كشف الغمة - 474 -  كتاب البيع: 22- باب أحكام العيوب ( التصرية ) -2- باب اختلاف المتبايعين

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 474 -  كتاب البيع: 22- باب أحكام العيوب -2-  باب اختلاف المتبايعين

صباح الإثنين 4 ربيع الأول 1448هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  ما هي التصرية؟
  •  حكم ترك حلب الحيوان لخداع المشتري
  •  ما الخيار الذي يثبت لمشتري المُصرَّاة إذا اكتشف الغش؟
  •  ماذا يدفع المشتري تعويضاً عن لبن المُصرَّاة؟
  •  هل يثبت الخيار إذا لم يتعمد البائع ترك الحلب؟
  •  حكم إذا اشترى اثنتين أو ثلاث مُصراة
  •  متى يسقط حق المشتري في رد الحيوان المُصرَّى؟
  •  باب اختلاف المتبايعين: كيف يُقضى بين البائع والمشتري عند انعدام البيّنة؟
  •  الرد بالعيب في الرقيق

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

"فرع: وكان ﷺ ينهى عن تصرية الأنعام ويقول: "من ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر"، يعني في مقابلة اللبن، وفي رواية: "من اشترى مصرَّاة فهو منها بالخيار إلى ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ومعها صاع من تمر لا سمراء"، والله سبحانه وتعالى أعلم. 

 

باب 

اختلاف المتبايعين

 

كان رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان والسلعة كما هي"، وفي رواية: "إذا اختلف البيعان والمبيع مستهلك فالقول قول البائع".

واختلف رجلان في سلعة فجاءا إلى النبي ﷺ فقال أحدهما: أخذتها بكذا، وقال الآخر: بعت بكذا وكذا، فأمر البائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك، وكان ﷺ يقول: "عهدة الرقيق ثلاثة أيام إن وجد داء في الثلاث ليال رد بغير بينة وإن وجد داء بعد الثلاث كلف البينة أنه اشتراه وبه هذا الداء"، واشترى عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- وليدة فوجدها ذات زوج فردها، والله أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

 

الحمدُ للهِ مُكرمِنا بشريعتِه الغرَّاء، وبيانِها على لسانِ عبدهِ محمدٍ خير الورى، صلَّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه، وعلى آلهِ وصحبهِ ومَنْ والاهُم واتَّبعهم وبِمجراهم جرَى، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلينَ وآلهِم وصحبهِم وتابعيهِم، وعلى الملائكة المُقرَّبين وجميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهُم وفيهِم، إنَّه أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الرَّاحمينَ.

يُواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر ما يتعلق بالبيع، وذكر في هذا الفرع حُرمة التَّصرِية.

معنى التصرية: أن يُترك حلب الحيوان الذي يُقصد لبنه مدّة حتى يتوهَّم المشترِي أنه كثير اللبن، وهو متجمَّع على أيام، وليس المقدار الذي يخرج من الحيوان في كل يوم.

فهذه معنى التَّصرِية أنه يترك حلب النَّاقة وغيرها من الحيوانات ذات اللبن -التي يُقصد لبنها- عمدًا مدة قبل بيعها ليُوهم المشترِي كثرة اللبن، فهذا حرام بالاتفاق. يحرم فعله ولا يجوز؛ لكونه فيه الغش، والنبي يقول: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيسَ مِنَّا" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. و"بَيْعُ الْمُحَفَّلاَتِ خِلاَبَةٌ، وَلاَ تَحِل الْخِلاَبَةُ لِمُسْلِمٍ"؛ أي: خديعة، ففيه تدليس وإضرار. 

إذًا فإن صرَّها وتعمَّد ترك حلبها ليُوهِم أنها كثيرة اللبن، فاشتراها المُشترِي، يثبُت بذلك الخيار.

  • فهو عيب يثبت به الخيار عند الأئمة الثلاثة، وعند أبي يوسف أيضًا صاحب أبي حنيفة. فعند الأئمة الثلاثة يَثبُت الخيار للمُشترِي؛ لما فيه من الغش والتغرير الفعلي. 

 

"لاَ تُصَرُّوا الإِْبِل وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ" كما في البخاري، وقريب منه كذلك في صحيح مسلم. 

فإذا احتلبها فخرج منها اللبن هذا المُصرَّى الكثير، جاء ثاني يوم حصَّل اللبن قليل، فعلِم أنها مُصرَّاة، فمقابل استعماله للًّبن قدَّر عليه الشارع يرد صاعًا من تمر عِوضًا عن لبنها.

  • وقال أبو حنيفة: لا يُرد الحيوان بالتصرية.
  • خلافًا للأئمة الثلاثة، وكذلك أبو يوسف صاحب أبي حنيفة يقول: إنه عيب يُرد به الحيوان إذا صُرِّي. 

فإذا احتلب المشتري اللبن فعليه العوض، والعوض مُعيَّن هنا مِن قِبَل الشارع. فالعوض صاع من تمر سواء كان لبن قليل كثير؛ لأنه قال: "..وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ" فبتقدير الشارِع.

  • وقال الإمام مالك: العِوض صاع من غالب قوت البلد، وهذا قول عند الشافعية، قال مالك: إن بعض ألفاظ الحديث جاء فيها: "..رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ"، كما جاء في رواية عند مسلم: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ"، ما قيَّده بالتمر، لكنه مُقيَّد في الروايات الأخرى بـ "صَاعًا مِنْ تَمْرٍ".
  • وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة: إذا احتلبها يرد قيمة اللبن. إن ردَّها يرُدّ قيمة اللبن معها. 
  • وقال الإمام أحمد: إذا كان اللبن موجودًا فله ردّ اللبن نفسه؛ إذا لم يتغير؛ فالمُشترِي يردّ اللبن، ولا عاد شي له يشلّ اللبن حقَّها الذي حلبُه، ويستردّ الحيوان ويُسلِّم قيمته التي سُلِّمت له.

فإذا كان في بلدة ما فيها تمر:

  • قال الحنابلة: يجب عليه قيمة صاع من تمر في الموضع الذي فيه العَقد، قيمة الصَّاع في الموضع الذي وقع فيه العقد؛ كم يجيء الصَّاع؟
  • وقال الشافعية: عليه أن يُسلِّم قيمة الصَّاع من أقرب بلد فيها التمر موجود؛ بكم؟ فيُسلِّم القيمة بحسب تلك البلد.
  • قال الحنابلة: البلد التي وقع فيها العَقد.
  • وأمَّا عند مالك فإن الواجب صاع من قوت البلد وغالب قوت البلد، فهذا قوتهم موجود، فما عنده إشكال تمر أو غير تمر.

 

ولا عبرة أن يكون الصَّاع مثل قيمة لبن الحيوان أو أقل أو أكثر؛ بسبب أنَّه مُقدَّر من قِبَل الشارع، ولكن محل الرد إذا لم يكن يعلم المُشترِي أنها مُصرَّاة من قبل، أمَّا إذا علِم واشتراها، خلاص! ما عاد له حق الرَّد.

شرطه:

  1. أنه لم يكن يعلم أنها مصرّاة. 
  2. والثاني: أن البائع أيضًا يقصد التصرية.

فأما إن تُرِك حلبها ناسيًا مثلًا، أو لشغلٍ يُشتغل، فهناك خلاف بين العلماء. 

  • يقول الخطيب الشربيني أنَّه: يرى أنَّه عدم ثبوت الخيار إذا ترك حلبها ناسيًا أو تحفَّلت بنفسها، وعليه الإمام الغزالي؛ لعدم قصد التغرير، ما هنا قصد، لأنه ما كان تدليس من قِبَل البائع، ما كان متعمدًا .
  • ولكن المعتمد كما صحَّحه البغوي وقطع به أيضًا القاضي: أن هذا اللبن أمر مقصود، وهذا تغرَّر، وإن لم يكن البائع قاصدًا فوقع في الغَرَر، فله حق الردّ إذا تبيَّن أنها لم تُحلب من قبل. 
  • وكذلك هو الحكم عند الحنابلة: أنه وإن لم يكن قصده ولم يقصد إذا تُرك حلبها من قبل البيع، فاشتراها المُشترِي، له حق الردَ إذا علم أنها كانت لم تُحلب من قبل، لأنه يتضرر بقلَّة اللبن.
  • فأما إذا علم بأنها مُصرَّاة قبل ما يحلب، فله حق الرد ولكن ما عاد يرد شيء معها؛ لأنه ما احتلب اللبن حقَّها، فلو كان احتلب اللبن بغينا مقابل اللبن صاع من تمر، لكن الآن عاده لا يزال لبنها فيها، يقول خذها! لكم أيام ما حلبتُموها.. شِلَّها ما عاد أريدها، رُدّ لي الثمن حقِّي! فعليه أن يرد له الثمن. 
  • وأمَّا إذا قال: بس أنا ما بشلَّها، رضيت أنها مُصرَّاة، بس حُط لي مقابل أنك أنت دلست علي! ماشي مُقابل: 
  • إمَّا إِقبلها على ما هي.
  •  وإمَّا ردها له ويعطيك الثمن الذي أعطيته، وإن استعملت اللبن فهات مُقابله. 

وأمَّا تنقِّص لك من ثمنها، أو يقول: هات لي مُقابل إنها كانت مُصرَّاة، ما يلزم ذلك؛ لأنه ﷺ حكم بهذا الحكم.

فإذا اشترى ثنتين ولَّا ثلاث، وبعدين.. وإذا بهنَّ مُصرَّات كلهن، يردّ مع كل مُصرَّاة صاعًا؛ صاع من تمر لذي وصاع لذي وهكذا إذا احتلب لبنهن.

"من اشترى مصرَّاة"  و"مَنِ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً"، فيتناول الواحدة والاثنتين والثلاث.. كل واحدة بحكمها. وفي رواية جاءت: "مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً، فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ"؛ أي: لكل واحدة.

كم يستمر هذا الخيار؟ 

  • هو عند الشافعية مثل خيار العيب؛ الرد على الفور. فمجرَّد ما يعلم أنها مُصرَّاة يجب عليه أن يُباشِر بردِّها. 

 

  • وعند الحنابلة ثلاثة أقوال: 
  1. أنَّها مُقدَّرة بثلاثة أيام، ولا يردها قبل الثلاثة أيام؛ لأنه ربما طرأ طارئ عليها في أثناء اليوم الأول والثاني ممكن تشوف لبنها ثاني يوم، ثالث يوم، اللذين أخذوا بظاهر الحديث:  "فهو منها بالخيار إلى ثلاثة أيام".
  2. قولهم الثاني: متى ثبتت التَّصرية جاز له الرد. 
  3. والقول الثالث: متى علم التَّصرية؛ فله بعد عِلمه بتصريَتها ثلاثة أيام. 

 

  • وقال المالكية: إذا قد حلبها في اليوم الثالث ما عاد له حق الرد؛ لأنَّه هذا كأنه ارتضاها؛ اليوم الأول اليوم الثاني معذور، اليوم الثالث إذا عاده حلبها، خلاص! لزِمت ذمَّته، ما عاد لك حق الردّ، ليش ما تردها من اليوم الأول واليوم الثاني؟!

 

ثم ذكر: "باب اختلاف المتبايعين".

قال: "كان رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة - يعني البيِّعان: البائع والمُشترِي- فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان والسلعة كما هي"، وفي رواية: "إذا اختلف البيعان والمبيع مستهلك فالقول قول البائع".

"واختلف رجلان في سلعة فجاءا إلى النبي ﷺ فقال أحدهما: أخذتها بكذا، وقال الآخر: بعت بكذا وكذا، فأمر البائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك". فيحلف: إنه إنما باعها عليه بكذا وكذا، فإذا حلف يُخيَّر المُشترِي:

  • إما أن تُسلِّم الثمن الذي ذكره فهو أعلم بما باع عليك.
  • وإمَّا أن تردها عليه. 

"فأمر البائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك". وهذا إذا لم يكن بينهما بيِّنة، فأما إذا وُجِدت البيِّنة فالحُكم بها، وإلا فصاحب السلعة أدرى بها.

"وكان ﷺ يقول: "عهدة الرقيق ثلاثة أيام إن وجد داء في الثلاث ليال رد بغير بينة وإن وجد داء بعد الثلاث كُلِّف البينة أنه اشتراه وبه هذا الداء"، واشترى عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- وليدة فوجدها ذات زوج -ما كان يظن أنَّها متزوجة- فردها، والله أعلم."

ثم ذكر لنا بابًا في بيع الأصول والثِّمار، يأتي إن شاء الله معنا شرحه. 

 

رزقنا الله حُسن الاقتداء والاهتداء، وتولَّانا فيما خفي وفيما بدَا، وكان لنا بما هو -سبحانه وتعالى- أهله ها هُنا وغدا، ودفع عنَّا شرور جميع العِدا، ووفَّر حظَّنا من شهر ربيع الأول شهر ذكرى ميلاد نبيِّ الهُدى. تولَّانا الله به، وسار بنا في دربه، وأدخلنا في حزبه، وسقانا بالفضل من شُربه، بلطف وعافية ويقين وتمكين مكين، وفرَّج كُروب أمته أجمعين. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

07 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

20 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام