آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 14 | علامات علماء الآخرة: الحزن والانكسار وظهور أثر الخشية عليه

للاستماع إلى الدرس

الدرس الرابع عشر في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

مساء السبت 21 رجب 1447هـ

يواصل شرح علامات علماء الآخرة: أن يكون حزينا منكسرا مطرقا صامتا

فائدة/ سيماهم في وجوههم.. كيف تعرف علماء الآخرة؟

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:

"ومنها: أنْ يكونَ حزينًا منكسرًا مطرقًا صامتًا، يظهرُ أثرُ الخشيةِ علىٰ هيئتِهِ وكسوتِهِ، وسيرتِهِ، وحركتِهِ وسكونِهِ، ونطقِهِ وسكوتِهِ، لا ينظرُ إليهِ ناظرٌ إلا وكانَ نظرُهُ مذكِّرًا للهِ تعالىٰ، وكانتْ صورتُهُ دليلًا على عملِهِ، فالجوادُ عينُهُ فِرارُه، فعلماءُ الآخرةِ يُعرفونَ بسيماهُمْ في السكينةِ والذلَّةِ والتواضعِ.

وقدْ قيلَ: ما ألبسَ اللهُ تعالىٰ عبدًا لِبْسة أحسنَ مِنْ خُشوعِ في سكينةٍ، فهيَ لِبسةُ الأنبياءِ، وسِيما الصالحينَ والصدِّيقينَ والعلماءِ.

فأمَّا التهافتُ في الكلامِ والتشدُّقُ، والاستغراقُ في الضحكِ، والحدَّةُ في الحركةِ والنطقِ.. فكلُّ ذلكَ مِنَ آثارِ البطرِ، والأمنِ والغفلةِ عَنْ عظيمِ عقابِ اللهِ تعالىٰ وشديدِ سخطِهِ، وهوَ دأبُ أبناءِ الدنيا الغافلينَ عَنِ اللهِ دون العلماءِ بهِ.

وهٰذا لأنَّ العلماءَ ثلاثةٌ كما قالَ سهلٌ التُّسْتَريُّ -رحمه الله-: عالمٌ بأمرِ اللهِ لا بأيامِ اللهِ؛ وهُمُ المُفْتُونَ في الحلالِ والحرامِ، وهذا العلمُ لا يورثُ الخشيةَ، وعالمٌ باللهِ لا بأمرِ اللهِ ولا بأيامِ اللهِ؛ وهُمْ عمومُ المؤمنينَ، وعالمٌ باللهِ وبأيامِ اللهِ وبأمرِ اللهِ؛ وهُمُ الصدِّيقونَ، والخشية والخشوعُ إنَّما تغلبُ عليهِمْ.

وأرادَ بأيامِ اللهِ أنواعَ عقوباتِهِ الغامضةِ ونعمِهِ الباطنةِ التي أفاضَها على القرونِ السالفةِ واللاحقةِ.

فمَنْ أحاطَ علمُهُ بذلكَ.. عَظُمَ خوفُهُ وظَهَرَ خشوعُهُ.

قالَ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ-: تعلَّموا العلمَ، وتعلَّموا للعلمِ السكينةَ والوقارَ والحلمَ، وتواضعُوا لمَنْ تتعلَّمونَ منهُ، وليتواضعْ لكُمْ مَنْ يتعلَمُ منكُمْ، ولا تكونوا مِنْ جبابرةِ العلماءِ، فلا يقومُ علمُكُمْ بجهلِكُمْ.

ويقالُ: ما آتى الله عبدًا علمًا إلا آتاهُ معَهُ حلمًا وتواضعًا وحسنَ خلقٍ ورفقًا، فذلكَ هوَ العلمُ النافعُ 

وفي الأثرِ: مَنْ آتاهُ اللهُ علمًا وزهدًا وتواضعًا وحسنَ خلقٍ.. فهوَ إمامُ المتقينَ.

وفي الخبرِ: إنَّ مِنْ خيارِ أمَّتي قومًا يضحكونَ جهرًا مِن سَعَةِ رحمةِ اللهِ، ويبكون سِرّا مِنْ خوفِ عذابِهِ، أبدانُهُمْ في الأرضِ وقلوبُهُمْ في السماءِ، أرواحُهُمْ في الدنيا وعقولُهُمْ في الآخرةِ، يتمشَّونَ بالسكينةِ، ويتقرَّبُونَ بالوسيلةِ.

وقالَ الحسنُ: الحلْمُ وزيرُ العلمِ، والرفْقُ أبوهُ، والتواضعُ سِرْبالُهُ.

وقال بشرُ بنُ الحارثِ: مَنْ طلبَ الرئاسة بالعلمِ.. فتقرَّبْ إلى اللهِ تعالىٰ ببغضِهِ؛ فإنَّهُ مقيتُ في السماءِ والأرضِ.

ورُوِيَ في الإسرائيلياتِ: أنَّ حكيمًا صنَّفَ ثلاثَ مئةٍ وستينَ مصحفًا في الحكمةِ حتَّىٰ وُصِفَ بالحكيمِ، فأوحى اللهُ تعالىٰ إلىٰ نبيِّهِمْ: قلْ لفلانٍ:

ملأتَ الأرضَ نفاقًا ولمْ تُرِدْني بشيءٍ مِنْ ذلكَ، وإنِّي لا أقبلُ مِنْ نفاقِكَ شيئًا، فندمَ الرجلُ وتركَ ذلكَ، وخالط العامَّةَ، ومشى في الأسواقِ، وواكلَ بني إسرائيل، وتواضعَ في نفسِهِ، فأوحى اللهُ تعالىٰ إلىٰ نبيِّهِمْ: قلْ لهُ: الآنَّ وافقتَ رضائي.

وحكَى الأوزاعيُّ -رحمه الله- عنْ بلالِ بنِ سعدٍ أنَّهُ كانَ يقولُ:  ينظرُ أحدُكُمْ إلى الشرطيِّ فيستعيذُ باللهِ منهُ، وينظرُ إلى علماءِ الدنيا المتصنِّعينَ للخلقِ المتشوفينَ إلى الرئاسةِ فلا يمقتُهُمْ، وهُمْ أحقُّ بالمقْتِ مِنْ ذلكَ الشرطيِّ.

ورُوِيَ أنَّهُ قيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قالَ: "اجتنابُ المحارمِ، ولا يزالُ فُوكَ رَطبًا مِنْ ذكرِ اللهِ تعالىٰ"، قيلَ: فأيُّ الأصحابِ خيرٌ؟ قالَ ﷺ: "صاحبٌ إنْ ذَكرتَ.. أعانَكَ، وإن نسيتَ.. ذَكَّرَكَ"، قيلَ: فأَيُّ الأصحابِ شرٌّ؟ قالَ ﷺ: "صاحبٌ إنّ نسيتَ.. لمْ يذكرْكَ، وإن ذكرتَ.. لمْ يُعِنكَ"، قيلَ: فأيُّ الناسِ أعلمُ؟ قالَ: "أشدُّهُم للهِ خشيةً"، قالوا: فأخبرنا بخيارِنا.. نجالسْهُمْ، قالَ ﷺ: "الذين إذا رُؤوا.. ذُكِرَ اللهُ تعالىٰ"، قالوا: فأيُّ الناسِ شرٌ؟ قالَ: "اللهُمَّ؛ غَفْرا"، قالوا: أخبرْنا يا رسولَ اللّٰه، قالَ: "العلماءُ إذا فسدوا".

 

لا إله إلا الله، اللهم ارزقنا الصلاح.

يقول: علامات علماء الآخرة، بعد ما ذكر لنا من علاماتهم، ومنها: عنايتهم باليقين، ومنه تعرف رسوخ أقدامهم في مقام الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، جل جلاله وتالى في علاه.

وهذا مفتاح الحضور مع الله، استشعارك واستحضارك أنه مُطّلع على سريرتك وباطنك وما يجري في خاطرك، فهذا مفتاح الحضور مع الله تبارك وتعالى، يقوى يقوى عندك، وتُزيّن له باطنَك سبحانه وتعالى، وترتقي في هذه المراقي.

وذكر من علاماتهم الآن: أن تجد علماء الآخرة أحدهم حزين منكسر مطرق صامت، "يظهرُ أثرُ الخشيةِ علىٰ هيئتِهِ وكسوتِهِ، وسيرتِهِ، وحركتِهِ وسكونِهِ، ونطقِهِ وسكوتِهِ"، كله فيه أثر الخشية. سبحان الله!

إن سكت تحس بأثر الخشية، إن تكلم تحس بأثر الخشية، إن رأيت ثوبه تحس بالخشية، إن رأيت حركته وسكنته تذكرت الخشية، فهو مذكر بالله تعالى بحاله ومقاله وهيئته. لا إله إلا الله.. ووصفه كما قال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) [الفرقان:63-64]. صار كما قال الله: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) [الفتح:29]، -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- قال: هكذا يمتازون علماء الآخرة.

علماء الدنيا إن أردته يتمسخر يتمسخر ، إن أردته يستهزيء يستهزيء، إن أردت يضحك زايد على الحد يضحك، إن أردت تراه غافل غافل، أن تراه على صورة غير لائقة فيه في لباس أو غيره ما يقول شيء، وربما افتخر بشيء من تقليد الغرب أوغيرهم وما إلى ذلك… بعيد عن صبغة العلم وصبغة الصلة بأنوار الوحي والتنزيل. لا إله إلا الله…

يقول: "لا ينظر إليه ناظر إلا وكان نظره مذكِّرًا لله تعالى". وفي الحديث يُروى: مَن أولياء الله؟ قال: "الذين إذا رُؤوا ذُكر الله". الله أكبر!

إذا رؤوا يُشهَر ذكر الله *** فهو لهم سيما على الجباه 

يُعرف معناهم بلا اشتباه *** من حيث ما يُعرف ذو الجلال  

لهم من التقوى أجلّ زينة *** عند لقاهم تنزل السكينة

وتحصل الجمعية المبينة *** فتُجذَب الألبابُ بانفعال

يراهم الماشي في الطريق الذي يريد المعصية، فيقع نظره عليهم فيتوب.

حال ذوي الدعوة لهم تفارق *** …………………

 يعني أهل أصحاب الدعوة الذين يدّعون العلم والمعرفة، تفارق حالهم حال هؤلاء.

حال ذوي الدعوة لهم تفارق *** بنور فرقان يراه الذائق

لا بارتفاع الجاه والخوارق *** ولا بحسن الوعظ والأقوال

فإنهم كل منيبٍ خاشع *** وكل ذي قلب منيرٍ لامع

 لا مَن يشير الناس بالأصابع *** وهو من السر المصون خالي

لا إله إلا الله…

فكم خفيْ في الناس من مسكين *** قد امتلا من صفوة اليقين

وهان بين الناس ذو طِمرين *** وهو لدى الحق عظيمٌ عالي

وكم بحُسن الظن من إمداد *** قد ناله من كان ذا اعتقاد

في خاملٍ إمامِ حقٍ هادي *** يرونه الناس من الجهّال

فإن فيض فضله في الناس *** جلّ عن التقييد والقياس

طُرُقه بعدد الأنفاس *** وجُودُه جارٍ بكل حالِ

لا إله إلا الله، لا إله إلا الله..

 

ونيلها من منح فيضٍ وهبي *** أو فتح فضلٍ بعد جدٍّ كسبي

لا من روايات الورى والكتْب *** ولا بقيلِ علمها أو قال

طوبى لمن طاب لها استعداده *** وانحلّ من رقِّ السوى قياده 

فحلّ في عين الحِجا رشاده *** فذاق منها بلةً ببالِ 

فبلّةٌ من كاسها المختوم *** تملأ رياض القلب بالعلوم 

وتحفظ الفهم عن الوهوم *** وتطلق العقل عن العِقال

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

 

قال: "فعلماء الآخرة يُعرفون بسيماهم في السكينة والذلة والتواضع. وقد قيل: ما ألبس الله تعالى عبدًا لبسةً أحسن من خشوعٍ في سكينة، فهي لبسة الأنبياء، وسيما الصالحين والصديقين والعلماء". فقال: "فأما التهافت في الكلام، والتشدّق، والاستغراق في الضحك، والحدة في الحركة والنطق؛ فكل ذلك من آثار البطر والأمن والغفلة عن عظيم عقاب الله تعالى وشديد سخطه، وهو دأب أبناء الدنيا الغافلين عن الله دون العلماء بالله".

قال: "إن العلماء ثلاثة كما يقول سهل التستري: عالم بأمر الله لا بأيام الله"؛ قال: "هؤلاء المفتون في الحلال والحرام يعرفون الأحكام، وهذا العلم لا يورث الخشية".

قال: "وعالمٌ باللهِ لا بأمرِ اللهِ"؛ وهم عموم المؤمنين، لا يعلمون أيام الله ولا أمر الله، هم عموم المؤمنين.

"وعالمٌ باللهِ وبأيامِ اللهِ وبأمرِ اللهِ"؛ قال: "وهُمُ الصدِّيقونَ"، عالم بالله وبأيام الله وعجائب تصريفه للكون والوجود، (وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) [إبراهيم:5]، وبأمر الله تعالى بأحكامه. قال: "والخشية والخشوع إنما تغلب عليهم"، وهي أيضًا من جملة آثار اليقين. قال: "أراد بأيام الله أنواع عقوباته الغامضة ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة، فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه من الله وظهر خشوعه"، لأنه يرى أنه يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى، ويقرِّب ولا يبالي، ويُبعد ولا يبالي، ويُسعِد ولا يبالي، ويُشقي ولا يبالي، يعطي ولا يبالي ويمنع ولا يبالي، لا إله إلا هو، فهو أحق أن يُخشَى من كل شيء.

"قال: عمر رضي الله عنه: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، وليتواضع لكم من يتعلم منكم". فهكذا كانت طريقة تعلمهم. وكانوا هكذا في الحلقات في المساجد وغيرها. انظر إلى انقلاب شأن هذا التعليم، وصار حتى بعض الطلاب يتآمرون على المُدرس، وبعضهم يظهر بمظهر غير لائق، وكله خارج عن المسلك. "ولا تكونوا من جبابرة العلماء" الذين يتكبرون يعني بعلمهم، "فلا يقوم علمكم بجهلكم"، يكون جهلكم أكثر من علمكم. فالجبابرة من العلماء ما جهلوا أكثر مما علموا؛ ما جهلوه من عظمة الله وجلاله وحقيقة معنى العلم الذي يتحدثون بألسنتهم عنه، ما جهلوا أكثر مما علموا، فما عاد يقاوم علمهم جهلهم، بل يغلب عليهم هذا الجهل فيُرْديهم والعياذ بالله تعالى.

"ما آتى الله عبدًا علمًا"؛ يعني: نافعًا، "إلا آتاه معه حلمًا وتواضعًا وحسن خلق ورفقًا"، ذلك هو العلم النافع وهو الحكمة، في قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة:269]. أصح الأقوال أن هذا العلم النافع هو الحكمة، ويترتب عليه وضع الأشياء في مواضعها.

قال في الخبر: "إنَّ مِنْ خيارِ أمَّتي قومًا يضحكونَ جهرًا مِن سَعَةِ رحمةِ اللهِ"، ويُحسِنون مقابلة الناس ويتبسّمون في وجوههم. قال بعض الصحابة: ما رأيت أحدًا أكثر تبسّمًا في وجوه أصحابه من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. سيدنا جرير بن عبد الله البجلي يقول: وما رآني منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي ﷺ.

"ويبكون سرًا من خوف عذابه"، لا إله إلا هو. "أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء". هكذا يقول.

خرجوا مرة يستسقون، وإذا  بالذي يسمونه المجنون، رجل من العارفين يسمونه بهلول، كان هو في الصحراء، وخرجوا يستسقون في الصحراء، عدّى عليه واحد يعرفه، قال: ما مع هؤلاء؟ قال: خرجوا يستسقون، المطر تأخرت على الناس فهم في جدب. قال: بقلوب أرضية أم بقلوب سماوية؟ قال: إن شاء الله بقلوب سماوية. قال: هيا صلوا، صلوا وأخذوا ودعوا. ما شَي ظهر أثر. قام قال: كذابين تقولون: بقلوب سماوية! قام توضأ وصلى ركعتين، دعا ولّا بالسحاب أقبل من هنا ومن هنا، وكان ما كان.

لا إله إلا الله.

قال: "أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء، أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة". (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) [ص:46]. كما قال سبحانه وتعالى في الأنبياء: (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) [ص:47].

يمشون بسكينة، هذا مشيهم بالوقار (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هونًا)، (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا). كان واحد يربي ابنه، صادف في الطريق كان مقبلين الحبيب طاهر بن حسين وعبد الله بن حسين بن طاهر، يمشيان كالإمام والمأموم، من أدب الأخ مع أخيه الأكبر منه، وعليهم السكينة والوقار. فلما قابلوهم قال لولده: من هؤلاء؟ قال: هذا طاهر بن حسين بن طاهر وهذا عبد الله بن حسين أخوه. لاص بأذنه، قال: قل لي من هؤلاء؟ قال: يا أبوي قلت لك هذا فلان وهذا فلان! لاص بأذنه بقوة، قال: يا أبوي قلت لك هذا فلان وهذا فلان! قال: انظر انظر انظر، وقرأ قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هونًا)، شوفهم (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) [الفرقان:63-65]، وقال إلى آخر 11 وصف. قال: شوفها كلها فيهم، تَشَوَّفْهم سواء، واقتبس من هذه الأوصاف.

كانوا يقولون: من لم يرَ وجه مفلح كيف يفلح؟! ومن رأى وجه مفلح بعين المحبة والتعظيم كيف لا يفلح؟! وفي سر النظر جاءنا في صحيح البخاري يقول صلى الله عليه وسلم: "يغزو فئامٌ من الناس"، فيُبطيء الفتح عليهم، قال: "فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله؟"؛ سر الرؤية والنظر، "هل فيكم من رأى رسول الله؟"، قال: "فيقال: نعم". قال: فيقدّمونهم "فيفتح لهم". لا زاد عدد ولا زاد عدة، وهم كانوا فيهم، لكن ما كانوا منتبهين منهم، لما أكرموهم وأعطوهم حقهم جاء النصر. قال: "ثم يغزو فئامٌ من الناس"، فيُبطيء الفتح عليهم، "فيقال: هل فيكم من رأى من رأى رسول الله؟"، الصحابة قد انقرضوا ما عاد حد باقي إلا بعض التابعين، "فيقال: هل فيكم من رأى من رأى رسول الله؟". يمتد سر النظر.

وأيضًا العقليات اللي يوصفها في التابعين وتابعي التابعين أنها تعالج مشاكلها بتقديمها للفضل والإحسان.  الفتح أبطأ عليهم، يقاتلون في سبيل الله الكفارَ، إن أبطأ الفتح يقولون: "هل فيكم من رأى من رأى رسول الله؟ يقولون: نعم". يقدمونهم "فيفتح لهم". قال: ﷺ. في البخاري تقرؤه "ثم يغزو فئام من الناس" فيُبطيء الفتح عليهم، "فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من صحب رسول الله؟"، "من رأى من رأى من صحب رسول الله".

لهذا قال شاعرهم: 

بخت من قد رآهم أو رأى من رآهم

وقالوا هذا في مقامات الأولياء وفوق في مقامات الأنبياء، لأن سيدنا الكليم عليه صلوات الله وتسليماته موسى، غلبه الشوق لربه، قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)، طلب الرؤية، وهذه ما أعطاها الله أحدهم في الدنيا إلا في الجنة يعطيها للمؤمنين. فقال: (لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) [الأعراف:143].

فلما كان ليلة الإسراء والمعراج، مَكَّن الحبيب الأعظم ﷺ، وصار يمر على موسى، ويقول له موسى: راجع ربك، ويرجع يمر على موسى تسع مرات يقول له: ارجع إلى ربك واسأله التخفيف، ويرجع. قال: ليَجتلى حسن ليلى حين يشهده.

إنما السر في موسى يردّده *** ليُجتلى حسن ليلى حين يشهده

يقول: يشوف الذي شاف، إذا ما رأيته ترى الذي رآه ﷺ.

وهكذا فما أعظم حال الصحابة الذين نظروا إليه بعين المحبة والتعظيم والإيمان واليقين والإجلال، ما الذي سرى لهم من نظرهم إلى وجهه عليه الصلاة والسلام، واستمر إلى من بعدهم. وهكذا…

"ورُوِيَ في الإسرائيلياتِ: أنَّ حكيمًا صنَّفَ ثلاثَ مئةٍ وستينَ مصحفًا"؛ كتاب؛ 360 في الحكمة كلها حتى سموه الحكيم. فأوحى اللهُ تعالىٰ إلىٰ نبيِّهِمْ: قلْ لفلانٍ: ملأتَ الأرضَ نفاقًا، ولمْ تُرِدْني بشيءٍ مِنْ ذلكَ"؛ من الكتب هذه حقك كلها 360 مصنف، ما أردت وجهي بشيء منها، ولا هو مقبول عندي. فرجع، قال: اعتزل، ما ذكرها هنا في الرواية في الحلية لأبي نعيم، فاعتزل يعبد الله، فأوحى الله إلى نبيهم: قل لم تصب رضائي. فتحيّر! بعدين ألهمه الله يختلط بالناس، ويخرج للسوق، ويحمل الحاجة، ويجالس الفقراء، فأوحى الله إلى نبيهم: الآن أصبت رضائي، "الآنَّ وافقتَ رضائي".

وهكذا، يقول: حتى لما جلس مؤمن عند أبي يزيد البسطامي واحد يقول له: من أين العلوم هذه التي نسمعها منك وهكذا ما عرفناها؟ قال له: بطريقة ما تقوى عليها. قال: بلى، قل لي أيش هو وأنا مستعد، قال له: خذ مخلاة حط فيها لوز وزبيب وامشِ في السوق والأماكن التي يعرفك الناس فيها ويحترمونك، قل للصبيان: كل من صفعني أعطيه اللوز والزبيب، وخلهم يصفعونك وأنت أعطهم. قال: سبحان الله! ما أقدر على هذا. قال: قلت لك، لو جلست أربعين سنة في العبادة سبعين سنة ما بتجي على العلم هذا. قال: قولك سبحان الله هذا تسبيح نفسك ما سبحت ربك، سبحت نفسك أكبرت نفسك أن تدخل مع الناس وأن يصفعك الصبيان وقلت: سبحان الله؛ أظهرت تسبيح الله وأنت تسبح نفسك، لو سبحت ربك سواء بتعرف العظمة له ما هو لك أنت! قال: هل شي غير هذا؟ قال: هذا أول خطوة.  بعدين تعال أريك الباقي بعده، قال: ما أقدر، قال له: اذهب  فلو جلست في عبادتك سبعين سنة ما أدركت هذا العلم. قال: إن نفسك حاجزة بينك وبين الله سبحانه وتعالى.

قال وأشد الحجاب النفس، أشد الحجب بين العبد وبين ربه النفس، وأعظم معايبها وقواطعها العجب، العجب. وإذا رأى أنه قد علم فقد جهل. لا إله إلا الله…

يقول الإمام الحداد:

يا ويح نفسي الغوية *** عن السبيل السوية

أضحت  تروّج علي *** وقصدها الجاه والمال

وهو الزاهد.

أرسلوا مرة سفينة فيها كثير من الهدايا والأموال من الهند، كانت متوجهة إلى حضرموت وفيها كثير من هدايا وأموال للإمام الحداد. بلغه الخبر قال: وصول هذا المال إلى حضرموت في هذا الوقت والناس في فتنة، ما له حاجة، ما له داعي. قال فتوجه إلى الله، تغرق الأموال ويسلم من في السفينة من الأرواح. وغرقت، وكل مَن في السفينة نجوا، وألقى قصيدة له يقول:

دعتني إليها ذات مكر وحيلة *** وقالت أنا المقصود ليس سواي

يقصد الدنيا.

ولما حدا بي حادي الشوق قاصدًا *** إليكم بجندَي فطرتي وهواي

صار هواي مع الفطرة نفسها كلها متوجهة إليكم، إلى الرب سبحانه وتعالى-.

ولما حدا بي حادي الشوق قاصدًا *** إليكم بجندَي فطرتي وهوايَ

دعتني إليها ذات مكر وحيلة *** وقالت أنا المقصود ليس سواي

فأُفٍّ لها خداعة لا تغرني *** برونقها الممدود فوق خنائي

تنحَي تنحي لا سلامًا ولا رضا *** تريدين قطعي عن سبيل غنائي

تحققت مطلوبي فأسرعت نحوه *** فدام سروري واضمحل عنائي

ودام شهودي واستمرت مواسمي *** وطاب زماني واستتم صفائي

بربي قيامي لا بنفسي ولا السوى *** ……………………..

بربي قيامي لا بنفسي ولا السوى *** فشكري له سبحانه وثنائي

ومع ذلك يشكو إلى ربه يقول: 

وقصدها الجاه والمال

يا رب قد غلبتني *** وبالأماني سبتني

وفي الحظوظ كبتني *** وقيدتني بالأكدار

قد استعنتك ربي *** على مداواة قلبي

وحل عقدة كربي *** فانظر إلى الغم ينجال

مع أن في اليقين وفي الرزق كان يقول: لو نادت السماء أن لا تمطر بقطرة، والأرض أن لا تنبت حبة، وجميع أهل تريم عيال لي، لم أهتم بهم وبرزقهم، بعد قول ربي: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود:6]. قال: حتى لو السماء نادت ما بخلّي قطرة وحدة، والأرض نادت ما بأنبت حبة وحدة، وأهل البلاد كلهم عيال حقي عليّ نفقتهم، ما بهتم بهم، يعني ربي قال: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، وخلِّ الأرض وخلِّ السماء؛ إيش علينا من الأرض والسماء، خالق الارض والسما مـكوُّن الأرض والسما قال: انا عليَّ رزقهم وخلاص شفت اليقين هذا؟ -عليه رضوان الله-

ومع ذلك قال لبعض خواصه مرة: لولا خوف الشهرة لأخرجت من تحت هذا البساط ما يكفي أهل البلد، ولكنهم أعرضوا عنها. قالوا: سفينة بتجي بس. قال: هذه وصولها إلى حضرموت الان فتح باب فتنة على الناس، كثير ناس بيرجعون بيسافرون…الأحسن ما تصل ولا تدخل لكن الأرواح التي في السفينة دعا لها تسلم، فسلِم كل ذي روح، والأموال روحت.

 لا إله إلا الله، سبحانه عز وجل. يسلك بنا سبيل الصدق معه إن شاء الله والمجاهدة في سبيله. 

يقول في بعض نداءاته للرب:

 يا منتهى الآمال *** ومقصد الطلاب

عبدك ضعيف الحال *** الخائف المرتاب

أتاك خالي البال *** عن جملة الأحباب

ما حد إلا أنت..

ضاقت به الأحوال *** وخانت الأسباب

لم يدرِ ما يصنع *** من شدة الحيرة

عمره مضى أجمع *** في السعي والدورة

مع أنه هو من أيام صغره كان يخرج من المِعْلامَة يمر إلى المسجد، مسجد باعلوي أو مسجد مقالد، يصلي 100 ركعة كل يوم في الضحى، هذا من أيام الصغر ونشأ على العبادة. يقول:

 الوقت قد ضيع *** في خدمة الصورة

والآن قلبه مال *** إلى لزوم الباب

وصرف هم السر *** عن خدمة الأجسام

مع اعتناق البر *** والترك للآثام

يا ربنا يسَّر *** له الذي قد رام

يا دائم الإفضال *** يا بر يا تواب

قال في قصيدته الأخرى:

ها قد علمت ولا شك يخالطني *** أن الطريقة في خرقي لمعتادي

وترك مألوف نفسٍ زانه خلق ٍ*** أنجو به بين أشكالي وأضدادي

وقد تحققت أن الخير أجمعه *** ضمن اتباعي ليدّ المصطفى الهادي

 

عزمت شاقطع كل أمرٍ أرى *** في قطعه نيل المقام الكريم

وأرفض الدنيا الغرور التي *** من حبها كان الحجاب مقيم

والنفس والشيطان أَعصيهما *** بقوة الله العلي العظيم

أولّيَ الأكوان ظهرًا ولا *** أرى سوى الله العزيز الحكيم

أولّيَ الأكوان ظهرًا ولا *** أرى سوى الله العزيز الحكيم

يا رب هب لي منك حسن اليقين *** وعصمة الصدق وقلبًا سليم

وهِمةً تعلو وصبرًا جميل *** ونور توفيقٍ به أستقيم 

وحسن تأييد وعونًا يدوم *** فإنك الدائم وجودك عميم

أرجوك تعطيني الذي أبتغي *** بمحض فضلك لا بجهدي الدميم

أرجوك تعطيني الذي أبتغي *** بمحض فضلك لا بجهدي الدميم

وهكذا مضوا.

قال: "الأوزاعي رحمه الله: عن بلال بن سعد أنه كان يقول: ينظر أحدكم إلى الشرطي ويستعيذ بالله منه، وينظر إلى العلماء المتصنعين المتشوفين للرئاسة ولا يمقتهم، وهم أحق بالمقت من ذلك الشرطي لأنهم يضلون ويُسَخِّرون الدين للدنيا. 

"ورُوِيَ أنَّهُ قيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قالَ: "اجتنابُ المحارمِ، ولا يزالُ فُوكَ رَطبًا مِنْ ذكرِ اللهِ تعالىٰ". ولما سأله بعضهم أن شرائع الإسلام كثرت عليّ يا رسول الله فمُرني بعمل أتشبث به، قال: "لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله".

قال: "قيل يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: اجتناب المحارم. 

  • فأي الأصحاب خير؟ قال: صاحب إن ذكرت - عمل الخير والطاعة والبر - أعانك، وإن نسيت ذكرك. 
  • قال: فأي الأصحاب شر؟ قال ﷺ: صاحبٌ إن نسيت لم يذكرك، وإن ذكرت لم يعنك على الخير وعلى القيام بالحقوق والواجبات.
  • قال: فأي الناس أعلم؟ قال: أشدهم لله خشية. 
  • قالوا: فأخبرنا بخيارنا نجالسهم؟ قال: الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى.
  •  قالوا: فأي الناس شر؟ قال: اللهم غفرًا. قالوا: أخبرنا يا رسول الله؟ قال: العلماء إذا فسدوا"؛ هم شر الناس، بفسادهم يفسد الأمراء وتفسد الرعية كلهم، ويفسد الخلق بفساد العلماء.

وقالَ ﷺ: "إنَّ أكثرَ الناسِ أمانًا يومَ القيامةِ أكثرُهُمْ فِكرًا في الدنيا، وأكثرَ الناسِ ضحكًا في الآخرةِ أكثرُهم بكاءً في الدنيا، وأشدَّ الناسِ فرحًا في الآخرةِ أطولُهُمْ حزنًا في الدنيا".

 

 

"وقالَ عليٌّ -رضيَ اللهُ عنهُ- في خطبتِهِ: ذمَّتِي رهينةٌ وأنا بهِ زعيمٌ، إنَّهُ لا يهيجُ على التقوىٰ زرعُ قومٍ، ولا يظمَأُ على الهدى سِنْخُ أصلٍ، وإنَّ أجهلَ الناسِ مَنْ لا يعرفُ قدْرَهُ، وإنَّ أبغضَ الخلْقِ إلى اللهِ تعالىٰ رجلٌ قَمَشَ علمًا أغارَ بهِ في أغباشِ الفتنةِ، سمَّاه أشباةُ لهُ مِنَ الناسِ وأرذالَهُمْ عالمًا، ولمْ يُعْنَ في العلْمِ يومًا سالمًا"

 

هنا لم يُعنَ، وفي رواية: لم يِعِش.

 

"بكَّرَ فاستكثرَ، فما قلَّ منهُ خيرٌ ممَّا كَثُرَ، حتَّىٰ إذا ارتوىٰ مِنْ ماءِ آجنٍ، وأكثرَ مِنْ غيرِ طائلٍ.. جلسَ للناسِ مفتيا لتخليصٍ ما التبسَ على غيرِهِ، فإنْ نزلتْ بهِ إحدى المهمَّاتِ.. هيَّأَ حشْوَ الرأي مِنْ رأيهِ، فهوَ مِنْ قطع الشبهاتِ في مثلِ غزْلِ العنكبوتِ، لا يدري أخطأَ أمْ أصابَ، ركَّابُ جهالاتٍ، خبَّاطُ عشواتٍ، لا يعتذرُ ممَّا لا يعلمُ فيسلَمُ، ولا يعضُّ على العلْمِ بضرسٍ قاطعٍ فيغنمُ، تبكي منهُ الدماءُ، وتُستحلُّ بقضائِهِ الفروجُ الحرامُ، لا مَلِيءٌ واللهِ بإِصدارِ ما وردَ عليهِ، ولا هوَ أهلٌّ لما فُوِّضَ إليهِ، أولئكَ الذينَ حلَّتْ عليهمُ المَثُلاتُ، وحقَّتْ عليهِمُ النياحةُ والبكاءُ أيامَ الحياةِ الدنيا.

وقالَ عليٌّ أيضًا -رضيَ اللهُ عنهُ-: إذا سمعتُمُ العلمَ.. فاكظِمُوا عليهِ ولا تخلِطُوهُ بهزْلٍ فتمجَّهُ القلوبُ.

وقالَ بعضُ السلفِ: العالمُ إذا ضَحِكَ ضَحْكَةً.. مَجَّ مِنَ العلمِ مَجَّةً.

وقيلَ: إذا جمعَ المعلّمُ ثلاثًا.. تمَّتِ النعمةُ بهِ على المتعلَمِ:

  • الصبرَ 
  • والتواضعَ
  • وحسنَ الخلقِ 

وإذا جمعَ المتعلُمُ ثلاثًا.. تمتِ النعمةُ بهِ على المعلَّمِ: 

  • العقلَ 
  • والأدبَ
  • وحسنَ الفهمِ

وعلى الجملةِ: فالأخلاقُ التي وردَ بها القرآنُ لا ينفكُّ عنها علماءُ الآخرةِ؛ لأنَّهمْ يتعلمونَ القرآنَ للعملِ لا للرئاسةِ.

وقالَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهما-: لقدْ عشْنا برهةٌ مِنَ الدهرِ وإنَّ أحدَنا يُؤْتى الإيمانَ قبلَ القرآنِ، وتَنزِلُ السُّورةُ فيتعلَمُ حلالَها وحرامَها، وآمرَها وزاجرَها، وما ينبغي أنْ يقفَ عندَهُ منها، ولقدْ رأيتُ رجالًا يُؤتىٰ أحدُهُمُ القرآنَ قبلَ الإيمانِ، فيقرأُ ما بينَ فاتحتِهِ إلى خاتمتِهِ لا يدري ما آمرُهُ وما زاجرُهُ، وما ينبغي أنّ يقفَ عندَهُ، يَنثرُهُ نثْرَ الدَّقَلِ.

وفي خبرِ آخرَ بمثل معناهُ: كنَّا -أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ- أوتينا الإيمانَ قبلَ القرآنِ، وسيأتي بعدَكُمْ قومٌ يُؤْتَونَ القرآنَ قبلَ الإيمانِ، يُقيمونَ حروفَهُ ويضيَّعُونَ حدودَهُ، يقولونَ: قرأنا فَمَنْ أقرأُ مِنَّا؟ وعَلمْنا فَمَنْ أعلمُ منَّا؟ فذلكَ حظُّهُمْ ، وفي لفظِ آخرَ: أولئكَ شرارُ هٰذهِ الأمَّةِ."

 

والعياذ بالله تبارك وتعالى.

يقول سيدنا علي في خطبة له: "ذمتي رهينة ضامنة وأنا به زعيم" على ماذا؟ على هذه المعاني التي يتكلم عنها، "إنه لا يهيج"؛ يعني: لا يهلك، "لا يهيجُ على التقوىٰ زرعُ قومٍ" على التقوى ما تهلك الزروع بل تُثمر، وأيضا "ولا يظمَأُ على الهدى سِنْخُ أصلٍ،" بل التُقى فيه البقاء كما يقولون عندنا العوام: التُقى فيه البقاء، "لا يهيجُ على التقوى"؛ ما يهلك على التقوى زرع قوم، ولهذا قالوا: إن بذرة الخير تُثمر وبذرة الشر تهيج.

وقال: "وإنَّ أجهلَ الناسِ مَنْ لا يعرفُ قدْرَهُ، وإنَّ أبغضَ الخلْقِ إلى اللهِ تعالىٰ رجلٌ قَمَشَ علمًا"؛ يعني: أخذه من غير طريقه، ومن غير سنده ومستحقه. 

"أغارَ بهِ في أغباشِ الفتنةِ،" بعدين أيش عاده؟! "سمَّاه أشباةُ لهُ مِنَ الناسِ وأرذالَهُمْ عالمًا" الشيخ الفلاني عالم!.. الشيخ الكبير!.. شيخنا كذا كذا وكذا، هو قمش علم، ولا له سند، ولا عليه أثر خشية ولا له أدب، ولكن سموه الشيخ الفلاني، عالم، أشباه.. قال: كماه من الناس مقطوعين محجوبين سموه عالم وقدموه، بعدين ما دروا به إلا مفتي كبير، وما درى به إلا في كبار العلماء وكذا وكذا وإلى غير ذلك! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

قال: "ولم يعنَ" عندكم، وفي رواية: "لم يِعِش- "في العلْمِ يومًا سالمًا"، ولا يوم واحد عاش في العلم أو عني بالعلم سليماً على وجهه وعلى حقه وأخذه عن أهله، ولا يوم واحد عاش في العلم سالم أو عني بالعلم سالم، ولكنه العالم الكبير حقهم!

وبعدين.. "بكر فاستكثر"، وقال: "حتَّىٰ إذا ارتوىٰ مِنْ ماءِ آجنٍ، وأكثرَ مِنْ غيرِ طائلٍ.. جلسَ للناسِ مفتيًا لتخليصٍ ما التبسَ على غيرِهِ، فإنْ نزلتْ بهِ إحدى المهمَّاتِ.. هيَّأَ حشْوَ الرأي مِنْ رأيهِ"، من هنا ومن هناك يمشّيها على الناس. "فهوَ مِنْ قطع الشبهاتِ في مثلِ غزْلِ العنكبوتِ"، (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ) [العنكبوت:41]. "لا يدري أخطأَ أمْ أصابَ، ركَّابُ جهالاتٍ،" كثير الركوب للجهالات، "خبَّاطُ عشواتٍ"، الأعشى الذي ما يبصر في النهار، ضعيف النظر، ما يبصر، في الليل يشوف قليل.

"لا يعتذرُ ممَّا لا يعلمُ فيسلَمُ، ولا يعضُّ على العلْمِ بضرسٍ قاطعٍ فيغنمُ، تبكي منهُ الدماءُ"؛ لأنه استُحلت به الدماء، قُتل فلان وقُتل فلان… تبكي منه الدماء؛ بفتاويه يستحلون دماء الخلق، يقول هؤلاء مشركين وهؤلاء كفار وهؤلاء مبتدعين ضالين وهذا ثواب لمن…. 

تسمعون حتى في الفتنة الأخيرة عندنا في اليمن، كل ساعة تجيء فتوى، من يقاتل مع فلان هكذا ومن يقاتل مع فلان كذا..  وبعدين تجي فتوى... لعب بالدين، لعب بدين لله تبارك الله، يسمونه عالم وشيخ!! لا حول ولا قوة إلا بالله…

"تبكي منهُ الدماءُ، وتُستحلُّ بقضائِهِ الفروجُ الحرامُ، لا مَلِيءٌ واللهِ بإِصدارِ ما وردَ عليهِ،" ما هو جدير ولا يحق إصدار ما ورد عليه "ولا هو أهل لما فُوِّضَ إليهِ، أولئكَ الذينَ حلَّتْ عليهمُ المَثُلاتُ"؛ يتعرضون للعنّة والسخط والطرد من الله، "وحقَّتْ عليهِمُ النياحةُ والبكاءُ أيامَ الحياةِ الدنيا." نعوذ بالله من غضب الله.

شوفوا رواه وكيع في أخبار القضاء، ورواه ابن قتيبة وابن عساكر في تاريخ دمشق نحوه هذا، 

  • السنخ: الأصل من كل شيء. 
  • قمش: جمّع من غير وجهه. 
  • أغباش: جمع غبش وهو الظلمة آخر الليل.

ويقول أيضًا سيدنا علي: "إذا سمعتُمُ العلمَ.. فاكظِمُوا عليهِ ولا تخلِطُوهُ بهزْلٍ فتمجَّهُ القلوبُ."؛ يعني: اعطوه حقه من الوقار والاحترام واذكروه بما يليق به من الإجلال والإكبار. 

وقالَ بعضُ السلفِ: العالمُ إذا ضَحِكَ ضَحْكَةً"؛ يعني: في غير محلها، "مَجَّ مِنَ العلمِ مَجَّةً". 

"إذا جمعَ المعلّمُ ثلاثًا.. تمَّتِ النعمةُ بهِ على المتعلَمِ:

  • الصبرَ 
  • والتواضعَ
  • وحسنَ الخلقِ

وإذا جمعَ المتعلُمُ ثلاثًا.. تمتِ النعمةُ بهِ على المعلَّمِ: 

  • العقلَ
  • والأدبَ
  • وحسنَ الفهمِ.

هذه نعمة كبيرة على المعلم أنه يعي عنه ويحسن الاستثمار في أرض قلبه للزرع الذي يزرعه، فينتج نتاج طيب وينفع، ويعود إلى شيخه أثر هذا النفع في حياته وبعد مماته.

قال: "وعلى الجملةِ: فالأخلاقُ التي وردَ بها القرآنُ لا ينفكُّ عنها علماءُ الآخرةِ؛ لأنَّهمْ يتعلمونَ القرآنَ للعملِ لا للرئاسةِ." ولا للقراءة، والله حتى يقول الحبيب أحمد بن حسن العطاس في التأليفات: قال بعض الناس يؤلف للجمع، بعضهم للنفع، بعضهم يؤلف للنفع بعضهم للجمع فقط ليقال ألّف… قال والذين يؤلفون للجمع ما ينتفع بكتبهم الناس، والذين يؤلفون للنفع ومخلصين لوجه الله وقصدهم نفع الخلق، هذه كتبهم تنفع. نحن نقرأ كتاب الغزالي كم له من توفي؟ من عام 505هـ، عليه رحمة الله، تسعمئة وشيء قريب يصل لألف، عليه رحمة الله تعالى، وشُف النفع مستمر. كيف أنهم ألفوا بإخلاص لوجهه، ألفوا للباقي فأبقى نفعهم، ألّفوا للدائم فأدام فائدتهم، سبحانه وتعالى.

"وقالَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهما-: لقدْ عشْنا برهةٌ مِنَ الدهرِ"؛ يعني: في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، "وإنَّ أحدَنا يُؤْتى الإيمانَ قبلَ القرآنِ"، يمتلئ باليقين والإيمان قبل ما يتعلم. قال: "وتَنزِلُ السُّورةُ فيتعلَمُ حلالَها وحرامَها، وآمرَها وزاجرَها، وما ينبغي أنْ يقفَ عندَهُ منها،". والآن قال: "ولقدْ رأيتُ رجالًا يُؤتىٰ أحدُهُمُ القرآنَ قبلَ الإيمانِ"، الإيمان مزعزع في قلوبهم ما عندهم يقين ولكن يتعلمون! وبعدين؟ " فيقرأُ ما بينَ فاتحتِهِ إلى خاتمتِهِ لا يدري ما آمرُهُ وما زاجرُهُ، وما ينبغي أنّ يقفَ عندَهُ، يَنثرُهُ نثْرَ الدَّقَلِ."؛ رديء التمر يقولون له: الدقل. 

فهذا قد شكى منه ابن عمر وعاده ما شاف الذين جاءوا بعده. يقولون: "كنَّا -أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ- أوتينا الإيمانَ قبلَ القرآنِ، وسيأتي بعدَكُمْ قومٌ يُؤْتَونَ القرآنَ قبلَ الإيمانِ، يُقيمونَ حروفَهُ ويضيَّعُونَ حدودَهُ، يقولونَ: قرأنا فَمَنْ أقرأُ مِنَّا؟" يتبجحون.. "وعَلمْنا فَمَنْ أعلمُ منَّا؟ فذلكَ حظُّهُمْ، وفي لفظِ آخرَ: أولئكَ شرارُ هٰذهِ الأمَّةِ."؛ لأنهم يضلون عن سواء السبيل، وتضرر الأمة بهم كثير والعياذ بالله تعالى. أصلح الله أمور المسلمين، صرف الله شر المؤذيين.

 

"وقيلَ: خمسٌ مِنَ الأخلاقِ هيَ مِنْ علاماتِ علماءِ الآخرةِ مفهومةٌ مِنْ خمْسٍ آياتٍ مِنْ كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ: الخشيةُ، والخشوعُ، والتواضعُ، وحسنُ الخلقِ، وإيثارُ الآخرةِ على الدنيا وهوَ الزهدُ:

  • أمَّا الخشيةُ: فمِنْ قولهِ تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر:28].
  • وأمَّا الخشوعُ: فمِنْ قولِهِ تعالىٰ: (خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا)[آل عمران:199].
  • وأمَّا التواضعُ: فمِنْ قولهِ تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)[الشعراء:215].
  • وأمَّا حسنُ الخلقِ: فمِنْ قولهِ تعالىٰ: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ)[آل عمران:159].
  • وأمَّا الزهدُ: فمِنْ قولهِ تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا)[القصص:80].

ولمَّا تلا رسولُ اللهِ ﷺ قولَهُ تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ)[الأنعام:125]، فقيلَ لهُ: ما هٰذا الشَّرْحُ؟ فقالَ: "إنَّ النورَ إذا قُذِفَ في القلبِ.. انشرحَ لهُ الصدرُ وانفسحَ"، قيلَ: فهلْ لذلكَ مِنْ علامةٍ؟ قالَ ﷺ: "نعمِ؛ التجافي عَنْ دارِ الغرورِ، والإنابةُ إلىٰ دارِ الخلودِ، والاستعدادُ للموتِ قبلَ نزولِهِ".

 

يقول: "خمسٌ مِنَ الأخلاقِ هيَ مِنْ علاماتِ علماءِ الآخرةِ" وهي مفهومة من القرآن: 

  • الخشية 
  • والخشوع 
  • والتواضع 
  • حسن الخلق
  • وإيثار الآخرة على الدنيا

من أين أخذ الخشية؟ من قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).

الخشوع: (خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا).

التواضع قال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). الله يقول لنبيه محمد ﷺ. لهذا كان يجلس بينهم كأحدهم عليه الصلاة والسلام، وكان أعظم خلق الله تواضعًا، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة، صلوات الله وسلامه عليه. 

"وإن كان ليحلب شاته ويرقع ثوبه ويخصف نعله ويقمّ بيته". قال بعضهم لسيدتنا عائشة: كيف تعيشون في البيت مع النبي؟ يمشي في الطريق كأنه جيش وهو وحده من هيبته، وأنتم كيف؟ قالت: والله إن حُسن خلقه يغطي لنا هيبته، يكون كأحدنا يخدم أهله ويقطع اللحم ويقرّب معنا، ويكنس البيت يقمّه، ويتحدث معنا ونتحدث معه، ويضحك معنا ونضحك معه، فإذا جاء وقت الصلاة خرج كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه! إذا آذنه بلال بالصلاة قالوا كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه. صلوات ربي وسلامه عليه: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4].

قال: وأما حسن الخلق (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ).

والزهد في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا)، فهذا مسلك العلماء يؤثرون الآخرة على الدنيا.

وتلا النبي ﷺ: "(فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ)[الأنعام:125]، فقيلَ لهُ: ما هٰذا الشَّرْحُ؟ فقالَ: "إنَّ النورَ إذا قُذِفَ في القلبِ.. انشرحَ لهُ الصدرُ وانفسحَ"قيلَ: فهلْ لذلكَ مِنْ علامةٍ؟ قالَ ﷺ: "نعمِ؛ التجافي عَنْ دارِ الغرورِ، والإنابةُ إلىٰ دارِ الخلودِ، والاستعدادُ للموتِ قبلَ نزولِهِ".

وهكذا..  

 

أسئلة:

  • كيف يزيل حجاب النفس الذي يحجب الإنسان عن ربه؟ 

إزالته بقهر هذه النفس وتزكيتها ونقلها من الأمّارة إلى اللوامة إلى الملهَمة إلى المطمئنة والراضية والمرضية؛ بتزكيتها، لأنها كثيرة التلبيس، وأصعب أخلاقها العجب؛ ومن أخفى عيوبها الرياء خفي، ولكن أخفى منه العجب. وفي الرياء ورد أنه "أخفى في أمتي من دبيب النمل"، أخفى من دبيب النمل، وكيف تجي على دبيب النمل! وهكذا يطرق الرياء أعمال الناس من حيث ما يشعرون. "اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم.

وإذا ستقرأ سبعين ألف لأجل شراء النفس الأمارة، لأن فيها عتق، ففي مدة كم؟ 

كلما قصرت المدة أفضل؛ لا تزيد على أربعين يوم، وإذا كنت في شهر فهو أفضل، وإذا كنت في عشرين يوم فهو أفضل، وإذا كانت في عشرة أيام فهو أفضل، وإذا كانت في ثلاث أيام فهو أفضل؛ هذه السبعين الألف. 

