(639)
(489)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 487 - كتاب البيع: 35 - باب أحكام الولي على الأيتام
صباح الأحد 23 ربيع الثاني 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
باب أحكام الولي على الأيتام
وبيان النهي عن التولي عليهم إلا لمصلحة
وكان أبو ذر -رضي الله عنه- يقول: أوصاني خليلي ﷺ وقال: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي فلا تأمَّرنَّ على اثنين ولا تولينَّ مال يتيم"، وكان ﷺ يرخص للولي في الأكل من مال اليتيم بالمعروف بشرط العمل والحاجة فيأكل من مال اليتيم مكان قيامه عليه وتحصين ماله غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل ولا يقي ماله بمال اليتيم، ومعنى متأثل: يعني مخصص نفسه بشيء زائد، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يزكي مال اليتيم ويستودعه ويستقرض منه ويدفعه مضاربة ولما نزل قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[الأنعام: 152]، اعتزل الصحابة بأموالهم عن مال الأيتام حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن فأنزل الله تعالى: (وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) [البقرة: 220]، فقال ﷺ: "خالطوهم"، فخالَطوهم في الطعام والشراب.
وقال عكرمة: جاء رجل إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- فقال: إن لي يتيمًا وله إبل أفأشرب من لبن إبله؟ فقال له ابن عباس: إن كنت تبغي ضالة إبله وتطلي جربها وتكنس حوضها وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: يأكل الوصي بقدر عمالته.
وكان ﷺ يقول: "أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوا من أموالهم"، وكان ﷺ يقول: "إن في الجنة دارًا يقال لها دار الفرح لا يدخلها إلا من فرَّح يتامى المسلمين"، وفي رواية: "لا يدخلها إلا من فرَّح الصبيان"، وكان ﷺ يقول: "الصبي الذي له أب يمسح رأسه إلى خلف واليتيم يمسح رأسه إلى قدام"، وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فشكا إليه أن والده يأخذ ماله بغير إذنه فقال له ﷺ: "أنت ومالك لأبيك"، يعني أن من بر الوالد أن لا يمنع من شيء احتاج إليه.خاتمة: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول إن في حجري يتيمًا أفأضربه؟ قال: ما كنت ضاربًا فيه ولدك، وسئلت عائشة -رضي الله عنها- عن أدب اليتيم فقالت: إن كان أحدهم ليضرب يتيمه حتى ينشط، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكْرِمِنا بشريعته الغَرَّاء، وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى، سيدنا محمد صلّى الله وسلّم وبارك وكَرَّم عليه وعلى آله وصحبه من رفع الله لهم به قَدْرًا، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسانٍ سرًّا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الرَّاقِينَ في الفضل والشرف والكرامة أَعْلَى الذُّرَى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
فيتحدث الشيخ عمّا يتعلّق بـ "أحكام الولي على الأيتام، والنهي عن التولّي عليهم إلا لمصلحة"، أي: لمقتدر يستطيع القيام بالحقوق كما ينبغي.
قال: "وكان أبو ذر -رضي الله تعالى عنه- يقول: أوصاني خليلي ﷺ" يعني: رسول الله "وقال: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا" أي: للولاية على مثل أموال اليتامى "وإنّي أحب لك ما أحب لنفسي؛ فلا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ على مال يتيم"، "لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين": لا تجعل نفسك أمير على اثنين، "ولا تَوَلَّيَنَّ على مال يتيم"؛ كما جاء في صحيح مسلم، وأبي داود، وعند الإمام أحمد في المسند؛ قال: "لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين".
ومعلوم في هديه ﷺ نهيه عن طلب الإمارة، وتحذيره أن الذي يتبع ميل نفسه إلى الإمارة فيطلبها؛ أن الله تعالى يتخلّى عنه ويكِلُه -والعياذ بالله- إليها، ومن تخلّى الله عنه ووكله إلى نفسه وإمارته تعِب ونَصَب وتعرّض للعذاب، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، يقول: "إنك إن سألتها وُكِلْتَ إليها، وإن طُلِبْتَ لها أُعِنْتَ عليها".
فأنواع الإمارات ومنها: هذه الولايات، ومن جملتها الولي على الأيتام.
وكل هذه الأشياء التي تميل إليها النفس مأمورٌ المؤمن فيها أن لا يستجيب لداعي النفس، وأنه لا يصدِّق ما تُخَيِّلُ إليه نفسه من أنه مخلص لوجه لله، وأنه عنده قوة يستطيع أن يقوم بالأمر كما ينبغي، ويؤدي الحقوق ويضع الشيء في موضعه، حتى يُطْلَب لذلك ويَعْلَمَ هذه القوة ويجربها، وإلا فإن الأسلم للمؤمن البعد عن أن يتولّى على شيء؛ قال له: اثنان لا تتأمر عليهم؛ إذا كنتم ثلاثة مثلا في سفر أَمِّرُوا أحدكم، قال: أنت يا أبو ذر لا تقبل الإمارة، خلّوا غيرك يتأمر ويتولاها. وقال له: "ولا تَوَلَّيَنَّ على مال يتيم"؛ "لا تَوَلَّيَنَّ على مال يتيم" فيكون شغلك ببعض شؤون عبادتك وما تعلّق به قلبك يخرجك عن حسن النظر في حق هذا اليتيم، وتنمية ماله وإيصاله إليه على وجهه، فاترك مثل هذا.
فهكذا كان من دأب أخيار هذه الأمة أن ما تَشْرَئِبُّ إليه النفس وتميل إليه من أنواع المظاهر والولايات ينفرون عنه، ويبعدون عنه، ولا يقنعون من أنفسهم بالدعوى ولا بظاهر إرادة الخير، حتى يتعيّن الأمر على أحدهم، أو يُؤْمَر به من قِبَل ذوي بصيرة من شيوخ أو أهل معرفة ويتحتم الأمر عليه، أو يكون الواقع في شدة الحاجة إلى أن يتولّى الأمر وإلا ضاع حقٌّ، فحينئذٍ يستعين بالله تعالى ويقوم بالأمر قاصدًا وجه الله سبحانه وتعالى.
وبعد ذلك اليتيم:
ويقول: من مات أبوه وهو دون البلوغ، في الحديث: "لا يُتْمَ بعد احتلام"؛ أي: إذا بلغ ما عاد يقال له يتيم، ينفرد بنفسه ويقوم بنفسه.
يقول: "وكان ﷺ يرخِّص للولي في الأكل من مال اليتيم"، واليتيم قد يكون له وصي بأمر أبيه يقوم عليه؛ وإلا فالحاكم يقيم له من يقوم بأمره ويرعاه.
شروط الوصي على اليتيم: فإذا أوصَى إلى من يقوم على اليتيم فيُشترط:
فإذا أوصى بالأيتام:
ثم "رخَّصَ للولي في الأكل من مال اليتيم بالمعروف بشرط العمل والحاجة"؛ إذا كان يعمل لهذا اليتيم ومصلحته، فتوقف بذلك عن الكسب لنفسه؛ فكان عاملًا لليتيم ومحتاجًا لا نفقة له، ففيه جاءت الآية: (وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)[النساء:6].
"فيأكل من مال اليتيم مكان قيامه عليه وتحصين ماله، غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل"، يخزن له مال ولا يربح عليه، "ولا يقي ماله بمال اليتيم، ومعنى متأثل: يعني مخصص نفسه بشيء زائد".
بهذا علمنا ما يتعلّق بما يجوز للولي أن يأكله من مال اليتيم. قال: "وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يزكي مال اليتيم ويستودعه ويستقرض منه ويدفعه مضاربة"؛ لما يرى فيه من المصلحة. "ولما نزل قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[الأنعام: 152]، اعتزل الصحابة بأموالهم عن مال الأيتام حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن فأنزل الله تعالى: (وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) [البقرة: 220]"؛ مَن الذي نيته يحفظ حق الأيتام وبا يؤديها؟ ومَن الذي نيته يتساهل ولا يبالي، أو يقدم ماله على مال اليتيم؟ "فقال: ﷺ: "خالطوهم"، فخالَطوهم في الطعام والشراب".
"وقال عكرمة: جاء رجل إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- فقال: إن لي يتيمًا وله إبل أفأشرب من لبن إبله؟ فقال له ابن عباس: إن كنت تبغي ضالة إبله -يعني: تقوم بخدمة ما يتعلق بإبله- تطلب الضالة وتردها، وتَطْلِي جَرْبَها، وتَكْنُسُ حوضها، وتسقيها يوم وِرْدِها، فاشرب غير مُضِرٍّ بنسل، ولا ناهكٍ في الحلب". اشرب بالمعروف، (وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)[النساء:6]..لا تشرب لبن ناقة وتُخَلِّي ولدها جائع ما عاد يحصل شيء؛ تشرب اللبن كله، ما هو كذا! راعِ حقه، "فاشرب غير مُضِرٍّ بنسل، ولا ناهكٍ في الحلب"، تبالغ فيه حتى تتضرر، وهكذا.
