(489)
(639)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 482 - كتاب البيع: 30 - باب الحوالة والضمان
صباح الأربعاء 5 ربيع الثاني 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
بَابُ الْحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ وَآدَابِ
الْمُطَالَبَةِ وَالْقَضَاءِ
وَبَيَانِ شِدَّةِ الدَّيْنِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
"كان رسول الله ﷺ يقول: "مطْلُ الغني ظلم وإذا أحيل أحدكم على ملىء فليحتل وليتبعه"، وكان علي -رضي الله عنه- يقول: من مطَلَهُ المحال عليه لا يرجع على صاحبه إلا أن يفلس أو يموت.
وكان ﷺ يحث على وفاء الدين ويشدد في أمره ويقول: "من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله تعالى"، وكان ﷺ يقول: "من حمل من أمتي ديناً ثم جهد في قضائه ثم مات قبل أن يقضيه فأنا وليُّه، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذ دينار ولا درهم"، وكان ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده لو قُتِلَ رجل في سبيل الله ثم عاش ثم قُتِلَ ثم عاد ثم قُتِلَ وعليه ديْن ما دخل الجنة حتى يقضي دينه".
وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول كثيرًا: "كان رسول الله ﷺ يحدثنا عن رجل من بني إسرائيل احتاج فسأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فأتتني بالكفيل، فقال: كفى بالله كفيلًا قال: صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبًا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجَّله فلم يجد مركبًا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج موضعها ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلًا فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر وإني استودعتكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله فإذا الخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه وأتى بالألف دينار فقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي جئتك فيه، قال: فإن الله -عزّ وجلّ- قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة فانصرف بالألف دينار راشدًا".
فرع: وكان ﷺ يقول: "من ادَّانَ ديناً وهو ينوي أن لا يؤديه إلى صاحبه فهو سارق"، وكان ﷺ يقول: "أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت الرجلُ وعليه ديْن لا يدع له قضاء"، وكان ﷺ يقول: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه"، وتقدم في أوائل البيع قوله ﷺ: "الشهيد يغفر له كل ذنب إلا الدَّيْن"، وفي رواية: "حتى الدين"، وفي رواية: "شهيد البحر يغفر له كل ذنب حتى الدين وشهيد البر يغفر له كل ذنب إلا الدين"".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكْرِمِنا بالشريعة وبيانِها على لسان عبده المصطفى محمد مَن جَمَعَ فيه الحُسْنَ جميعه، صلى الله وسلم وبارك وكَرَّم عليه وعلى آله وأصحابه وأهل متابعته من أهل المراتب الرفيعة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين جعلهم الله لعباده المؤمنين في دلالتهم عليه حصوناً منيعة، وعلى آباءهم وإخوانهم، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويتحدث الشيخ -عليه رحمة الله- عن الحوالة، وهي: نقلُ الدَّيْن من ذمة إلى ذمة.
وقد جاء ذلك في السنة المطهرة، وعليه إجماع الفقهاء في جواز أن يُحوِّل صاحبُ الدَّيْن الذي له الدَّيْن إلى رجلٍ آخر عليه دَيْنٌ للأول، فيتحول إليه فيطالبه بقضاء دينِه مقابل ذلك.
ويقول: ""كان رسول الله ﷺ يقول: "مطْلُ الغني ظلم؛" وهو أن يؤخر قضاء الدَّيْن الذي عليه بعد حلول الأجل، فيماطل ويسوّف ويراوغ ويؤخر، فيكون هذا من جملة الظلم: مَطْلٌ وهو قادرٌ على أن يؤدي، ومع ذلك يماطل؛ هو غنيٌّ يستطيع أن يؤدي الدَّيْن ويماطل ويؤخره، فهذا من الظلم. بعد حلول الدَّيْن وحضور وقته يجب أن يبادر وأن يسارع إلى أداء الدَّيْن الذي عليه ما دام قادراً على ذلك، فمهما أبطأ وتراخى وراوغ فهو ظالم، فيُعَدُّ من الظالمين عند الله تبارك وتعالى.
ثم قال: "وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل وليَتْبَعْهُ"، وفي لفظ: "ولْيَتَّبِعْهُ"، وهكذا جاء الأمر بأنه إذا أحال مَن عليه الدَّيْن صاحبَه الذي له الدَّيْن على واحدٍ آخر، والآخرُ عليه دَيْنٌ للأول وهو مليء يعني: ذو سعةٍ في الرزق، ذو غنى يستطيع أن يؤدي فليتبعه.
"وكان علي -رضي الله عنه- يقول: من مطَلَهُ المحال عليه لا يرجع على صاحبه إلا أن يفلس أو يموت"؛ المحالُ عليه ما دامه مليئاً وقادراً فيلزمه حتى يُسلّم الدَّيْن.
إذًا فالمماطلاتُ منهيٌّ عنها في شرعنا المَصُون، وشأنُ الدَّيْنِ أيضًا كبيرٌ وعظيم، وهو شَيْن الدِّين إذا لم يكن لضرورةٍ ولا لمصلحةٍ عامة.
وأكّد على أنه لا يستلف المؤمن ولا يتدين شيئًا إلا وهو صادقٌ في الحرص على رَدِّه وأدائه وقضائه بكل ما يملك، ومَن لم يفعل ذلك فهو سارق -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ إذا أراد يأخذ الدَّيْن ويقول بعد ذلك: خله؛ بانُماطلهم إلى أن نتخلص منهم ونترك؟! فهذا من بداية الأمر سارق، وآخِذ حرام، ويكون عند الله من جملة مَن أخذ المال بالباطل.
وكان ﷺ يحث على وفاء الدين ويشدد في أمره ويقول: "من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله تعالى"
ثم شدَّدَ على مَن يريد إتلاف أموال الناس: يأخذها، ويستدين من ذا، ويتدين من ذا، ويدَّانُ من ذا، ولا عنده نية الوفاء ولا القضاء؛ يقول:"من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أَتْلَفَهُ الله تعالى"، والعياذ بالله! كما جاء في رواية البخاري: "أَتْلَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى". وهو أيضًا عند ابن ماجه ما جاء، نعوذ بالله تعالى.
وتقدم معنا أنه من حلَفَ على يمينًا يستحلُّ به مال امريء بغير حق أدخله الله النار، "فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: وإِنْ كَانَ شَيْئًا يسِيرًا يَا رسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَراكٍ"، حتى باليمين الكاذبة أخذ قضيباً من أراكٍ ما يستحقه فيستحق دخول النار بسبب ذلك والعياذ بالله تعالى! فالأمر شديدٌ لمن أدرَكَ؛ فالدماء والأموال والأعراض أولُ ما يُقضَى به بين الخلائق يوم القيامة.
قال: "وكان ﷺ يقول: "من حمل من أمتي ديناً ثم جهد في قضائه ثم مات قبل أن يقضيه فأنا ولِيُّه" وهذا كان في آخِرِ الأمر منه، أنه ﷺ لمّا وسّع الله عليه وصار يأتيه الفيءُ والخراج فكان يتولى قضاءَ دَيْنِ المدينين، مَن مات منهم وهو مَدِيون.
"ومن مات وهو لا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذ دينار ولا درهم"، فبنيّته ألا يقضيه ولو قضى عنه ورثتُه وولده من بعده، فهو بهذه النية يُؤخَذ من حسناته مقابل ذلك.
وفي بعض الآثار: أنه يُؤخَذ مقابل الدَّانِقِ ثوابُ سبعين فريضةً مقبولة! دانق: فِلْس، ما هو درهم! مِن أين يأتي بصلواتٍ مقبولة؟! وكم يبقى عنده؟! أمرٌ خطير! "مَن كانَت عِندَه مَظلِمةٌ لأخيه فليَتَحَلَّلْه مِنها؛ فإنَّه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرهَمٌ.."؛ إنما هي الحسنات والسيئات.
وكان ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده -يحلف بالله- لو قُتِلَ رجل في سبيل الله -أول قتلة- ثم -أحياه الله- عاش، ثم قُتِلْ ثم عاد -ثالث مرة إلى الدنيا- ثم قُتِلْ -ثلاث استشهادات في سبيل الله- وعليه ديْنٌ ما دخل الجنة حتى يقضي دينه"، كما رواه الإمام النسائي في السنن الكبرى، والربيع في مسنده. يقول: لو استُشهد أول مرة وعاد إلى الحياة، واستُشهد ثاني مرة وعاد إلى الحياة، واستُشهد ثالث مرة وعليه دَيْن؛ لا يتمكَّن من دخول الجنة حتى يُقْضي دَيْنه!
وكما جاء في الحديث أنه جاءه رجلٌ يريد الجهاد، "قالَ رجلٌ: يا رسُولَ اللَّه أَرَأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سبيلِ اللَّه صابرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غيرَ مُدْبِرٍ يُكفِّرُ اللَّه عنِّي خَطايايَ؟ فقالَ رسولُ اللَّه ﷺ: نعمْ فلمَّا أدْبَرَ ناداهُ، فقال: نعمْ إلَّا الدَّيْنَ، كذلكَ قال جِبريلُ". فهذه حقوق الخلق شأنها كبير وعظيم، ولهذا حذّر منها الصادقون مع الله تبارك وتعالى واحتاطوا لأنفسهم في ذلك احتياطاً كبيراً.
وفي شأن هذه الحوالة إذا تمت، فإنها تتكون من:
إذا؛ فلا بد من مراعاة الشروط المتعلقة بكلٍّ من هذه الأركان التي تتكون منها الحوالة.
وجاء أيضًا في الحديث، في الروايات التي أشار إلى بعضها عندنا:
وقلنا أن الفقهاء إذن أجمعوا على جواز هذه الحوالة
وبعد ذلك، هل تُعَدُّ بيعاً (بيع الدَّيْن بالدَّيْن)، وبيع الدَّيْن بالدَّيْن ممنوع، فهل هذا مستثنى؟
هكذا فيما يتعلق بقولهم: هل هو بيعٌ أو غير بيع؟
فالجمهور قالوا: إنه بيعٌ ولكن مستثنى من تحريم بيع الدَّيْن بالدَّيْن.
فيكون له: صيغة، ومُحيل، ومُحال، ومُحال عليه، ومُحال به؛
ويُشترط:
فهذه شروط الحوالة.
ويذكر لنا ﷺ بعد ذلك قصة هذا الرجل الصالح مع الرجل الصالح؛ وذلك أنهما كانا اثنين، واحدٌ من قرية بعيدة، وواحدٌ في المدينة، وبين هذه القرية والمدينة بحرٌ إنما يُؤتَى إليه بواسطة السفن. فاحتاج، فسأل بعضَ بني إسرائيل أن يسلفُه ألفَ دينار، وهو عندهم مبلغٌ كبير.
"قال: فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فأتتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا قال: صدقت فدفعها إليه -خذ الألف دينار! وأعطاه الألف دينار إلى اليوم الفلاني- "إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته" -ثم جاء وقت قضاء الدين: ثم بعدين جاء الوقت لأداء الدَّيْن، حَمَلَ الألف دينار من أجل أن يؤديها لصاحبها، يبحث عن مركب يركبه، شي زورق، شي سفينة... ولا شيء! قال: الآن بيحل موعد الأجل! "فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، بعدين حطّ عليها خشبةً أخرى زجج موضعها ثم أتى بها إلى البحر... ألف دينار حطها وسط البحر! من حرصه على أن يؤدي ما في ذمته، وأن تبرأ الذمة، وألا يتأخر عن الموعد الذي وعدَ به الرجل! فهؤلاء أهلُ صدقٍ مع الله وأهلُ صِلَة، فقال لما رماها في البحر: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلًا فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا -لكي أبلغ إليه في الموعد الذي وعدته- أبعث إليه الذي له فلم أقدر وإني استودعتكها فرمى بها في البحر"
ولمّا كان اليوم الموعود فيه أن يجيء الرجل، حرّك الله خاطره ليخرج عند البحر، يقول: ربما تجيء اليوم السفينة فيها صاحبنا الذي تسلف مني الألف دينار، وهذا اليوم هو يوم الوفاء. ومع ذلك، بقي الرجل المَدين ينتظر مركباً آخر، ما اكتفى بهذا الذي أرسله في الخشبة، وجمع ألفاً أخرى ليردها إلى صاحبه!
وخرج الرجل الذي له الدَّيْن ينتظر: يمكن اليوم يجيء صاحبه...لا سفينة ولا حد أقبل، فوقع نظره على الخشبة، قال: إيش هذا اللي في البحر يمشي؟! ناخذ الخشبة لتكون حطباً عندنا في البيت، فأخذ الخشبة، فوجد عليها أثر نجارة أو تسمير، فتحها، حصل الألف دينار والخط من صاحبه، لم يمسَّها ماء ولم يمحُها ماء البحر! الله، كيف هذا؟! وصّل اللهُ حقه، رجلٌ صادقٌ مخلص! فأخذ الألف دينار حقه، والخشبة حطباً لأهله.
بعد ذلك وصل الرجل؛ فإذا الخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه وأتى بالألف دينار -يقول: سامحنا- والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي جئتك فيه، قال: فإن الله -عزّ وجلّ- قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة -قال: هاه؟! قال: أيوه، وصل، وأنا قد أخذته وهو عندي- فانصرف بالألف دينار راشدًا".
فكلٌّ منهم كان صادقاً وكان مخلصاً، وإنما يذكر لنا نبينا مثل هذه القصة في بني إسرائيل لتكون في أمته أمثالُهم، وليكونوا أحسن منهم في هذه الأمة؛ يَحُثُّنا ﷺ على الرقي والسمو في التعامل، وأن نكون مثل هؤلاء في طِيب مقاصدهم ونواياهم وإخلاصهم وصدقهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وكان ﷺ يقول: "من أدان ديناً وهو ينوي أن لا يؤديه إلى صاحبه فهو سارق"، كما رواه الإمام الشافعي في مسنده، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق وغيرهم.
وكان ﷺ يقول: "أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت الرجل وعليه ديْن لا يدع له قضاء"؛ هكذا في رواية الإمام أحمد وأبي داود والروياني، يقول: من أكبر الكبائر عند الله، من أعظم الذنوب بعد الكبائر
وكان ﷺ يقول: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه"، يعني: روحه في البرزخ معلقةٌ بدَيْنه؛ فلا يُسمَح له أن يلقى أحداً من أرواح الأموات، ولا يُسمَح لأحدٍ أن يزوره حتى يُقضى دَيْنه!
وتقدم في أوائل البيع قوله ﷺ: "الشهيد يغفر له كل ذنب إلا الدين"، وفي رواية: "حتى الديْن"، وفي رواية: "شهيد البحر يغفر له كل ذنب حتى الديْن وشهيد البر يغفر له كل ذنب إلا الدين""، ومعناه: يغفر له بأن الله تبارك وتعالى يُرْضِي صاحبَ الدَّيْن الذي له حق الدَّيْن، يُرْضِيه عنه في القيامة ويتولى القضاءَ عنه سبحانه وتعالى، وإلا فلا يفوت حقٌّ أبداً، لا بد أن يصل إلى أصحابه.
ولهذا، ولأن دعاءه ﷺ مستجاب ما كان يصلي على ميتٍ مات ولم يترك وفاءً للدَّيْن، يقول: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، كما يأتي معنا حديث أبي قتاد،. فلما يسّر الله الميسرة قال: " فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - الْفُتُوحَ قَالَ: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ"؛ يقضي الدَّيْن عن المدينين ثم يصلي عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..
رزقنا الله الاستقامة على المنهاج، والدخول في دوائر أهل الصدق مع الحق وأهل الوفاء وأهل الأمانة وأهل إخلاص القصد والنية، وأهل صفاء الباطن والطَّوِيّة، وثبَّتنا على الطريقة المَرْضِيّة، وأعاذنا من وسوسة إبليس وكيد النفس والهوى والشياطين وكيد الدنيا، وجعلنا في حِصْنِهِ الحصين وحِرْزِهِ المتين في عبوديةٍ له تامة، مقتدين بحبيبه ﷺ في جميع شؤوننا الخاصة والعامة، واختم لنا بأكمل حُسْنَى وهو راضٍ عنا في خيرٍ ولطفٍ وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
10 ربيع الثاني 1448