آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 17 | الدرس الأخير - علامات علماء الآخرة: المكاشفة بأسرار القلوب
الدرس السابع عشر والأخير في كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
مساء الإثنين 23 رجب 1447هـ
خاتمة علامات علماء الآخرة: المكاشفة بأسرار القلوب
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:
"وحُكِيَ عنْ إبليسَ -لعنَهُ اللهُ- أنَّهُ بثَّ جنودَهُ في وقتِ الصحابةِ -رضيَ الله عنهُمْ-، فرجعوا إليهِ محسورينَ، فقالَ: ما شأنُكُمْ؟ فقالوا: ما رأينا مثلَ هؤلاءِ؛ ما نصيبُ منهُمْ شيئاً وقدْ أتعبونا، فقالَ: إنَّكُمْ لا تقدرونَ عليهِمْ؛ فقدْ صحبوا نبيَّهُمْ، وشهدوا تنزيلَ ربِّهِمْ، ولكنْ سيأتي بعدَهُمْ قومٌ تنالونَ منهُمْ حاجتكُمْ.
فلما جاءَ التابعونَ.. بثّ جنودَه، فرجعوا إليهِ منكوسينَ منكسرينَ، فقالوا: ما رأينا أعجبَ مِنْ هؤلاءِ؛ نصيبُ منهُمُ الشيءَ بعدَ الشيءِ مِنَ الذنوبِ، فإذا كانَ آخرُ النهارِ.. أخذوا في الاستغفارِ، فيبدِّلُ اللهُ سيئاتِهِمْ حسناتٍ، فقالَ: إنَّكُمْ لنْ تنالوا مِنْ هؤلاءِ شيئاً لصحَّةِ توحيدِهِمْ، واتباعِهِمْ لسنَّةِ نَبَيِّهِمُ، ولكنْ سيأتي بعدَ هؤلاءِ قومٌ تَقِرُّ أعينُكُمْ بهِمْ، تلعبونَ بهِمْ لَعِباً، وتقودونَهُمْ بأزمَّةِ أهوائِهِمْ كيفَ شئتُمْ، إنِ استغفروا.. لمْ يغفرْ لهُمْ، ولا يتوبونَ فيبدِّلُ اللهُ سيئاتِهِمْ حسناتٍ.
قالَ: فجاءَ قومٌ بعدَ القرنِ الأوَّلِ، فبثَ فيهِمُ الأهواءَ، وزيَّنَ لهُمُ البدَعَ، فاستحلَوها، واتخذوها ديناً، لا يستغفرونَ اللّهَ منها، ولا يتوبونَ عنها، فسلَّطَ عليهِمُ الأعداءَ، وقادُوهُمْ أينَ شاؤوا.
فإنْ قلتَ: مِنْ أينَ عَرَفَ قائلُ هذا ما قالَهُ إبليسُ ولمْ يشاهدْ إبليسَ ولا حدَّثهُ بذلك؟
فاعلمْ: أنَّ أربابَ القلوبِ يُكاشَفونَ بأسرارِ الملكوتِ؛ تارةً علىٰ سبيلِ الإلهامِ بأنْ يخطرَ لهُمْ على سبيلِ الورودِ عليهِمْ مِنْ حيثُ لا يعلمونَ، وتارةً علىٰ سبيلِ الرؤيا الصادقةِ، وتارةً في اليقظةِ علىٰ سبيلٍ كشْفِ المعاني بمشاهدةِ الأمثلةِ كما يكونُ في المنامِ، وهذا أعلى الدرجاتِ، وهيَ مِنْ درجاتِ النبوَّةِ العاليةِ؛ كما أنّ الرؤيا الصادقةَ جزءٌ مِنْ ستةٍ وأربعينَ جزءاً مِنَ النبوَّةِ.
فإيَّاكَ أنْ يكونَ حظُّكَ مِنَ العلمِ إنكارَ كلِّ ما جاوزَ حدَّ قصورِكَ؛ ففيهِ هلكَ المتحذلقونَ مِنَ العلماءِ، الزاعمونَ أنَّهُمْ أحاطوا بعلومِ المعقولِ.
والجهلُ خيرٌ مِنْ عقلٍ يدعو إلىٰ إنكارِ مثلِ هٰذهِ الأمورِ لأولياءِ اللهِ تعالىٰ، ومَنْ أنكرَ ذلكَ للأولياءِ.. لزمَهُ إنكارُهُ للأنبياءِ، وكانَ خارجاً عَنِ الدينِ بالكليَّةِ.
وقالَ بعضُ العارفينَ: إنَّما انقطعَ الأبدالُ في أطرافِ الأرضِ واستتروا عنْ أعينِ الجمهورِ.. لأنَّهُمْ لا يطيقونَ النظرَ إلى علماءِ الوقتِ؛ لأنَّهُمْ عندَهمْ جهَّالٌ باللهِ تعالىٰ، وهُمْ عندَ أنفسِهِمْ وعندَ الجاهلينَ علماءُ."
لا إله إلا الله.
الحمد لله، مكرمنا وإياكم بحسن البيان على لسان خير إنسان، عبده المصطفى سيد الأكوان. اللهم صل وسلم وبارك وكرّم على من دلنا عليك ودعانا إليك باختيارك وانتخابك واصطفاءك له، وختمت به النبوة والرسالة، فكانت دلالته أوسع وأعلى وأبيَن دلالة، فصل اللهم عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائه من أنبيائك ورسلك أهل الرتب العلى لديك، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ذكر لنا عن سيدنا سهل التستري -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- وذكر لنا فيما تقدّم، وكان آخر ما ذكر لنا عن بعض السلف، حكى عن إبليس: "أنَّهُ بثَّ جنودَهُ في وقتِ الصحابةِ -رضيَ الله عنهُمْ-، فرجعوا إليهِ محسورينَ، فقالَ: ما شأنُكُمْ؟ فقالوا: ما رأينا مثلَ هؤلاءِ؛ ما نصيبُ منهُمْ شيئاً وقدْ أتعبونا، فقالَ: إنَّكُمْ لا تقدرونَ عليهِمْ؛ فقدْ صحبوا نبيَّهُمْ، وشهدوا تنزيلَ ربِّهِمْ، ولكنْ سيأتي بعدَهُمْ قومٌ تنالونَ منهُمْ حاجتكُمْ.
فلما جاءَ التابعونَ.. بثّ جنودَه، فرجعوا إليهِ منكوسينَ منكسرينَ، فقالوا: ما رأينا أعجبَ مِنْ هؤلاءِ؛ نصيبُ منهُمُ الشيءَ بعدَ الشيءِ مِنَ الذنوبِ، فإذا كانَ آخرُ النهارِ.. أخذوا في الاستغفارِ، فيبدِّلُ اللهُ سيئاتِهِمْ حسناتٍ، فقالَ: إنَّكُمْ لنْ تنالوا مِنْ هؤلاءِ شيئاً لصحَّةِ توحيدِهِمْ، واتباعِهِمْ لسنَّةِ نَبَيِّهِمُ، ولكنْ سيأتي بعدَ هؤلاءِ قومٌ تَقِرُّ أعينُكُمْ بهِمْ، تلعبونَ بهِمْ لَعِباً"، في لفظ: "كما يلعب الصبيان بالكرة".
وتقودونَهُمْ بأزمَّةِ أهوائِهِمْ كيفَ شئتُمْ، إنِ استغفروا.. لمْ يغفرْ لهُمْ، ولا يتوبونَ فيبدِّلُ اللهُ سيئاتِهِمْ حسناتٍ.
قالَ: فجاءَ قومٌ بعدَ القرنِ الأوَّلِ، فبثَ فيهِمُ الأهواءَ، وزيَّنَ لهُمُ البدَعَ"، فاستحلّوها أو "فاستحلَوها، واتخذوها ديناً، لا يستغفرونَ اللّهَ منها، ولا يتوبونَ عنها، فسلَّطَ عليهِمُ الأعداءَ، وقادُوهُمْ أينَ شاؤوا."
يقول هذا الكلام الذي ذكره بعض السلف، مِنْ أينَ عَرَفَ قائلُ هذا؟! ما قالَهُ إبليسُ ولمْ يشاهدْ إبليسَ ولا حدَّثهُ بذلك؟" هنا النقطة التي تحتاج إلى تبيين، والحركة التي تحتاج إلى تسكين، والتشكيك الذي يحتاج إلى يقين.
قال: يجب أن تعلم أن بين الصحابة ثم التابعين وصالح الأمة -عليهم الرضوان- شؤون إلهام، وشؤون رؤى صادقة، وشؤون مكاشفات ومشاهدات يريهم الله أرواحهم كما يرى الرائي الرؤيا في النوم ويرونها في اليقظة! قال هذا يجب أن لا يغيب عن ذهنك وعن بالك أيها المؤمن فإن ذلك ما جاءت به الأخبار.
وإن رسول الله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله قال: "اتقوا في رأس المؤمن فإنه يرى بنور الله" رواه الترمذي.
وذكر ذلك سيدنا عثمان عندما دخل عليه بعضهم، وكان نظر إلى امرأة في الطريق تأمّل محاسنها ودخل، فلما دخل المسجد التفت إليه سيدنا عثمان، قال: يدخل أحدكم علينا وعلى عينيه أثر الزنا؟! تُب وإلا عزّرتك! قال: ما هذا! وحي بعد رسول الله يا عثمان؟ قال: لا، ولكن فراسةٌ صادقةٌ، سمعت النبي ﷺ يقول: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله". ويقول ﷺ في الحديث: "إن في أمتي محدَّثين" ما معنى محدَّثين؟ يُلقي الله تعالى في بالهم، يحدَّثون من قِبل الملائكة وإلهام ربّاني بأشياء غيبية، "فإن يكن في أمّتي منهم أحد فعمر" وفي رواية: "وإن عمر منهم"، فكان عمر من المحدَّثين.
حتى كان يقول عبد الله بن عمر: "ما سمعت أبي في شيء يقول أظنه يكون كذا إلا كان كما قال" عليه رضوان الله. وهو الذي نادى سارية وكان بنهاوند، سارية بنهاوند مع جماعة من الصحابة يجاهدون، وسيدنا عمر في المدينة المنورة، ونادى: يا سارية الجبل! وهو في الخطبة، حتى لما نادى بصوته: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل. الذين في المسجد عنده أيش من سارية وإيش من الجبل ما له أمير المؤمنين! كان بعضهم جنب سيدنا علي قالوا له: ما بال أمير المؤمنين؟! ضحك سيدنا علي تبسّم قال لهم: سيرجع إلى ما قال اسكت، رجع الخطبة وكمّلها، وجاءت الأخبار، وصل سيدنا سارية ومن معه، قال: في يوم الجمعة كنا في قتال مع المشركين فاستدار منهم جماعة من غير شعورنا من وراء من الجبل وأرادوا النزول علينا، فما سمعت إلا صوت عمر يخرق مسامعنا، يقول لي: يا سارية الجبل! فالتفتُّ ووجدتهم فاستقبلناهم وهزمناهم.
وأيش بلّغ ذا الخبر، وأيش بلّغ ذا الصوت، وكيف سمع ذاك من البعد ولا هواتف نقالة ولا إنترنت، لكن نور موجود، تجلّي موجود، تفضّل رباني موجود، أنت ما تؤمن إلا بالإنترنت الذي اكتشفه مدري من! والتجلي الرباني ما تؤمن به! والتفضل الإلهي ما تؤمن به؟… عقلكم كيف يصير؟ أنت عبد الحسّيّات والمادّيات، فأين رب البريات جلّ جلاله وتعالى في علاه.
وذا تكلم، وذاك سمع، كيف عرف واطلع! وأنقذهم الله تعالى بهذا الصوت. فأمثال هذا قالت السيدة عائشة أن سيدنا أبوبكر الصديق كان عزم يعطيها بعض مال من ملكه، فمرض قال لها يا ابنتي إني كنت عزمت أعطيك كذا كذا وسق، والآن قد مرضت وإنما هو مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاكِ. قالت أخواي، وأختي واحدة، ومن الثانية؟ قال: بطن في الجارية معها حملاً وأراه جارية، الأخت الثانية هنا وسط البطن. معروف سيدنا أبوبكر الصديق ما عنده هذه الأجهزة حق استكشاف الجنين، لكن معه عقل منوّر. قال: وإنما هما أخواك وأختاكِ، قالت: من أختي الثانية؟ قال: هذه فولدت بالبنت كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
يقول: أنت اذا لم تدرك سر الالهام وسر الرؤيا الصالحة التي هي جزء من ست وأربعين جزء من النبوة، وسر المكاشفات التي يكاشف الله بها سبحانه وتعالى أوليائه، فأنت على باب إنكار النبوة، ستنكر النبوة بعد ذلك، لأن كل فيض إلهي وتجلّي ربّاني يتجلى به سبحانه وتعالى على من يشاء، (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [غافر:15]، سبحانه عز وجل.
وإن كان هذا أيضًا محل تلبيس على بعضهم وادعاء ممّن لا يصح له شيءٌ منها؛ لا عنده إلهام صحيح، ولا عنده رؤيا صالحة، ولا عنده كشف ولكن يخاشف ويقول إنه يكاشف! نعم هذا محلات ادّعاء كما ناس ادعوا النبوة وليسوا بأنبياء -والعياذ بالله-، كذلك الناس يدعوا الولاية ولا هم بأولياء وذا يكثر في هذا، ولكن الميزان فيه: الاستقامة و الاتباع والاهتداء، ومن كانت أحواله وقرائن أحواله تدل على أنه مستقيم ورع صادق ثابت على السنة فهو أولى بأن يُقبل قوله وأن يُستقبل منه ما يقوله، ومن كان يعق والده، أو يسب المسلمين، يأخذ الربا، ويقول رأيت كذا ويقول كذا… فهو أحق من أن يرد عليه كلامه.. استقم على أمر الله تعالى.
لذلك قال سيدنا الجنيد بن محمد: ما نقبل رؤيا ولا مكاشفة من أحد إلا بشاهدي عدل؛ الكتاب والسنة. تشهد الكتاب والسنة لصحة هذا الكلام وهذا المعنى وأنه لا يتعارض مع الشرع المصون، وصاحبه على استقامة وثقة، قبلناه، أما عدا ذلك يروح يشل رؤياه له ويشل مكاشفته له؛ لأننا على بصيرة من ربنا وعلى أمر ثابت قوي ما يتحول ديننا الى مجرد مرائي ولا مكاشفات.
ولا يخرج حقيقة ديننا وعمق ديننا، مُكاشَفات ومرائي أهل الصلاح والتقوى، والنبي في صحيح البخاري: "ذهبت النبوّة وبقيت المُبشّرات"، ما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة، يراها الرجل أو تُرى له. نقول أيضًا كما جاء في صحيح البخاري: "الرُّؤْيا الحَسَنَةُ من الرجل المؤمن، -وفي لفظ: مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ- جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ "، صدق ﷺ. وأصحابه الأخيار كانوا عرضوا عليه بعض المرائي تتعلّق بأمور غيب، وأقرَّهم عليها، صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
وجاءه مَن جاءه يقول: رأيتُ فلان -الذي قُتِل مُستشهدًا في سبيلِ الله- ولكن مُغطٍ يده، لأنه لما تعب كان شَخَّطَ في يده جزَعًا، فسألتُه عن حالِهِ، قال: فأخبرني بما أتاه الله -تبارك وتعالى- وبما تكرّمَ عليه وبما أحسن. قال: ما لك مُغطيًا يدك؟ قال: فيها خطوط .قلت: لماذا؟ قال: أنا شخَطتُها. فقيل: ما أفسدتَهُ بيدِك لا نُصلِحهُ لك! خلّه لأنك أنت تجنّيتَ عليها. فلما قصّ الرؤيا على النبي، قال: "اللَّهُمَّ ولِيَدَيْهِ فاغْفِرْ". أقرَّ للرجل أمر يديه، وما أدراه أنه أقبل بين يدي الله وأنَّه عُوتِب على هذا، وأنه عُذِّب؟ رؤيا معه والنبي أقرّه عليها ﷺ . الرجل صادق وصالح لو كان كذّاباً لردّه، أقرَّه عليها وبنى دعاءً على الرؤيا، قال: "اللَّهُمَّ ولِيَدَيْهِ فاغْفِرْ"، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
وهكذا حتى أن سيدنا أبو بكر الصديق -عليه رضوان الله تعالى- أنفذ وصية بالرؤيا. وذلك أنه كان بعض الصحابة في الغزو في الجيش واستُشهد بعضهم، رآه أخوه يقول له: إنّ فلان ابن فلان في الخيمة عندي أخذ كذا وكذا مِن مالي وغنيمتي، استردَّها منه، وقُل لأبي بكر إني أوصيت بثلث لكذا... وأنه وضع الذي أخذه في المكان الفلاني وغطّاه بقدر. فانتبهَ وأخبر أميرهم، قال له: اذهب إلى المكان. ذهب وحصَّل المكان وحصَّل الرجل وسرقته، قال: بلِّغ أبا بكر، فبلّغ أبا بكر وكان الخليفة، وأنه أوصى بكذا، نفَّذَ وصيته برؤيا. وهذا أكثر الفقهاء يقولون: لا تصح، لكن أنفذها أبو بكر، وأبو بكر على بصيرة وعلى بيّنة؛ فقيه؛ تلميذ محمد ﷺ، تلمذَتُه له متميزة من بداية النبوة إلى أن لقِيَ ربه، بل كان صديقهُ قبل البعثة، وكان يستنشق نسيم خُلُقه الكريم ونوره العظيم ﷺ من قبل ظهور النبوة والرسالة، عليه الرضوان.
إذًا؛ هذا الحال؛
- لا نحن ممن يدّعي ولا يُحب المُدّعين، ولا يُغيّر شيء من أحكام الله وسنة رسوله بدعوى من رؤيا ولا مُكاشفة.
- ولا نحن جاهلين بقدر الرؤى الصحيحة والخواطر الطيبة الإلهامية الصحيحة التي تصدرُ مِن أرباب التقوى والورع، وليست تُخالف شيئًا مِن أحكام الله وشرعه وسنته. بل نُنزِلها المنزلة التي أنزلها الله فيها.
وهذا النبي يوسف عندنا يبني سياسة دولة كاملة على رؤيا، (وَقالَ المَلِكُ إِنّي أَرى سَبعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأكُلُهُنَّ سَبعٌ عِجافٌ وَسَبعَ سُنبُلاتٍ خُضرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا المَلَأُ) (أَفتوني في رُؤيايَ)، والعلماء عنده ما عرفوا لها معنى (قالوا أَضغاثُ أَحلامٍ) ... الذي كان في السجن مع يوسف قال: ذلك الذي في السجن نسيته كان يُؤول الرؤيا، (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ)، قال : من رآه؟ قال: الملك رأى، قال: قُل له: سبع سنين تأتي خصبة، وبعدها سبع سنين صعبة فقُل له: (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) واصِلوا الزراعة و وفّرُوا الحبوب (فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ)؛ لا تخرجوه من السنبلة خلُّوا الطعام وسط السنابل؛ لأنه سبحان الله وسط السنبلة لا يصيبه السوس ولا يتغير، (إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ) خذوا قدر ما تأكلونه هذا العام، والباقي خلّوه مخزون الأعوام السبع التي تأتي، (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ) وعاد زاد: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) [يوسف:43-49] مع أن الرؤيا ما فيها شيء بعد السبع سنين.
كان في الأيام التي كان معه في السجن قال له ولصاحبه: (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) وجاء هذا العلم من ربي بسبب: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ) [يوسف:37-38]؛ اتّباع الصالحين والبعد عن مذاهب الغافلين والمارقين والجاحدين سبب للتعليم هذا، (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ) [البقرة:282]. (ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي). ثم لما كلّمه الملك واستخلصَه لنفسه (قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) [يوسف:54]، فأقام السياسة في التغذية على مستوى المنطقة كلها على حسب الرؤيا حق الملك.
فما كل رؤيا ليس لها معنى، ولكن أي رؤيا جاءت واُدّعيت تخالف الأثر والسنة والكتاب والآداب النبوية فهي مردودة، مردودة على صاحبها. ولو قال الرائي: إني رأيت النبي يقول كذا.. وهو يُخالف شيء من أمر الشرع. قل له: رؤياك مردودة عليك والنبي ما يقول هذا، أنت ما فهمتَ منه، أنت فَهمك غلط، ولو كنت صادق أنك رأيت النبي، فالنبي ما يغلط، لكن أنت فهمك غلط.
وللإنصاف كان بعض الصالحين عندنا من آل العيدروس، أثبتوا عيد رمضان -أول يوم من شوال- برؤيا، فاستمروا في صيامهم وما خرجوا مع العيد. فالسلطان حق البلد وهو خارج للعيد قالوا له: إن فلان ما حضر العيد. قال: لماذا؟ يمكن يرى أن في الرؤيا شيء... قال: اذهبوا بنا إليه، ذهبوا به إليه، قال: ما لكم يا سيد ما حضرتم؟ قال: أنا البارحة رأيت النبي ﷺ سألته هل الليلة من رمضان أم من شوال؟ قال لي: من رمضان. قال: أنت رأيته في النوم ولا في اليقظة؟ قال: في النوم. قال: أنا رأيته في اليقظة يقول لي إن الليلة من شوال. قال: كيف هذا؟! قال: ما سمعت عن جدك يروي الصحابة أنه قال: "صوموا لرؤيتِه وأفطروا لرؤيتِه"؟ قال هذا وهو في اليقظة أم في النوم؟ قال: في اليقظة. قال: والصحابة هم في اليقظة أم في النوم؟ قال: في اليقظة. قال: والتابعين رووه عن الصحابة هم في اليقظة أم في النوم؟ قال: في اليقظة. ولما وصل إلى عندنا في اليقظة، قال: أنت في النوم رأيت!! بغيت نحن نقدم من جاءوا عندنا مَن يُشهَد لهم بالعدالة وعُدول وشهدوا بثبوت الشهر، وأثبتناه بناءً على كلام النبي. قال: هاتوا المشرب، وخرج مع السلطان وحضر العيد معه. مُنصِف.
قال ممكن أنا ما ضبطت الكلام لأن هذا جاء له بنص صريح، فما يتأتّى تتعارض النصوص مع رؤيا ولا مع كشف ولا مع غير ذلك. ولكن أرباب الثبات والاستقامة مرائيهم وإلهاماتهم ومُكاشفاتهم تنطوي كلها تحت نصوص الكتاب والسُّنة وما جاء به وهم الذين يُقبل منهم. وهكذا؛ فهناك الميزان للقبول والرد في هذا.
قال: "فإيَّاكَ أنْ يكونَ حظُّكَ مِنَ العلمِ إنكارَ كلِّ ما جاوزَ حدَّ قصورِكَ"؛ أنت ما عندك إلهام ولا عندك رؤيا صالحة ولا عندك كشف تُنكِر؟ ما عادها عند حد؟ لماذا؟ لأنها ليست عندك!.. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) [الأحقاف:11]، يعني الخير عندكم بس! والذي ما جاء من عندكم مافيه خير! عجيب..
وقال كثير من أهل العلم يصلحون أنفسهم هكذا، الذي يقصرون عنه ينكرونه عند الآخرين! لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. يقول: "ففيهِ هلكَ المتحذلقونَ مِنَ العلماءِ"، المتحذلقون المتطرفون في الكلام، يطلبون التميّز بين الناس والبروز بينهم، ويرون أنهم ما يفوتهم شيء، فيكذبون بالحق ويكذبون بالحقيقة لأنه ليس عندهم، إذا سلّموا بها سيزيد غيرهم عليهم، يتوقعون هكذا ويتوهمون، وهم يريدون يزيدون على كل أحد فيُنكرون. ويقول الحق: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) [يونس:39] .
فقل لمن يدعي بالعلم معرفةً *** عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء
قال: "الزاعمونَ أنَّهُم أحاطوا بعلومِ المعقولِ."، قال فهؤلاء يُنكرون كثير من الأمر الغيبي والواضح البيّن بالنصوص. قال: "والجهلُ خيرٌ مِنْ عقلٍ يدعو إلىٰ إنكارِ مثلِ هٰذهِ الأمورِ لأولياءِ اللهِ تعالىٰ" جاهل ما عنده علم ويُسلِّم لأولياء الله أقرب إلى رضوان الله وإلى قُربه ممّن يدّعي العلم ويُنكر على أولياء الله سبحانه.
قال: "ومن أنكر ذلك للأولياء.. لزمَهُ إنكارُهُ للأنبياء". فالأنبياء يتكلمون بالمُكاشفات وبالمُشاهدات وأمرُ الوحي كله غيب، كيف يأتيهم؟ هو؛ المُتجلّي هو واحد، الذي خصّص الأنبياء بوحي بالتشريع.
أما تقرأ في القرآن: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ)؟ ما هي نبي، أم موسى، ما يكون نبي امرأة، ليست نبي؛ ولكن وحي جاء لها؛ إلهام وبيان وإعلام بأخبارٍ مُستقبلية؛ (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص:7]، هذا ولدك نبي رسول، من أين جاءت بالخبر هذا؟ امرأة من بني إسرائيل تُعلَم ويُوحى إليها، ووليّات أمة محمد ما لهنّ شيء؟ من يمنعهن؟ أنت تمنعهن يعني؟! إذا المُعطي الوهاب ربك، بيعطي الأمم السابقة، وأمة حبيبه محمد بيُقصِّر عليهن ويمنعهن؟ مجنون أنت؟ ولماذا قصّ القصة ذي عليك في القرآن؟ لكي تجيء تُنكِر على الأولياء يعني؟ قصَّها عليك من أجل أن تقِف عند حدك، لكي تعرف أن الأشياء فوق فَهمك وفوق إحاطتك فلا تُنكِر عليها.
بل قال ربي أنا لي إلهامات حتى للحيوانات وليس فقط لبني آدم: (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) [النحل:68-69]. النحل مُطبِّق لهذا الوحي، إلهام من الله تبارك وتعالى. يُلهِم الحيوان، ما يُلهِم الولي؟! ما يُلهِم التقي؟ ما يُلهِم الصالح؟ لا إله إلا هو...
أين كرمُهُ وأين إحسانه؟ أنت ما عندك شيء؟ الناس عندهم.. إذا أنت ما عندك خلاص خلق الله ماعندهم شيء لأنه أنت ما عندك؟ ما يتأتّى هذا! ولكن هكذا العقول إذا زاغت وضلّت، قالوا: يدّعون أنهم أحاطوا بعلوم العقول وينكرون على أولياء الله، لا إله إلا الله.
"قالَ بعضُ العارفينَ: إنَّما انقطعَ الأبدالُ في أطرافِ الأرضِ واستتروا عنْ أعينِ الجمهورِ.. لأنَّهُمْ لا يطيقونَ النظرَ إلى علماءِ الوقتِ؛ لأنَّهُمْ عندَهمْ جهَّالٌ باللهِ تعالىٰ، وهُمْ عندَ أنفسِهِمْ وعندَ الجاهلينَ علماءُ."، ويدّعون العلم. فلهذا ثقل على الأبدال والمقرّبين مشاهدتهم ومُعاينة دعواهم، فأحبُّوا أن يبتعدوا.
"وقالَ سهلٌ التُّسْتَريُّ -رضيَ اللهُ عنه-: إنَّ مِنْ أعظمِ المعاصي الجهلَ بالجهلِ، والنظرَ إلى العامَّةِ، واستماعَ كلام أهل الغفلةِ.
وكلُّ عالمِ خاضَ في الدنيا فلا ينبغي أنَّ يُصغَىٰ إلى قولِهِ، بلْ ينبغي أنْ يُتَّهمَ في كلِّ ما يقولُ؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ يخوضُ فيما أحبَّ، ويدفعُ ما لا يوافقُ محبوبَهُ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالىٰ: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28].
والعوامُ العصاةُ أسعدُ حالًا مِنَ الجهَّالِ بطريقِ الدينِ، المعتقدينَ أنَّهمْ مِنَ العلماءِ؛ لأنَّ العاميَّ العاصيَ معترفٌ بتقصيرِهِ، فيستغفرُ ويتوبُ، وهذا الجاهلُ الظانُّ أنَّهُ عالمٌ، وأنَّ ما هوَ مشتغلٌ بهِ منَ العلومِ التي هيَ وسائلُهُ إلى الدنيا مِنْ سلوكِ طريقِ الدينِ.. فلا يتوبُ ولا يستغفرُ، بلْ لا يزالُ مستمرًّا عليهِ إلى الموتِ.
وإذْ غلبَ هٰذا علىٰ أكثرِ الناسِ إلا مَنْ عصمَهُ اللهُ تعالىٰ، وانقطعَ الطمعُ مِنْ إصلاحِهِمْ.. فالأسلمُ لدينِ المحتاطِ العزلةُ والانفرادُ عنهُمْ، كما سيأتي في كتابِ العزلةِ بيانُه إن شاءَ اللهُ تعالىٰ.
ولذلكَ كتبَ يوسفُ بنُ أسباطٍ إلى حذيفةَ المَرْعشيِّ: ما ظنُّكَ بمنْ بقيَ لا يجدُ أحدًا يذكرُ اللهَ تعالىٰ معهُ إلا كانَ آثمًا، وكانتْ مذاكرتُهُ معصيةٌ؟ وذلكَ أنَّهُ لا يجدُ أهلَهُ.
ولقدْ صدقَ؛ فإنَّ مخالِطَ الناسِ لا ينفكُّ عنْ غِيبةِ أوْ عنْ سماعِ غيبةٍ، أوْ عنْ سكوتٍ علىٰ منكرٍ، وأحسنُ أحوالِهِ أنْ يفيدَ علمًا أو يستفيدَهُ.
ولو تأمَّلَ هٰذا المسكينُ وعلمَ أنَّ إفادتَهُ لا تخلُو عنْ شوائبِ الرياءِ وطلبِ الجمعِ والرئاسةِ.. علمَ أنَّ المستفيدَ إنَّما يريدُ أنْ يجعلَ ذلكَ آلةً إلى طلبِ الدنيا، ووسيلةً إلى الشرِّ، فيكونَ هوَ مُعينًا لهُ علىٰ ذلكَ؛ ورِدْءًا وظهيرًا ومهيئًا لأسبابِهِ؛ كالذي يبيعُ السيفَ مِنْ قطَّاعِ الطريقِ، فالعلمُ كالسيفِ، وصلاحُهُ للخيرِ كصلاحِ السيفِ للغزوِ، وذلكَ لا يرخِّصُ في البيعِ ممَّنْ يعلمُ بقرائنِ أحوالِهِ أنَّهُ يريدُ بهِ الاستعانةَ علىٰ قطْعِ الطريقِ.
فهذهِ اثنتا عشرةَ علامةً مِنْ علاماتِ علماءِ الآخرةِ، تجمعُ كلُّ واحدةٍ منها جُمَلًا مِنْ أخلاقِ علماءِ السلفِ.
فكنْ أحدَ رجلينِ:
- إمَّا مُتَّصفًت بهذهِ الصفاتِ.
- أوْ معترفاً بالتقصيرِ معَ الإقرارِ بهِ.
وإيَّاكَ أنْ تكونَ الثالثَ فتلبِّسَ على نفسِكَ بأنْ تلقِّبَ آلةَ الدنيا بالدينِ، وتشبِّهَ سيرةَ البطَّالينَ بسيرةِ العلماءِ الراسخينَ، وتلتحقَ بجهلِكَ وإنكارِكَ بزمرةِ الهالكينَ الآيسينَ.
نعوذُ باللهِ مِنْ خدعِ الشيطانِ، فبها هلكَ الجمهورُ، ونسألُ اللهَ تعالى أنْ يجعلَنا ممَّنْ لا تغرُّهُ الحياةُ الدنيا، ولا يغرُهُ باللهِ الغَرورُ."
اللهم اجعلنا ممن لا تغرّه الحياة الدنيا ولا يغرّه بك الغرور.
اللهم اجعلنا ممن لا تغره الحياة الدنيا ولا يغرّه بك الغرور.
اللهم اجعلنا ممن لا تغره الحياة الدنيا ولا يغره بالله الغرور، آمين، آمين، آمين.
"يقول سيدنا سهلٌ التُّسْتَريُّ -رضيَ اللهُ عنه-: إنَّ مِنْ أعظمِ المعاصي الجهلَ بالجهلِ"، -يجهل بجهله؛ يجهل ويظن أنه عالم، "والنظرَ إلى العامَّةِ، واستماعَ كلام أهل الغفلةِ."؛ فليس هناك القدوة في العامة، القدوة في الخاصة الذين قال الله عنهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119]، (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) [لقمان:15]، ..هؤلاء، أمّا عامة الناس؟ عامة الناس أتباع كل ناعق، ما هم قدوة، القدوة المُنيبين والصادقين فقط.. هم القدوة.
- (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ).
- و(اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).
قال: "وكلُّ عالمِ خاضَ في الدنيا فلا ينبغي أنَّ يُصغَىٰ إلى قولِهِ"؛ كما قال الحق تعالى لداود: يا داود لا تسأل عني عالمًا أسكره حب الدنيا؛ فيصدّك عن سبيلي وأولئك قطاع الطريق على عبادي. يعني: إذا هو سكران بحب الدنيا لا تسأله عن دينك، هذا ما بيدلّك على الحق والهدى، ولا بينفعك فيما يقرّبك إليّ. لا تسأل عني عالمًا أسكره حب الدنيا فيَصدك عن سبيلي -محبتي- وأولئك قطاع الطريق على عبادي.
نعوذ بالله من غضب الله.
قال: "لأنَّ كلَّ إنسانٍ يخوضُ فيما أحبَّ، ويدفعُ ما لا يوافقُ محبوبَهُ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالىٰ: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)[الكهف:28]".
قال: "والعوامُ العصاةُ أسعدُ حالًا مِنَ الجهَّالِ بطريقِ الدينِ، المعتقدينَ أنَّهمْ مِنَ العلماءِ"؛ لِم؟ قال: "لأنَّ العاميَّ العاصيَ معترفٌ بتقصيرِهِ، فيستغفرُ ويتوبُ" ورحمة الله قريب منه، "وهذا الجاهلُ الظانُّ أنَّهُ عالمٌ، وأنَّ ما هوَ مشتغلٌ بهِ منَ العلومِ"، يتخذها وسائل، "إلى الدنيا مِنْ سلوكِ طريقِ الدينِ.. فلا يتوبُ ولا يستغفرُ"، ويشوف نفسه في خير،خلق الله فهو ملآن عجبًا، ملآن كبرًا، ذاك أقرب للرحمة منه، لا إله إلا الله- "بلْ لا يزالُ مستمرًّا" على هذا إلى أن يموتِ؛ وهو في عجبه وغروره.
قال: "وإذْ غلبَ هٰذا علىٰ أكثرِ الناسِ إلا مَنْ عصمَهُ اللهُ تعالىٰ.. فالأسلمُ لدينِ المحتاطِ"؛ من يحتاط لدينه؛ "العزلةُ والانفرادُ عنهُمْ"؛
- الابتعاد عن كل شيء يضيّع عليك وقتك وفكرك ودينك.
- وتجعل فقط صِلتك بالناس:
- بمقدار ما تدعوهم
- أو تستفيد منهم أو يستفيدون منك في دين أو دنيا وترتفع عما سوى ذلك.
قال: "كما سيأتي في كتابِ العزلةِ بيانُهُ إن شاءَ اللهُ تعالىٰ".
"ولذلكَ؛ كتبَ يوسفُ بنُ أسباطٍ إلى حذيفةَ المَرْعشيِّ: ما ظنُّكَ بمنْ بقيَ لا يجدُ أحدًا يذكرُ اللهَ تعالىٰ معهُ إلا كانَ آثمًا، وكانتْ مذاكرتُهُ معصيةٌ"؟ لِم؟ ما يجد أهل الذكر.
قال: "صدقَ"، كيف صدق؟ قال: لا ينفك من يخالط الناس "عنْ غِيبةِ أوْ عنْ سماعِ غيبةٍ"، من أول ما تسلم عليه وتقعد معه قده يتكلم على أحد، مشكلة كبيرة هذه، وقلوبهم مشحونة وألسنتهم تخوض في أعراض الناس، "أوْ عنْ سكوتٍ علىٰ منكرٍ، وأحسنُ أحوالِهِ أنْ يُفيدَ علمًا أو يستفيدَهُ". فقط وهكذا..
قال: "ولو تأمَّلَ هٰذا المسكينُ وعلمَ أنَّ إفادتَهُ لا تخلُو عنْ شوائبِ الرياءِ وطلبِ الجمعِ والرئاسةِ.. علمَ أنَّ المستفيدَ إنَّما يريدُ أنْ يجعلَ ذلكَ آلةً إلى طلبِ الدنيا، ووسيلةً إلى الشرِّ، فيكونَ هوَ مُعينًا لهُ"؛ مثل من يبيع سيفًا من قاطع طريق.
قال: "اثنتا عشرةَ علامةً" خصلة، "مِنْ علاماتِ علماءِ الآخرةِ، تجمعُ كلُّ واحدةٍ منها جُمَلًا مِنْ أخلاقِ علماءِ السلفِ" رضي الله عنهم.
قال: فيا أخي "كنْ أحدَ رجلينِ" واحد من اثنين-:
- "إمَّا مُتَّصفًت بهذهِ الصفاتِ" وأنت ماشاء الله من المُقرَّبين.
- ولكن نكون من الثَّاني: "أوْ معترفًا بالتقصيرِ معَ الإقرارِ بهِ"، آمنَّا وصدَّقنا وأقررنا بالحق واعترفنا بالتَّقصير وسألنا الله يأخذ بأيدينا ويُقربنا منهم ويرزقنا مُشابهتهم، آمين.
- "وإيَّاكَ أنْ تكونَ الثالثَ" لا أنت مُتَّصف بهذه الأوصاف، ولا أنت مقر بالإفلاس عنها ومعترف لأهلها. "تلقِّبَ آلةَ الدنيا بالدينِ، وتشبِّهَ سيرةَ البطَّالينَ بسيرةِ العلماءِ الراسخينَ، وتلتحقَ بجهلِكَ وإنكارِكَ بزمرةِ الهالكينَ الآيسينَ."
"نعوذُ باللهِ مِنْ خدعِ الشيطانِ، فبها هلكَ الجمهورُ"، عامَّة الناس هّلَكهُم بخدعه، يُخادعهم: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأعراف:17-18].
وقال في الآية الأخرى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)؛ الله يلحقنا بهذا الفريق. (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ) [سبأ:20-21] والعياذُ بالله تبارك وتعالى.
قال: "ونسألُ اللهَ تعالى أنْ يجعلَنا ممَّنْ لا تغرُّهُ الحياةُ الدنيا، ولا يغرُهُ باللهِ الغَرورُ." كما أمرَنا بذلك في كتابه: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر:5]، وهو الشيطان؛ عصمَنا الله منه ومن شرِّه.
إجابة سؤال
المُكاشفات هذه وأمثالها ليست مقصودة لذاتها، لا تُقصد لذاتها ولا تُطلَب، ولا تُعمَل الأعمال الصالحة من أجل حصولها؛ بل من أجل رضوان الله تبارك وتعالى. وهذا مما يقع الغلط فيه كثير من المنتمين، حتى من المنتمين إلى الطرق الصوفية وغيرها، يظن أن دخوله للمُكاشفات ومن شأن… .
هذه الأشياء تَعرِض ويعطيها الله من يشاء وليست هي مقصودة في حد ذاتها. وليست كل من فُتحت له أفضل ممن لم تفتح له، ليس الأمر كذلك.
والأفضل من كان أصدق وأوثق وأفقر إلى الله -تعالى- وأنور وأطهر، هو الأفضل عند الله سواءً يُكاشف أو ما يُكاشف، يَرى أو ما يَرى. ولكن قد تَعرِض وقد تكون علامة من علامات الخير.
فلا يُعبد الله من أجلها، فهي عطايا يُعطيها من يشاء، وليس الفضل والمنزلة عنده محصورة فيها؛ إلا ما كان من تصفيَة القلب عن الشوائب نعم.. فهذا مصدر فضل، ومصدر إحسان، يُقصد لأجل تحقيق طلب رضوانه سبحانه وتعالى.
وأمَّا ما عدا ذلك من انكشاف الأشياء، فهذه كما سمَّاها الإمام الحداد كرامات صورية، تُقابِلها كرامات حقيقية.
قال: الكرامات الصورية: تطّلع على شيء غائب عنك أو بعيد، أو تمشي على ماء، أو تطير في هواء، أو تقلب شيئًا من المواد ومن عين إلى عين؛ هذه كرامات صورية، تقع للأنبياء وتقع للأولياء وتقع للمُستدرجين وتقع للسحرة.. ونحوهم، تقع أمثال هذا، وفيها فارق ما بين هذا وهذا.
ولكن هذه الصورة تقع لهذا ولهؤلاء ولهؤلاء، حتى للدجال، حتى للدجال؛ يقول للسماء امطري تُمطِر، يقول للزرع اطلع يطلع مع يدّه هكذا، فتنة واختبار من الله تبارك وتعالى.
فليست في حد ذاتها مقصودة، وإنما يعطيها الله من يشاء من أوليائه، ويعطي حتى الأنبياء لما قالوا لهم أقوامهم: ائتونا بآية، ائتونا ببرهان، ائتونا بمعجزة.. قالوا: (وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [إبراهيم:11]، ما نجيب نحن الآيات والمعجزات على كيفنا ولا على كيفكم، إلا ما يريد الله إقامته حُجَّة ويُعطينا إياه؛ نُظهِره لكم ونتحداكم به، والأمر أمره سبحانه وتعالى.
ولكن الكرامات الحقيقية: الإخلاص، الزهد، الخشوع، المعرفة، المحبة؛ هذه كرامات حقيقية ما يُعطيها الله إلا لمن يُحِب، ولا شيء مثلها لا عند المشعوذين ولا عند الدجال.. ما عندهم مثلها، هذه مخصوصة، هذه كرامات حقيقية. اطلب الكرامات الحقيقية وخلَّك من الصورية، ولا تلتفت إليها، ويؤتيها الله من يشاء من الأخيار ومن الأشرار، ويكفيك ما بلَّغك النبي المختار، وقد تركنا على هُدىً وبصيرة.
فيَا رَبِّ ثَبِّتنا على الحَقِّ والهُدَى *** ويا ربِّ اِقبِضنَا على خير مِلَّةِ
ولكن النفوس تتشوَّف إلى الغرائب هذه، حتى الناس يظنون أن مَن يدَّعِيها ويُكاشَف بها أنه هو الولي الكبير! والولي الكبير؛ المُخلِص الصادق المُتَّقي المُتَّبِع.. هذا هو الولي الكبير، ما هو من تظهر على يده الخوارق.
وكما يظنون في الخطابة لمن يتقنها أنه هو العالِم الكبير؛ العالِم الكبير من يطّلع على المسائل وأصولها، أمَّا الخطابة.. حتى واحد معه كلمتين يخطب ساعة وساعتين.. يتلقَّف كلمات من هنا ومن هنا ويصَلِّح بها خُطَب! ما هو عالِم، ما عنده شيء..
- فالخطبة ليست دليل على العلم.
- وخوارق العادات ليست دليل على الولاية.
ولكن التقوى والاستقامة هي دليل الولاية؛ (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس:62-63]، قوة إيمان حقيقة تقوى.. هذه ولاية، هذه علامة الولاية. حتى كان يقول أبو حنيفة وسيدنا الشافعي، كلا منهم يقول: "إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي"، خلاص ما عاد حد ولي، إذا ما كانوا هؤلاء أولياء! إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي.
يا ربِّ وفِّقنا وثبِّتنا.
الإجازة
ختمنا الآن المقرر معكم من كلام الإمام الغزالي، والله يشرح صدوركم، وينوّر قلوبكم، ويأخذ بأيديكم، وينفعنا بهذا الكلام، كما نفع به أقوام قبلكم. أقوام قبلكم.. ما أقول عشرات، مئات، بل ألوف انتفعوا بهذا الكلام نفسه الذي قُرِئ عليكم، واهتدوا به، وتنوَّروا به، وكُشِفت الحُجُب بسببه، ونالوا القُرب بسببه. فكما نفع به -إن شاء الله- مَن نفَع ممن قبلنا ينفعنا وإياكم به.
ولكم الإجازة في مطالعته، ومطالعة أيضًا ما دار معنا في هذه الدروس، وتكرير النظر فيه، وحمل النفس على العمل بمقتضاه، ونشر ذلك وتعليمه، بل بقية "إحياء علوم الدين" لكم الإجازة في تأمله، والعمل بما فيه، وخصوصًا: ربع المهلكات وربع المنجيات، وأجزناكم في ذلك، وما يقرّبكم إلى الله تبارك وتعالى.
03 شَعبان 1447