كشف الغمة - 488 -  كتاب البيع: 36 -  باب الصلح وأحكام الجوار

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 488 -  كتاب البيع: 36 -  باب الصلح وأحكام الجوار

صباح الإثنين 24 ربيع الثاني 1448هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  الصلح بين المتخاصمين وثوابه العظيم
  •  قاضٍ لم يحكم إلا في 3 قضايا خلال 40 سنة
  •  قصة رجلين تخاصما إلى النبي ﷺ
  •  ثواب الإصلاح بين المتنازعين
  •  ضابط الصلح، متى يكون باطلاً؟
  •  أركان الصلح وشروطه: هل يصح التصالح على الحق المجهول؟
  •  ما هو "الإسطام"؟
  •  حكم الصلح لما يتعذر علمه كتركة باقية
  •  معجزة تكثير تمر جابر وقضاء ديون أبيه
  •  الصلح عن دم العمد ومقدار الدية المغلظة
  •  عملة دولة القيامة: كيف يصلح الله بين عباده المتخاصمين يوم الحساب؟

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبِسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضيَّ الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصَّالحين في الدَّارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:

                                                             

باب الصلح وأحكام الجوار 

والنهي عن البناء فوق الحاجة

 

"كان رسول الله ﷺ يرخص في جواز الصلح عن المعلوم والمجهول ويأمر بتحليل كل من الخصمين أخاه كما سيأتي في باب الأقضية إن شاء الله تعالى، واختصم إلى رسول الله ﷺ رجلان في تواريث بينهما قد درست وليس بينهما بينة فقال رسول الله ﷺ: "إنكم تختصمون إليَّ وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطامًا من عنقه يوم القيامة، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ: أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم تواخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه"، وفي رواية: "إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء".
وكان ﷺ يقول: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا"، وقال جابر -رضي الله عنه-: "جئت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبي قتل شهيدًا يوم أحد وعليه دين واشتد الغرماء في حقوقهم، فأتاهم النبي ﷺ فسألهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا أبي فأبوا فلم يعطهم النبي ﷺ حائطي وقال: سنغدو عليك يا جابر فغدا علينا حين أصبح فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة قال جابر فجذذتها فقضيتهم منها وبقي لنا من ثمرها سبعة عشر وسقًا".

فرع: وكان ﷺ يصالح عن دم العمد بأكثر من الدية وأقل ويقول: "من قتل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة"، أي حاملًا وذلك عقل العمد وما صالحوا عليه فهو أهم وذلك تشديد العقل، وكان ﷺ يقول كثيرًا: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه"، والله -سبحانه وتعالى- أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مُكْرِمِنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريَّته، عبده وصفوته سيِّدنا محمد صلى الله وسلَّم وبارك وكَرَّم عليه وعلى آله وصحابته، وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين سادات أهل قُرْب الله ومعرفته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُّقربين وعلى جميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

يذكر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ما يتعلق بالصلح في هذا الباب، ويقول: "كان رسول الله ﷺ يرخص في جواز الصلح عن المعلوم والمجهول ويأمر بتحليل كل من الخصمين أخاه كما سيأتي في باب الأقضية إن شاء الله تعالى". فالصلح مشروع بين الناس بالكتاب والسنة والإجماع.

قال تعالى: (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) -يعني: مُخلصًا لوجه الله- (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:114]؛ وتكفي هذه الآية باعثًا ومُحفزًا للمؤمن أن يقوم بالصُّلح بين الناس؛ فإن الحق تعالى يقول: (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ) -وفي قراءة (يُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) إذا فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى.

 

وقد مكث الإمام سقاف بن محمد بن عمر السقَّاف -عليه رحمة الله- قاضيًا في سيئون نحو أربعين سنة، فكانت في خلال الأربعين سنة كلها صُلح؛ يُصلِح بين المتخاصمين؛ ولم يحكم إلا في قضيَّتين أو ثلاث، في خلال الأربعين سنة ما أصدر حكم إلا بين اثنتين أو ثلاث، والباقي كله صُلح.. صُلح.. يُصلِح بين الناس؛ ليكون أبرأ لذمَّتهم، وأبرأ بينه وبين الله تعالى، بأنْ يكون بعضهم ألحن بحجته من الثاني فيقضي له بحسب الظاهر. فإنه إذا قضى القاضي بشهادة زور ونحوها ينفذ ظاهرًا؛ الحكم ينفذ ظاهرًا؛ ولكن باطنًا عند الله ما ينفع؛ ولهذا ما يُجزئ أحد من الطَّرفين يقول: القاضي حكم! حكم ولَّا ما حكم، إذا تعلم أن في المسألة تزوير ولَّا كذب ما يفيدك حكم القاضي عند الله يوم القيامة، يقع عليك المُخاطبة والمُساءلة فلابدَّ من تبرئة الذمَّة.

 

قال: "واختصم إلى رسول الله ﷺ رجلان في تواريث بينهما قد درست وليس بينهما بينة فقال رسول الله ﷺ: "إنكم تختصمون إليَّ وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع.."؛ بحسب ما تضعون أمامي من تصوير المسألة وشرحها؛ قال: "..فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطامًا من عُنقه يوم القيامة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما حقي لأخي" -خلاص! أنا ما عاد بغيت شىء "فقال رسول الله ﷺ: أما إذا قلتما -يعني: هذا- فاذهبا فاقتسما -بالسَّويَّة بينكما- ثم تواخيا الحق ثم استهما.." ومن وخرج له قرعة هذا يشلَّه وهذا..؛ "ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه"، يقول: إن كان شيء من حقي وقع عندك فأنت مسامح وهو لك؛ فهكذا إرشاده ﷺ. "وفي رواية: إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء".

 

فهكذا استنّ بسنته ﷺ خيار الأمة، وأصلحوا بين المتخاصمين، حتى أنَّه يُروى في حديثٍ أنَّ: "مَنْ سَعَىٰ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ ثَلَاثِينَ حِجَّةً مَقْبُولَةً"، ثلاثين حجة مقبولة في الصلح بين اثنين؛ لأن الحقَّ تعالى يكره النزاع بين المسلمين والخِصام، ويحب تآلفهم وتقاربهم؛ فالسعي في الإصلاح ابتغاء مرضاة الله عظيم ثوابه وقدره ومنزلته عند الله تبارك وتعالى. فهذه المُعاقدة التي يرتفع بها النزاع تُسمَّى: الصلح والمصالحة.

وقال تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء:128]. ولا يُوصَف بالخيريَّة إلا ما كان مَحبوبًا مَشروعًا.

 

والحديث يقول:"الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا" التَّعدِّي على ثوابت الشرع ما يُمكن بأي طريقة، وليس الأمر راجع في ثوابت الشرع وصريح ما جاء فيه من أمر ونهي، لا يرجع إلى رضى أحد ولا إلى سخط أحد. بل لا بدَّ أن يبقى الحُكم الشرعي كما هو، وما أجازه من حطّ كل واحد منهما لمستحقِّه أو ما يتعلق به فالأمر مفتوح، وأما أن يُتوصّل به إلى مُخالفة في الشرع وتحريم حلالًا أو تحليل حرام فلا، فلا!

فيقول سيدنا كعب بن مالك: تنازعت مع أبي حَدْرَد في دَيْن على ابن أبي حدرد، فكأنه سمع النبي  ﷺ صوتهما فجاء أقبل عليهما قال: "ما لكما؟ قال: له عليّ كذا، وما أدَّاني حقِّي، فقال له ﷺ: "يا كعب، ضَعْ عنه" خفّف عليه من الدين، أشار إليه بالنصف قال: قد وضعتُ النصف عنه" خلاص! باقي يأتينا بنصف الدين، قال له: "قُمْ فاقضِه" رُحْ وسلّمه النصف الباقي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

فهو مندوب إليه، وقد يَعرِض وجوبُه عند تعيُّن مصلحة، وقد يكون إذا استلزم مفسدة مكروهًا ويجب نبتعد عنه وهكذا. فما كان من صلح عادل فهو المطلوب والمندوب إليه ما بين واجب وما بين مندوب ومُستحب. 

فهو تسري عليه أحكام أقرب العقود إلى الصُلح، وله هذه الأركان:

  • الحنفية: ما يعتبرون فيه من الأركان إلا الصيغة فقط.
  • ويقول غيرهم من الأئمة أن أركانه: 
  • صيغة.
  • وعاقدان.
  • ومحلّ للصلح.
  • والمُصالح به.
  • والمُصالَح عنه.

تكون هذه أركانًا للصُّلح.

 

وهل يُشترط كون المُصالَح عنه معلوماً؟

الفقهاء عندهم أقوال في ذلك:

  • القول الأول وعليه الشافعية: أنه ما يصحَّ الصلح عن مجهول، لابد وأن يكون أمر معلوم يتصالحون عنه، يقول: أصل الصلح أنه بمنزلة البيع، فما جاز في البيع جاز في الصلح -يقول الإمام الشافعي- وما لم يجز في البيع لم يجز في الصلح، وهكذا تتشعب عنه المسائل. وقال: ولا يجوز الصلح عندي -يقول الشافعي- إلا على أمر معروف، كما لا يجوز البيع إلا على أمر معروف. 
  • ومع ذلك عندهم أيضًا الشافعية: يصحَّ الصلح عن المُجمَل، فلو ادعى شيئ مُجملًا فأقر به، فإن صالحه عنه عن عِوَض صحَّ الصُلح.
  • لكن يقولون: إذا كان المعقود عليه معلومًا لهما فيصحّ الصُّلح وإن لم يُسمِّيَاه، إذا معروف بينهما، كما لو قال: بعتك الشيء الذي تعرفه أنا وأنت بكذا، قال: اشتريته! صحّ الصُّلح كذلك إذا كان معلوم بينهما.
  • ويقول الحنفية: إن كان مما يُحتاج فيه إلى التسليم فلابدَّ يكون معلوم، لما كان مطلوب التسليم يُشترط كونه معلومًا لئلا يُفضي إلى مُنازعة. أمَّا إذا كان مما لا يحتاج إلى التسليم كترك دعوى مثلًا ونحو هذا، ما فيه تسليم شيء ما يضر الجهالة؛ لأن جهالة الساقط لا تُفضي إلى المنازعة وما دَرى وقال: خلاص! بدل ما تقدّم عليه الدعوى هذا صالحه وسامحه، ما عاد بنقدِّم الدعوى! فيصحّ، وإن لم يكن معلوم بينهم كم بيترك الدعوى فيه.
  • وقال المالكية والحنابلة: إذا كان المُصالح عنه مما يتعذر علمه، لا سبيل إلى معرفته، فحينئذٍ يصحّ الصُّلح فيه للضرورة، وأما إذا كان لا يتعذَّر معرفته فلابدَّ من أن يكون معلومًا، فإذا كان مُتعذر المعرفة فقال المالكية والحنابلة: يصحّ الصُّلح عنه، وإلا تبقى الذمم معلقة إلى متى؟! فيتسامحون عنه وإن لم يكن معلومًا؛ لأجل أنه يصعُب التوصُّل إلى معرفته.

 

وهكذا جاء في الرواية في الحديث: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى سيدنا رسول الله ﷺ إلى مواريث بينهما هذا اللي جاء معنا في الحديث جاء في الرواية قال: "قد درست وليس بينهما بينة فقال رسول الله ﷺ: "إنكم تختصمون إليَّ وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته -أو قال لِحُجَّتِهِ- من بعض -يستطيع يُقوّم الكلام ويُفصِّله كأنه هو صاحب الحق- وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطامًا من عنقه يوم القيامة".

  • (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) [طه:111].
  • (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا) [الإسراء:13].
  • وقال تعالى:(سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران:180].

فمانعي الزكاة وآخذي حق الغير ظلماً يُطوّق برقابهم في القيامة والعياذ بالله تبارك وتعالى: (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

فلما سمعوا هذا الكلام من النبي "فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ: أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم تواخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه".

وإيش معنى قوله: "يأتي بها أسطامًا في عنقه يوم القيامة"؟

أسطامًا: قالوا الإسطام المِسْعار، حديدة مفتوحة تُقلّب في النار والعياذ بالله تبارك وتعالى. يعني: على وصف حديدة تُحمى بالنار وتُوضع على العنق إصطامُا والعياذ بالله يوم القيامة.

لا إله إلا الله.

فإذا كان مما لا يُتعذَّر علمه، كترك تركة باقية مثلًا يُصالِح فيها الورثة:

  • فيقول المالكية: لا يجوز الصلح إلا بعد المعرفة كم مقدار المُصالَح عليه. ولكن هذا قول عند الحنابلة، ولهم قول ثانٍ بل هو المشهور عندهم أنه يصحُّ لقطع النزاع حتى وإن كان يتأتى العلم به.
  • لكن القول الثاني مثل المالكية يقولون: إذا تأتَّى معرفته فلابدَّ من معرفته، وإن تعذرت معرفته صح الصلح، ولكن في قول الثاني وهو المشهور عند الحنابلة: أنه وإن كان يتأتَّى إذا تصالحا فالصُّلح مقبول لقطع النِّزاع. 

وهكذا ﷺ يقول: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا" فلا حقَّ لأحد في التحليل والتحريم غير الله سبحانه وتعالى (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) [النحل:116].

انَّ الحق لله هو اللي يحلل ويحرّم وما هو حق لغيره.

 

"وقال جابر -رضي الله عنه-: جئت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبي قتل شهيدًا يوم أحد وعليه دين.." وكان يُريد أن يخرج سيدنا جابر إلى غزوة أُحد، منعه أبوه قال له: أنا أحقَّ منك، لعلَّ الله يرزقني الشهادة مع النبي، اجلس! عندنا هؤلاء بنات هن سبع قاعدات في البيت وما حد، أنت اجلس هنا وأنا بأخرج ولا أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ لعلَّ الله يرزقني الشهادة. فأخّره وما قدر يخرج، فخرج أبوه فاستُشهد في أُحد. وكان عليه دَيْن كثير، ويطالبون بقضائه، بعضه لليهود وبعضه للمنافقين. فجاء يشكو للنبي ﷺ قال: أبي مات يوم أحد، والآن يحلّ وقت الدَّيْن، والمزرعة هذه حق أبي كل الجِداد حقها ما بيكفِّي، ما بيكفي لقضاء الدَّيْن الذي على أبي. قال: "واشتد الغرماء في حقوقهم، فأتاهم النبي ﷺ" يكلّمهم، يقول الرجل مات أبوه والذي موجود في نخله ما يُجز هذا؛ اكتفوا به وحُطّوا ما زاد على ذلك، ولكنَّهم أَبَوا، قال:  "فسألهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا أبي فأبوا". قالوا: لا! ولا نبغى يشوفون الحائط ما بيجيب كامل المبلغ الذي لهم، القَدْر الذي لهم أكثر منه شافوه، يعرفون الحائط حقه؛ فأبواْ قال: فلم يُعطهم النبي قال: دعهم وإذا كان يوم الجِداد فادعُني قال: "سنغدو عليك يا جابر فغدا -جاء في الصباح- حين أصبح فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة قال جابر فجذذتها فقضيتهم منها وبقي لنا من ثمرها سبعة عشر وسقًا".

 

وجاء في رواية توضيح أنه قال: "أجمع كل نوع منه على حِدَة" كل نوع من أنواع التمر، فجمَّعها رُكَم من أنواع التمر الذي عنده في الحائط، فجاء النبي ﷺ دار بين النخل، ثم رأى أكبرها رُكْمًا جاء جلس فيها قال: "كِلْ لهم" وكان يناوله بيده يقول: "كِلْ لهم" وكان يكيل للأول والثاني والثالث.. كمَّلوا كلهم والتمر محلُّه! قال: "بقي أحد؟" قال: ما بقي أحد، قام قال: فما أدري أكانت أكثر لما دخلها ولا عندما خرج منها! وبقي التمر أخذوه لأخواته، أخذه إلى البيت، وقال: أنا بغيت أن أقضي الدَّيْن حتى لا تبقى لنا تمرة واحدة يفكُّ علينا من الدَّيْن، ولكن ببركته ﷺ "..قال: وبقي لنا من ثمرها سبعة عشر وسقًا". شالها إلى البيت، وكانت قوت للي خلّفهن سيدنا عبد الله عليه رضوان الله.

 

سيدنا عبد الله بصدقه وإخلاصه وتفانيه في محبة الله ورسوله إلى الغاية، وحتى آثر يخرج، قال: قال لولده الحبيبُ ﷺ قال له: "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا". سبحان الله! وخصّه الله بخصوصية.

في اليوم الثاني حتى كان من أُحد؛ لما أراد الخروج لغزوة حمراء الأسد قال: "لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس" فجاء سيدنا جابر قال: يا رسول الله، أنا خلّفني أبي وبأمره تخلّفت، قال: فأذن له وحده أن يخرج، ما أحد خرج معه في الغزوة ممن لم يحضر أُحد إلا جابر بن عبد الله، ﷺ.

وسعِدَ به الصادقون من أولئك الصَّحب سبحان الله! اختصّهم الله بصفوته من البريَّة يشاهدونه، يكلّمونه يخاطبونه ويأخذون عنه يسمعون الوحي الذي ينزل عليه من فمه الكريم. فما أعجب منازلهم عند الله وما اختصهم به! 

ويا ويح أهل الشك والتكذيب والكفر من المنافقين والكافرين اشتد عليهم سخط الله تعالى وغضبه والعياذ بالله تبارك وتعالى.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ*جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ) [إبراهيم:28-29].

 

قال: "فرع: وكان ﷺ يصالح عن دم العمد بأكثر من الدية وأقل" من الدية حتى لا يُقتل، ويأخذون مثل الدية أو أكثر من الدية أو أقل، أي شيء يتَّفقون عليه. "ويقول: "من قتل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة". وهذه أكبر وأغلظ دية عندنا في الشرع لقتل العمد.

وهذه تأتي مبالغ كبيرة حتى الآن، صعب جمع ثلاثين حقَّة وثلاثون جذعة وأربعون خَلِفَة -يعني: حوامل- "أي حاملًا وذلك عقل العمد وما صالحوا عليه فهو أهم وذلك تشديد العقل، وكان ﷺ يقول كثيرًا: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم.." العملات كلها هذه تروح، ولا عاد ذهب ولا فضَّة فضلًا عن غيرها، ما عاد ينفع منها شيء إلا عملة دولة القيامة؛ عملة دولة القيامة حسنات وسيئات، هذه نافذة على طول، حسنات وسيئات هي ذي العملة. فيقول: "..إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه"، والله -سبحانه وتعالى- أعلم".

 

وفي أمره ﷺ ودعوته للصُّلح ذَكَر أنه في مواقف القيامة بعض الناس يتولَّى الله الصُّلح بينهم. فيُطْلِع الغريم على مظلمته من هذا ويقول: سامِحه! يقول: يا رب أريد حقي منه، يقول: ترى أن حسناته ما عاد شيء معه، حسناته قد راحت. فيقول: خذ من سيئاتي حُطّ سيئاتِي عليه، وبكى ﷺ قال: يوم يحتاج الناس فيه لِمَن يأخذ سيئاتهم ومَن يحط عنهم سيئات قال: فيقول له الله: انظر! فينظر فإذا بقصور عالية في الجنة، يقول: يا رب لمن هذه؟ لنبي أو لِمَلَك؟ يقول: لمن يملك ثمنها، يقول: ومن يملك ثمنها؟ يقول له الله: أنت، بماذا؟! يقول: بعفوك قال: تعطينا هذا.. مُسامِح! فيسامحه ويعفوا عنه. فيقول ﷺ: "إن ربكم يُصلح بين عباده، فأصلحوا بين إخوانكم". وربّ العزة بنفسه يتولَّى الصُّلح بينهم، إذا كان له عناية بواحد -سبحانه وتعالى- يُصلح بينه وبين خصمائه كلهم، لا إله إلا الله.

 

الله يُكرمنا بالتَّوفيق والاستقامة على أقوم طريق، ويحيي فينا شرع الحبيب ومنهجه الرَّفيق، وينظمنا في سِلكه، ويحملنا في فُلكه، ويدفع الآفات عنَّا، ويرعانا بما هو أهله في الحسِّ والمعنى، ويختم لنا بأكمَلِ الحُسنى في خير ولطف وعافية.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

24 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

05 أكتوبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام