آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 9 | علامات علماء الآخرة: ألا يخالف فعله قوله

للاستماع إلى الدرس

الدرس التاسع في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

مساء الثلاثاء 17 رجب 1447هـ.

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:

البَابُ السَّادِسُ

في آفات العلم

وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء

"ومنها: ألا يخالفَ فعلُهُ قولَهُ: بلْ لا يأمرُ بالشيءِ ما لمْ يكنْ هوَ أولَ عاملٍ بهِ .

قالَ الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة:44].

وقالَ تعالىٰ: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف:3].

وقالَ تعالىٰ في قصَّةِ شعيب: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) [هود:88].

وقالَ تعالىٰ: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282]، وقالَ تعالىٰ: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا)‎ [البقرة:194]، (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا) [المائدة:108].

وقالَ تعالىٰ لعيسى -عليهِ السلامُ-: يا ابن مريم؛ عظ نفسَكَ، فإنِ اتعظتَ.. فعظِ الناسَ، وإلا.. فاستحي منّي.

وقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "مررتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي بأقوامٍ تُقْرَضُ شفاهُهُمْ بمقاريضَ مِنْ نارٍ، فقلتُ: مَنْ أنتُمْ؟ فقالوا: إنَّا كنَّا نأمرُ بالخيرِ ولا نأتيهِ، وننهى عنِ الشرِّ ونأْتِيهِ".

وقالَ ﷺ: "هلاكُ أمَّتِي عالمٌ فاجرٌ وعابدٌ جاهلٌ، وشرُّ الشَرارِ شرارُ العلماءِ، وخيرُ الخِيارِ خيارُ العلماءِ".

وقالَ الأوزاعيُّ -رحمهُ اللهُ-: شكتِ النواويسُ ما تجدُ مِنْ نَتَنِ جيفِ الكفارِ، فأوحى اللهُ إليها: بطونُ علماءِ السوءِ أنتنُ ممَّا أنتُمْ فيهِ.

وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ -رحمهُ اللهُ-: بلغني أنَّ الفسقةَ مِنَ العلماءِ يُبدأُ بهِمْ يومَ القيامةِ قبلَ عبدةِ الأوثانِ.

وقالَ أبو الدرداءِ ر-ضيَ اللهُ عنهُ-: ويلٌ لمنْ لا يعلمُ مرَّةً، وويلٌ لمنْ يعلَمُ ولا يعملُ سبعَ مرَّاتٍ.

وقالَ الشعبيُّ: يطَلعُ قومٌ مِنْ أهلِ الجنَّةِ علىٰ قومٍ مِنْ أهلِ النارِ فيقولونَ لهُمْ: ما أدخلَكُمُ النارَ وإنَّما أدخلَنا اللهُ الجنَّةَ بفضْلٍ تأديبِكُمْ وتعليمِكُمْ؟ فقالوا: إنَّا كنَّا نأمرُ بالخيرِ ولا نفعلُهُ.

وقالَ حاتِمٌ الأصمُّ -رحمهُ اللهُ-: ليسَ في القيامةِ أشدَّ حسرةً مِنْ رجلٍ علَّمَ الناسَ علماً فعملوا بهِ ولمْ يعملْ هوَ بهِ، ففازوا بسببِهِ وهلكَ هوَ.

وقالَ مالكُ بنُ دينارٍ: إنَّ العالمَ إذا لم يعملْ بعلمِهِ.. زلَّتْ موعظتُهُ عنِ القلوبِ كما يزلُّ القَطْرُ عنِ الصفا.

وأنشدوا:

يَا وَاعِظَ النَّاسِ قَدْ أَصْبَحْتَ مُتَّهَماً *** إذْ عِبْتَ مِنْهُمْ أُمُوراً أَنْتَ تَأْتِيهَا 

أَصْبَحْتَ تَنْصَحُهُمْ بِٱلْوَعْظِ مُجْتَهِداً *** فَٱلْمُوبِقَاتُ لَعَمْرِي أَنْتَ جانِيها

تَعِيبُ دُنْيا وَناساً راغِبِينَ بِها *** وَأَنْتَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ رَغْبَةٌ فِيها

 وقال آخرُ:

لاَ تَنْةَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ *** عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

 وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ -رحمهُ اللهُ-: مررتُ بحَجَرٍ مكتوبٍ عليهِ:

اقلبني.. تعتبرْ، فقلبتُهُ، فإذا عليهِ مكتوبٌ: أنتَ بما تعلَمُ لا تعملُ، فكيفَ تطلبُ علّمَ ما لمْ تعلَمْ؟!"

 

لا إله إلا الله، رزقنا الله العمل بما نعلم وقبلنا، ورزقنا الإخلاص في العمل وكتب لنا القبول عنده، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

يقول: "ومنها -يعني: من علامات علماء الآخرة- ألا يخالفَ فعلُهُ قولَهُ -فلا يكذّب فعله ما يقول أي قوله- بلْ لا يأمرُ بالشيءِ ما لمْ يكنْ هوَ أولَ عاملٍ بهِ".

وهكذا كما نقرأ في الآية الكريمة: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [البقرة:44] فجعل من يأمر بالبر ولا يعمل به وينسى نفسه خارجاً عن العقل، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ؟)

ويقول: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف:3].

(وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) [هود:88] يقول سيدنا شعيب لقومه: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) أنا ممتثل، وأنا مبتعد عن التطفيف في الكيل والوزن (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ).

هذه الثلاث الآيات التي ذكرها سيدنا الجنيد عندما كان يخاطبه خاله السري السقطي في البروز للناس في الدعوة، فيقول له: تمنعني عنها ثلاث آيات:

  • وقرأ الآية: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [البقرة:44].
  • قال والثانية قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ‎* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف:2-3].
  • الثالثة قال قول شعيب لقومه: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) [هود:88].

حتى رأى النبي ﷺ يأمره بالبروز للناس لأجل الدعوة والتعليم، فدخل في اليوم الثاني على خاله السري، فلمَّا أقبل عليه وسلَّم عليه قال: أما رضيت حتى جاءك الرجل الكبير بنفسه؟ قال: قد رأيته وأمرني بذلك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وهكذا يقول: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282] فيه إشارة إلى أنَّ المُتَّقي يُعلِّمه الله ما لم يعلم، فالتقوى سبب لاكتساب العلم اللدني.

وكان يقول بعض الأكابر من الشيوخ: ما رأيت شبكة لاقتناص العلم اللدني أعظم من شبكة الدعوة إلى الله على الإخلاص والصدق، إذا قامت الدعوة لها بصدق، حتى في اليوم الذي أخرج فيه إلى الناس وأدعو الله، أجد من نفس الليلة فتحاً من الله عليّ مبين،.فما وجدت شبكة لاقتناص العلم اللدني كالدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وهي على الإخلاص والصدق.

(وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282]،(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)‎ [البقرة:194]، (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا) [المائدة:108].

"وقالَ تعالىٰ لعيسى -عليهِ السلامُ-: يا ابن مريم؛ عظ نفسَكَ، فإنِ اتعظتَ.. فعظِ الناسَ، وإلا.. فاستحي منّي.".

وهذا حديث الإسراء والمعراج كما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، فيه أُشهِدَ ﷺ مشاهد لمآلات أمته وما يرجعون إليه في آخرتهم وأمثلة ذلك، فعُرضت عليه أعمال الأمة، وعُرضت عليه الجنة، وعُرضت عليه النار صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يقول: "مررتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي بأقوامٍ تُقْرَضُ شفاهُهُمْ بمقاريضَ مِنْ نارٍ،" يعني: كلما قُرضت عادت كما كانت فقُرضت بمقراض من النار مرة أخرى وهكذا، "فقلتُ: مَنْ أنتُمْ؟ فقالوا: إنَّا كنَّا نأمرُ بالخيرِ ولا نأتيهِ، وننهى عنِ الشرِّ ونأْتِيهِ".

"وقالَ ﷺ: "هلاكُ أمَّتِي عالمٌ فاجرٌ وعابدٌ جاهلٌ، وشرُّ الشَرارِ شرارُ العلماءِ،"؛ لأنهم يلبّسون على الناس ويتخذون الحيل، ويتخذون علمهم وسيلة للسوء، "وخيرُ الخِيارِ خيارُ العلماءِ"؛ لأنَّهم يدلون الناس على الله، مَأمُونون يؤدون الأمانة عن صاحب الرسالة ﷺ على الوجه المرضي لله تعالى، فهم خيار الخيار "خيرُ الخِيارِ خيارُ العلماءِ"، "وشرُّ الشَرارِ شرارُ العلماءِ".

"وقالَ الأوزاعيُّ -رحمهُ اللهُ-: شكتِ النواويسُ -يعني: المقابر- ما تجدُ مِنْ نَتَنِ جيفِ الكفارِ، -فيها- فأوحى اللهُ إليها: بطونُ علماءِ السوءِ أنتنُ ممَّا أنتُمْ فيهِ" -والعياذ بالله- بطونهم يعني: بواطنهم لعلماء السوء، والمعنى بواطنهم أشد نتناً من نتن جِيَفِ الكفار -لا إله إلا الله-.

حتى يقول: "الفضيلُ بنُ عياضٍ -رحمهُ اللهُ-: بلغني أنَّ الفسقةَ مِنَ العلماءِ يُبدأُ بهِمْ يومَ القيامةِ قبلَ عبدةِ الأوثانِ." يُعَذَّبون لأنَّهم بعلمٍ عصوا الله -تبارك وتعالى-.

وفي حديث مسلم إنَّ أول من تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة:

  • من كان ظاهره عالم مُعَلِّم.
  • والثاني ظاهره مجاهد.
  • والثالث ظاهره متصدق منفق.

هؤلاء الثلاثة أول من تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة -اللهم أجرنا-، ولهذا يقول ابن رسلان صاحب الزبد:

فعالم بعلمه لم يعمَلَنْ *** مُعّذَّبٌ مِنْ قَبلِ عُبَّاد الوثن

-اللهم أجرنا من عذابك-.

ويقول "أبو الدرداء:" حكيم هذه الأمة الصحابي الجليل؛ يقال له حكيم هذه الأمة "ويلٌ لمنْ لا يعلمُ مرَّةً، وويلٌ لمنْ يعلَمُ ولا يعملُ سبعَ مرَّاتٍ.".

ولمَّا مرض مرة أبو الدرداء -هذا في حكمته- دخلوا عليه يعودونه وقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: قد حضر.

سألوه قالوا: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قالوا: فما تشتهي؟ قال: الجنة -هم يريدون شيئاً يقربونه له يأكله، قال لهم: أشتهي الجنة-. قالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: قد حضر الطبيب. قالوا: ماذا قال لك؟ -ايش فيك؟- قال: قال لي إنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُريد؛ -يعني: الطبيب ربي وهو معي حاضر، عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.

"وقالَ الشعبيُّ: يطَلعُ قومٌ مِنْ أهلِ الجنَّةِ علىٰ قومٍ مِنْ أهلِ النارِ فيقولونَ لهُمْ: ما أدخلَكُمُ النارَ وإنَّما أدخلَنا اللهُ الجنَّةَ بفضْلٍ تأديبِكُمْ وتعليمِكُمْ؟" قالوا: كنَّا نأمر بالخير ولا نفعله -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وهذا مما ورد فيه اطِّلاعات ما بين أهل الجنة والنار، الله -سبحانه وتعالى- يُمَكِّنَهم منها لحِكَم، وليزداد أهل النعيم نعيماً إلى نعيم.

وقالوا منها ما ذكروا في القرآن أنَّه يتلاقى الاثنان من أهل الجنة أخوان كانا في الدنيا (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ) -يعني: صاحب في الدنيا- (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ)‏ -كان يكذب بالبعث- (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ) -يقول له المَلَك: أترى صاحبك هذا الذي كان يقول لك كذا؟ قال: نعم، فيُفسَح له وإذا به في النار- (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) -يناديه: فلان! يخليه سبحانه وتعالى يُدرِك ويراه- (قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ) -كدت تهلكني معك في الدنيا، كنت تضحك علي وتستهزئ بي- (وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) -أي: في العذاب معك- (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) -قال الله إنَّ هذا شأن أهل الجنة- (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‎*‏ لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات:50-61].

وهكذا يحصل، نادى أصحاب الجنة أصحاب النار، ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة، فيكون على أفراد وعلى جماعات، وعن بُعد المسافة التي بين الجنة والنار، ولكن هكذا الله جعل لكم في الدنيا الأمثلة من أبعد مكان إلى أبعد مكان يتصلون بالصورة، وهكذا يجعل بين أهل الجنة وأهل النار من أجل تبكيت أهل النار وزيادة نعيم أهل الجنة -لا إله إلا الله، اللهم اجعلنا من أهل جناتك-.

"وقالَ حاتِمٌ الأصمُّ -رحمهُ اللهُ-: ليسَ في القيامةِ أشدَّ حسرةً مِنْ رجلٍ علَّمَ الناسَ علماً فعملوا بهِ -فارتقوا وحَصَّلوا درجات- ولمْ يعملْ هوَ بهِ، ففازوا بسببِهِ وهلكَ هوَ".

"وقالَ مالكُ بنُ دينارٍ: إنَّ العالمَ إذا لم يعملْ بعلمِهِ.. زلَّتْ موعظتُهُ -يعني: نَبَت وفرّت- عنِ القلوبِ -ما تؤثر ولا تثبت في القلوب مهما وعظ، لماذا؟ لأنَّه ما يعمل بعلمه- كما يزلُّ القَطْرُ -يعني: المطر- "عنِ الصفا" الحجر الأملس، فإذا نزل المطر في حجر أملس كم يقعد؟ على طول يمشي ما يقف أبداً على طول يمشي، قالوا: كذلك موعظة العالِم الذي لا يعمل بعلمه القلوب تُعدِّيها هكذا لا تؤثر في الناس، لا ينتفعون بها في الغالب، وأتى بالأبيات للعظة.

وقول سيِّدنا إبراهيم بن أدهم: "مررتُ بحَجَرٍ مكتوبٍ عليهِ: اقلبني.. تعتبرْ، فقلبتُهُ، فإذا عليهِ مكتوبٌ: أنتَ بما تعلَمُ لا تعملُ، فكيفَ تطلبُ علّمَ ما لمْ تعلَمْ؟!" قم بالعمل أولاً، وهذا ما سلكه الصحابة قالوا: كنا نأخذ الآيات من القرآن نتدبرها ونعمل بما فيها ثم نأخذ غيرها، ما يتجاوزها حتى يفهم معانيها ويطبِّق ما فيها ويعمل بها، ثم يأخذ غيرها وهكذا، رضي الله عنهم.

 

"وقالَ ابنُ السماكِ -رحمهُ اللهُ-: كمْ مِنْ مذكَرٍ بالله ناسِ للهِ، وكمْ منْ مخوَّفٍ باللهِ جرِيءٌ على اللهِ، وكمْ منْ مقرَّبِ إلى اللهِ بعيدٌ منَ اللهِ، وكمْ منْ داعٍ إلى اللّٰهِ فارٌّ منَ اللهِ، وكمْ منْ تالٍ لكتابِ اللهِ منسلخٌ منْ آياتِ اللهِ!

وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ -رحمهُ اللهُ-: لقدْ أعربْنا في كلامِنا فلمْ نلحَنْ، ولحنَّا في أعمالِنا فلمْ نعربْ.

وقالَ الأوزاعيُّ: إذا جاءَ الإعرابُ.. ذهبَ الخشوعُ.

وروىٰ مكحولٌ عَنْ عبدِ الرحمٰنِ بنِ غَنْمِ أنَّهُ قالَ: حدَّثني عشرةٌ مِنْ أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ قالُوا: كنَّا ندرسُ العلمَ في مسجدِ قُباءَ، إذْ خرجَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: "تَعَلَّمُوا ما شئتُمْ أنْ تَعَلَّمُوا، فلنْ يأْجُرَكُمُ اللهُ حتَّىٰ تعملُوا".

وقالَ عيسىٰ -عليهِ السلامُ-: مثلُ الذي يتعلَّمُ العلْمَ ولا يعملُ بهِ كمثلِ امرأةٍ زنتْ في السرِّ فحمَلَتْ، فظهرَ حملُها فافتضحتْ، فكذلكَ مَنْ لا يعملُ بعلمِهِ فضحُهُ اللهُ تباركَ وتعالىٰ يومَ القيامةِ علىٰ رؤوسِ الأشهادِ.

وقال معاذٌ -رحمهُ الله-: احذروا زَلَّةَ العالِمِ؛ لأنَّ قدرَهُ عندَ الخلْقِ عظيمٌ فيتبعونَهُ علىٰ زلَّتِهِ.

وقالَ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ-: إذا زلَّ العالِمُ.. زلَّ بزلَّتِهِ عالَمٌ مِنَ الخلقِ.

وقالَ: ثلاثٌ بهنَّ ينهدمُ الزمانُ: إحداهنَّ زلَّةُ العالِمِ.

وقالَ ابنُ مسعودٍ: سيأتي على الناسِ زمانٌ تملُحُ فيهِ عذوبةُ القلوبِ، فلا ينتفعُ يومئذٍ بالعلمِ عالمُهُ ولا متعلِّمُهُ، فتكونُ قلوبُ علمائِهِمْ مثلَ السباخِ مِنْ ذواتِ الملح، ينزلُ عليها قطرُ السماءِ فلا يوجدُ لها عذوبةٌ، وذلكَ إذا مالتْ قلوبُ العلماءِ إلى حبِّ الدنيا وإيثارِها على الآخرةِ، فعندَ ذلكَ يسلبُها اللهُ تعالىٰ ينابيعَ الحكمةِ، ويطفئُ مصابيحَ الهدى مِنْ قلوبِهِمْ، فيخبرُكَ عالمُهُمْ حينَ تلقاهُ أنَّهُ يخشى اللهَ بلسانِهِ والفجورُ بيِّنٌ في عملِهِ، فما أخصبَ الألسنَ يومئذٍ وما أجدبَ القلوبَ! فواللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ؛ ما ذلكَ إلا لأنَّ المعلمينَ علَّموا لغيرِ اللهِ، والمتعلَّمينَ تعلَّموا لغيرِ اللهِ تعالىٰ.

وفي الإنجيلِ مكتوبٌ: لا تطلبوا علمَ ما لمْ تعلموا حتَّىٰ تعملوا بما علِمتُمْ".

 

هكذا يقول "ابنُ السماكِ" أحد الوُعَّاظ الصالحين، المذكّر بالله تعالى، وكان يقول: "كمْ مِنْ مذكَرٍ بالله ناسِ للهِ" -لا إله إلا الله- "وكمْ منْ مخوَّفٍ باللهِ جرِيءٌ على اللهِ،" يُخَوِّف الناس بالله وعظمته وهو متجرئ على ربه يبارزه بالذنوب ليل ونهار، وربما يكون بنفس موعظته مرائياً، "وكمْ منْ مقرَّبِ إلى اللهِ بعيدٌ منَ اللهِ،" يدعو الناس للقرب، فربما انتفع به من انتفع وهو محروم، "وكمْ منْ داعٍ إلى اللّٰهِ فارٌّ منَ اللهِ،" في تماديه ببعده -والعياذ بالله تعالى-، "وكمْ منْ تالٍ لكتابِ اللهِ منسلخٌ منْ آياتِ اللهِ!" (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الأعراف:175].

يقول "إبراهيمُ بنُ أدهمَ -رحمهُ اللهُ-: لقدْ أعربْنا في كلامِنا -وتعلمنا قواعد العربية وانتبهنا من الكلام- فلمْ نلحَنْ، ولحنَّا في أعمالِنا فلمْ نعربْ"، تحول اللحن إلى الأعمال، الأقوال تعدلت، لكن لحنَّا في الفعل، لحنَّا في العمل "فلمْ نعربْ".

جاء بعضهم سمع عن بعض الصالحين فذهب ليزوره وينتفع به، فأول ما دخل سمعه يقول: يظن الناس بي خيراً وإني لشرُّ الناسُ، -ما أتى بها بالإعراب- قال: إنِّي لشرُّ الناسُ، ضمَّ لشرُّ الناسُ وهي مضافة ومجرورة.

لمَّا سمعه يقول هكذا، قال: تلحين هذا، قال: هذا شيخ؟ هذا معلم؟ ما هذا؟ خربت السفرة، جينا نسافر لهذا الشيخ -يقول في نفسه- وكمل وسافر، سمع الناس يذكرون له خوارق وفوائد وتأثُر، أصلح نيته وقال: سنرجع ثاني مرة، فأول ما دخل حصَّله يقرأ نفس البيت وكسر، قال: يظن الناس بي خيراً وإني لشرُّ الناسِ، قال: الآن تمام، لمَّا جلس، قال له: يا فلان، ذهبت بك ضمة وجاءت بك كسرة، من أجل ضمة رحت وأعرضت، من أجل كسرة! ما الذي تتبع بالضمات والكسرات؟ أتعرف الإعراب في العمل؟ أتعرف الإعراب في الوجهة إلى الله عز وجل؟ -لا إله إلا الله-.

قالوا: لمَّا سمع الحبيب عبد الله بن حسين بن طاهر قول شاعرهم:

عليَّ نحتُ القوافي مِنْ مَعادِنها *** وما عليَّ إذا لم تفهم البقرُ

قال:

 تركتُ نحتَ القوافي مِنْ مَعادِنها *** لأنَّ لي مقصداً أن تفهمَ البقرُ

قال: لي مقصد البقر يفهم حتى، حتى إنِّي أُقَرِّبْ إلى الله كل من قدرت عليه بأي وسيلة وبأي أسلوب.

  تركتُ نحتَ القوافي مِنْ مَعادِنها *** لأنَّ لي مقصداً أن تفهمَ البقرُ

وقالوا:

لَحنُنَا مُعرَبٌ وأعجبُ مِنْ *** ذا أنَّ إعرابَ غَيِرنَا مَلْحُونُ

يعني: شأننا مُعَرَّض للقبول عند الله هو معرب، وكثير من الناس يزين الأقوال وهكذا ولكن غير مقبول ملحون، 

……..وأعجبُ مِنْ *** ذا أنَّ إعرابَ غَيِرنَا مَلْحُونُ

لا إله إلا الله.

"وقالَ الأوزاعيُّ: إذا جاءَ الإعرابُ.. ذهبَ الخشوعُ".

ودخل بعضهم مرة على مُحتضِر مشرف على الموت، بعدين يقول له: قل لا إله إلا اللهُ، وإن شئت قل لا إله إلا اللهَ، فالأول أحب إلى سيبويه! قال له واحد: قاتلك الله تعالى، الإنسان ينازع في الروح وأنت تجيب له الإعراب حقك؟ لا إله إلا الله يقولها بأي وسيلة، -لا إله إلا الله-.

وهكذا، رُوي أنَّ بعض المدرسين كان من المدرسين في الحرم ومن الصالحين، يقال رُؤي بعد موته سُئِلَ عن دروسه؟ قال: تلاشت، قال: ومدرسة بنيناها قريب من كذا هناك للبدو نفعت، قال: هذه نفعت؛ لأنَّه إخلاص كامل هذا، قال: أمَّا الدروس التي عقدناها في الحرم تلاشت، أمَّا تلك نفعت -لا إله إلا الله-، ألا لله الدين الخالص.

قالَ: "تَعَلَّمُوا ما شئتُمْ أنْ تَعَلَّمُوا، فلنْ يأْجُرَكُمُ اللهُ حتَّىٰ تعملُوا".

"مثلُ الذي يتعلَّمُ العلْمَ ولا يعملُ بهِ كمثلِ امرأةٍ -والعياذ بالله- زنتْ في السرِّ وبعدها فُضحت بالحمل، قالوا: وهؤلاء في القيامة يُفضحون علىٰ رؤوسِ الأشهادِ."، اللهم استرنا بسترك الجميل في الدنيا والآخرة.

قال: "احذروا زَلَّةَ العالِمِ"؛ لأنَّه له قدر فيزل بزلته كثير، يتَّبعونه على الزلة.

"إذا زلَّ العالِمُ.. زلَّ بزلَّتِهِ عالَمٌ مِنَ الخلقِ" يقول سيدنا عمر -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.

و"ينهدمُ الزمانُ" بثلاث، قال: منهن "زلَّةُ العالِمِ ." -لا إله إلا الله-.

ابن مسعود صاحب الحبيب صلى الله عليه وسلم وخادمه، حتى يقول الوافدون إلى المدينة: كنَّا نظن أنَّه من أهل البيت -ابن مسعود-، لكثرة ما يدخل ويخرج في بيوت النبي ظننا أنَّه من أهل البيت، وكان يقال له:

  • صاحب السواك.
  • والنعل.
  • والطهور.

كان يتخير الأسوكة لرسول الله ويأتي له بها، والنعل كان إذا خرج قدّم له نعليه الشريفتين، فإذا دخل حملها، قال: يضعها في يده، يلبسها يده يحطها في الذراع ويقعد بها في المجلس إلى أن يخرج ﷺ، رِجل عبد الله بن مسعود وصاحب الطهور كان يقدم له الماء للوضوء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وكان قصير القامة، نحيل، حتى يوم كان يقطع السواك وهبت الريح، فتعجب بعض اللي جنبه من الصحابة من دقة ساقيه، صغيرة، وضحكوا، بعدها قال: "مم تضحكون؟" قالوا: من دقة ساقي ابن مسعود يا رسول الله، قال: "لَرِجْلُ ابن أم عبدٍ عند الله أثقل من جبل أحد"؛ أثقل في الميزان من جبل أحد رضي الله عنه ابن مسعود.

يقول: "سيأتي على الناسِ زمانٌ تملُحُ فيهِ عذوبةُ القلوبِ" إذا تحول العذوبة إلى ملح مثل: الأرض المالحة، بدل ما كانت عذبة تقبل الماء وتُنبٍتُ الكلأ، صارت مالحة تَملُح، "فلا ينتفعُ يومئذٍ بالعلمِ عالمُهُ ولا متعلِّمُهُ" -لا حول ولا قوة إلا بالله- يجلسون لا خشية ولا إنابة، ويضحكون، ويروون أنفسهم تعلموا، ويصلون بلا حضور، ويذكرون الله بلا حضور ولا تعظيم، وربما اغتابوا خلق الله تبارك وتعالى، فلا ينتفع لا العالم ولا المتعلم.

قال: "فتكونُ قلوبُ علمائِهِمْ مثلَ السباخِ مِنْ ذواتِ الملح،" الأرض السَبِخَة لا تقبل الماء ولا تُنبٍتُ الكلأ، "ينزلُ عليها قطرُ السماءِ فلا يوجدُ لها عذوبةٌ، وذلكَ إذا مالتْ قلوبُ العلماءِ إلى حبِّ الدنيا وإيثارِها على الآخرةِ، فعندَ ذلكَ يسلبُها اللهُ تعالىٰ ينابيعَ الحكمةِ، ويطفئُ مصابيحَ الهدى مِنْ قلوبِهِمْ، فيخبرُكَ عالمُهُمْ حينَ تلقاهُ أنَّهُ يخشى اللهَ بلسانِهِ والفجورُ بيِّنٌ في عملِهِ، فما أخصبَ الألسنَ يومئذٍ وما أجدبَ القلوبَ!" -لا إله إلا الله-، فيحلف ابن مسعود: "ما ذلكَ إلا لأنَّ المعلمينَ علَّموا لغيرِ اللهِ، والمتعلَّمينَ تعلَّموا لغيرِ اللهِ تعالىٰ". لا المعلمين قصدوا وجه الله، ولا المتعلمين قصدوا وجه الله، المتعلم يجيء ما فكره إلا في المُرَتَّب ونيل العلاوة والزيادة في ذلك، وهذا هو قصده من التعليم كله، ولا قصده ينفع ولا يُقرِّب إلى الله ولا يُفَقِّه في الدين، قصده من حين ما يدخل إلى محل التعليم ما الذي سيُحَصِّلَه من السمعة؟ وما الذي سيُحَصِّله من المرتب؟ وكيف سيزيد هذا المرتب؟ وذاك يتعلم من أجل الشهادة ليشتغل بها ولا قصده علم ولا قصده..، فقط ليأتي بالدرجات فقط في الشهادة لأجل الدنيا، فلا العالم يقصد وجه الله ولا المتعلم، يقول: "فواللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ؛ ما ذلكَ إلا لأنَّ المعلمينَ علَّموا لغيرِ اللهِ، والمتعلَّمينَ تعلَّموا لغيرِ اللهِ تعالىٰ".

لا إله إلا الله، الله يحيي في قلوبنا وقلوب المسلمين إن شاء الله قصد وجهه الكريم بالتعلم وبالتعليم.

"وفي الإنجيلِ مكتوبٌ: لا تطلبوا علمَ ما لمْ تعلموا حتَّىٰ تعملوا بما علِمتُمْ".

 

"وقالَ حذيفةُ -رضيَ اللهُ عنهُ-: إنَّكَمْ في زمانٍ مَنْ تركَ فيهِ عُشرَ ما يعلمُ.. هلكَ، وسيأتي زمانٌ مَنْ عملَ فيهِ بعُشْرٍ ما يعلَمُ.. نجا، وذلكَ لكثرةِ البطَّالينَ.

واعلمْ: أنَّ مثلَ العالمِ مثلُ القاضي، وقدْ قالَ ﷺ: "القضاةُ ثلاثةٌ: قاضٍ قَضَىٰ بالحقِّ وهوَ يعلمُ، فذاكَ في الجنةِ، وقاضٍ قَضَىٰ بالجورِ وهوَ يعلمُ أوْ لا يعلمُ، فهوَ في النارِ، وقاضٍ قضىٰ بغيرِ ما أمرَ اللهُ بهِ، فهوَ بالنارِ".

وقالَ كعبٌ -رحمهُ اللهُ-: يكونُ في آخرِ الزمانِ علماءُ يُزهِّدونَ الناسَ في الدنيا ولا يزهدونَ، ويخوِّفونَ الناسَ ولا يخافونَ، وينهَوْنَ عنْ غَشيانِ الولاةِ ويأتونَهُمْ، ويؤثرونَ الدنيا على الآخرةِ، يأكلونَ بألسنتِهِمْ، يقرِّبونَ الأغنياءَ دونَ الفقراءِ، يتغايرونَ على العلمِ كما تتغايرُ النساءُ على الرجالِ، يغضبُ أحدُهُمْ علىٰ جليسِهِ إذا جالسَ غيرَه، أولئكَ الجبَّارونَ أعداءُ الرحمٰنِ.

وقدْ رُوِيَ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "إنَّ الشيطانَ ربَّما يسبقُكُمْ بالعلمِ"، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: "يقولُ: اطلبِ العلمَ ولا تعملْ حتَّىٰ تعلمَ، فلا يزالُ للعلمِ قائلاً وللعملِ مسوِّفاً حتَّىٰ يموتَ وما عملَ".

وقالَ سَرِيٌّ السقَطيُّ: اعتزلَ للتعبُّدِ رجلٌ كانَ حريصاً على طلبِ علْمِ الظاهرِ، فسألتُهُ فقالَ: رأيتُ في النومِ قائلاً يقولُ لي: إلىٰ كمْ تضيِّعُ العلمَ ضيَّعَكَ الله! فقلتُ: إنِّي لأحفظُهُ، فقالَ: إنَّ حفظَ العلمِ العملُ بهِ، فتركتُ الطلبَ وأقبلتُ على العملِ.

وقالَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ الله عنهُ-: ليسَ العلمُ بكثرةِ الروايةِ، إنَّما العلمُ الخشيةُ.

وقالَ الحسنُ: اعلموا ما شئتُمْ أن تعلموا، فواللهِ؛ لا يأجرُكَمُ اللهُ حثَّىٰ تعملوا، فإنَّ السفهاءَ همتُهُمُ الروايةُ، والعلماءَ همتُهُمُ الرعايةُ.

وقالَ مالكٌ -رحمهُ اللهُ-: إنَّ طلبَ العلمِ لحسنٌ، وإنَّ نشرَهُ لحسنٌ إذا صحَّتْ فيهِ النيةُ، ولكنِ انظرْ ما يلزمُكَ مِنْ حينِ تصبحُ إلىٰ حينِ تمسي، فلا تؤثرنَّ عليهِ شيئاً.

وقالَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: أُنزلَ القرآنُ ليُعملَ بهِ، فاتخذتُمْ دراستَهُ عملاً، وسيأتي قومٌ يثقفونَهُ مثلَ القناةِ، ليسوا بخيارِكُمْ، والعالِمُ الذي لا يعملُ كالمريضِ الذي يصفُ الدواءَ، والجائع الذي يصفُ لذائذَ الأطعمةِ ولا يجدُها، وفي مثلِهِ قولُهُ تعالىٰ: (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء:18].

وفي الخبرِ: مِمَّا أخافُ على أُمتي زَلَّةُ عالمِ وجدالُ منافقٍ في القرآنِ".

 

لا إله إلا الله، أجارنا الله من جميع الأسواء والأدواء.

يقول سيدنا حذيفة: "إنَّكَمْ في زمانٍ مَنْ تركَ فيهِ عُشرَ ما يعلمُ.. هلكَ، -في الزمان الأول- وسيأتي -علينا- زمانٌ -وزمان مثل زماننا المتأخر- مَنْ عملَ فيهِ بعُشْرٍ ما يعلَمُ.. نجا، -قال: لماذا؟ قال:- "لكثرةِ البطَّالينَ." لا يجدون أعوان على الخير؛ ومن عمل بالعُشر نجا، يقول صاحب الزبد:

فَاعمل وَلَو بالعشرِ كَالزَّكَاةِ *** تَخرُج بِنورِ الْعلمِ مِنْ ظلماتِ

"واعلمْ: أنَّ مثلَ العالمِ مثلُ القاضي، وقدْ قالَ ﷺ: "القضاةُ ثلاثةٌ:" قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة:

  • "قاضٍ" في الجنة "قَضَىٰ بالحقِّ وهوَ يعلمُ".
  • والقاضيان في النار: 
    • قضى بالباطل وهو يعلم.
    • وقضى وهو لا يعلم بالحق أو الباطل كأنَّه من دون علم فهذان في النار.

والذي يقضي بالحق وهو يعلم، على علم فهذا هو الذي بالجنة، قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة، قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار.

وقال العلماء مثل هذا، و"يكونُ في آخرِ الزمانِ" سيدنا كعب يقول: "علماءُ يُزهِّدونَ الناسَ" وهم يرغبون "ولا يزهدونَ، ويخوِّفونَ الناسَ ولا يخافونَ،" إلى غير ذلك مِمَّا ذكر.

يقول: الشيطان يُسَوِّفك بالعمل، ويقول لك: تعال يا أخي العمل بعد، الحين علم، حتى يمر عمره ولا قام بالعمل -والعياذ بالله تعالى-.

بالسوف والسوف تسويف *** تمضي الليالي والأيام

وهذا المتصل بعلم الظاهر ومتقنه ومحسنه فأراد الله تنبيهه، فرأى في النوم قائلاً يقول له: "إلىٰ كمْ تضيِّعُ العلمَ ضيَّعَكَ الله! -قال: أنا أحفظه، قال- حفظَ العلمِ العملُ بهِ" أين حفظه عندك أنت؟ أنت حفظت ألفاظه، فانقطع للعمل وأقبل.

وهكذا يقول سيدنا عبد الله بن مسعود: "ليسَ العلمُ بكثرةِ الروايةِ، إنَّما العلمُ الخشيةُ".

وفي كلام سيدنا الحسن البصري يقول: "السفهاءَ همتُهُمُ الروايةُ"، وقد ورد مرفوعاً إلى النبي "السفهاءَ همتُهُمُ الروايةُ" مجرد النقل للعلم فقط والكلام به هذا هِمَّة السفه، قال: ولكن "العلماءَ همتُهُمُ الرعايةُ" يراعون المعاني والعمل بها والقيام بحقها؛ همة العلماء الرعاية.

  • وهمة السفهاء مجرد الرواية فقط؛ لقيت فلان، وأنا عند فلان، وأنا أخذت عن فلان، وأنا لي الشيخ الفلاني، وأنا لي شيوخ كذا وكذا وكذا… وهمته مجرد الرواية من دون عمل، من دون تدبير.
  • همة العلماء الرعاية؛ يرعون حق العلم في فهم معانيه والعمل بما يقتضيه، هذه الرعاية همة العلماء.

وسيدنا مالك يقول: "إنَّ طلبَ العلمِ لحسنٌ، وإنَّ نشرَهُ لحسنٌ إذا صحَّتْ فيهِ النيةُ، ولكنِ انظرْ ما يلزمُكَ مِنْ حينِ تصبحُ إلىٰ حينِ تمسي" فلا تضيع همتك ووقتك بما لا يعنيك وبما لا يلزمك، قم به.

ويقول ابن مسعود: "أُنزلَ القرآنُ ليُعملَ بهِ، فاتخذتُمْ -مجرد- دراستَهُ عملاً، وسيأتي قومٌ يثقفونَهُ" هذا القرآن بمعنى: يتلقنونه بالتجويد وبالإحسان بلفظه، مثل ما قال لنا: "ليسوا بخيارِكُمْ" يعني: لا ينتبهون لمعناه ولا العمل به.

وقال: مثلُ "العالِمُ الذي لا يعملُ كالمريضِ الذي يصفُ الدواءَ، -ولا يستعمله- والجائع الذي يصفُ لذائذَ الأطعمةِ ولا يجدُها".

الله يتولانا وإيَّاكم، ويحييّ فينا حقائق العلوم النافعة، ويجنبنا الزلل في القول والعمل، ويدفع عنَّا شر النفاق، ويجعلنا من أهل القرآن والعمل به والاطِّلاع على سرِّه، ويؤلف بيننا وبين الحرف منه والكلمة والآية والسورة ائتلافاً لا يفارقنا طرفة عين يظهر سره في القلوب والعقول والأرواح، يا مجيب الداعي يا مغيث المستغيث اجعلنا وإياهم ممن ترعاهم بعين عنايتك، ووفر حظنا وإياهم من العلم النافع، واجعل كل منّا ذا قلبٍ خاشع، وفؤادٍ متواضع، مُقبل بالكلية عليك، مقبول بأحسن القبول لديك، بلطف وعافية. 

الله يشرح صدورنا بالمحبة، ويدخلنا مع الأحبة، ويسقينا أحلى شربة، ويرفعنا عليِّ الرتبة، ويكشف عنا كل كربة وعن أمة الحبيب في المشارق وفي المغارب، وينظر إلى قلوبنا وقلوب أهالينا وقلوب أولادنا وقلوب ذرارينا وقلوب من في بيوتنا، وقلوب رجالنا وقلوب نساءنا، وقلوب صغارنا وقلوب كبارنا ويشرحها بنور الإيمان واليقين والمحبة، ويحفظها من القواطع وجميع الحواجز التي تحجزها عن إدراك سرِّ الوحيّ والتنزيل والثبات على المسلك القويم وسواء السبيل، وحسن المتابعة في النية والقصد والفعل والقيل لحبيبه الجليل صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، ويكرمنا الله تعالى بحسن المتابعة ويرفعنا مراتب قربه الرافعة، ويجعل لنا باقي رجب خير من ماضيه، ويبارك لنا فيه وفي شعبان ويبلغنا رمضان ويعيننا على الصيام والقيام ويحفظنا من الآثام ويرضينا بشيء من المنام، ولا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا، ويعجل بالفرج العاجل التام التام التام التام الشامل لأهل غزة والضفة الغربية وأكناف بيت المقدس وأهل لبنان وأهل الشام وأهل اليمن وأهل الشرق وأهل الغرب، ويكشف كل كرب، ويحول الأحوال إلى أحسنها ويرينا في أمة حبيبه ما تقر به عين حبيبه في لطف وعافية.

 

سؤال:

عن الذي ينصح بصدق وإخلاص ثم يقع في شيء من الذنوب فهل يدخل في هذا؟

لا، ما يدخل في هذا الوعيد إلا المصر في هذا الوعيد يدخل المصر والمقر لنفسه على المخالفة والمعصية هذا الذي يحق عليه الوعيد؛ وأما من يعاتب نفسه ويلومها ويجتهد ما استطاع فلا؛ بل تمتد له يد العناية وتطوي له الطريق، ابله يثبتنا ويلحقنا بخير فريق.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

لتحميل الكتاب pdf

فائدة: الفارق بين عالم الآخرة وعالم الدنيا من حيث موافقة العمل للقول

فائدة: ليس العلم بكثرة الرواية!

 

تاريخ النشر الهجري

18 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

06 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام