كشف الغمة - 483 - كتاب البيع: 31 - باب الحوالة والضمان وخطورة الشفاعة في الحدود
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 483 - كتاب البيع: 31 - باب الحوالة والضمان وخطورة الشفاعة في الحدود
صباح السبت 8 ربيع الثاني 1448هـ
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- خطورة الشفاعة في الحدود
- من قال في مؤمن ما ليس فيه
- الشفاعة قبل بلوغ الأمر للحاكم
- حكمة ضرب المثل بالسيدة فاطمة
- أحكام شفاعة الحدود عند المذاهب الأربعة
- فضل إرضاء الغريم وكيف تصلي عليك دواب الأرض
- قصة الأعرابي الدائن وكيف قابل النبي ﷺ قسوته
- لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"فرع: وكان ﷺ يقول: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد حاد الله في أمره، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن أعان ظالماً بباطل ليدحض به حقاً فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله ﷺ ، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال"، وكان ﷺ يقول: "من انصرف غريمه وهو راضٍ عنه صلت عليه دواب الأرض ونون الماء، ومن انصرف غريمه وهو ساخط عليه كتب له في كل يوم وليلة وجمعة وشهر ظلم".
وقال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: "جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه فاشتد حتى قال لرسول الله ﷺ: أحَرِّجُ عليك إلا قضيتني، فانتهره الصحابة وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي، فقال النبي ﷺ: هلا مع صاحب الحق كنتم، ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال: إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك، فقالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه فقال: أوفيت أوفيت أوفى الله لك، فقال: أولئك خيار الناس إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع"، أي: بغير تعب وكثرة تردد لغريمه".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بالبيان على لسان خير إنسان، من أنزل عليه القرآن، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه في كل حين وآن، وعلى آله وصحبه الأعيان، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان، وعلى الأنبياء والمرسلين سادات أهل العرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر الشيخ -عليه رحمه الله تبارك وتعالى- في هذا الفرع: حرمة الشفاعة في حد من حدود الله إذا وصل إلى السلطان؛ فلا يجوز الشفاعة في الحدِّ من الحدود المذكورة في كتاب الله تعالى إذا قد وصل الخبر إلى عند السلطان.
يقول: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد حاد الله في أمره"، وفي رواية: "ضاد الله في أمره".
"ومن خاصم في باطل وهو يعلم"، ولكن ركبه الهوى وأخذ يخاصم ويدري أنه على غير حق وأنه على باطل، "لم يزل في سخط الله حتى ينزع"؛ يغضب الله عليه إلى أن يرجع عن هذه المخاصمة بغير حق.
قال: "ومن قال في مؤمن ما ليس فيه"، يريد شيئا من المؤمن فنسب اليه شيئا من العيوب أو من الذنوب ليست فيه، قال: "حبس في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال".
"ردغة الخبال" في النار: عصارة أهل النار، القيح والصديد الذي يخرج من فروج الزناة والزانيات -والعياذ بالله تعالى-، يتجمع في النار ويُحبس فيه هؤلاء، ويسقى منه من يسقى -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
"حبس في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال"، كيف يأتي بالمخرج وهو قال ما ليس فيه؟! فكيف يخرج؟! معناه: الذي يتقوَّل على المؤمنين ما ليس فيهم؛ وينسب إليهم العيوب متعمدًا؛ أنه لا يموت على الملة، هذا معناه؛ كيف يبقى مخلدًا في النار إلا إذا مات على غير الملة -والعياذ بالله تعالى-، يعني كيف يأتي بالمخرج مما قال؟ فهذا من أخطر الأمور ما لم يتدارك صاحبه ربنا تعالى بتوبة وإنابة ومسامحة من الذين تكلم عليهم، وإلا فمن كان ذلك ديدنه فلا تظن أنه يموت على الشهادتين ولا على الإسلام، -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فـ"السبُّ فِيهم يا إنسانُ تَحقيقًا يَنزَعُ الإيمانُ".
وهكذا أورد الإمام السيوطي أيضًا حديث من كان دأبه سب آل بيتي لم يمت إلا كافرًا -والعياذ بالله تعالى- معنى كلامه،
يقول نظمه الحبيب أبو بكر بن شهاب:
وَرورى القَوْمُ أَنَّ مَنْ كَانَ سَبَّ الفَـاطِمِيِّينَ دَأْبَهُ وَاعْتِيَادَهُ
لَمْ يَمُتْ وَالعِيَاذُ بِاللهِ حَتَّىٰ نَرَىٰ عَنْ مِلَّةِ الرَّسُولِ ارْتِدَادَهُ
أعاذنا الله من ذلك ومن كل سوء في الدارين.
وكان بعض الذين ابتلوا أيام الشيوعية بالسبّ، يذكرون عند وفاته -كان حاضر بعضهم عنده- فقالوا: قل لا إله إلا الله، فانهرهم وقال: اسكتوا، هات السيجارة، ولا رضي يقولها؛ ونعوذ بالله من غضب الله ونسأل الله الأدب معه.
يقول: "ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، حبس في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال" لا إله إلا الله.
فمن هنا علم أنه إذا قد وصل خبر الحد إلى عند والي الأمر، لا يجوز لأحد أن يتشفع فيه؛ فلا خلاف بين الفقهاء في تحريم الشفاعة في حد من حدود الله بعد بلوغه إلى الحاكم، .
لما قال ﷺ لسيدنا أسامة لما كلمه في شأن المخزومية التي سرقت، قال: "يا أسامةُ! أَتَشْفَعُ في حَدٍّ من حدودِ اللهِ"، ثم قام ﷺ خطيبًا، " ثُمَّ قالَ: إنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عليه الحَدَّ، وايْمُ اللَّهِ لو أنَّ فاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَه"، ﷺ، وقد دع لها الله من ذلك، فضرب المثل بأنه أحبّ الخلق إليه وأعزهم عليه فاطمة، ومع ذلك لو وقعت في هذه المصيبة لما ترك قطع اليد، وحاشاها -عليها رضوان الله- وما أعظم قدرها عند الله وعند رسوله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، وإنما ضرب بها المثل ليقطع الأطماع في مخالفة إقامة حدود الله تعالى، الحديث في الصحيحين.
والحديث هذا الذي أورده عند أبي داود يقول فيه: "من حالت شفاعتُه دونَ حدٍّ من حدودِ اللهِ فقد ضادَّ اللهَ".
لأنّ الحدّ إذا بلغ الحاكم وثبت عنده وجب إقامته؛ فالسعي لترك واجب أمر بمنكر.
- يقول بعض الحنفية: إنه إذا لم يتم الثبوت بعد فيجوز التشفع، ولكن إذا ثبت فيحرم.
- وقال المالكية بالعكس: لا تجوز الشفاعة إذا بلغ الحد الشُّرَط والحَرَس؛ لأن الشُّرَط والحَرَس بمنزلة الحاكم حتى قبل أن تبلغه، فما دام قد وصلت إلى عند الشرطة فلا تتدخل، فيثبت الحد ويقام عليه الحد.
- وقال غيرهم: إذا قد بلغت الحاكم الذي يعنيه تنفيذ الأمر والقاضي فلا يجوز التدخل، وما قبل ذلك فيجوز، قبل البلوغ إلى الحاكم فتجوز الشفاعة؛ لما جاء أن الزبير بن العوام -رضي الله عنه- مُرَّ عنه بسارق فشفع له، فقال: أتشفع لسارق؟! قال: نعم ما لم يؤت به إلى الإمام، فإذا أتي به إلى الإمام فلا عفا الله عنه إن عفا عنه! يعني: إذا قد وصل عند الحاكم وبعد ذلك الحاكم تساهل بالأمر: فلا عفا الله عنه إن عفا عنه! لا يجوز أن يعفو عنه؛ عن إقامة الحد، وهكذا.
- ومع ذلك أيضا قال المالكية: إذا كان المشفوع فيه من الأشرار الذين مرَدوا على ارتكاب المعاصي فلا تجوز الشفاعة فيه، وصلت عند الشرطة أو ما وصلت عنده، خلاص؛ لأنه عنصر ضار مؤذي في المجتمع، يجب أن يُتَخَلَّص منه، يجب أن يردع، يجب أن يردع؛ فهكذا توسع المالكية في حرمة الشفاعة في حدود الله تبارك وتعالى.
يقول: وكان ﷺ يقول: "من انصرف غريمه وهو راضٍ عنه صلت عليه دواب الأرض ونون الماء"، أي: حوت الماء، النون هو الحوت، وكما سمّى الله سيدنا يونس: ذا النون، أي: صاحب الحوت الذي التقمه الحوت له: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا) [الأنبياء:87].
قال: "صلت عليه دواب الأرض ونون الماء، ومن انصرف غريمه وهو ساخط عليه كتب له في كل يوم وليلة وجمعة وشهر ظلم"؛ يتجدد ذلك الظلم عليه في كل يوم وليلة، وفي كل جمعة، وفي كل أسبوع. وفي كل شهر؛ إذا كان غرماؤه الذين تعاملوا معه ينصرفون عنه وهم ساخطون لسوء معاملته ولمغالطته ولِتربصه بهم؛ فهذا سيء الخلق يكتب ظالمًا عند الله تعالى، ويتجدد الظلم عليه في كل يوم وليلة وفي كل أسبوع وفي كل شهر، يتجدد كتابته في الظالمين -والعياذ بالله تعالى- لأنه يسيء المعاملة مع من يعامله.
فيرشدنا ﷺ إلى أن نحسن الخلق، ونحسن المعاملة مع من يعاملنا؛ سواء في دَيْنٍ، أو في أمانة أو وديعة، أو في شركة، أو غير ذلك من أنواع المعاملات؛ فلا ينصرف غريمنا عنا إلا وهو راضٍ، فيكون ذلك سببًا لأن تصلي علينا دوّاب الأرض وحيتان البحر؛ تصلي علينا إذا كنا في هذا المستوى من المعاملة مع من حولنا ما لنا خصم مسلم، ولا لنا من ينصرف عنا وهو ساخط. وذلك معلوم أنه في عموم الأمر، وفيمن لم يكن له ادعاء بغير حق ولا طبع جاف؛ فقد يحصل مثل ذلك فلا عبرة به، ولكن العبرة بعموم الأمر، وما هو في مستوى أوساط الناس أو وسط من الناس أن يكون بهذه المثابة وبهذه الصورة.
يقول: "قال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: "جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه فاشتد -ورفع صوته- حتى قال لرسول الله ﷺ: أحَرِّجُ عليك إلا قضيتني، فانتهره الصحابة وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي، فقال النبي ﷺ: هلاَّ مع صاحب الحق كنتم". جاء في رواية: "إنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالًا" -دعوه له حق- وفي الحقيقة عنده تجرِّي؛ وعنده جفاف في طبعه وإلا ما كان ينبغي أن يكون بهذه الصورة، ورسول الله لن يؤخره حقه إذا طلبه.
"ثم بعث ﷺ إلى خولة بنت قيس فقال: إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك، فقالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه -زاده من عندُه ففَرِح- فقال: أوفيت أوفيت أوفى الله لك، فقال: أولئك خيار الناس إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع"، أي: بغير تعب وكثرة تردد لغريمه". إذا كان أي مجتمع، وأي قبيلة، وأي جماعة، وأي أهل حارة، وأي أهل قرية، الضعيف فيهم ما يتمكن من الوصول إلى حقه بيسر وسهولة فلا قدسية لهم، ولا كرامة ولا شرف لهم عند الله تعالى، حتى يكون ضعفاؤهم يستطيعون التوصل إلى حقوقهم بيسر وبسهولة من دون تعب؛ أما إذا كانوا ما يلقون بالًا للضعفاء ولمن لا ناصر له في الظاهر، ولا يكاد الضعيف يصل إلى حقه إلا بعد تعب وبعد حرج وبعد ما يكلم ذا ويكلم ذا ويتعب؛ فلا قدسية لهؤلاء القوم، ولا لهذه الطائفة، ولا لهذه الجماعة، ولا لهذه البلدة؛ حتى يكون وضعهم وحالهم أن الضعيف فيهم ومن لا يؤبه له يتيسر له الوصول إلى حقه بأدنى حركة وبأدنى طلب. فهكذا يجب أن تكون الأمة وخيار الأمة المقدَّسين على هذا الحال.
وأما من يهاب ذوي النفوذ وذوي الكلمة وذوي المكانة ولا يبالي بالآخرين؛ لا بقضاء ما لهم من دين، ولا بإكرامهم في مجلس، ولا بإعطائهم حقوقهم فليس بمقدَّس، ليس بمطهر، ليس من أهل الشرف عند الله وعند رسوله ﷺ.
رزقنا الله الاقتداء بحبيبه، والاهتداء بهديه، والسير على دربه، والشرب من شربه، ودفع به عنا الآفات والأسواء، ورفعنا به إلى أعلى مراتب القرب منه، والفهم عنه، والصدق معه، والإخلاص لوجهه الكريم، في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
11 ربيع الثاني 1448