قال: "وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: يأكل الوصي بقدر عمالته". وبهذا:
سأل رجُلًا النبي ﷺ، فقال: إنِّي فقيرٌ ليس لي شيءٌ، ولي يتيمٌ، قال: فقال: كُلْ مِن مالِ يتيمِكَ، غيرَ مُسرِفٍ، ولا مبادِرٍ، ولا متأثِّلٍ، ولا تخلط مالك بماله"، احفظه له كامل حتى لا ينقص عليه منه شيء.
ثم الذين قالوا يجوز أن يأكل ما دامه قائم بعمل، وهو محتاج ويأكل بالمعروف، قالوا: فإذا أَيْسَرَ بعد ذلك هل يلزمه رد بدل ما أكل لمّا أيسر وصار ما عاده محتاج الآن؟
فقالوا: لا يلزمه؛ لأنه عوض عن عمله فلم يلزمه رد بدله.
وجاء عن أبي العالية وعَبِيدَة السَّلْمَانِيّ من الشافعية: أنه يضمن عوضه في ذمته؛ لأنه مال الغير تصرف فيه للحاجة، فإذا أغناه الله وتيسّر أمره فيرد ما أخذه، وهذا مستحْسَنٌ حَسَنٌ، وإن كان غير لازم عند معتمد الأئمة الأربعة؛ لأنه أخذه بإباحة شرعية فما عليه أن يرد مثله وإن أيسر بعد ذلك.
فلا يتصرّف في مال اليتيم إلا بما فيه المصلحة: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[الأنعام:152]، ورأيت الصحابة لما نزلت الآية حذِروا حذر كبير، فصاروا يفَرِزُوا مال اليتيم وصاروا ما يأكلون منه ولا ذرّة ولا حبّة، واليتيم ما يستوعب الأكل فيفسد بعض الطعام، بعدين قال لهم: خالطوا مع النظر في مصلحتهم من دون أن يكون عندكم جنوح إلى أخذ شيء زائد (وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)[البقرة:220].
فصلّحوا أكل واحد، وكلوا أنتم وإياهم حتى لا يكون بهذه الصورة، ولكن حُسن تطبيق الصحابة للنص يحملهم على هذا الاحتياط والورع، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
فلا يجوز للولّي أن يتصرف في مال المحجور إلا بالنظر والاحتياط والمصلحة، ما له في حظه غبطة، قال ﷺ: "لا ضَرَرَ ولا ضِرار"، وما لا فائدة للمحجور فيه كأن يهب شيء من ماله لغيره؛ صدقة أو عتق أو محاباة، فليس للولي ذلك، ويلزمه إذا تبرّع بهذه الصورة لزمه الضمان، ضمن؛ ويرد إلى مال اليتيم ما تصرّف فيه.
وأما الواجب عليه فهو أن يَتَّجِر فيه، يتّجر في مال اليتيم: "اتَّجِروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة"، قال: وإليه الإشارة بقوله: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا)[النساء:5] ما قال منه! في الآية الأولى قال: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا)، إيه (فِيهَا)؟ يعني: نَمُّوه لهم وارزقوهم منه، وسطه، دَعْه فيه، ما هو منه تشيل منه تنقصه، نَمِّ له ماله، ومنه من أرباح المال ارزقه: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا)[النساء:5].
وهكذا؛ فإن أكل مال اليتيم -والعياذ بالله- من الكبائر، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا)[النساء:10] -والعياذ بالله تعالى-، وهذا أمر معنوي ويعرضون أنفسهم لدخول النار فكأنه أكل النار -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
ولكن على سبيل خرق العادة وإظهار الغيب إلى شهادة، احتاج ناس في سفينة يمشون إلى نار، لأنها انطفئت عليهم النار اللي استعدوا بها، وما معهم أكل إلا يحتاج إلى طبخ، فما دروا كيف يأتون بالنار وهم في البحر، فعمِدوا إلى بعض أهل الصلاح فيهم وقالوا له: من أين نجيب؟ قالوا: الحين شف لنا حل واسأل ربك. قال: أحد عندنا متولٍّ على مال الأيتام؟ قال: حصّله، قال: نعم، قال: هاتوه! قال: أنت متولٍّ على مال اليتيم؟ قال: لا بد ما تخلو من زيادة، شليتَ الأحسن لنفسك، ولا عملت؟... قال: استغفر الله، الحين قصدنا بغينا شيء من النار! قال الله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا)[النساء:10]. قال: السفينة مساكين! قال: أنا مثلك لحم ودم، هذا عظمي ومعي كما معك، ما شي عندنا... قال: لا لا لا، صدق الله، هاتوا شيء من اللي يلتهب، قال له: قل هاه، فقال: هاه فخرجت نار! وقال: بس خلاص روح، نارك لك، بغينا من شان الناس يستفيدون من هذه النار في السفينة! لا إله إلا الله، فأبرزها الله وأظهر عبرة على غير المعتاد، على سبيل خرق العادة، (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)[النساء:10]. وكانت أيضًا عبرة.
فمأمور المتولّي على مال اليتيم أن يفكر في تنميته، وأن يفكر في التجارة فيه. ولا يجوز له أن يُقرض ماله للغير، ولا لنفسه حتى يقترض منه لغير الضرورة.
قال الشافعية: ليس له أن يقرض ماله من غير حاجة.
وأما الحنفية والمالكية قالوا: ما شي حاجة، ما يقرض، ما يقرض من مال اليتيم شيء لا لنفسه ولا لغيره.
قال الشافعية: إن كانت هناك حاجة؛ خاف من نحو نهب أو حريق أو غرق، أو أراد سفر وخاف عليه؛ جاز له إقراضه من ثقة مَلِيء، من أجل يمر وقت الخوف والشدة، ويكون المال محفوظ عند هذا إنسان أمين با يرده، فهذا لمصلحة ولحاجة أجازه الشافعية.
وقال الحنابلة كذلك: إذا هناك مصلحة في قرض مال اليتيم يجوز أن يقرضه. وهكذا اشترط الشافعية أن يكون ذلك للمصلحة، وإن قدر على الإيداع أو الإقراض فالإقراض أولى؛ لأن القرض مضمون بالبدل والوديعة غير مضمونة، فالقرض أحوط، ولا يجوز الإقراض إلا للضرورة. قالوا: بشرط يسار المقترض وأمانته وعدم الشبهة في ماله، ويُشْهِد عليه كذلك.
فعلى الوليّ الإنفاق من ماله على من تولى عليه، ومن تلزمه مؤونته بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا)[الفرقان:67]، فإن قَتَّرَ أَثِمَ، وإن أسرف أَثِمَ وضَمِنَ لتفريطه.
وهكذا يقول عامة الفقهاء: أنه ينبغي أن يَتَّجِرَ في مال اليتيم وينميه له؛ لأنه أصلح له، قال سيدنا عمر: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة".
يقول: وكان ﷺ يقول: "أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوا من أموالهم"، كما جاء في الرواية الأخرى: "أن ولد الرجل من كسبه".
أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي مالا وعيالا، وإن لأبي مالا وعيالا وإنه يريد أن يأخذ مالي إلى ماله، فقال رسول الله ﷺ: "أنت ومالك لأبيك". كما جاء في رواية ابن ماجه -عليه رحمه الله تعالى-.
قالوا: وجعل الله الولد موهوبًا للأب:
فهو هبة الله للأب، فهو كله حقه: "أنت ومالك لأبيك".
ولهذا قال الإمام أحمد: كل شيء يأخذ من مال ولده فيقبضه فله أن يأكل، ويُعْتِق حتى يُعْتِق، فقال: يأخذ من مال ولده ما يشاء لهذا الحديث.
الجمهور قالوا: اللام في قوله: "أنت ومالك لأبيك" للإباحة لا للتمليك؛ فإن مال الولد له، وزكاته عليه وهو موروث عنه.
وكان ﷺ يقول: "إن في الجنة دارًا يقال لها دار الفرح لا يدخلها إلا من فرَّح يتامى المسلمين"، وفي رواية: "لا يدخلها إلا من فرَّح الصبيان"، من كان يدخل السرور على قلوب الأطفال والصبيان له في الجنة دار مخصوصة، يقال لها: دار الفرح، وبهذا حَرَصَ كثير من الصالحين على إدخال السرور على الأطفال والصبيان حيثما وجدوهم.
وكان يحرص الحبيب محمد الهدار -عليه رحمة الله- ألا يلاقي أحد من الأطفال والصبيان إلا وأدخل السرور على قلوبهم، وأهدى لهم شيء وقدم لهم من النَّعْنَاع والحلاوة ما يفرحون به، عملًا بالسنة وحِرْصًا على أن يكون من أهل دار الفرح.
وبهذا أيضًا يُؤْخَذ أنه يتعرض للحرمان أو للحزَن من كان يدخل الأحزان على قلوب الناس، ومن كان أيضًا شديدًا على الأطفال بغير حق. "وإنَّ الرَّجُلَ لَيُكتَبُ جبَّارًا -ليُحْشَر مع الجبارين- وما يملِكُ إلَّا أهلَ بيتِه!" ما عنده شيء، ويحشر يوم القيامة مع الجبابرة؛ ايه اللي جاب هذا! كان جبار على أهله وأولاده، مستذِلِّين له، ما يخليهم يرفعون رأسهم قدامه ولا يقولون كلمة، ويضطهدهم، فيُحشر مع الجبابرة الذين اضطهدوا الناس وأخذوا حقوقهم، وهذا يحشر معهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. وقال ﷺ: "خيرُكُم خيرُكم لِأهْلِهِ ، وَأَنَا خيرُكم لِأَهْلِي" ﷺ.
وفي رواية: "لا يدخلها إلا من فرَّح الصبيان"، وكان ﷺ يقول: "الصبي الذي له أب يمسح رأسه إلى خلف واليتيم يمسح رأسه إلى قدام"، يعني: في إدخال السرور على الأطفال ومؤانستهم ينبغي تمسح على رؤوسهم؛ فإن كان غير يتيم تجيبه من الناصية إلى الخلف، وإن كان يتيم تجيبه من الخلف إلى الأمام، يمسح رأسه إلى قدام؛ ففيه حنان أكثر ومعنى من التقدم والعلو، فقال: يمسح اليتيم هكذا.
"وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فشكا إليه أن والده يأخذ ماله بغير إذنه فقال له ﷺ: "أنت ومالك لأبيك"، يعني أن من بر الوالد أن لا يمنع من شيء احتاج إليه".
قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول إن في حجري يتيمًا أفأضربه؟ قال: ما كنت ضاربًا فيه ولدك"؛ يعني: ما تحملك الرحمة والشفقة عليه إلى تأديبه كأنه ابن لك، نعم، وأما ما تحملك عليه الغيرة والضجر فلا، فتراعيه.
وإن الله تعالى ينظر إلى البيت الذي فيه يتيم يُكْرَم ويحب أهله ويكرمهم، ويبغض البيت الذي فيه يتيم يُؤذى، البيت الذي فيه يتيم يُؤذى يبغضه الله ويبغض أهله، والبيت الذي فيه يتيم يُكْرَم يحبه الله ويحب أهله.
وسئلت عائشة -رضي الله عنها- عن أدب اليتيم فقالت: إن كان أحدهم ليضرب يتيمه حتى ينشط، والله سبحانه وتعالى أعلم"، بحسب المصلحة مع الحذر والرعاية له.
وهكذا تأثر بعض المسلمين بكلام الله ورسوله، فبالغوا في إكرام الأيتام وحسن تربيتهم، حتى صار في مجتمعاتهم يتمنى بعض الأطفال أنه يتيم، لما يرى من حسن معاملة المجتمع لهذا اليتيم! لا إله إلا الله.
الله يحيي في الأمة مكارم الأخلاق، وما يُرْضِي عنهم الخلّاق ورسوله عظيم الأخلاق ﷺ، ويدفع عنا الآفات والعاهات، وعن الأمة في المشارق والمغارب، يحفظ الحرمين الشريفين، ويخلّص بيت المقدس من المعتدين، ويحفظ اليمن والشام والشرق والغرب من كَيْدِ المعتدين والظالمين والمفترين وأعداء الدين، ولا يبلّغهم مراد فينا ولا في أحد من أهل لا إله إلا الله، ويصلح الشأن كله لنا ولكم وللمسلمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
24 ربيع الثاني 1448