(484)
(368)
(637)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 473 - كتاب البيع: 21- باب أحكام العيوب -1-
صباح الإثنين 3 ربيع الأول 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
باب أحكام العيوب
"تقدم قوله ﷺ: "من أقال نادمًا أقاله الله من عثرته"، وكان رسول الله ﷺ يحث على تبيين العيب ويقول: "المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب إلا بيَّنه له ولا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بيَّنَه"، ومرّ رسول الله ﷺ على رجل يبيع طعامًا فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال: "من غشنا فليس منا"، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كتب رسول الله ﷺ للعداء بن خالد بن هودة هذا ما اشترى العـداء بن خالد بن هودة من محمد ﷺ اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم، وباع ابن عمر -رضي الله عنهما- عبدًا على البراءة فادعى المشتري أن به داء لم يسمه ابن عمر فتحاكما إلى عثمان -رضي الله عنه- فقضى على ابن عمر أن يحلف له لقد باعه العبد وما به داء يعلمه فأبى أن يحلف وارتجع العبد.
وكان ﷺ يرخص في الرد بالعيب ولو حدث للمبيع كسب ويقول: "الخراج بالضمان"، وتحاكم إليه رجلان فقال أحدهما: يا رسول الله هذا ابتاع غلامًا فاستغله ثم وجد به عيبًا فرده بالعيب ولم يردَّ معه الغلة؟ فقال ﷺ: "الغلة بالضمان"، وكان ﷺ يقول: "شر الحمير الأسود القصير"".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ لله مُكرِمنا بشريعته الغرَّاء، وبيانها على لسان خير الورى، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه، وعلى آله الذين حُبُوا به طهرًا، وأصحابه الذين حازُوا به قدرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الرَّاقين في الفضل والشرف والكرامة أعلى الذرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرَّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يتحدث الشيخ -عليه رحمة الله- يذكر في هذا الباب من الأحاديث ما يتعلَّق بالعيبِ في المبيع، يقول: "باب أحكام العيوب".
العيوب: جمع عيْبٍ، وهو الوَصمة والنَّقيصَة.
وفي الاصطلاح يختلف باختلاف الحدود:
فهكذا لكل مجالٍ ما يتعلق بالعيب فيه.
وأمَّا ما يتعلق بالعيب في المبيع:
وذكر لنا حديث الإقالة: "من أقال نادمًا أقاله الله من عثرته"؛ أي: من كان إما بائعًا وإما مشتريًا؛ إما بائعًا فندم المشتري على الشراء وأراد ردَّ البضاعة -وإن لم يكن فيها عيب- فأقاله، قَبِلَ منه ذلك خُلقًا حسنًا منه، فإنه بذلك يحوز بأن يقيل الله عثرته يوم القيامة، أي: يُزيلَها عنه ويُسامحه فيها.
لأن الإقالة معناها: الرفع والإزالة، وأقال الله عثرته، إذا رفعه من سقوطه.
الإقالة في البيع لأنها ترفع العقد، فهو رفع العقد وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين. وكذلك إذا ندم البائع وطلب من المُشترِي أن يردَّ إليه بضاعته ويردَّ هو إليه ثمنه، فإذا أقاله من غير واجب عليه كان له الثواب الجزيل، أقال الله عثرته، لا إله إلا هو؛ يعني: جميع عثراته وهفواته يسامحه فيها ويعفو عنه ولا يُعذبه على شيء منها بإقالته لأخيه المسلم.
"من أقال نادمًا أقاله الله من عثرته" كما جاء عند ابن حبان في صحيحه والحاكم في المُستدرك.
وما يترتَّب على هذه الإقالة؟
ثم ذكر لنا إيجاب النبي ﷺ على من كان يبيع بضاعة وبها عيب أن يُبيّنَ ذلك للمُشترِي. قال: "وكان رسول الله ﷺ يحث على تبيين العيب"؛ أي: تَوضيحه وإِخبار المُشترِي به، ويقول: "المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب إلا بيَّنه له ولا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بيَّنَه"، لوُجوب النُّصح بين المؤمنين.
قال: "ومرّ الرسول ﷺ على رجل يبيع طعامًا، فأدخل ﷺ يده في الطعام وإذا هو مبلول" من تحت، فقال له: "ما باله؟"، قال: أصابته السماء -يعني: المطر- قال: "فهلَّا جعلته من أعلى، من فوق الطعام، حتى يراه الناس؟ "من غشنا فليس منا" كما جاء الحديث عند الإمام مسلم، وابن ماجة وغيرهم. "من غشنا فليس منا".
"وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كتب رسول الله ﷺ للعداء بن خالد بن هودة هذا ما اشترى العـداء بن خالد بن هودة من محمد ﷺ اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم". هذا هو مُعلَّق عند الإمام البخاري وهو في سنن الترمذي في كتابته ﷺ للعدَّاء.
"وباع ابن عمر -رضي الله عنهما- عبدًا على البراءة -أي: أنه بريء، إن كان فيه شيء يعلمه- فادّعى المشتري أن به داءً وأن ابن عمر لم يُسمِّه له، وما بينه له. فتحاكما إلى عثمان -رضي الله عنه- فقضى على ابن عمر"، قال له: تحلف أنك بعته يوم بعته وما به داء تعلمه فيه. وسيدنا عبد الله بن عمر يُحب البُعد عن المشاكل ويُعظِّم شأن اليمين والحلف، قال: لا، أَقلنا ويرد عليّ عبدي، ويشلّ فلوسه وانتهينا، ولا نحلف ولا نحتاج إلى اليمين. "فأبى أن يحلف وارتجع العبد".
وهكذا، فيجب على البائع إذا علم شيئًا بالمبيع يكرهه المُشترِي أن يُبيِّنه بيانًا مُفصلًا، وأن يصفه وصفًا شافيًا. وإذا كان من شأن هذا العيب أن يَخفى، لأنه قد يُغتفر في شيء دون شيء، يحرم عليه عدم البيان ويكون آثمًا عاصيًا. يقول ﷺ: "لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب إلا بينه له" وقد جاء في سنن ابن ماجه وعند الحاكم وفي المستدرك وصحَّحه ووافقه الذهبي.
"لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب إلا بينه له". وكذلك رواية سيدنا حكيم بن حزام أنه ﷺ قال: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا ، هذا بيَّن ما يعلمه في البضاعة وهذا بيَّن ما يعلمه في الثمن، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا؛ وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" رواه البخاري ومسلم.
فكُتمان العيب غش، والغش حرام كما رأينا في رواية مسلم: "من غشنا فليس منا".
فوقت الإعلام بالعيب متى؟
فإذا وقع البيع مع كتمان العيب؟
البيع صحيح لكن مع الإثم، مع الإثم للبائع الذي لم يُبيِّن؛ لأنه ﷺ نهى عن التَّصرِيَة وصحَّح البيع كما في صحيح مسلم، وهذا مثله؛ فالبيع يصحّ ولكن الإثم قائم.
وباع ابن عمر -رضي الله عنهما- عبدًا على البراءة فادعى المشتري أن به داء لم يسمه
وكذلك ذكر في بيع "ابن عمر -رضي الله عنهما- عبدًا على البراءة" يعني يقول: بعت على أني بريء من كل عيب. وهذه فيها مذاهب:
فاعتبار البراءة من العيب الأصل فيها ما جاء عن ابن عمر، باع غلامًا له بثمانمائة درهم، باعَه بالبراءة، هذا الحديث الذي قرأناه. فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمِّهِ لي وقد باعه على البراءة. فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال الرجل: باعني عبدًا وبه داء لم يُسَمِّه، وقال عبد الله: بعته بالبراءة، فقضى عثمان على عبد الله بن عمر يحلف له: لقد باعه العبد وما به داء يعلمه. فأبى -ابن عمر- أن يحلف وارتجع العبد"، فصحَّ عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة! وكان أول باعه بثمانمائة، وذاك ردّه بالعيب، فجاء وصحَّ العبد عنده؛ لأنه عظَّم اسم الله وما أحبَّ أن يحلف وتَلزم البيعة وقَبِلَهُ، فضاعف الله له الخير، فباعه بعد ذلك بألف وخمسمائة بدل ثمانمائة وهكذا، يقولوا: كل من ترك شيئًا لله عوَّضه الله شيئًا خيرًا منه. "مَنْ تَرَكَ شَيْئًا للَّه عَوَّضَهُ اللَّه خَيْرًا مِنْهُ".
ثمَّ إذا باع على اشتراط البراءة، فهذا:
قال: "وكان ﷺ يرخص في الرد بالعيب ولو حدث للمبيع كسب ويقول: "الخراج بالضمان". فإذا اشترى مثلًا عبدًا واستعمله، استغلّه، ثم وجد به عيب يردّه؛ وإن كان حدث للمبيع كسب، ما يقول شيء؛ لأنه لم يكن يعلم بالعيب، ولكن عند عِلمه بالعيب يجب أن يرده مباشرة.
"وتحاكم إليه رجلان فقال أحدهما: يا رسول الله هذا ابتاع غلاماً فاستغله ثم وجد به عيبًا فرده بالعيب ولم يرد معه الغلة؟ فقال ﷺ: "الغلة بالضمان"، وكان ﷺ يقول: "شر الحمير الأسود القصير".
إذًا: فالمسألة فيها الكلام عن الرد بالعيب؛ وهو متَّفق عليه عند الفقهاء، ولكن يُشترط أن يكون العيب قديم، ايش معنى قديم؟ يعني: أنه ما حدث عند المُشترِي، كان حادث من عند البائع، سواءً:
إذا حدث عند البائع فيجوز للمشتري أن يرده به، فيكون للمشتري الرد إذا لم يتمكن من إزالته بلا مشقَّة، وأما إن كان عيب يسير يمكن إزالته بلا مشقَّة ما له ردَّ هذا.
هذا الآن يصلّحون يقولون ضمان، ضمان في المبيع مثلًا مدَّة سنة، مدَّة شهر..؛ يعني: لو حدث فيه عيب وتعطَّل بنعوَّضك عنه ونجيب لك غيره، هذا عند المالكية. وإذا مدَّة معينة يجوز يضمن البائع.
وإن كان اشترط البراءة من العيب، كيف يردّ؟!
بعدين حصل عيب، هل يردُّه به؟ هذا ما تقدَّم معنا:
رزقنا الله الاِستقامة وأتحفَنا بالكرامة، وجعلنا من الهُداة المُهتدِين المُترقِّين إلى أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، وأصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين، وعمرنا بالشرع المصون والقيام بحقِّه على الوجه المَرضِي لديه في خير ولطف وعافية، مع الفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
05 ربيع الأول 1448