كشف الغمة - 484 -  كتاب البيع: 32 - باب الحوالة والضمان وأهمية قضاء الدين

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 484 -  كتاب البيع: 32 - باب الحوالة والضمان أهمية قضاء الدين

صباح الإثنين 10 ربيع الثاني 1448هـ

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

"فرع: وكان ﷺ إذا أتى بجنازة ليصلي عليها يقول: "هل عليه دين؟ فإن قالوا: نعم ولم يخلف شيئًا يقول صلوا على صاحبكم، فأتى بجنازة يومًا فقال: هل عليه دين؟ فقالوا: نعم دينار، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: صلّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه فصلى عليه"، وفي رواية: "وأنا أتكفل به" وهو صريح في إنشاء الضمان والكفالة؛ لأنه لا يحتمل الإخبار بما مضى، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: إنما كان امتناع رسول الله ﷺ من الصلاة على المديون قبل أن يفتح الله بما فتح فلما وسع الله تعالى صار يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دينًا فعلي ومن ترك مالًا فلورثته"، وفيه دليل على صحة ضمان المفلس الحي والميت.

وكان ﷺ لا يرى براءة المضمون عنه إلا بأداء الضامن عنه لا بمجرد ضمانه فإن أبا قتادة لما قال: صلِّ يا رسول الله وعليَّ دينه قال رسول الله ﷺ: "قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منه الميت"، قال أبو قتادة: نعم فصل عليه ثم قال بعد ذلك بيوم ما فعل الديناران؟ قال: إنما مات أمس قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال ﷺ: "الآن بردت عليه جلدته"، وإنما قال: وبرئ منه الميت؛ لأنه دخل في الضمان متبرعًا غير ناو للرجوع بحال.

وقال أنس -رضي الله عنه-: أُتى النبي ﷺ بجنازة فلما قام يكبر سأل رسول الله ﷺ: هل على صاحبكم دين؟ قالوا: نعم ديناران، فعدل النبي ﷺ عنه وقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي -رضي الله عنه-: عليَّ يا رسول الله برئ منهما، فتقدم رسول الله ﷺ فصلى عليه ثم قال: لعلي -رضي الله عنه-: "جزاك الله خيرًا فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة، فقال بعض القوم: يا رسول الله هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة، قال: بل للمسلمين عامة"، وكان ﷺ لا يسأل عن شيء من عمل الرجل غير الدَّيْن الذي لم يجد له وفاء ويقول: "وما ينفعكم أن أصلي على رجل روحه مرتهن في قبره لا يصعد روحه إلى السماء".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.



 

الحمد لله مُكْرِمِنا بشريعته، وبيانِها على لسان عبده وصفوتِه خير بريَّته، سيدنا محمد صلَّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحابته وأهل ولائِه ومُتابعته، وعلى آبائه وإِخوانه من الأنبياء والمرسلين خِيرة الله في خليقته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرَّبين، وعلى جميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

ويذكر الشيخ المؤلف -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- الأحاديث المتعلقة بالضمان والكفالة، ومنها ما يكون على الميت من دَيْن. قال: 

"فرع: وكان ﷺ إذا أتِيَ بجنازة ليصلي عليها يقول: "هل عليه دين؟ فإن قالوا: نعم ولم يخلف شيئًا يقول صلوا على صاحبكم، فأتى بجنازة يومًا فقال: هل عليه دين؟ فقالوا: نعم دينار، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: صلّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه فصلى عليه"، وفي رواية: "وأنا أتكفل به".

قال الشيخ: "وهو صريح في إنشاء الضمان والكفالة؛ لأنه لا يحتمل الإخبار بما مضى"؛ فهو أنشأ الآن الضمان وقبِلَها منه صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

وتبيّن بذلك صحَّة الضمان والكفالة وإن لم يكن بِرضَى المضمون عنه والكفيل عنه؛ لأن هذا ميت. كما عليه الجمهور من أهل العلم أنه لا يشترطون في المضمون عنه:

  • لا أن يكون مليئًا.
  • ولا أن يُؤخذ منه.
  • ولا أن يرضى بذلك.
  • بل يصحّ الضمان وإن لم يكن المضمون عنه مليئًا، وإن لم يكن أيضًا راضيًا أو لم يعلم.
  • بل قالوا إنه يجوز للمؤمن أن يقضي دَيْنَ المؤمن -أخيه المؤمن- ولا يُشترط في ذلك رضاه ولا علمه.

وهنا أيضًا قبِل ﷺ الكفالة عن هذا الميت، وجعلها انتقال من ذمَّة الميت إلى ذمَّة هذا الحي، وإن كان الميت لا يزال محبوسًا في البرزخ حتى يُقضى عنه دَينه؛ كما جاءت الروايات عن أبي قتادة نفسه. ويأتي أيضًا الحديث معنا: في قوله ﷺ: "الآن بردت عليه جلدته"؛ أي في الوقت الذي قَضى عنه الدَّيْن.

قال: "وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: إنما كان امتناع رسول الله ﷺ من الصلاة على المديون قبل أن يفتح الله بما فتح فلما وسَّع الله تعالى صار يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دينًا فعلي ومن ترك مالًا فلورثته"؛ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. كما جاء في صحيح البخاري ومسلم.

 

"وفيه دليل على صحة ضمان المفلس الحي والميت". وهذا الضمان يُطلق على كفالة النفس وكفالة المال عند جمهور الفقهاء، فيُطلق على معانٍ في أبواب الفقه:

  • وهو كما قال القليوبي وغيره من الشافعية: أنَّه التزام دين، -يعني: أداء دين- أو إحضار عينٍ أو بدن؛ فهذا كله شامل لمعنى الكفالة. معنى الكفالة عندهم: أن يلتزم بدَيْن، أو بإحضار عين، أو بإحضار شخص إلى مكان الحكم والمحكمة. وهكذا يقول هنا: يلتزم الرشيد بإحضار بدن من يلزمه حضوره في مجلس الحكم، وهكذا يقول المالكية والشافعية والحنابلة في تعريف الكفالة.
  • ويقول الحنفية: إنها ضمّ ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المُطالبة بنفس أو دَيْن أو عين.

 

يقول: "وكان ﷺ لا يرى براءة المضمون عنه إلا بأداء الضامن عنه لا بمجرد ضمانه فإن أبا قتادة لما -ضمن للميت- وقال صل يا رسول الله وعلي دينه قال رسول الله ﷺ: "قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منه الميت"، قال أبو قتادة: نعم فصل عليه".

يعني: تكفلت عنه أنت؟  "قال أبو قتادة: نعم فصل عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم ما فعل الديناران؟ -لأنه ترك عليه ديناران- قال: إنما مات أمس  -يا رسول الله! عادنا أمس قبرناه، عاد ما حصَّلت فرصة!- قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال ﷺ: "الآن بردت عليه جلدته"؛ أي: لم تتم راحته في برزخه إلا بعد ما قضيت الدَّيْن عنه.

فلهذا يحذَر المؤمن أن يترك ورثة أو أوصياء لا وفاءَ لهم، ولا يبالون بقضاء دَيْنِه عنه، ويتقاسمون تَرِكَتَه ويتركونه محبوسًا بدَينه في البرزخ، والعياذ بالله تبارك وتعالى. وكانوا يحبُّون ألا يضعوا الميت في لحده إلا وقد قضوا عنه دَينه أو تكفل به متكفل منهم.

"وقال أنس -رضي الله عنه-: أُتى النبي ﷺ بجنازة فلما قام يكبر -يريد يكبِّر يُصلِّي عليها- سأل رسول الله ﷺ: هل على صاحبكم دين؟ -سأل هل على صاحبكم دين؟- قالوا: نعم ديناران، فعدل النبي ﷺ عنه وقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي -رضي الله عنه-: عليَّ يا رسول الله برئ منهما، فتقدم رسول الله ﷺ فصلى عليه ثم قال: لعلي -رضي الله عنه-: "جزاك الله خيراً فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك" إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة، فقال بعض القوم: يا رسول الله هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة، قال: بل للمسلمين عامة"؛ كما جاء في رواية الدارقطني.

قال: "وكان ﷺ لا يسأل عن شيء من عمل الرجل غير الدين الذي لم يجد له وفاء ويقول: "وما ينفعكم أن أصلي على رجل روحه مرتهن في قبره لا يصعد روحه إلى السماء"؛ يعني: حتى يُقضى عنه دَينه. 

فواجبُ الورثة والأوصياء المبادرة إلى قضاء ديون الموتى إذا ماتوا وعليهم دَيْن. 

وكان حرص عامة الأخيار والصلحاء ألا تبقى في ذمَّتهم دَيْن عند الموت قط، ويُؤدُّون ما عليهم من الديون قبل أن يُقضى عليهم وقبل أن تُقبض أرواحهم. 

ويُروى في الحديث: "الدَّيْنُ شَيْنُ الدِّينِ" نقصٌ في دِين الإنسان إذا لم يُبالِ بقضائه، أو أخذ الدَّيْن لغير مصلحة صحيحة.

وفيما يتعلق بالكفالة:

  • جاء قول سيدنا يوسف عليه السلام: (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيم) [يوسف:72] يعني: كفيل ضامن.
  • وأيضًا يقول الله: (سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم:40] أي: كفيل. 
  • ويقول ﷺ: "الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ"؛ كما جاء في رواية الترمذي؛ فالزعامة أيضًا بمعنى: الكفالة.
  • وفي رواية الترمذي في حديث أبي قتادة هذا، لما قال: هو عليّ، قال: "بالوفاء"؟ قال: بالوفاء، فصلى عليه النبي ﷺ 
  • وجاء في رواية قال: فجعل يراني فقال: "أقضيتَ الدينارين؟"، وراح يبحث ويدوِّر لمّا رأى النبي ﷺ مُلِح وحريص، حتى تمكَّن من تحصيل الدَّيْن وقضاهما، ولما تعرّض له ﷺ أبا قتادة أقضيت الدينارين؟ قال: الآن قضيتهما، قال:"الآن برد جلده" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

يقولون: إن الضمان الشامل للكفالة مندوبٌ لقادرٍ واثقٍ بنفسه آمِنٍ غائلتَه. 

وكما أشرنا، لا يشترطون ملاءة المضمون عنه، ويصحّ ضمان كل من وجب عليه الحق سواء كان المضمون عنه:

  • حيّ أو ميت.
  • مليئًا أو مفلسًا. 
    • فيصح ضمان المدين الذي لم يخلِّف وفاء، وعليه أبو يوسف ومحمد من الحنفية، لكن أصل المذهب عندهم: يُشترط أن يكون المضمون عنه مليئاً حتى يتمكَّن من وفاء الضامن والغريم.
    • وقال الشافعي: ما دام يجوز قضاء الدَّيْن عن المسلم حتى ولو لم يعرفه، فهذا كذلك من باب أولى أن يضمن عنه وإن لم يعرفه، وإن لم يكن مليئًا.

 

وهكذا لم يشترطوا أيضًا قبول المضمون عنه؛ فهذا ميت متى يقبل؟!

  • لكن عند أبي حنيفة ومحمد: يرون أن الكفالة لا تتم إلا بإيجاب وقبول، وأن قبول المكفول له ركنٌ فيها. 
  • لكن قال الأئمة الثلاثة وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة: إن الكفالة إنما تتم وتتحقَّق بإيجاب الكفيل وحده، فلا تتوقف على قبول المكفول له؛ لأنها مجرد التزام صادر من الكفيل بأن يوفي ما وجب به للمكفول في ذمَّة المكفول عنه، مع بقاء المكفول له على حقِّه بالنسبة إلى المدين، يطالب هذا ويطالب هذا.

 

رزقنا الله الاستقامة، وأتحفنا باتباع الحبيب ﷺ والاقتداء به في جميع الشؤون الخاصة والعامة، وتولَّانا بما تولَّى به الصالحين من عباده ومحبوبيه، بالفضل والكرامة في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

11 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

21 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام