آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 15 | علامات علماء الآخرة: تزكية الأعمال وصفاء البصيرة
الدرس الخامس عشر في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
مساء الأحد 22 رجب 1447هـ
من علامات علماء الآخرة: أن يكون أكثر بحثه عن علم الأعمال وعما يفسدها ويشوش القلوب ويهيج الوسواس ويثير الشر، ومنها: أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب، ولا على تقليد ما يسمعه من غيره
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:
"ومنها: أنْ يكونَ أكثرُ بحثِهِ عَنْ علَمِ الأعمالِ، وعمَّا يفسدُها ويشوِّشُ القلوبَ، ويهيِّجُ الوسواسَ ويثيرُ الشرَّ: فإنَّ أصلَ الدينِ التوقِّي مِنَ الشرِّ، ولذلكَ قيلَ:
عَرَفْتُ ٱلشَّرَّ لا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقَيهِ *** وَمَنْ لا يَعْرِفُ ٱلشَّرَ مِنَ ٱلنَّاسِ يَقَعْ فِيهِ
ولأنَّ الأعمالَ الفعليةَ قريبةٌ، وأقصاها بلْ أعلاها المواظبةُ على ذكْرِ اللهِ تعالىٰ بالقلبِ واللسانِ، وإنَّما الشأنُ في معرفةِ ما يفسدُها ويشوِّشُها، وهذا ممَّا تكثرُ شُعبُهُ ويطولُ تفريعُهُ، وكلُّ ذلكَ ممَّا يغلبُ مسيسُ الحاجةِ إليهِ، وتعمُّ بهِ البلوى في سلوكِ طريقِ الآخرةِ.
وأمَّا علماءُ الدنيا: فإِنَّهمْ يتبعونَ غرائبَ التفريعاتِ في الحكوماتِ والأقضيةِ، ويَتْعبونَ في وضع صورٍ تنقضي الدهورُ ولا تقعُ أبدا، وإنْ وقعتْ.. فإنّما تقعُ لغيرِهِمْ لا لهُمْ، وإذا وقعتْ.. كانَ في القائمينَ بها كثرةٌ، ويتركونَ ما يلازمُهُمْ ويتكرَّرُ عليهِمْ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ، في خواطرِهِمْ ووساوسِهِمْ وأعمالِهِمْ.
وما أبعدَ عنِ السعادةِ مَنْ باعَ مهمَّ نفسِهِ اللازمَ بمهمِّ غيرِهِ النادرِ؛ إيثاراً للقبولِ والتقرُّبِ مِنَ الخلقِ على القرْبِ مِنَ اللهِ تعالىٰ، وشَرَهاً في أنْ يسمِّيَهُ البطَّالونَ مِنْ أبناءِ الدنيا فاضلاً محقِّقاً عالماً بالدقائقِ!
وجزاؤُهُ مِنَ اللهِ ألاّ ينتفعَ في الدنيا بقبولِ الخلْقِ، بلْ يتكدَّرُ عليهِ صفوُهُ بنوائبِ الزمانِ، ثمَّ يرِدُ القيامةَ مفلساً متحسِّراً علىٰ ما يشاهدُهُ مِنْ ربْحِ العاملينَ وفوزِ المقرَّبينَ، وذلكَ هوَ الخسرانُ المبينُ.
ولقدُ كانَ الحسنُ البصريُّ -رحمه الله- أشبة الناسِ كلاماً بكلامِ الأنبياءِ -عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ-، وأقربَهُمْ هَدْياً مِنَ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-، اتفقتِ الكلمةُ في حقَّهِ على ذلكَ، وكانَ أكثرُ كلامِهِ في خواطرِ القلوبِ، وفسادِ الأعمالِ، ووساوسِ النفوسِ، والصفاتِ الخفيَّةِ الغامضةِ مِنْ شهواتِ النفسِ.
وقدْ قيلَ لهُ: يا أبا سعيدِ؛ إنَّكَ تتكلَّمُ بكلامٍ لا يُسمعُ مِنْ غيرِكَ، فمِنْ أينَ أخذتهُ؟ قالَ: مِنْ حذيفةَ بنِ اليمانِ".
الحمد لله مكرمنا بالتنبيه والتوجيه، لكل متوجهٍ نَبِيْه؛ فإنه في سُنَّته أن لا يبخل على من يرتجيه، وأن يأخذ بيد المقبل عليه فيقربه ويدنيه. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، استوى في علمه ظاهر الأمر وخافيه، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أكرم كريمٍ على الرحمن وأوجه وجيه. اللهم أدِم صلواتك على صاحب الجاه الواسع والقدر الرافع، عبدك الشافع سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أهل الاستقامة على موجبات الفوز الأسنى، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان في الحس والمعنى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين أبرزتهم هداية للعباد فضلًا منك ومَنًّا، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعدُ،
فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله- من علامات علماء الآخرة -جعلنا الله وإياكم منهم- "أنْ يكونَ أكثرُ بحثِهِ عَنْ علَمِ الأعمال" وماذا "يفسدُها" وماذا "يشوِّشُ القلوبَ" وماذا "يهيِّجُ الوسواسَ ويثير الشر"، وكيف يتوقى ذلك، ويبتعد عن ذلك، ويسلم من ذلك، ويتخلص من ذلك. "فإنَّ أصلَ الدينِ التوقِّي مِنَ الشرِّ".
ولما اجتمع عدد من كبار العارفين في القرن الثاني، وتذاكروا عن أفضل الأعمال؛ فقال بعضهم: القيام في الليل، وقال بعضهم: الجهاد في سبيل الله، وقال بعضهم: تلاوة القرآن والصيام …إلخ، وكان بينهم بعضُ أكابرهم ساكت، قالوا: ما تقول أنت؟ قال: أقول أفضل الطاعات ترك المعاصي. فقال لهم: تم الأمر.. تم. هذا هو القول الفصل؛ أفضل الطاعات ترك المعاصي؛ البعد عن الذنوب والسيئات والمخالفات، والغفلة عن رب البريات، والانتهاج بالقصد لغيره وإرادة سواه سبحانه وتعالى. التخلص من هذا؛ هذا أفضل الطاعات، البعد عن الذنوب والسيئات. ولهذا يقولون: التخلي قبل التحلي.
"فإنَّ أصلَ الدينِ التوقِّي مِنَ الشرِّ، ولذلكَ قيلَ:
عَرَفْتُ ٱلشَّرَّ لا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقَيهِ *** وَمَنْ لا يَعْرِفُ ٱلشَّرَ مِنَ ٱلنَّاسِ يَقَعْ فِيهِ
ولأنَّ الأعمالَ الفعليةَ قريبةٌ"، وتنتهي إلى "أقصاها بلْ أعلاها المواظبةُ على ذكْرِ اللهِ تعالىٰ بالقلبِ واللسانِ، وإنَّما الشأنُ في معرفةِ ما يفسدُها ويشوِّشُها"؛ ما يحبطها، ما يقطع صاحبها عن سرها وعن حقيقتها، ما يمنع صاحبها عن الدخول إلى الحضرة، ما يحول بينه وبين الشهود الأسنى.
- وأن يكون بدايةً على قدم أن يعبد الله كأنه يراه.
- ويرتقي منه إلى معاني خاصة في المعرفة الخاصة والمحبة الخالصة.
الانقطاع عن هذا شيء كبير، لكن ما يحس به أكثر الناس، ومن لا صدق له في إرادة الوصول إلى الله تعالى والدرجات في الآخرة؛ ما يفكر في هذا، وما يلتفت لهذا.
لكن هذا من علامات علماء الآخرة؛ يفكروا في هذا الأمر، يتدبروا في هذا الشأن، كيف يتخلصون من القواطع هذه والموانع التي تحجب عن الدخول للحظائر القدسية، وتمنع من الوصول إلى مقعد الصدق؛
في مقعد الصدق الذي قد أشرقت *** أنواره بالعند يا لك من سَنَا
(عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) أشرقت أنواره بالعند؛ عندية الحق تعالى (عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ)[القمر:55].
والمتقون رجاله وحضوره *** يا ربي ألحقنا بهم يا ربنا
يا ربي ألحقنا بهم يا ربنا.
وهكذا يقول: "وهذا ممَّا تكثرُ شُعبُهُ ويطولُ تفريعُهُ، وكلُّ ذلكَ ممَّا يغلبُ مسيسُ الحاجةِ إليهِ"، المؤمن محتاج في سيره إلى الله إلى ذلك "وتعمُّ بهِ البلوى في سلوكِ طريقِ الآخرةِ" فتأتي القواطع والحواجز والخواطر السيئة والغفلة الباطنة والإرادة لغير الله تتسلل إلى قلب الإنسان، هو أمر ضروري بالنسبة له، لابد يهتم به، لابد يعتني به، لابد يعمل على التخلص من هذه القواطع كلها. يا رب أكرمنا بالخلاص.
قال شاعرهم:
إني بليتُ بأربعٍ يرمينني *** بسهامِ قوسٍ ما لها تفتيرُ
إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى *** يا ربِّ أنت على الخلاص قديرُ
هذه الأعداء الأربعة:
إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى *** يا ربِّ أنت على الخلاص قديرُ
واحفظ القلبَ أن يُلِمَّ بهِ الَّشيـ *** ـطانُ والنفس والهوى والدَّنية
هؤلاء الأربعة الأعداء.
يقول: "وأمَّا علماءُ الدنيا:" ما يفكرون في هذا، أين ينصرف فكرهم؟ جماعة منهم ذَكَرَهم: "يتبعونَ غرائبَ التفريعاتِ في الحكوماتِ والأقضيةِ"؛ لأن هذا هو محل ظهورهم بين الناس ووصولهم إلى أغراضهم القصيرة، فيركزون عليه، ويَتْعبونَ في وضع صورٍ تنقضي الدهورُ ولا تقعُ" لوكان كذا …لو كان كذا، "وإنْ وقعتْ.. فإنّما تقعُ لغيرِهِمْ لا لهُمْ، وإذا وقعتْ"، في أي زمان، وفي أي مكان، "كانَ في القائمينَ" بأمر الدين "بها كثرةٌ" بيكفون فيها.
"ويتركونَ ما يلازمُهُمْ ويتكرَّرُ عليهِمْ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ، في خواطرِهِمْ ووساوسِهِمْ وأعمالِهِمْ" يقطعهم، ويمنعهم، ولا يبالون به، ويفرِّعون مسائل، ويفترضون وقائع، وكيف.. وكيف، للتبجُّح والظهور وشيء من هذا الكلام، ومنصرفين لذلك، والشيطان يمنِّيهم ويقول لهم: هذا العلم.. أنتم أهل العلم، وأكرم الخلق وأفضل الأمة وأنتم وأنتم…إلخ، ويصدقونه!.. لا إله إلا الله، وهكذا تمر عليهم أعمارهم.
قال: "وما أبعدَ عنِ السعادةِ مَنْ باعَ مهمَّ نفسِهِ"؛ الأمر الذي يهمه في نفسه وذاته ويترتب عليه سعادته وشقاوته، يبيعه "بمهمِّ غيرِهِ النادرِ"؛ مهم لغيره نادر أن يقع؛ "إيثاراً للقبولِ"؛ أي: عند الناس "والتقرُّبِ مِنَ الخلقِ على القرْبِ مِنَ اللهِ" والقبول عند الخلاق -جل جلاله وتعالى في علاه-، فالالتفات إلى الناس دليل الإفلاس؛ أن هذا الإنسان مفلس من صدقه مع الله، مفلس من معرفته بالله، مفلس من أدبه مع الله، فيأنس بالناس، ويلتفت إلى الناس يريد الناس.
ولذا يقول الإمام الحداد:
دَعِ النّاسَ يا قَلبي يَقولونَ ما بَدا *** لهم وَاتَّثِق بِاللَهِ رَبِّ الخَلائِقِ
جل جلاله وتعالى في علاه، هو الذي يقرِّب ويبعد وينفع…
دَعِ النّاسَ يا قَلبي يَقولونَ ما بَدا *** لهم وَاتثِق بِاللَهِ رَبِّ الخَلائِقِ
وَلا تَرتَجِي في النَفعِ وَالضُرِّ غَيرَهُ *** ……………………
أبعِد الأوهام؛ هذا بيقدمك، هذا بيؤخرك، هذا بيرفعك، هذا بيخفضك، من دونه هو ما أحد، والذين هم بأمره يقومون على الصلاح والهداية علاماتهم واضحة، ولا يأخذون بقلبك لا لأنفسهم ولا لشيء آخر غيره سبحانه وتعالى.
وَلا تَرتَجي في النَفعِ وَالضُرِّ غَيرَهُ *** تَبَاركَ مِن رَبٍّ قَدِيرٍ وَخَالِقِ
فَلَيسَ لِمَخلوقٍ مِنَ الأَمرِ هَاهُنا *** وَلا ثَمَّ شَيءٌ………….
لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا في الأرض ولا في السماء.
فَلَيسَ لِمَخلوقٍ مِنَ الأَمرِ هَاهُنا *** وَلا ثَمَّ شَيءٌ فَاعتَمِد قَولَ صادِقِ
هُوَ الرَبُّ لا رَبٌّ سِواهُ وَكُلُّهُم *** عَبيدٌ وَتَحتَ الحُكمِ مِن غَيرِ فارِقِ
نَعَم بَعضُهُم مِمَّن يُحِبُّ وَيَرتَضي *** لِطاعَتِهِ وَالبَعضُ عاصٍ وَمارِقِ
بِتَوفيقِهِ صارَ المُطيعُ يُطيعُهُ *** وَخالَفَ بِالخذلانِ كُلُّ مُفارِقِ
فَسَل رَبَّكَ التَوفيقَ والعَفوَ والرِّضا *** وكونًا مع أهل الهدى والطَّرائقِ
أكرمنا اللهم بالتوفيق وبالعفو وبالرضا واجعلنا مع أهل الهدى والطرائق.
من هم هؤلاء أهل الهدى والطريق الصحيحة؟
قال:
رِجالٌ إِلى الرَحمَنِ ساروا …*** …………………..
إلى أين؟ ما هو إلى الوظيفة، ما هو إلى الوزارة، ما هو إلى الظهور، ما هو إلى سمعة في الأرض.. إلى الرحمن ساروا، ولا إلى السماء.. ساروا إلى ربِّ الأرض والسماء.
رِجالٌ إِلى الرَحمَنِ ساروا بَهِمَّةٍ *** …………………..
ما تقبل الطريقة والسير إلى الله تَضَعضُع وضُعف وتخاذُل، (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ)[البقرة:63]، (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)[المزمل:8]؛ يقول الله لحبيبه ﷺ: انقطع إلي انقطاع.
رِجالٌ إِلى الرَحمَنِ ساروا بَهِمَّةٍ *** عَلى الصِدقِ وَالإِخلاصِ مِن غَيرِ عائِقِ
فَنالوا الَّذي كُلُّ المَطالِبِ دونَهُ *** ……………….
كل ما تتخيله أنت وغيرك من الناس من المطالب العظيمة دون الذي حصَّله هؤلاء، هؤلاء حصَّلوا فوق كل ما يخطر على الناس من مطالب.
فَنالوا الَّذي كُلُّ المَطالِبِ دونَهُ *** فَلِلَّهِ مِن عَيشٍ كَريمٍ وَرائِقِ
طيب.. تجيب لنا لمحة أو مسحة أو نفحة من هذا العيش هذا الذي هم فيه والذي نالوه؟
قال:
دُنُوٌّ وَتَقريبٌ وَأُنسٌ بِحَضرَةٍ *** مُقَدَّسَةٍ في مُنتَهى كُلِّ سابِقِ
فَآهٍ عَلى عَيشِ الأَحِبَّةِ كَم أَسى *** عَلَيهِ وَكَم دَمعٍ عَلى الخَدِّ دافِقِ
فهؤلاء ما يلتفتون إلى كلام الناس.
"وما أبعدَ عنِ السعادةِ مَنْ باعَ مهمَّ نفسِهِ اللازمَ بمهمِّ غيرِهِ النادرِ؛ إيثاراً للقبولِ والتقرُّبِ مِنَ الخلقِ على القرْبِ مِنَ اللهِ تعالىٰ، وشَرَهاً في أنْ يسمِّيَهُ البطَّالونَ مِنْ أبناءِ الدنيا فاضلاً محقِّقاً عالماً بالدقائقِ!"؛ هذا قصده.. وبعدين؟ فحصَّلت.. وقالوا كذا، وبعدين؟ ما النتيجة؟.. وقليل ولا عاد أنت ولا هُم، ووقفت بين يديه.. ما الذي معك؟ كيف تقابله؟ عشتَ من أجل الخلق يقولون؟.. قالوا، وبعدين؟ ولقيته بأي قلب؟ طول عمرك قصدتهم وما قصدته، وأردتهم وما أردته، ورجعت لعنده أنت وإياهم ما الفائدة؟ لا إله إلا الله...
- ولهذا يقال للعالم الذي أراد الناس: إنما تعلمت ليقال هو عالم، فقد قيل؛ خلاص.. قَد قيل، ماعاد هناك جزاء ثاني، ماذا تبغي؟ "فأُمِر به فسُحِبَ على وجهِه حتى أُلقيَ في النارِ".
- والثاني المتصدق، يقال: إنما تصدقت ليقال هو سخيٌّ جواد، فقد قيل، والآن "فأُمِر به فسُحِبَ على وجهِه حتى أُلقيَ في النارِ".
- وذاك في الصورة بذل روحه، قُتل، قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، قال إنما قاتلت ليقال هو جريء شجاع، فقد قيل، "فأُمِر به فسُحِبَ على وجهِه حتى أُلقيَ في النارِ".
أيش بينفعك قول الناس قالوا كذا وكذا؟..وبعدين ما النتيجة؟ ما العاقبة؟ ما النهاية؟ ما وراء ذلك؟ لا إله إلا الله...
قال: "وجزاؤُهُ مِنَ اللهِ ألاّ ينتفعَ في الدنيا بقبولِ الخلْقِ"، إذا ابتلاه الله واختبره بقبول الخلق عليه وهو قاصدهم، وزاد غروره، فما هو إلا مدة مؤقتة ومظاهر محددة، وبعدها تبدأ المشاكل والخربطة بينه وبين ذا وذا، ولا ينتفع بقبولهم عليه ولا بإقبالهم عليه ولا بتوجههم، وإذا دخل في مشاكل وسباب وفتن.. وتعب في الدنيا "يتكدَّرُ عليهِ صفوُهُ بنوائبِ الزمانِ"؛ تنوبه من وقت إلى وقت، "ثمَّ يرِدُ القيامةَ مفلساً متحسِّراً علىٰ ما يشاهدُهُ مِنْ ربْحِ العاملينَ وفوزِ المقرَّبينَ"؛ الذين عملوا لوجه الله الكريم وأخلصوا له، "وذلكَ هوَ الخسرانُ المبينُ." -لا إله إلا الله-، (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)[الزمر:15].
"ولقدُ كانَ الحسنُ البصريُّ -رحمه الله- أشبة الناسِ كلاماً بكلامِ الأنبياءِ -عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ-" شبَّه كلامه بكلام الأنبياء، "وأقربَهُمْ هَدْياً مِنَ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-، اتفقتِ الكلمةُ في حقَّهِ"، على هذه الأوصاف العظيمة، "وكانَ أكثرُ كلامِهِ في خواطرِ القلوبِ، وفسادِ الأعمالِ، ووساوسِ النفوسِ"، وهؤلاء من التابعين:
- سيدنا علي زين العابدين.
- وسيدنا الحسن البصري.
- وسيدنا سعيد بن المسيب.
أحيوا علم الإحسان، جددوا في الأمة علم الإحسان، حتى وَرِثَهم من وَرِثَهم بعدين إلى:
- الحارث المحاسبي.
- ومن ثم إلى مثل أبي طالب المكي.
- ومن وَرِثَهم بعد ذلك إلى الجنيد بن محمد سيد الطائفة في بغداد.
إلى من بعدهم.. اشتغلوا بعلم الإحسان.
قال: "وكانَ أكثرُ كلامِهِ في خواطرِ القلوبِ، وفسادِ الأعمالِ، ووساوسِ النفوسِ، والصفاتِ الخفيَّةِ الغامضةِ مِنْ شهواتِ النفسِ.
وقدْ قيلَ لهُ: يا أبا سعيدِ؛ إنَّكَ تتكلَّمُ بكلامٍ لا يُسمعُ مِنْ غيرِكَ، فمِنْ أينَ أخذتهُ؟ قالَ: مِنْ حذيفةَ بنِ اليمانِ".
وكان له أخذٌ أيضًا عن سيدنا علي بن أبي طالب، هو سيدنا الحسن البصري، وكان بحكم الوضع وولاية الذين كرهوا سيدنا علي؛ ما عاد صار يصرّح باسمه، حتى قال لبعض أصحابه: في كل حديث قلت: قال رسول الله ولم أذكر صحابي؛ فهو عن علي، أخذته عن علي، ما عاد صار يصرّح باسمه من خوف تربص هؤلاء، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
وله أخذ عن سيدنا حذيفة؛ سيدنا حذيفة مخصوص بسر المنافقين، وكما تسمع أنه كان يسأل النبي عن الشر، فكان آية من الآيات، حذيفة بن اليمان -عليه رضوان الله تعالى-، والذي قُتل والده في أُحُد وكان بالخطأ بأسياف المسلمين وهم في القتال ما عرفوه، حتى كان يقول: أبي.. أبي! ما عرفوه، فأراد النبي يَدِيَه، فقال: لا يا رسول الله، هو شهيد؟ قال: نعم هو شهيد، قال: ما أريد دية، وهو في سبيل الله. وخصّه ﷺ بهذا السر، فكان يعرف أهل النفاق.
حتى كان سيدنا عمر يكرّر عليه: هل أنا من أهل النفاق؟ هل ذكرني رسول الله فيهم؟ هل أنا من المنافقين؟.. عمر بن الخطاب خاف على نفسه، لما كرر عليه قال: يا أمير المؤمنين لست منهم ولا أزكي بعدك على الله أحدا.
"وقيلَ لحذيفةَ: نراكَ تتكلّمُ بكلامِ لا يُسمعُ مِنْ غيرِكَ مِنَ الصحابةِ، فمنْ أينَ أخذتهُ؟ قالَ: خصَّنى بهِ رسولُ اللهِ ﷺ، كانَ الناسُ يسْألونَهُ عنِ الخيرِ وكنتُ أسْأَلُهُ عنِ الشرِّ مخافةَ أنْ أقعَ فيهِ، وعَلِمتُ أنَّ الخيرَ لا يسبقني.
وقالَ مرَّةً: فعلمتُ أنَّ مَنْ لا يعرفُ الشرَّ لا يعرفُ الخيرَ، وفي لفظ آخرَ: كانَ الناسُ يقولونَ: يا رسولَ اللهِ؛ ما لِمَنْ عملَ كذا وكذا؟ يسألونَهُ عنْ فضائلِ الأعمالِ، وكنتُ أقولُ: يا رسولَ اللهِ؛ ما يفسدُ كذا وكذا؟ فلما رآني أسألُهُ عنْ آفاتِ الأعمالِ.. خصَّني بهذا العلمِ.
وكانَ حذيفةُ -رضيَ اللهُ عنهُ- أيضاً قدْ خُصَّ بعلْمِ المنافقينَ، وأُفرِدَ بمعرفةِ عِلْمِ النفاقِ وأسبابِهِ ودقائقِ الفتنِ، فكانَ عمرُ وعثمانُ وأكابرُ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ- يسألونَهُ عنِ الفتنِ العامَّةِ والخاصَّةِ.
وكانَ يُسألُ عنِ المنافقينَ فيخبرُ بأعدادِ مَنْ بقيَ منهُمْ، ولا يخبرُ بأساميهِمْ.
وكانَ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- يسألُهُ عنْ نفسِهِ: هلْ يعلمُ بهِ شيئاً مِنَ النفاقِ؟ فبرَّأهُ مِنْ ذلكَ.
وكانَ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- إذا دُعيَ إلىٰ جنازةٍ ليصلِّيَ عليها.. نظرَ: فإنْ حضرَ حذيفةُ.. صلَّىٰ عليها، وإلا.. تركَ.
وكان يُسمَّىٰ: صاحبَ السِّرِّ.
فالعنايةُ بمقاماتِ القلبٍ وأحوالِهِ هوَ دأبُ علماءِ الآخرةِ؛ لأنَّ القلبَ هوَ الساعي إلىٰ قرْبِ اللهِ تعالىٰ.
ولقد صارَ هذا الفنُّ غريباً مندرساً، وإذا تعرَّضَ العالمُ لشيءٍ منهُ.. استُغرِبَ واستُبعدَ، وقيلَ: هذا تزويقُ المذكِّرينَ، فأينَ التحقيقُ؟ ويرونَ التحقيقَ في دقائقِ المجادلاتِ.
ولقدْ صدقَ مَنْ قالَ:
الطُّرْقُ شَتَّىٰ وَطُرْقُ الْحَقِّ مُفْرَدَةٌ *** وَٱلسَّالِكُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ أَفْرَادُ
لاَ يُعْرَفُونَ وَلَاَ تُدْرَىٰ مَقَاصِدُهُمْ *** فَهُمْ عَلَىٰ مَهَلٍ يَمْشُونَ قُصَّادُ
وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ *** فَجُلُهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ رُقَّادُ
وعلى الجملةِ: فلا يميلُ أكثرُ الخلْقِ إلا إلى الأسهلِ والأوفَقِ لطباعِهِمْ؛ فإنّ الحقَّ مرُّ، والوقوفَ عليهِ صعبٌ، وإدراكَهُ شديدٌ، وطريقَهُ مستوعرٌ، ولا سيما معرفةُ صفاتِ القلبِ وتطهيرِهِ عنِ الأخلاقِ المذمومةِ؛ فإنَّ ذلكَ نزْعٌ للروحِ على الدوامِ، وصاحبُهُ يُنزَّلُ منزلةَ شاربِ الدواءِ يصبرُ علىٰ مرارتِهِ رجاءَ الشفاءِ، ويُنزَّلُ منزلةَ مَنْ جعلَ مدَّةَ العمرِ صومَهُ، فهوَ يقاسي الشدائدَ ليكونَ فِطرُهُ عندَ الموتِ، ومتى تكثرُ الرغبةُ في مثلِ هٰذا الطريقِ؟!
ولذلكَ قيلَ: إنَّهُ كانَ في البصرةِ مئةٌ وعشرونَ متكلّماً في الوعظِ والتذكيرِ، ولمْ يكنْ مَنْ يتكلّمُ في علم اليقينِ وأحوالِ القلوبِ وصفاتِ الباطنِ إلا ثلاثةٌ: سهلٌ التُّسْتَريُّ، والصُّبيحيُّ، وعبدُ الرحيمِ، وكانَ يجلسُ إلىٰ أولئكَ الخلقُ الكثيرُ الذي لا يُحصى، وإلىٰ هؤلاءٍ عددٌ يسيرٌ قلَّما يجاوزُ العشرةَ؛ لأنَّ النفيسَ العزيزَ لا يصلحُ إلا لأهلِ الخصوصِ، وما يُبذلُ للعمومِ فأمرُهُ قريبٌ."
وهكذا سيدنا حذيفة -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- قالوا له: إذًا تتكلم بكلام ما نسمعه من كثير من الصحابة قال: من رسول الله، "خصَّنى بهِ رسولُ اللهِ ﷺ، كانَ الناسُ يسْألونَهُ عنِ الخيرِ وكنتُ أسْأَلُهُ عنِ الشرِّ مخافةَ أنْ أقعَ فيهِ، وعَلِمتُ أنَّ الخيرَ لا يسبقني."؛ أي: لا يفوتني.
"وقالَ مرَّةً: فعلمتُ أنَّ مَنْ لا يعرفُ الشرَّ لا يعرفُ الخيرَ"، يعني: ما يستقيم على خير صافٍ إلا إن عرَف الشر؛ حتى لا يُداخِل هذا العمل الذي ظاهره خير شيئًا من الشر؛ فيتنقى خيره عن الشرور.
"كانَ الناسُ يقولونَ: يا رسولَ اللهِ؛ ما لِمَنْ عملَ كذا وكذا؟ يسألونَهُ عنْ فضائلِ الأعمالِ، وكنتُ أقولُ: يا رسولَ اللهِ؛ ما يفسدُ كذا وكذا؟" وما يفسد كذا وكذا من العبادة؟، قال: "فلما رآني أسألُهُ عنْ آفاتِ الأعمالِ.. خصَّني بهذا العلمِ.".
"خُصَّ -أيضًا- بعلْمِ المنافقينَ"؛ فيعرفهم بسيماهم، ويعرف أيضًا أشخاصهم، والذين كانوا في عهده ﷺ معدودين من المنافقين يموت بعضهم بعد الثاني، ولكن هؤلاء الذين كانوا في عهده. ولكن يقول -كما نُقِل عنه وعن غيره-: أنهم بَعد رسول الله ﷺ صاروا كثير من غير الذين كانوا في عهده ﷺ، حتى يقول الحسن: لو نبتت للمنافقين أذناب لامتلأت بهم شوارع البصرة، -لا إله إلا الله-.
"وكانَ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- يسألُهُ عنْ نفسِهِ" -كما ذكر- "فبرَّأهُ مِنْ ذلكَ"، وقال: لا أزكِّي بعدك على الله أحدًا؛ لأنه مأمون على هذا السر وممنوع أن يخبر به، وإلا بيجون الناس كلهم بيقولون: هل أنا منهم؟.. هل أنا منهم؟…
"وكانَ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- إذا دُعيَ إلىٰ جنازةٍ"، ويعلم أن حذيفة داري بها وقريب منها، وما عنده عذر، ينظر حضر أم ماحضر؟ إذا حضر يطمئن ويصلي عليها، وإذا ما حضر حذيفة؛ يبتعد سيدنا عمر ويقول: ما تخلف وهو قادر على الحضور؛ إلا وهو يعلم فيه شيء. -لا إله إلا الله-.
"وكان" سيدنا حذيفة "يُسمَّىٰ صاحبَ السِّرِّ"، كما رواه البخاري.
قال: "فالعنايةُ بمقاماتِ القلبٍ وأحوالِهِ هوَ دأبُ" وطريقة ومسلك "علماءِ الآخرةِ"؛ لأن الإنسان ما يسعى إلى الله إلا بقلبه؛ قلبه هذا الذي يعتلي فيه من الوجهات والنيات والحضور والفكر، هو الذي يسير به إلى الله، أما الجسد محلُّه في الأرض ويرجع إلى بطن الأرض ويخرج منها ثاني مرة، لكن السير إلى الله بالقلب. أصلِح اللهم قلوبنا ونقِّها، وأوصلنا إليك.
قال: "صارَ هذا الفنُّ غريباً مندرساً"؛ يقول هذا وهو في ذاك القرن -عليه رحمة الله-؛ في القرن الخامس، وفي أول السادس توفي سنة 505هـ -عليه رحمة الله- وهو ابن خمس وخمسين سنة، قال: إذا ذكروا هذا الكلام الذي يشبه كلام الحسن البصري ويشبه كلام حذيفة عند كثير من المنسوبين للعلم، يقولون: "هذا تزويقُ المذكِّرينَ"، هل لنا من عين التحقيق؟.. ما التحقيق؟ قال: "دقائقِ المجادلاتِ" الذي عندهم، هذا يسمونه التحقيق!.. وما التحقيق إلا كلام أهل سلوك الطريق.
الطُّرْقُ شَتَّىٰ وَطُرْقُ الْحَقِّ مُفْرَدَةٌ *** وَٱلسَّالِكُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ أَفْرَادُ
لاَ يُعْرَفُونَ وَلَاَ تُدْرَىٰ مَقَاصِدُهُمْ *** فَهُمْ عَلَىٰ مَهَلٍ يَمْشُونَ قُصَّادُ
وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ *** فَجُلُهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ رُقَّادُ
"الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا".
"فلا يميلُ أكثرُ الخلْقِ إلا إلى الأسهلِ والأوفَقِ لطباعِهِمْ؛ فإنّ الحقَّ مرُّ، والوقوفَ عليهِ صعبٌ، وإدراكَهُ شديدٌ، وطريقَهُ مستوعرٌ، ولا سيما معرفةُ صفاتِ القلبِ وتطهيرِهِ عنِ الأخلاقِ المذمومةِ". اللهم انظر إلى قلوبنا وطهرها، يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك.
قال: "فإنَّ ذلكَ نزْعٌ للروحِ على الدوامِ" مثل نزع الروح؛ لأنها مجاهدة؛ هذه حقيقة المجاهدة، وجاهد تشاهد. ولهذا كان بعض الصالحين يرتب سنة للغزو وسنة يقعد فيها للعبادة وسنة للعلم.
وكان سيدنا عبد الله بن المبارك هكذا مرتب: سنة للعلم، وسنة للغزو، وسنة للحج، وهذا الرجل كان يرتب سنة للخروج في الغزو، وسنة يتفرغ فيها للعبادات والطاعات، وفي كل مرة يجد النفس ما تحب الجهاد.. وهو يخرج، وفي سنة حصَّل نفسه تريد تخرج، فقال: ما عادتها هذه! ولا ذاك إلا معها غرض، ما أدري ما معها من غرض! تريدني أخرج هذه المرة! قال: لعلها تريد سمعة بين الناس ،قال: اسمعي.. بنروح إلى محل بعيد في الجهاد لا أحد يعرفك أبداً، قال: فطاوَعَتني.. قالت: تمام، أي سوء فيها هذه!! قلت لها: بس بجيء إلى مقدمة الصفوف تُقتَلين سريع. قالت: تمام، قلت: يارب اكشف لي ما مرادها! ما غرض النفس هذه؟.. فلما نام رأى نفسه، قال: ما لكِ هذه المرة تبغين تخرجين الجهاد؟ كل مرة تخرجين مُكرَهَة! قالت: قتلتني!!... أنت تقتلني كل يوم كذا كذا مرة.. فقلت: أحسن قتلة واحدة ولا قتلات كثير!.. قالت: أنت بمجاهداتك هذه تقتلني كل يوم كذا كذا مرة، فقلت: هذي المرة خلاص أحسن قتلة واحدة ونتخلَّص منه. قال: الأمر كذا!!.. السنة هذه ماشي خروج أنا محلِّي هنا، قال: ليَكمُل قتلكِ هنا، وبعدين بيقع الخروج في الجهاد. لا إله إلا الله…
قال: "فإنَّ ذلكَ نزْعٌ للروحِ على الدوامِ، وصاحبُهُ يُنزَّلُ منزلةَ شاربِ الدواءِ يصبرُ علىٰ مرارتِهِ رجاءَ الشفاءِ، ويُنزَّلُ منزلةَ مَنْ جعلَ مدَّةَ العمرِ صومَهُ، فهوَ يقاسي الشدائدَ ليكونَ فِطرُهُ عندَ الموتِ، ومتى تكثرُ الرغبةُ في مثلِ هٰذا الطريقِ؟!"؛ النفوس ما ترغب فيه، إلا من قصد الله وقصد الدرجات العلا.
"ولذلكَ قيلَ: إنَّهُ كانَ في البصرةِ مئةٌ وعشرونَ متكلّماً في الوعظِ والتذكيرِ"، ويحضرون عندهم ناس كثير، لكن ثلاثة كانوا يتكلمون في علم اليقين وأحوال القلوب، بس ما يحضر عندهم أكثر من عشرة في المجلس حقهم: "سهلٌ التُّسْتَريُّ، والصُّبيحيُّ، وعبدُ الرحيمِ"، ولكن مرُّوا من ذاك القرن إلى الآن كذا كذا قرن، فقط آثار التُّسْتَريُّ والصُّبيحيُّ وعبدُ الرحيمِ، وكلامهم موجود، وأولئك المتكلمين ماعاد لهم أثر، وهؤلاء القليل بقي أثرهم في الأمة وبقي خيرهم في الأمة، وأولئك ذهبوا؛ "لأنَّ النفيسَ العزيزَ لا يصلحُ إلا لأهلِ الخصوصِ".
"ومنها: أنْ يكونَ اعتمادُهُ في علومهِ علىٰ بصيرتِهِ وإدراكِهِ بصفاءِ قلبِهِ، لا على الصحُفِ والكتبِ، ولا علىٰ تقليدِ ما يسمعُهُ مِنْ غيرِهِ: وإنَّما المقلَّدُ صاحبُ الشرعِ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ فيما أمرَ بهِ وقالَهُ، وإنَّما يُقلَّدُ الصحابةُ -رضيَ اللهُ عنهُمْ- مِنْ حيثُ إنَّ فعلَهُمْ يدلُّ علىٰ سماعِهِمْ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ.
ثمَّ إذا قلَّدَ صاحبَ الشرعِ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ في تلقي أقوالِهِ وأفعالِهِ بالقبولِ.. فينبغي أنْ يكونَ حريصاً على فهْمِ أسرارِهِ؛ فإنَّ المقلِّدَ إنَّما يفعلُ الفعلَ لأنَّ صاحبَ الشرع ﷺ فعلَهُ، وفعلُهُ لا بدَّ وأنْ يكونَ لسرٍّ فيهِ، فينبغي أنْ يكونَ شديدَ البحثِ عنْ أسرارِ الأعمالِ والأقوالِ؛ فإنَهُ إنِ اكتفىٰ بحفظِ ما يُقالُ.. كانَ وعاءً للعلمِ ولمْ يكنْ عالماً، ولذلكَ كانَ يُقالُ: فلانٌ مِنْ أوعيةِ العلمِ، وكانَ لا يُسمَّىٰ عالماً إذا كانَ شأنَهُ الحفظُ مِنْ غيرِ اطلاعِ على الحِكَمِ والأسرارِ.
ومَنْ كُشِفَ عنْ قلبِهِ الغطاءُ واستنارَ بنورِ الهدايةِ.. صارَ في نفسِهِ متبوعاً مقلَّداً، فلا ينبغي أنْ يقلِّدَ غيرَه، ولذلكَ قالَ ابنُ عباس -رضيَ اللهُ عنهما-: ما مِنْ أحدٍ إلا يُؤخذُ مِنْ علمِهِ ويُتْرَكُ إلا رسولَ اللهِ ﷺ، وقدْ كانَ تعلَّمَ مِنْ زيدِ بنِ ثابتِ الفقه، وقرأً على أبَيِّ بنِ كعبِ، ثمَّ خالفَهُما في الفقهِ والقراءةِ جميعاً.
وقالَ بعضُ السلفِ: ما جاءنا عنْ رسولِ اللهِ ﷺ.. قبلناهُ على الرأسِ والعينِ، وما جاءَنا عنِ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-.. فنأخذُ منهُ ونتركُ، وما جاءَنا عنِ التابعينَ.. فهُمْ رجالٌ ونحنُ رجالٌ.
وإنَّما فضلَ الصحابةُ لمشاهدتِهِمْ قرائنَ أحوالِ رسولِ اللهِ ﷺ، واعتلاقِ قلوبِهِمْ أموراً أُدركتْ بالقرائنِ، فسدَّدَهُمْ ذلكَ إلى الصوابِ مِنْ حيثُ لا يدخلُ في الروايةِ والعبارةِ؛ إذْ فاضَ عليهِمْ مِنْ نورِ النبوَّةِ ما يحرسُهُمْ في الأكثرِ عنِ الخطأِ.
وإذا كانَ الاعتمادُ على المسموعِ مِنَ الغيرِ تقليداً غيرَ مرضيٍّ.. فالاعتمادُ على الكُتبِ والتصانيفِ أبعدُ، بلِ الكتبُ والتصانيفُ محدَثةٌ لمْ يكنْ شيءٌ منها في زمنِ الصحابةِ وصدرِ التابعينَ، وإنّما حدثتْ بعدَ سنةِ مئةٍ وعشرينَ مِنَ الهجرةِ وبعدَ وفاةِ جميع الصحابةِ وجِلَّةِ التابعينَ ر-ضيَ الله عنهُمْ-، وبعدَ وفاةِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ والحسنِ وخيارِ التابعينَ، بلْ كانَ الأوَّلونَ يكرهونَ كَتْبَ الأحاديثِ وتصنيفَ الكتبِ؛ لئلا يشتغلَ الناسُ بها عنِ الحفظِ وعنِ القرآنِ وعنِ التدبُرِ والتفكُّرِ، وقالوا: احفظوا كما كنَّا نحفظُ.
ولذلكَ كَرِهَ أبو بكرٍ الصدِّيقُ وجماعةٌ مِنَ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ- تصحيفَ القرآنِ في مصحفٍ، وقالوا: كيفَ نفعلُ شيئاً لمْ يفعلْهُ رسولُ اللهِ ﷺ؟! وخافوا اتكالَ الناسِ على المصاحفِ، وقالوا: نتركُ القرآنَ يتلقَّاهُ بعضُهُمْ مِنْ بعضٍ بالتلقينِ والإقراءِ؛ ليكونَ هوَ شغلَهُمْ وهَمَّهُمْ، حتَّىٰ أشارَ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- وبقيةُ الصحابةِ بكَتْبِ القرآنِ؛ خوفاً مِنْ تخاذلِ الناسِ وتكاسلِهِمْ، وحذراً مِنْ أنْ يقعَ نزاعٌ فلا يوجدَ أصلٌ يُرجعُ إليهِ في كلمةٍ أوْ قراءةٍ مِنَ المتشابهاتِ، فانشرحَ صدرُ أبي بكرٍ -رضيَ الله عنهُ- لذلكَ، فجمعَ القرآنَ في مصحفٍ واحدِ.
وكانَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ ينكرُ على مالكِ تصنيفَهُ الموطَّأُ، ويقولُ: ابتدعَ ما لمْ تفعلْهُ الصحابةُ -رضيَ الله عنهُمْ-.
وقيلَ: أوَلُ كتابِ صُنَّفَ في الإسلامِ كتابُ ابنِ جريج في الآثارِ، وحروفُ التفاسيرِ عنْ مجاهدٍ وعطاءِ وأصحابِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُمْ- بمكَّةَ، ثمَّ كتابُ مَعْمَرِ بنِ راشدٍ الصنعانيِّ باليمنِ، جمعَ فيهِ سُنناً منثورةً مبوَّبةً، ثمَّ كتابُ الموطأُ بالمدينةِ لمالكِ بنِ أنسٍ، ثمَّ جامعُ سفيانَ الثوريَ.
ثمَّ في القرْنِ الرابعِ حدثتْ مصنَّفاتُ الكلامِ، وكَثُرَ الخوضُ في الجدالِ، والغوصُ في إبطالِ المقالاتِ، ثمَّ مالَ الناسُ إليهِ وإلى القصصِ والوعظِ بها، فأخذَ علمُ اليقينِ في الاندراسِ مِنْ ذلكَ الزمانِ، فصارَ بعدَ ذلكَ يُستغربُ علمُ القلوبِ، والتفتيشُ عَنْ صفاتِ النفْسِ ومكائدِ الشيطانِ، وأعرضَ عَنْ ذلكَ إلا الأقلُّونَ، فصارَ يُسمَّى المجادلُ المتكلِّمُ عالماً، والقاصُّ المزخرفُ كلامَهُ بالعباراتِ المسجَعةِ عالماً، وهذا لأنَّ العوامَّ هُمُ المستمعونَ إليهِمْ، فكانَ لا يتميَّزُ لهُمْ حقيقةُ العلْمِ عنْ غيرِهِ، ولمْ تكنْ سيرةُ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ- وعلومُهُمْ ظاهرةً عندَهُمْ، حتَّىٰ كانوا يعرفونَ بها مباينةَ هؤلاءِ لهُمْ، فاستمرَّ عليهِمُ اسمُ العلماءِ، وتوارثَ اللقبَ خلف عنْ سلفٍ، وأصبحَ علمُ الآخرةِ مطويّاً، وغابَ عنهُمُ الفرقُ بينَ العلمِ والكلامِ إلا عنِ الخواصِّ منهُمْ؛ كانَ إذا قيلَ لهُمْ: فلانٌ أعلمُ أمْ فلانٌ؟..
يُقالُ: فلانٌ أكثرُ علماً، وفلانٌ أكثرُ كلاماً، فكانَ الخواصُّ يدركونَ الفرْقَ بينَ العلمِ وبينَ القدرةِ على الكلامِ.
هكذا ضَعُفَ الدينُ في قرونٍ سالفةٍ، فكيفَ الظنُّ بزمانِكَ هذا وقدِ انتهى الأمرُ إلىٰ أنَّ مُظهِرَ الإنكارِ يَسْتَهْدِفُ للنسبةِ إلى الجنونِ؟!
فالأولىٰ أنْ يشتغلَ الإنسانُ بنفسِهِ ويسكتَ."
لا إله إلا الله.
يقول: "ومنها: أنْ يكونَ اعتمادُهُ في علومهِ علىٰ بصيرتِهِ وإدراكِهِ بصفاءِ قلبِهِ، لا على -مجرَّد- الصحُفِ والكتبِ"؛ ولكن يجعلها مجال للتبصرة ولاكتساب نور القلب، وبعد ذلك إذا انشرح له الصدر وأشرق فيه النور، فهو الذي يبني عليه الأمر، في حد ما سمعنا من قوله لوابصة: استفتِ قلبَك وإن أفتاك المُفْتُونَ وأَفْتَوْك.
قال: "ولا علىٰ تقليدِ ما يسمعُهُ مِنْ غيرِهِ"، قال: "وإنَّما المقلَّدُ" الذي أُمِرنا بأمر الله بتقليدِهِ على طول، وتقليدُهُ كله هدى وصواب ومُوصِل إلى الله تعالى، محمد بن عبد الله، قال: "إنَّما المقلَّدُ صاحبُ الشرعِ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ فيما أمرَ بهِ وقالَهُ".
- (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)[الحشر:7].
- (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)[النساء:80].
- (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[النساء:65].
ثم إذا قال: "وإنَّما يُقلَّدُ الصحابةُ -لماذا؟- مِنْ حيثُ إنَّ فعلَهُمْ يدلُّ علىٰ سماعِهِمْ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ"، وهم أقرب الناس إليه، فمن هذه الحيثية كانت لهم المكانة، وأثبت الحق في القرآن لهم إمامة وأمر باتباعهم، يقول: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ)[التوبة:100]، فأثبَتَ أنهم متبوعين وأنهم يُتَّبَعون ويُقلَّدُون ويُقتَدَى بهم.. السابقون الأولون؛ لأنهم أعرف الأمة بنبيِّه وأوعاهم لِما جاء به وذلك من خلال مجالستهم لهم، ومخالطتهم له، وسماعهم منه عليه الصلاة والسلام.
قال: "ثمَّ إذا قلَّدَ صاحبَ الشرعِ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ في تلقي أقوالِهِ وأفعالِهِ بالقبولِ.. فينبغي أنْ يكونَ حريصاً على فهْمِ أسرارِهِ" أسرار ما قال ﷺ. والعجيب أن أسراره هذه كبيرة وعظيمة مطويَّة في بلاغاته من القول والفعل، ولذا حَرَص على أن ما يُحفَظ عنه يُضبَط كما هو ويُبَلَّغ لمن بعد، وأخبر أن من مطويِّ أسرار كلامه ما لا ينكشف لكثير من الرواة، وينكشف لمن بعدهم. يقول: "نضَّرَ الله امرأً سمع منا مقالة فأدّاها كما سمعها؛ فرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع"؛ الذي بلَغَتهُ يكون أوعى لها، أي: ينكشف له من سِرّها وما فيها ما لم ينكشف للذي بلغه إياها؛ "فرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع"؛ وذلك أن في أمته على مختلف القرون من تنكشف لهم أسرار في بلاغه في معنى كلام الله وكلامه ﷺ، كل زمن يكون ما تكلم عنها الذين قبلهم، فتنكشف لهم على مدى القرون؛ رحمة من الله تعالى بالأمة، وإتمامًا للنعمة على سيد الخلق ﷺ.
فربَّما وعى الكثيرون من الذين رَوَوا عمَّن رَوَوا في المروي ما لم يعِهِ الرواة الذين رَوَوا لهم، ويكونون هم واسطة بينهم وبين القائل وهو رسول الله ﷺ؛ فيكون من أنواره ﷺ فاضت عليهم، مرَّت على هؤلاء وولَّعَت في هذا، وظهرت في هذا، هم الذين حملوها له، وجاؤا بها، لكن ولَّعَت في هذا ظهر نورها في هذا، وهكذا.. ولا يزال كلامه يظهر نوره في المتلقين قرنًا بعد قرن، وزمنًا بعد زمن صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
وبهذا قال: "فينبغي أنْ يكونَ حريصاً على فهْمِ أسرارِهِ؛ فإنَّ المقلِّدَ إنَّما يفعلُ الفعلَ لأنَّ صاحبَ الشرع ﷺ فعلَهُ، وفعلُهُ لا بدَّ وأنْ يكونَ لسرٍّ فيهِ، فينبغي أنْ يكونَ شديدَ البحثِ عنْ أسرارِ الأعمالِ والأقوالِ؛ فإنَهُ إنِ اكتفىٰ بحفظِ ما يُقالُ.. كانَ وعاءً للعلمِ"؛ وعاء يُطرَح العلم فيه، ولا يكون عالم إلا إذا انفتح على إدراك سِر هذا، ووجهة هذا، ودلالة هذا، ومؤدَّى هذا، والحكمة في هذا؛ هذا يكون عالم، وإلا يكون ناقل للعلم، وعاء للعلم يُطرَح العلم فيه ما يتجاوز ما نقل. قال: "فينبغي أنْ يكونَ شديدَ البحثِ عنْ أسرارِ الأعمالِ والأقوالِ؛ فإنَهُ إنِ اكتفىٰ بحفظِ ما يُقالُ.. كانَ وعاءً للعلمِ، ولمْ يكنْ عالماً".
قال: "وكانَ لا يُسمَّىٰ عالماً إذا كانَ شأنَهُ الحفظُ مِنْ غيرِ اطلاعِ على الحِكَمِ والأسرارِ"؛ ولهذا أنكر بعضهم على سيدنا أحمد بن حنبل، قالوا: تجالس لهذا الفتى؟! -الشافعي كان سِنُّهُ صغير بالنسبة لكثير من الموجودين من الأئمة- وتترك شيوخاً كباراً؟! قال لهم: إن الحديث أدركه بعلوٍ أو بنزول -يعني من جهة السند- لكن عقل هذا الفتى من أين آتي به؟ قال: إدراك الشافعي لأسرار النصوص وأسرار الوحي أين أُحَصِّلُه؟ أما مجرد النقل قال: بحصِّله بسند عال أو نازل، لكن من أين نجيء بعقل هذا الفتى؟ فكان أَدرك عنده أنه يفهم أسرار الخطاب الإلهي والنبوي وما يترتب عليه، ويقيم عليه الأحكام، ويفرِّع عليه المسائل.
فقال: هذا الذي سأغتنمه، وإن كان سِنُّهُ صغير. وهو تُوفِّي وعمره 54 سنة سيدنا الشافعي -عليه رحمة الله- ما تجاوز 54 سنة، وملأ الدنيا علم؛ حتى حَمَل عليه الكثير من أهل العلم قول النبي ﷺ: "عَالم قُرَيْش يمْلَأ طباق الأَرْض عِلمًا"، كما ذكره البيهقي في مناقب الشافعي وغيره.. أحمد بن حنبل كان يحمله عليه ومن بعده كانوا يقولون: إنَّ هذا الحديث يُقصَد به الإمام الشافعي: "عَالم قُرَيْش يمْلَأ طباق الأَرْض علماً".
يقول: "ومَنْ كُشِفَ عنْ قلبِهِ الغطاءُ واستنارَ بنورِ الهدايةِ.. صارَ في نفسِهِ متبوعاً مقلَّداً" أي: سبب الهداية لغيره، وإجلاء البصيرة لغيره، وإدراك الحقيقة لغيره، فلا ينبغي أن يكون مقلِّداً.
"ولذلكَ قالَ ابنُ عباس -رضيَ اللهُ عنهما-: ما مِنْ أحدٍ إلا يُؤخذُ مِنْ علمِهِ ويُتْرَكُ إلا رسولَ اللهِ ﷺ، وقدْ كانَ تعلَّمَ -الفقه- مِنْ زيدِ بنِ ثابتِ الفقه، وقرأً -القرءان- على أبَيِّ بنِ كعبِ"، وبعدين استفاد الفوائد، ففي بعض المسائل خالف سيدنا زيد، وفي بعض القراءات أيضًا أخذها -من غير سيدنا أُبَيّ- عن النبي فقرأ بها، فزاد على ذلك؛ يعني: لم يكن منحصرًا مقصورًا؛ لأنه دعا له ﷺ بقوله: "اللهم فقِّههُ في الدينِ، وعلِّمْهُ التأويلَ"، فعَلِم التأويل؛ سرّ وفَهم معنى الكلام ودلالاته، فاتَّسع في ذلك فكان يُلَقَّب: حَبر الأمَّة، وترجمان القرآن. لا إله إلا الله..
"وقالَ بعضُ السلفِ" -وهو الإمام أبو حنيفة عليه رحمة الله- ": ما جاءنا عنْ رسولِ اللهِ ﷺ.. قبلناهُ على الرأسِ والعينِ" ما فيه تردد ويجب تقليده كاملاً، "وما جاءَنا عنِ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-.. فنأخذُ منهُ ونتركُ، وما جاءَنا عنِ التابعينَ" هو من التابعين؛ لأنه أدرك جماعة من الصحابة، "فهُمْ رجالٌ ونحنُ رجالٌ" وَنِعمَ أبو حنيفة رجل من كبار الرجال -عليه رضوان الله تعالى- وهذا المعنى فيمن استكملت فيهم شروط الوعي والفهم والفقه والنقاء والصفاء وإشراق نور القلب، هذا الذي يقول: "فهُمْ رجالٌ ونحنُ رجالٌ".
أما المغرور الذي يقلد هواه ويتبع شهواته، ضعيف البضاعة في العلم والمعرفة، قليل السند، يجيء يقول: نحن رجال وهم رجال! نقول: هم رجال وأنت بطال! ما أنت من الرجال.. هم رجال أما أنت بطّال.. قَوَّال. أين أنت من الرجال؟ أين سندك؟ وأين حقائق فهمك؟ وأين طهارة قلبك؟ ملأت الدنيا سب وشتم، أنت رجَّال؟! رُح شوفهم:
- قال الإمام البخاري -عليه رحمة الله- يقول: أرجو أن أخرج من الدنيا ولا يطالبني الله لا بغيبة مسلم؛ عمره ما قد اغتاب مسلم طول عمره.
- وأبوه -عليه رحمة الله- كان يقول: إني أرجو أن ألقى الله تعالى وليس في مالي هذا -وكان تاجر- درهم من شبهة، لا يوجد فيه درهم من شبهة؛ هو الذي خرّج الإمام البخاري، والده هذا كان تلميذ عبد الله بن المبارك؛ إسماعيل بن إبراهيم والد الإمام البخاري كان تلميذ ابن المبارك، ولهذا قال: أرجو أن ألقى الله ولم يدخل في تجارتي هذه درهم من شبهة.. ما قال من حرام، من شبهة! وسط التجارة حقه كلها -عليهم الرضوان- هؤلاء الرجال.
أما الآن واحد غفول جهول سبّاب، ويقول: هم رجال ونحن رجال.. أنت؟!.. نعم هم رجال، وأنت قوَّال بطّال، بعيد عن الرجولة بكل المعاني، فمن حقَّك أن تعرف قدرهم وتقتدي بهم.
وإذا كنت بالمدارك غِرًّا *** ثم أدركت عالمًا حاذقًا لا تماري
وإذا لَمْ ترَ الهلال فسلِّم *** لِأُنَاسٍ رأوهُ بالأبصارِ
"وإنَّما فضلَ الصحابةُ لمشاهدتِهِمْ قرائنَ أحوالِ رسولِ اللهِ ﷺ"، ما اعتلق في "قلوبِهِمْ أموراً أُدركتْ بالقرائنِ، فسدَّدَهُمْ ذلكَ إلى الصوابِ مِنْ حيثُ لا يدخلُ في الروايةِ والعبارةِ؛ إذْ فاضَ عليهِمْ مِنْ نورِ النبوَّةِ ما يحرسُهُمْ في الأكثرِ عنِ الخطأِ"، وخصوصاً السابقون الأولون منهم، والذين كثرت مجالستهم لسيدنا المصطفى وحَسُنَ أخذهم عنه وتلقيهم -عليهم رضوان الله- فهؤلاء رؤوس الأمة وقادة الأمة، وتسمع القرآن الكريم أثبت التبعية لهم، أثبت أنهم مُقتَدَى بهم مُتَّبَعون؛ (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ)[التوبة:100]، فأمَرنا باتباعهم وصاروا حجة بذلك.
قال: "وإذا كانَ الاعتمادُ على المسموعِ مِنَ الغيرِ تقليداً غيرَ مرضيٍّ"، فكذلك مجرد الكتب؛ ولهذا يقول شاعرهم:
ليس في الكتب والدفاتر علمٌ *** إنما العلم في صدور الرجال
كل من يطلب العلوم وحيداً *** دون شيخٍ فإنه في ضلال
وقال آخر:
الكتبُ تذكرةٌ لمن هو عالمٌ *** وصوابُها بِمَحالِها معجونُ
والفكرُ غوَّاصٌ عليها مُخرِجٌ *** والحقُّ فيها جوهرٌ مكنونُ
فينتفع بها من هو عالم وهكذا.. وإلا فيتخربط عليه أمره.
قال: "بلِ الكتبُ والتصانيفُ محدَثةٌ"، نعم، بالنسبة لزمن الصحابة والتابعين، ولكن احتاجت الأمة إليها وصارت من أهم وسائلها في فهم الدين؛ جاءت الكتب بعد ذلك.
حتى سيدنا أحمد بن حنبل لما أنكر على الإمام مالك تصنيف الموطأ، هو رجع بعده صنف المسند وغيره من الكتب التي تُصنف كتب كثير، رأى حاجتهم إليها، كان في بداية أمره ما أدرك الحكمة من سيدنا مالك لماذا ألَّف، ثم بعده هو بنفسه سلك مسلك مالك، وألَّف الكتب في الحديث لحاجة الأمة لذلك.
- وأن الاستعداد الذي كان في الرعيل الأول ما يبقى دائم على الأمة، فهيأهم الله لاستعداد للتلقي.
- وقوة سطوع نور النبوة أيضاً ساعدهم على أن يفهموا الحقائق ويدركوا بسرعة، وهذا غير متوفر في القرون التي ما بعد.
فلهذا احتاجت الأمة إلى وسائل لم تكن، فجاءت الكتب وجاءت غيرها وسائل اضطرت إليها الأمة، والمقصود هو المقصود نفسه: أن نَصِل إلى لُبِّ ما أوحِيَ إلى سيد الوجود ﷺ، وما بلَّغه وبيّنه.. فقط، هذا المقصود من العلم هذا كله، ومن الأسانيد هذه كلها، الوصول إلى هذا الأصل. ولكن لا طريق للوصول إليه إلا عبر هذه الكتب، وعبر هؤلاء الأئمة، وعبر هؤلاء العارفين.
وإلا فالصحابة -سبحان الله- أحدهم يجيء أيام يجلس عند النبي ﷺ ويخرج؛ ويخرج واعي وفاهم وعارف وقدوة وفي حال عظيم من سطوع نور النبوة عليه.. فكيف حال الذين جالسوه كثير وأخذوا عنه كثيراً؟.. بعض الوافدين الذين وفَدُوا ورأوه عرضوا عليه بعض الاشياء يتكلمون معه فيها، قال: فرأيته يلتفت إلى واحد يتشاور معه ثم يجيب علينا.. يتشاور معه ويجيب علينا. يقول قلت لهم: من الذي كان بجنبه هذا؟ قالوا له: أبو بكر. قال من كان الرجل الذي بجنب رسول الله قبل ما يجيب علينا يتشاور معه ويجيب علينا؟ قالوا: أبو بكر الصديق. الذين جالسهم مجالسة خاصة، طويلة عريضة، هم أعلم بحقائق الدين والشريعة من غيرهم، عليهم رضوان الله.
يقول ذَكَر تصنيف الكتب وما مرّت عليه من مراحل حتى انتشرت فيما بعد. ثم مال الناس في القرن الرابع إلى مصنفات الكلام ومال الناس إليه وإلى القصص والوعظ، فأخذ علم اليقين في الاندراس من ذلك الزمان؛ من القرن الرابع بدأ تندرس حقائق علم اليقين والدين، "فصارَ بعدَ ذلكَ يُستغربُ علمُ القلوبِ، والتفتيشُ عَنْ صفاتِ النفْسِ ومكائدِ الشيطانِ، وأعرضَ عَنْ ذلكَ -الخلق- إلا الأقلُّونَ، فصارَ يُسمَّى المجادلُ المتكلِّمُ عالماً، والقاصُّ المزخرفُ كلامَهُ بالعباراتِ المسجَعةِ عالماً"، لماذا؟ لأنه الذي يستمع لهم هم العوام؛ فهم يسمُّونهم علماء، كما سمعتم كلام سيدنا علي يقول:
سَمَّاهُ أشباهٌ لهُ من النَّاسِ عالِمًا *** وَلم يَعِش في العلمِ يومًا سالِمًا
لكن أمثاله سمُّوه عالم! لاحول ولا قوة إلا بالله..
"فكانَ لا يتميَّزُ" لا عوام "حقيقةُ العلْمِ عنْ غيرِهِ، ولمْ تكنْ سيرةُ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ- وعلومُهُمْ ظاهرةً عندَهُمْ، حتَّىٰ كانوا يعرفونَ بها" مخالفة هؤلاء ومباينتهم لما عليه السَّلَف، قال: "فاستمرَّ عليهِمُ اسمُ العلماءِ، وتوارثَ اللقبَ خلف عنْ سلفٍ، وأصبحَ علمُ الآخرةِ مطويّاً، وغابَ عنهُمُ الفرقُ بينَ العلمِ والكلامِ إلا عنِ الخواصِّ". لا إله إلا الله.
قال: "هكذا ضَعُفَ الدينُ في قرونٍ سالفةٍ، فكيفَ الظنُّ بزمانِكَ هذا"، قال: "انتهى الأمرُ إلىٰ أنَّ مُظهِرَ الإنكارِ" على هذا التَّخلُّف، "يَسْتَهْدِفُ للنسبةِ إلى الجنونِ؟!"؛ يقولون له: مجنون ذا! من أين جاء ذا؟ ما هذا الكلام؟ هذا مجنون هذا!!.
وكما تسمعون بعضهم يقولون الآن بيَرُدُّوننا إلى أي قرن؟!.. هذا مجنون نحن الآن في زمان ثاني، وقت ثاني..
نعم لكن ما هناك رب ثاني، ولا دين ثاني، ولا قرآن ثاني، ولا محمد ثاني.. ما هناك رسول إلا هو هذا!! أنت في وقت ثاني.. طيب لكن الدين واحد، والرب واحد، والقرآن واحد، ماشي ثاني هذا هو، مالك طريق إلا منه، ولا لك صلاح إلا به. خلِّ وقتك ثاني إلى آخر الزمان، وبعدين؟.. الرَّب هو هو، والقرآن هو هو، والدين هو هو، ما هناك ثاني، ما يتغير ولا يتبدَّل.
فَيَا رَبِّ ثبِّتنَا على الحَقِّ والهُدى *** وياربِّ اقبِضنا على خيرِ ملَّةِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، الفاتحة.
30 رَجب 1447