وكان شيخنا الحبيب جعفر العيدروس -عليه رحمة الله- من أوراده في اليوم سبعين ألف من "لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم"، يجيبها بالصيغة هذه، كل يوم سبعين ألف غير الأوراد الأخرى حقه! سبحان الله…

لكن تعلُّق بالذكر، في البداية جاهد نفسه، كان إذا حس بأدنى استثقال في النفس، وهو مثلاً جلس بيجيب ألف مرة من سورة الإخلاص، فإذا حس في خاطره أدنى استثقال يقول لها: ايه يا نفس ثقيل؟ ثلاثة ألف ما هو ألف؛ يزيد عليها. وهكذا حتى اطمأنت نفسه بالذكر. بعدين صار سبحان الله يذكر بتسمعه كلمة كلمة، لكن وقت قصير يجيب ذكر كثير! 

جاء له مرة واحد قال له: عم جعفر، سمعنا أنكم تجيبون ألف من سورة الإخلاص في ربع ساعة؟! قال: عندك شك؟ قال: لا ما شي شك. قال: هيا اضبط ساعتك واحمل السبحة وعد.. يجيبها كلمة كلمة "بسم الله..." تسمعه لكن ما تقدر تمشي معه، لكن أنت تسمعها كلمة كلمة مفصلة، كمل الألف، قال له: سبع دقائق ونص عم جعفر! قال له: قل لنفسك!

 لا إله إلا الله… لكن بعد المجاهدة، المجاهدة من البداية عندهم، جاهد، قيل: لما بلغنا للنفوس ما شق نلنا المنى.

 

  • قوة اليقين والأخذ بالأسباب

نعم، نفس الشيء مثل التوكل والأخذ بالأسباب دون اعتماد عليها والثبات عليها، وثقة بالله تعالى كاملة. فما دام يملك من الإدراك والقوة ما يقيم به السبب فليقيم السبب، حتى يخرج عن طوره بحيث أنه يكون ما عاد يقدر، هذا خلاص يتولاه هو سبحانه وتعالى، نعم الوكيل. 

ولكن ما دام عنده قدرة على إقامة السبب فعليه أن يقيم السبب وهو متوكل على المسبب لا على السبب. لهذا قالوا: فيما عنده القدرة والاستطاعة على إقامة شيء من الأسباب فعليه أن يقيمها عبودية وامتثالاً لأمر الله، فرق بينه وبين الثاني؛ أن الآخر يقيمها راكناً إليها ومعتمداً عليها ومتوهمًا استقلالها في التأثير، وهذا بعيد عن هذا. يقوم بها عبوديةً للإله سبحانه وتعالى وأدبًا مع الله تبارك وتعالى. 

من كان عليه نفقة واجبة لأحد من أهله وأولاده، فمقدار الواجب يجب عليه أن يوفّره ويشتغل به ولا يشتغل عنه، إلا أن يجد ما يسدّد ذلك ولو كان من ديْن إذا كان ذا يقين، أو عنده وجه من أوجه القضاء فيه، هناك وجه يقضي منه الدين فيتدين لذلك.

 

المنتقلين إلى رحمة الله تعالى أبو الخير الصعب، وخديجة رشيد هاشم، يعلي درجاتهما،  ويكثر مثوبتهما، ويضاعف حسناتهما، ويضاعف كل حسنة من حسنات كل منهما إلى ما لا نهاية، ويبدل كل سيئة من سيئات كل منهما إلى حسنات تامات موصلات، ويتحمل عنهما وعنا جميع التبعات، ويجعل قبريهما روضتين من رياض الجنات، وأن الله سبحانه وتعالى يوفدهما عليه وفد أهل الكرامة لديه، وأن الله يظلهما بظل عرشه، لا ظل إلا ظله، ويوردهما على الحوض المورود في أوائل أهل الورود. ويجمعنا وإياهم تحت لواء الحمد المعقود، وفي أعلى جنات دار الخلود، من غير سابقة عذاب، ويخلفهم في أهليهم وذويهم وبلدهم وأهل زمنهم والمسلمين بخلف صالح، يجمع الجميع في دار الكرامة، ويرحم موتانا وأحيانا بعظيم الرحمة، وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار في دربه، وجعلنا وإياكم ممن سار في دربه وسقي من شربه ، اللهم سر بنا في دربه واسقنا من شربه، اللهم سر بنا في دربه واسقنا من شربه، اللهم سر بنا في دربه واسقنا من شربه، واجعلنا من خواص أهل حبه وأهل قربه، أكرمنا بذلك يا رحمن، وارفعنا إلى أعلى مكان في حسن متابعته وفي حسن نصرته وحسن خدمته وخدمة شريعته ومِلّته وسنّته، وآله وصحابته وأمّته، واجعلنا في أنفع الأمة للأمة، وأبرك الأمة على الأمة، واجعلنا منه على بال في كل حينٍ وفي كل حال، وبلّغه عنّا ما يسر قلبه وما يُقِرّ عينه، ولا تبلغه من قبائحنا شيئًا، وتولنا به حيث ما كنا وأين ما كنا، وارزقنا بذل الوسع كاملاً في نصرتك ونصرته، ومحبّتك ومحبّته على الوجه الأحب إليك وإليه، والأرضى لك وله، والأنفع للأمة على خير الوجوه.

واجعل كل واحد منا ومن أحبابنا هؤلاء مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وسببًا لنشر الهدى والنور على خير الوجوه، ثبّت قلوبهم، وثبّت أقدامهم، خُذ بأيديهم ونواصيهم إليك أخذ أهل الفضل والكرم لديك، لا تكلنا إلى أنفسنا ولا لأحدٍ من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أكثر، لا تكلنا إلى أنفسنا ولا لأحدٍ من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أكثر، لا تكلنا إلى أنفسنا ولا لأحدٍ من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أكثر،  اجعل اعتمادنا عليك واستنادنا إليك وتوجهنا إليك، واسقنا كأس حقيقة التوحيد، واسقنا كأس حقائق اليقين، واجعلنا من أهل علم اليقين، وأهل عين اليقين، وألحقنا بأهل حق اليقين، وثبّتنا على الاستقامة وارزقنا كمال التمكين في كل مقام من مقامات اليقين، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أكثر يا أرحم الراحمين.

وصلاح الأمة وكشف الغمة ودفع البلايا عنا وعن الأمة، وأن الله يتدارك أحبابنا في الشام وفي اليمن وفي الشرق وفي الغرب، كشف كل كرب، ودفع كل أذية، وبلوغ أقاصي الأمنية، والرقي إلى أعلى ذرى القربية، والختم لكل منّا بأكمل حسن الخاتمة، ويجعل خير ساعة لكل واحد منا ساعة لقاءه لربه، يجعل خير ساعة لكل واحد منا في هذه الحياة الدنيا ساعة لقائه لربه، يجعل خير ساعة لكل واحد منا في هذه الحياة الدنيا ساعة لقائه لربه، نلقاه وهو راضٍ عنّا، وتبشرنا الملائكة بأسمى وأجل ما تبشر به المحبوبين والمقرّبين، وأهل اليقين والتمكين في لطفٍ وعافية وصلاح الأهل والأولاد والذرية، والسير في السبيل السوية، الفاتحة. 

 

لتحميل الكتاب pdf

 

تاريخ النشر الهجري

25 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

14 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام