كشف الغمة - 475 -  كتاب البيع: 23- باب بيع الأصول والثمار وفضل غرس الأشجار والزرع

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 475 -  كتاب البيع: 23- باب بيع الأصول والثمار وفضل غرس الأشجار والزرع

صباح الأربعاء 6 ربيع الأول 1448هـ

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

باب 

بيع الأصول والثمار وبيان فضل غرس الأشجار والزرع 

 

"قال جابر -رضي الله عنه-: "كان رسول الله ﷺ يقول: "لا يقل أحدكم زرعت وليقل حرثت فإن الله هو الزارع، وكان ﷺ يقول: "اطلبوا الرزق في خبايا الأرض"، يعني الزرع، وكان ﷺ يقول: "إن الله جعل للزرع حرمة غلوة سهم"، وكان ﷺ يقول: "لا يقولن أحدكم: للعنب الكرم فإن الكَرْمَ قلب المؤمن ولكن قولوا: حدائق الأعناب"، وكان ﷺ يقول: "ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سُرِقَ منه له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة"، وفي رواية: "لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كانت له صدقة"، ومعنى يرزؤه يصيب منه وينقصه.

وفي رواية: "ما من مسلم بنى بيتًا في غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرسًا في غير ظلم ولا اعتداء إلا كان له أجره جاريًا ما انتفع به خلق الرحمن تبارك وتعالى"، وكان ﷺ يقول: "من نصب شجرة فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر كان له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله عز وجل"، وكان ﷺ يقول: "إذا طلعت الثريا أمن الزرع من العاهة"، وكان ينهى عن تحصين البساتين عن المحتاجين والجائعين بالحيطان والزروب أن يأكلوا منها وقال لأصحابه يومًا: "كنتم في الجاهلية أذلاء تعبدون غير الله تحملون الكل وتفعلون في أموالكم المعروف وتفعلون إلى ابن السبيل حتى إذا منّ الله عليكم بالإسلام وبنبيه ﷺ إذا أنتم تحصنون أموالكم، إن فيما يأكل ابن آدم أجرًا وفيما يأكل السبع والطير أجرًا، فرجع القوم فما منهم أحد إلا هدم من حديقته ثلاثين بابًا".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمدُ للهِ مُكرمِنا بشريعتِه وأحكامِه، وبيانِها على لسانِ عبدهِ وحبيبهِ محمد صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله أفضل صلواتِه وسلامِه، وعلى آبائهِ من الأنبياءِ والمرسلينَ وآلهِم وصحبِهم، وعلى آلهِ وصحبِه ومن اقتدَى بِه، وتشرَّف بالائتمامِ بِه، وعلى ملائكةِ الله المُقرَّبين، وجميع عبادِ اللهِ الصالحينَ، وعلينا معهُم وفيِهم، إنَّه أكرَمُ الأكرمينَ وأرحمُ الرَّاحمينَ.

 

ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في هذا الباب "بيع الأصول والثمار وبيان الفضل في غرس الأشجار والزرع"؛ وذلك أنهم أرادوا بالأصول الأرض نفسها والدِّيار التي عليها والأشجار، يُطلِقون عليها بيع الأصول؛ لأن الأصل: ما انبنى عليه غيره، فإنها تكون أصلا يقوم عليها غيرها وينبني عليها غيرها.

وقال: "باب بيع الأصول والثمار وبيان الفضل في غرس الأشجار والزرع"، وذلك أن الشريعة جاءت بالندب إلى الغرس والثمر إلى حدِّ ما يروى أنه لو أن القيامة قامت وَبِيَدِ أحدكم فسيلة فليضعها؛ يزرعها؛ يحطَّها؛ يعني: عليكم أن تحسنوا امتثال أوامر الله وتقوموا بالشرع، ولا يقطعكم عن ذلك أن تقوم القيامة أو تأتي قيامة أحدكم بالموت، فما كان فيه من خير فليَدُم عليه وليَستمر عليه.

 

وهكذا يذكر -عليه رحمة الله- و"كان رسول الله ﷺ يقول: "لا يقل أحدكم زرعت وليقل حرثت فإن الله هو الزارع". وفي هذه الأحاديث إشارة إلى انتقاء الإنسان المؤمن وانتخابه لكلامه؛ فينتقي من الكلام ما هو أطيَب وأقرب إلى المعنى المقصود، وأكثر أدبًا مع الربِّ -سبحانه وتعالى- فينبغي أن يتخيَّر المؤمن ألفاظه ويتخيَّر كلماته.

قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا يقل أحدكم زرعت وليقل حرثت فإن الله هو الزارع" أدبًا مع قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 63-64]. 

فكما لا يقول: أنبَتُّ، فلا يقول: زَرعتُ. وليَقُل: حرثتُ؛ لأنَّ مهمتنا الحرث، والله هو الذي يزرع وينبت سبحانه وتعالى. يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: 60].

فعلَّمنا ﷺ أن نتخيَّر الألفاظ ونختار الأدب. وجاء في المدح في السنَّة النبويَّة يُمدح أقوامًا ينتقون أطايب الكلام كما تنتقون أطايب الثمر. وجاء في عذاب قومٍ من الأمة كانوا ينظرون إلى أقذع كلمة وأخبث كلمة ينطقون بها، يُحبُّون النُّطق بأخبث الكلمات، فلهم العذاب الشديد -والعياذُ بالله تعالى- وسوء المصير. والأخيار ينتقون أطايب الكلام وأحسنه.

 

"وكان ﷺ يقول: "اطلبوا الرزق في خبايا الأرض"؛ أي: ما خبَّأ الله لكم في الأرض. قال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10]. وذلك من الماء الذي نستخرجه من الأرض، كذلك الزراعة والحرث، فنحرُث الأرض فيُنبِت الله لنا الأشجار. وكذلك ما خبأ في باطن الأرض من الذَّهب ومن الفضَّة، وما هدى الناس إليه من النفط والبترول والغاز.. وما إلى ذلك.

 

قال: "اطلبوا الرزق في خبايا الأرض"؛ يعني: الله خبأ لكم أرزاقا في باطن هذه الأرض بتقديره سبحانه وتعالى، ثم عثوركم عليها ووصولكم بحسب ما قضى لكم ودبَّر في السماء. وبذلك قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]، فلا تستطيعوا أن تُحصِّلوا مما خبأ في الأرض شيء إلا بحسب ما قدَّر لكم سبحانه وأظهر قضاءه في السماء. 

"اطلبوا الرزق في خبايا الأرض"؛ ويعني: الزرع. والزرع واحد منه وكل ما في خبايا الأرض من فوائد، ومن جملتها:

  • الذهب والفضة.
  • وبقية المعادن.
  • ومنها الماء: يسكن في خبايا الأرض، ونستخرجه ونشرب منهُ، وننتفع به إلى غير ذلك.

 

"وكان ﷺ يقول: "إن الله جعل للزرع حرمة غلوة سهم". ينبغي أنه إذا أحيا أحد الأرض الميتة بالزرع، فينبغي مما ينتهي إليه زرعه مقدار غلوة سهم لا يقربه أحد؛ حتى لا يتضايقون ولا يصعب عليهم الدخول والخروج وتتضح الفواصل بين هذا وذاك. "إن الله جعل للزرع حرمة غلوة سهم" مقدار غلوة سهم من ثلاثمائة ذراع، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده.

 

ثم يقول: "وكان ﷺ يقول: "لا يقولن أحدكم: للعنب الكرم فإن الكرم..". فإنهم يسمونه العرب كرْمًا، العنب. أحبَّ النبي ﷺ أيضًا من تهذيب الألفاظ واختيار الأنسب، بدل ما تُسمِّيه كَرْم قل له: عنب. "فإن الكرم قلب المؤمن"؛ يعني: لأن -الكلمة- اللفظة تدل على كَرْم وكثرة الخير والمنافع في المُسمَّى، فقلب المؤمن أحق بها؛ هذا هو الكَرْم. يُلفِتنا إلى الفوائد والمنافع المعنوية التي نتعلق بها، وأن نعرف قدر ما آتانا الله -تبارك وتعالى- من القلوب، وهي التي محلَّ معرفته سبحانه وتعالى. فينبغي أن نتخير من ألفاظنا ولا نقول للعنب الكَرْم؛ "..فإن الكرم قلب المؤمن ولكن قولوا: حدائق الأعناب". هذا اللفظ جاء عند أبي داود، والحديث أيضًا عند النسائي والبيهقي،- والأصل في الأدب المفرد كذلك عند الإمام البخاري: "إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ"، وكذلك جاء في صحيح الإمام مسلم: كراهية تسمية العنب كَرْمًا.

 

قال:  "وكان ﷺ يقول: "ما من مسلم يغرس غرسًا.."، ففيه الحث على الغَرْس؛ لأنه من أهم ما تستقر به شؤون الحاجة في الحياة من: التغذية، وما تعلَّق بها من أنواع الأدْهان والمُدَاواة والتَّفَكُّه.. وما إلى ذلك، مما جعله الله مبنِيَّا على الغَرْس. فلهذا حث النبي على الغرس وقال: "لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كانت له صدقة". ولذا اشتغل كثير من الأكابر بشيء من الزرع والغرس؛ لما أفادته التوجيه النبوي لما جاء في هذه السُنَّة. 

وكان في المتأخرين من أكابر أهل العلم الإمام عبد الرحمن بن محمد المشهور، وقال: يستأثر علينا بثواب الغَرْس والحَرْث عامتنا ولابد نُشاركهم؛ فشارك في غرس بعض الثمَّار والأشجار عليه رحمة الله. 

وقال لي أحد الأشياب أبوي عبود باجهام قال: حرثت أنا والحبيب عبد الرحمن المشهور في مزرعة قريب من المحضار هنا؛ قريب من مسجد المحضار؛ مزرعة عندنا كانوا يسمونها المغيرومة وقال: زرعت أنا والحبيب عبد الرحمن المشهور في هذه المزرعة.

وكانت مهنة الأنصار وحرفتهم في المدينة المُنوَّرة الزرع، وكثير منه كان النخل وغير ذلك من الخضروات. فحثَّ ﷺ على الزرع وعلى الغَرْس، وقال:  "لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كانت له صدقة". وفي الرواية التي ذكرها قبل: "ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سُرق منه له صدقة ولا يرزؤه أحد -يعني: يصيب منه يُنقِصه- إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة"، هكذا الحديث جاء في البخاري.

 

وقال: "وفي رواية: "ما من مسلم بنى بيتًا في غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرسًا في غير ظلم ولا اعتداء.."؛ ما أخذ حق الغير، ولا تجرَّأ على حق أوقاف ولا حق مسلمين، وقام يصلِّح له بيت ولا يصلِّح له غرس ويظن أنه على خير، قال: "في غير ظلم ولا اعتداء، إلا كان له أجره جاريًا ما انتفع به خلق الرحمن تبارك وتعالى"؛ يعني: إنس أو جن أو طير أو حيوانات ودوابّ.. خلق الله؛ ما دام انتفعوا بهذا الغرس وبهذا الحرث فله ثواب ويدوم له الثواب. قال: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان.

 

وكان يقول: "وكان ﷺ يقول: "من نصب شجرة فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر كان له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله عز وجل"؛ كما جاء في مسند الإمام أحمد، وفي شعب الإيمان للبيهقي. الله أكبر.

وعند الحاكم في المستدرك: "إذا طلعت الثريا أمن الزرع من العاهة"؛ أنَّه ما عاد يتعرض للعاهات بعد طلوع نجم الثُريَّا، وغالبًا أن الله يصون الزروع الموجودة حتى تُثمِر. فهي من خيار المكاسب. 

كما اختلفوا هل التجارة أفضل أو الزراعة؟ 

  • ويقول الحنفيَّة: أنَّ أفضل أنواع الكسب الجهاد؛ لأنه فيه الجمع بين حصول الكسب وإعزاز الدين وقهرعدو الله تبارك وتعالى. فيقولوا: أفضل الكسب الجهاد.

وبعدين أيضًا اختلفوا في المفاضلة بين التجارة والزراعة:

  • ذهب أكثر الحنفيَّة إلى أن: الزراعة أفضل من التجارة؛ قالوا: لأنها أعمُّ نفعًا. فبعمل الزراعة قالوا: يحصل ما يُقيم به المرءُ صُلبَه فيتقوَّى به على الطاعة، وبالتجارة لا يحصل ذلك، ولكن ينمو المال.

 

وقال ﷺ: "خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ". قالوا: فالاشتغال بما يكون نفعه أعم يكون أفضل. 

ولكن هذا أيضًا قد يتغير باختلاف الأحوال والظروف للناس؛ فأحيانا تكون التجارة في التغذية وفي مواد الغذاء وجلبها لهم أهم في شيء من الأحوال أو الأوقات أو الأماكن؛ ولكن يظل أن الأصل في منفعة الناس الزرع. 

ولهذا التقاعس عنه بالاشتغال بالمهن الأخرى من الأخطاء التي يقع فيها المسلمون ويشير إليها ﷺ. ويذكر أنَّه عند تغيُّر بعض الأحوال أرشَدَ قال: "مَنْ كَانَ لَهُ زَرْعٌ فَلْيَلْحَقْ بِزَرْعِهِ". إشارة لأنهم يتركون هذه الأشياء ويذهبون إلى غيرها ويُصلِّحون لهم تراتيب، فيقول: إذا قد اشتد الأمر وجاءت الظروف.. ارجعوا إلى الزرع! "مَنْ كَانَ لَهُ زَرْعٌ فَلْيَلْحَقْ بِزَرْعِهِ". وكذلك الثروة الحيوانية -على قولهم- وتربيتها، يقول: "مَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإبِلِهِ". ارجعوا إليها وأقيموا ما يتعلَّق بالاكتفاء الذاتي كما يقولون في أراضيكم وأنعامكم واطلبوا رزق الله فيها.

 

ويُروَى: "تِسْعَةُ أعْشارِ الرِّزْقِ فِي التَّجارَةِ والعُشْرُ فِي المَوَاشِي". وهكذا يقول الكثير من العلماء إن التجارة أفضل من الزراعة؛ لأنها مما اشتغل به ﷺ بتجارته لخديجة، ثم ما عُرف عنه أنَّه قد باع واشترى ﷺ. 

وهكذا يقول الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنْعَة، وأيها أطيب؟ قال: فيه ثلاثة مذاهب للناس. قال: 

  • فمَذهب الشافعي: أن التجارة أطيب. 
  • ويقول الماوردي: أرى أن الزراعة أطيب؛ لأنها أقرب إلى التَّوكُل. قال: التوكُّل لانَّه يضع بذره في الأرض..ويا الله! ومَن اللي بيطلَّعه لهم؟! مُتوكِّل على الله سبحانه وتعالى، ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: 63-67]. ولكنه كما أراد ينفع عباده بما شاء كما شاء جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

 

وفي الحديث يقول ﷺ: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِيهِ وَإِنَّ نَبِيَّ الله دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِيهِ" هكذا جاء في صحيح البخاري. ففيه أيضًا استئناس لبعض مَن رجَّحوا الزراعة والصَنْعَة؛ لأنها ما كان يعمله سيدنا داود. ولكن تنفع الزراعة للآدمي وغيره، وعموم الحاجة إليها فهي مما ينبغي أن يُعتنى به ويُعوَّل عليه. وإن كان أيضًا النفع المُتعدِّي يحصُل بغير زراعة كذلك، والنيَّات تُؤثر في ذلك. ويُقال: إِنَّمَا يَفْضُلُ عَمَلُ الْيَدِ سَائِرَ الْمَكَاسِبِ إِذَا نَصَحَ الْعَامِلُ.

 

وقال: ومن الشرط فيه أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب بل من الله بهذه الواسطة. وفي شغل شباب الأمم وناشئَتِهم وعامَّتهم بشيء من الزراعة ونحوها حفظ لأوقاتهم من البطالة ومن الغفلة، لأن:

إِنَّ الشَّبَابَ وَالْفَرَاغَ وَالْجِدَّةْ *** مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَةْ

 

ولكن إذا اتَّقى الله فيها وقام بحقها، فيقال:

 

إنّ الفَراغَ وَالشَّبابَ وَالجِدَةْ *** مَصْلَحَةٌ لِلمَرْءِ أَيُّ مَصْلَحَةْ

إذا اتقى الله فيها وقام بحقها تكون نعمة عليه، وإلا فأكثرهم يضلُّون فيها ويُستجرُّون إلى أنواع الغفلة والفساد.

 

يقول: إن العاهة تنقطع غالبًا إذا الصلاح يبدو على الثمار وغيرها إذا قد طلعت الثُّريا. يعني: بطلوعها ظهورها للناظرين عند طلوع الفجر، وهذا تكون في العشر الأواسط من آيار، فهي تطلع كل يوم ولكنَّها لا تظهر للأبصار لقُربها من الشمس في نيِّفٍ وخمسين ليلة من السنة. هذه الثُّريا وتُرى مجموعة من النجوم، ومن كان حادّ البصر يقدر أن يعدّ فيها عدد: خمسة، سبعة، وثمانية..، وأقواهم بصر من الناس في الغالب يقدر يُميِّز في النجوم الثُريَّا تسعة ما يتجاوز ذلك. إلا النبي ﷺ، كان يعد أحد عشر نجم بنظره المُعتاد الطبعِي، بقوة حدَّة نظره يعد في الثريا أحد عشر نجمًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم. وعامة الناس ما يقدر يتبين إلا خمسة، سبعة، وأقواهم بصر قد يصل إلى التاسع. وكان يعد في نجوم الثريا أحد عشر نجمًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم؛ لقوة بصره من جهة الظاهر، أمَّا من جهة الباطن وبصيرته، فبصرهُ إلى السبع الطباق ثاقب.

 سَمْعُهُ يَسْمَعُ صَرِيرَ القَلَمِ، وَبَصَرُهُ إِلَى سَبْعِ الطِبَاقِ ثَاقِبٌ، صلوات الله وسلامه عليه.

قال: "زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا"، ﷺ.

 

"وكان ينهى عن تحصين البساتين عن المحتاجين والجائعين بالحيطان والزروب" لئلا يأكل منها ابن السبيل والمارة والمحتاجون ومن يوجد من الفقراء، ما كان يحب ذلك ﷺ، بل يحب أن يفسح المجال لأهل الحاجة. "وقال لأصحابه يومًا: "كنتم في الجاهلية أذلاء تعبدون غير الله تحملون الكل -يعني: الذي لا يجد شىء تحملونه يعني تعينونه وتُحسنون إليه- وتفعلون في أموالكم المعروف وتفعلون إلى ابن السبيل حتى إذا منّ الله عليكم بالإسلام وبنبيه ﷺ إذا أنتم تحصنون أموالكم، إن فيما يأكل ابن آدم أجرًا وفيما يأكل السبع والطير أجرًا، فرجع القوم فما منهم أحد إلا هدم من حديقته ثلاثين بابًا". وجعلوها للناس.

 

وقد ضرب الله لنا مثل وحذَّرنا مما فعل الذين ذكرهم في سورة القلم، يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ يعني: البستان هذا الكبير، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أي: حديقتهم هذه، قالوا: يتجمعون الفقراء والسائلين عند الحصاد ويشلُّون كثير! المرة هذه بنبكِّر قبل ما أحد يجيء ولا يَدرَي، في الفجر ونقطع وخليهم يجيئون بعدين ما يحصلون شىء، قد رفعنا ما في المزرعة حقنا! ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ يعني: ما يقولون إن شاء الله لغَفلتهم. 

﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ فالنوم بعد ما نوَوْا النيَّة هذه، جاءها جائحة، وما عاد بقيت ثمرة واحدة، انتهى كله. 

﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ قبل ما يجيئون الفقراء والسائلين وأهل الحاجة ويشلُّون عليكم نصيب منها. ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ * وَغَدَوْا﴾، في حسب اعتقادهم وظنّهم (عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ وصلوا (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ): هذا حقَّنا؟ ايش المكان هذا؟ هو نفس المزرعة هذه؟ هذه الحديقة هذه حقَّنا؟ ﴿..قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ غلطنا! جينا محل ثاني ولا ايش، مكان آخر هذا؟! ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ الظاهر أنه أصابها ما أصابها.

﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ﴾ أوسطهم يعني: أفضلهم وأقربهم إلى الإيمان والعقل. ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ [الواقعة: 17-31] لا إله إلا الله! ﴿كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [الواقعة: 33]. فحذَّرنا من هذه النيات: ﴿أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ﴾، ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ فما كان هذا لهم.

 

ولهذا كانوا وقت جَذاذ النخل وغيره من الزروع يحبوُّن حضور ذوي الحاجة ويعطونهم مما يَجنون من الثمار. 

  • وبذلك جاء عند بعض الأئمة مثل الحنابلة: أنَّه الماشي هذا يجوز له يأخذ شىء من هذا، من الزرع، يُباح له الأكل منه عند مروره عليه. 
  • وذهب إليه بعض أهل العلم، وجاء في رواية يقول: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ حَائِطًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الْحَائِطِ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا فَلْيَأْكُلْ، وَإِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِإِبِلٍ فَأَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا، فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الْإِبِلِ - أَوْ يَا رَاعِيَ الْإِبِلِ - فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا فَلْيَشْرَبْ" كما جاء في مسند الإمام أحمد. والمُراد بهذا: إذا كان في أماكن عُرف الناس يسمحون بذلك. وتختلف الأماكن والأحوال والناس، فبعض الناس يعتادون ذلك ويكون عندهم وتكون نفوسهم طيِّبة بمثل ذلك فيجوز.
  • أما ما يسقط من نفسه من الثمر فيجوز أخذه للمار عليه. يسقط من الثمر من نفسه وتجده تحت من دون ما تحرِّكها ولا ترميها، فيجوز أخذه والتقاطه. 
  • وأمَّا من نفسها فالجمهور أيضًا أنه لا يجوز إلا برضا. 
  • وجاء عن الإمام أحمد قال: يأكل مما تحت الشجر، وإذا لم يكن تحت الشجر فلا يأكل ثمار الناس وهو غني. ولا يأكل بضرب حجر ولا يرمي بها؛ فهذا يفسد الشجر. وكذلك لا يجوز أن يحمل شيئًا منها، إنما يأكل محلَّه بس، لا يشلّ منها شىء.
  • وجاء أيضًا عن الإمام أحمد في مسألة الزرع روايتان:
  • رواية لا يأكل كما عليه الجمهور، إنما رُخِّص في الثمار وليس الزرع.
  • والرواية الثانية يأكل من الفريك؛ لأن العادة جارية بأكله رطبًا فصار أشبه الثَّمر. وعلى كل حال أشرنا إلى أن ما يُعتاد الناس السماح به ويتعارفون على ذلك فله حُكْمُه.

 

  • وفي الحديث الآخر الذي استدلَّ به الجمهور أنه ما يجوز، قال ﷺ: "لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ، فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَاشِيتهِمْ أَطْعِمَتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَا بِإِذْنِهِ". هكذا جاء في الصحيح. فإن ما في ضروع مواشيهم مثل ما في مشاربهم، أي: أماكنهم، خزائنهم اللي يقفِّلون عليها. "لَا يَحِلُّ لامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ".

 

  • وقال المالكية: حالة الحاجة يجوز للمَار بالزرع أو بالثِّمار يأخذ منها، وإن لم يكن له حاجة فلا. وأما الحلب لا يجوز أن يحلب ماشية أحد ولا أن يأكل من ثمر بستان إلا بإذنه على وجه العموم. وهذا الحكم عند الحنفية والشافعية لما جاء: "لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ.." كما قرأنا في الحديث وهو في الصحيحين. لكن رَوينا عن مذهب الإمام أحمد بن حنبل الأقوال هذه التي ذكرناها.

 

  • كما قال الإمام النووي: من مرَّ بثمر غيره أو زرعه لم يجز له أن يأخذ منه ولا يأكل بغير إذن صاحبه، إلا أن يكون مضطرًا فيأكل ويضمَن. وقال: وحكم الثمار الساقطة من الأشجار حُكم سائر الثمار إن كانت داخل الجدار، فإن كانت خارجه فكذلك إن لم تجرِ عادتهم به، فإن جرَت العادة بذلك فتجري مجرى الإباحة؛ فيجوز أن يلتقط ما تحت الشجرة سواء كان من نبق أو من الرطب وبسر.. وما إلى ذلك؛ ما يسقط من نفسه ويُعتاد أخذه، فلا حرج في ذلك لمن كان مع المُعتادين لذلك في ذلك البلدة وذلك الزمن، والله أعلم.

 

رزقنا الله الإِنابة والخشيَة والاستقامَة، وأتْحفنَا بالكرامة، ووقانَا الأسواء وكل بلوى في السرِّ والنجوَى، ورزقنا مُتابعة حبيبه محمد ﷺ، ورفعنا به مراتب قُربه في خيرٍ ولطفٍ وعافيةٍ وتمكين. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

07 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

20 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام