: تروح من عندك ما عاد تخطر على بالك إلا هذه، ولا وسوسة ولاشيء؛ هناك الوسوسة ماهي هنا..

  • هناك الوسوسة المشروعة؛ يعني: الحذر المشروع في الأموال والأكل. 
  • أما في الطهارة الأمر مبني فيه على المسامحة وعلى اليسر.

لا إله إلا الله.

"ولقدْ صدقَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ الله عنهُ- حيثُ قالَ: أنتمُ اليومَ في زمانٍ الهوى فيهِ تابعٌ للعلمِ" ما أحد يقدر يحكِّم هواه، العلم حاكم فوق الناس. قال: "وسيأتي عليكُمْ زمانٌ يكونُ العلمُ فيهِ تابعاً للهوىٰ" وجاءت أزمان من مثل هذا، والله يرد على الناس ما فات، ويحيي فيهم ما مات من حقائق الخيرات. 

"وكانَ أحمدُ يقولُ: تركوا العلمَ وأقبلوا على الغرائبِ، ما أقلَّ الفقهَ فيهمْ، واللهُ المستعانُ.

وقالَ مالك بنُ أنسٍ: لمْ يكنِ الناسُ فيما مضىٰ يسألونَ عنْ هذهِ الأمورِ كما يسألُ الناسُ اليومَ ولمْ يكنِ العلماءُ يقولونَ: حرامٌ ولا حلالٌ"لماذا؟ لأن "الحَلالُ بَيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ" لكن اهتمامات بالدقائق في المستحبات والمكروهات، يتحرزون من المكروهات ويحرصون على السنن، "يقولونَ: مكروهٌ ومستحبٌ"  قال: كان الناس سؤالهم عن هذا، قال: الآن أصبح المستحب والمكروه ما يسألون حوله، لا يبالون بفعل المستحب ولا بترك المكروه؛ يسألون فقط عن الحلال والحرام، لا إله إلا الله. 

قال: "ومعناه: أنَّهمْ كانوا ينظرونَ في دقائقِ الكراهيةِ والاستحبابِ، فأمَّا الحرامُ.. فكانَ فحشُهُ ظاهراً"؛ ما يحومون حوله. 

"وكانَ هشامُ بنُ عروةَ يقولُ: لا تسألوهُمُ اليومَ عمَّا أحدثوا؛ فإنَّهمْ قدْ أعدُّوا لهُ جواباً، ولكنْ سلوهُمْ عنِ السنَّةِ؛ فإنَّهمْ لا يعرفونَها.

وكانَ أبو سليمانَ الدارانيُّ -رحمه الله- يقولُ: لا ينبغي لمَنْ أُلهِمَ شيئاً مِنَ الخيرِ أنْ يعملَهُ حتَّىٰ يسمعَ بهِ في الأثرِ، فيحمدُ الله تعالى إذْ وافقَ ما في نفسِهِ.

وإنَّما قالَ هٰذا لأنَّ ما أُبدِعَ مِنَ الآراءِ قدْ قَرَعَ الأسماعَ وعلِقَ بالقلوبِ، فربَّما يشوِّشُ صفاءَ القلبِ، فيُخيَّلُ بسببِهِ الباطلُ حقّاً، فيُحتاطُ فيهِ بالاستظهارِ بشهادةِ الآثارِ".

يقول: "ولهٰذا لما أحدثَ مروانُ المنبرَ في صلاةِ العيدِ عندَ المصلَّىٰ.. قامَ إليهِ أبو سعيدٍ الخدريُّ -رضيَ اللهُ عنهُ- فقالَ: يا مروانُ؛ ما هذهِ البدعةُ؟ فقالَ: إنَّها ليستْ بدعةً، إنَّها خيرٌ ممَّا تعلمُ، إنَّ الناسَ قدْ كثروا، فأردتُ أنْ يبلغَهُمُ الصوتُ، -فلما رآه هوى- فقالَ أبو سعيدٍ: واللهِ؛ لا تأتونَ بخيرٍ ممَّا أعلمُ أبداً" -أنا أخذت عن محمد ﷺ- "وواللهِ لا صليتُ وراءَكَ اليومَ" أبو سعيد الخدري استنكر على مروان إحداثه للمنبر في صلاة العيد بخصوص صلاة العيد. 

قال: "إنّما أنكرَ ذلك لأن رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يتوكَّأ في خطب العيدِ والاستسقاءِ علىٰ قوسٍ أوْ عصاً، لا على المنبرِ .

وفي الحديثِ المشهورِ: "مَنْ أحدثَ في دينِنا" وفي لفظ مسلم: أمرنا، والمراد بأمرنا: ديننا "ما ليسَ منهُ.. فهوَ ردٌّ"، "ما ليسَ منهُ" يعني: ما يخالفه.

"وفي خبرِ آخرَ: "مَنْ غَشَّ أمَّتِي.. فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ"، قيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ وما غشُّ أمَّتِكَ؟ قالَ: "أن يَبتدعَ بدعةً يحمِلُ الناسَ عليها"، من أعظمها هذه بدعة التكفير وتبديع أهل السنة وما إلى ذلك، ويحملون الناس عليها. وقالَ ﷺ: "إنَّ للهِ عزَّ وجلَّ ملكاً ينادي كلَّ يومٍ: مَنْ خالفَ سنَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ.. لمْ تنلْهُ شفاعتُهُ" شفِّع اللهم فينا نبيك المصطفى، واجعلنا من أسعد أمته بشفاعته.

 

وقال رضي الله عنه وعنكم ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين: 

"ومثالُ الجاني على الدينِ بإبداع ما يخالفُ السنَّةَ بالنسبةِ إلىٰ مَنْ يُذْنِبُ ذنباً.. مثالُ مَنْ عصى الملِكَ في قلْبِ دولتِهِ بالنسبةِ إلى مَنْ خالفَ أمرَهُ في خدمةٍ معيَّنةٍ، وذلكَ قدْ يُغفَرُ؛ فأمَّا قلبُ الدولةِ.. فلا.

وقالَ بعضُ العلماءِ: ما تكلَّمَ فيهِ السلفُ.. فالسكوتُ عنهُ جفاءٌ، وما سكتَ عنهُ السلفُ.. فالكلامُ فيهِ تكلُّفٌ.

وقالَ آخرُ: الحقُّ ثقيلٌ، مَنْ جاوزَهُ.. ظَلَمَ، ومَنْ قصرَ عنهُ.. عجَزَ، ومَنْ وقفَ معهُ.. اكتفىٰ.

وقالَ ﷺ: "عليكُمْ بالنَّمَطِ الأوسطِ الذي يرجعُ إليهِ العالي، ويرتفعُ إليهِ التالي".

وقالَ ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُما-: إنَّ الضلالةَ لها حلاوةٌ في قلوبِ أهلِها.

قالَ الله تعالى: (اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا)[الأنعام:70]، وقالَ تعالى: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)[فاطر8].

فكلُّ ما أُحدثَ بعدَ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ- ممَّا جاوزَ قدْرَ الضرورةِ والحاجةِ.. فهوَ مِنَ اللعبِ واللهوِ.

وحُكِيَ عنْ إبليسَ -لعنَهُ اللهُ- أنَّهُ بثَّ جنودَهُ في وقتِ الصحابةِ -رضيَ الله عنهُمْ-، فرجعوا إليهِ محسورينَ، فقالَ: ما شأنُكُمْ؟ فقالوا: ما رأينا مثلَ هؤلاءِ؛ ما نصيبُ منهُمْ شيئاً وقدْ أتعبونا، فقالَ: إنَّكُمْ لا تقدرونَ عليهِمْ؛ فقدْ صحبوا نبيَّهُمْ، وشهدوا تنزيلَ ربِّهِمْ، ولكنْ سيأتي بعدَهُمْ قومٌ تنالونَ منهُمْ حاجتكُمْ.

فلما جاءَ التابعونَ.. بثّ جنودَه، فرجعوا إليهِ منكوسينَ منكسرينَ، فقالوا: ما رأينا أعجبَ مِنْ هؤلاءِ؛ نصيبُ منهُمُ الشيءَ بعدَ الشيءِ مِنَ الذنوبِ، فإذا كانَ آخرُ النهارِ.. أخذوا في الاستغفارِ، فيبدِّلُ اللهُ سيئاتِهِمْ حسناتٍ، فقالَ: إنَّكُمْ لنْ تنالوا مِنْ هؤلاءِ شيئاً لصحَّةِ توحيدِهِمْ، واتباعِهِمْ لسنَّةِ نَبَيِّهِمُ، ولكنْ سيأتي بعدَ هؤلاءِ قومٌ تَقِرُّ أعينُكُمْ بهِمْ، تلعبونَ بهِمْ لَعِباً، وتقودونَهُمْ بأزمَّةِ أهوائِهِمْ كيفَ شئتُمْ، إنِ استغفروا.. لمْ يُغفَرْ لهُمْ، ولا يتوبونَ فيبدِّلُ اللهُ سيئاتِهِمْ حسناتٍ.

قالَ: فجاءَ قومٌ بعدَ القرنِ الأوَّلِ، فبثَ فيهِمُ الأهواءَ، وزيَّنَ لهُمُ البدَعَ، فاستحلَوها، واتخذوها ديناً، لا يستغفرونَ اللّهَ منها، ولا يتوبونَ عنها، فسلَّطَ عليهِمُ الأعداءَ، وقادُوهُمْ أينَ شاؤوا".

 

 فاستَحْلَوْهَا؛ فاستَحْلَوْهَا لأن لها حلاوة.. 

  • كما قال هذا ذكره عن ابن عباس هنا: إن الضلالة لها حلاوة في قلوب أهلها. 
  • يُذكَر أيضاً عبد الله بن مسعود: إن للبدعة في قلوب أهلها حلاوة أشد من حلاوة الطاعة وحلاوة السنة؛ لأنها حلاوة ممزوجة بالنفس والهوى فسهلة قريبة، لكن حلاوة الطاعة ما تُدرك إلا من القلب الصافي النقي. 
  • (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:43].
  • (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) [فاطر:8].
  •  قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) لا إله إلا الله (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) [النمل:4-5]، (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ)على قدر ضعف الإيمان بالآخرة يأتي هذا العَمَهْ والضلال، فالمكذّبون بالآخرة أقرب الناس للعَمَهْ والتزيين للسوء. لا إله إلا الله.

وهكذا يقول: "وقالَ بعضُ العلماءِ: ما تكلَّمَ فيهِ السلفُ" خاضوا فيه واهتموا به، "فالسكوتُ عنهُ جفاءٌ، وما سكتَ عنهُ السلفُ" من مواضيع بعض الكلام ليتحرزوا منه، "فالكلامُ فيهِ تكلُّفٌ"؛ فينبغي الاقتداء والاهتداء.

يقول: هذا الذي يقلب حقائق الدين والمعاني التي بُعِثَ بها حبيبنا الأمين، مثل الواحد بيعصي ملك في قلب الدولة عليه يصلِّح انقلابه؛ هذا شديد. بخلاف واحد خالفه في أمره قال له: افعله… ما فعله؛ ما هو مثل ذا، هذا بيقلب الدولة كلها عليه.

وهكذا ما كان من البداية من عند الخوارج، فمن تبعهم كلما قُطِعَ منهم قرن جاء قرن، حتى يقاتل آخرهم مع الدجال؛ وهم يدَّعون الكتاب والسنة! لكن آخر شيء يقاتلون المهدي.. لماذا؟ يقولون: المهدي مبتدع.. المهدي مبتدع.. المهدي عندهم هذا بدعة، صاحب ضلالة؛ فما عاد ألا أن يلحقون بالدجال لكي يخلصون الأمة من بدع المهدي وشركيات المهدي! يقاتلون المهدي مع الدجال!.

حتى لما استُخرج منهم ذو الثنيَّة، نَص عليه ﷺ في معركة صفين لما قاتلوا سيدنا علي، قال لهم هذه المعركة التي قال لي فيها ﷺ يُقتل هذا ذو الثنيَّة، ابحثوا عنه.. بحثوا قالوا: ما وجدناه، قال: بلى، خرج بين الموتى.. وجده تحت بينهم، قال: أخرجوه -وعضدُه مثل ثدي المرأة- قال: هذا الذي قال لي عنه  ﷺ، لولا أن تبطروا لأخبرتكم بالثواب عند الله لمن يقتل هؤلاء؛ من قاتلهم أو قتلوه، ثواب لهم عند الله. فقال له بعضهم: خلاص انقطعوا يا أمير المؤمنين راح رأسهم، قال: لا، لا يزالون في الأمة، كلما قُطِعَ منهم قرن بدا قرن، حتى يقاتل آخرهم مع الدجال، حتى يقاتل آخرهم مع الدجال والعياذ بالله تبارك وتعالى.

فيا ربِّ ثبِّتنا على الحقِّ والهدى *** ويا ربِّ اقبِضنا على خير ملَّةِ

الله يوفقنا وإياكم، باقي الختم إن شاء الله القابلة بنختم وعسى البركة لنا ولكم في الأيام والليالي ويجعلها ثمار واسعة يانعة مباركة إن شاء الله في الدنيا والآخرة، وتثمر لنا لقاءات في الدار الآخرة إن شاء الله.

 

أسئلة: 

  • قال: إذا بيتابع السَّلَف في خَلَف علماء زمانه؟ من علماء زمانه؟ 

لأن في كل زمان علماء هم من السلف والسلف منهم وهؤلاء يجب أن الاقتداء بهم والرجوع إليهم؛ ولكن في كل زمان علماء مهما ادّعوا؛ لا هم من السلف ولا السلف منهم ولا هم من الكتاب والسنة ولا الكتاب والسنة منهم؛ فهؤلاء الذين يُخالَفون؛ فالأمر بموازين؛ وأما بمجرد استحسان أو اغترار ببعض كلام العلماء والصالحين:

  •  فيخالف علماء لهم سند ولهم تقوى ولهم ورع؛ لا، لا يكون ذلك.
  • وإنما يكون مخالفة من خالف منهج السلف هو الذي يخالف.

 ومن أين نعرف سيرة السلف؟

إلا من خلال من وعى عنهم بسنده؟ فإذا قرأنا كلامهم أو أخبارهم نستطيع وعيها وفهمها من خلال السند إليهم ومن خلال من حمل ذلك بعدهم.

 

  • مجادلة المخالفين من أهل الكفر والبدع؛ هَديُ الأنبياء -عليهم السلام- لا يُطالبنا بذلك؟

يعني: هذا الجدال المنهي عنه لا، لم يكن من الأنبياء ولا من الصحابة وغيرهم، ولكن بالنسبة للكفار وكذلك أهل الزيغ والبدعة، جدالهم بالتي هي أحسن: 

  • قال تعالى: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125]. 
  • وقال: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت: 46].

فالجدال الذي ينبني على الأهواء ولا يُراد منه فحص الحق ولا يُستَعَد به لقبول الحق أو بيان أمر الهدى؛ فهو منهي عنه، والآن سموا السباب والشتائم والقدح في حق الناس سموه جدالاً؛ وهذا ما هو من (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولا من جدال الحق؛ 

  • فالجدال الذي يؤدي إلى إحقاق حق وإبطال باطل، ولا يؤدي إلى منكر أكبر ولا إلى ضر في الناس هذا المطلوب، وهو عبارة عن تبيين، بيان وجه الحق بإثبات الأدلة وبإثبات النصوص ومعانيها، هذا المطلوب. 
  • وأما جدال المشاتمة والمغاضبة والمدابرة، فلا (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199] كما قال سبحانه وتعالى؛ ولكن من يريد فهم الحق أو يُراد إقامة الحجة للعوام فهذا هو الذي يُقبل ويُؤخذ به.

 

  • سؤال عن إنكار سيدنا أبو سعيد الخدري على المنبر في صلاة العيد؟

بس هذا أيضاً بالنسبة لإنكار سيدنا أبي سعيد الخدري، ما كان لأجل المنبر وحده، كان يحوم حول ذلك الخليفة أشياء كثيرة من المخالفة في الدين، وإبداع في الدين، فبمجموعها ذهب، ما هو من أجل المنبر وحده، سيدنا أبو سعيد أكبر من أن يتحرز من مجرد وجود منبر؛ ولكنه علم أنهم اتخذوا أمورهم ومبادئهم على الأخذ من السنة والمخالفة لها وشيء من المضادة. حتى قال له: "خير مما تعلم" ما استحى منه صحابي يقول له: "والذي عندي خير مما تعلم"، فقال: "والله لا تأتون بخير مما أعلم". 

فهكذا كان تحرّز، ما هو مجرد المنبر؛ المنبر له أوجه وعَمِله الكثيرون من بعد من صالحي الأمة، فما هو المقصود منه.

هذا كان المحل فيه تراكمات، عنده عدد من سلسلات المخالفات، وهذا برز منها ما قَصْدُه فيه حسن ولا قَصْدُه فيه طيب، وكان حتى يعلو عليه ليوصل كلامً بعضه باطل، بعضه باطل! لهذا سيدنا أبو سعيد قاله: "لا صليت وراءك"، وراح! وإن تعلل بوجود منبر، لكن ما قصد هذا وحده سيدنا أبو سعيد الخدري عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

 ما عرف قدر الصحابي لأنه ما عرف قدر النبي، لو عرف قدر النبي بيعرف قدر أصحابه! إذا كان الإنسان الشهم يغار على أصحابه؛ بيُظَن رسول الله ﷺ يهمل أصحابه! 

الله يصلح أحوال المسلمين، الله يدفع البلاء عن المؤمنين، الله يجعلنا وإياكم في الهداية المهتدين. وعلى مراتب هذه المخالفة لهدي السلف الصالح: 

  • منه ما يكون في جوانب فرعية.
  • ومنه ما يكون في جوانب اجتهادية.
  • ومنه ما يكون في أصول. 
  • ومنه ما يكون في شؤون خطيرة.

فيختلف هذا الاسم: المخالفة لهديهم عليهم الرضوان الله تبارك وتعالى.

 

رزقنا الله الاستقامة، وتاب علينا، وعفا عنا وكل ما كان من تقصيرنا ومن مخالفاتنا، ورزقنا الاستمساك بالحبل المتين والعروة الوثقى، وجعلنا من خواص من آمن بالله وكفر بالطاغوت واستمسك بالعروة الوثقى، والتحقق بحقائق التقى، والاقتداء بالحبيب الأتقى في جميع شؤوننا في الظهور وفي البطون. اللهم اجعل هوانا تبعًا لما بعثتَ به أمينك المأمون، وتولنا به في الظهور والبطون، وارفعنا به إلى أعلى مراتب من يهدون بالحق وبه يعدلون في لطف وعافية، 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

لتحميل الكتاب pdf

 

تاريخ النشر الهجري

30 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

19 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام