(482)
(636)
(31)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 467 - كتاب البيع: 15- فصل الإشهاد على البيع، واشتراط منفعة المبيع
صباح السبت 25 صفر الخير 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فرع: في الإشهاد على البيع ونحوه
"كان رسول الله ﷺ ينهى عن البيع بغير إشهاد ثم يقرأ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:282]، وقال أنس -رضي الله عنه-: اشترى رسول الله ﷺ مرة من أعرابي بعيرًا بغير إشهاد، فجحده الأعرابي، فقال رسول الله ﷺ: "بل قد ابتعته" فطفق الأعرابي يقول: هلُمَّ شهيدًا، فقال خزيمة: يا رسول الله أنا أشهد أنك بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: "بم تشهد؟" قال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين، ثم إن الأعرابي اعترف بالبيع، قال أنس -رضي الله عنه-: فلم يزل رسول الله ﷺ بعد قصة الجمل يجعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين حتى مات، والله أعلم".
فصل
"كان رسول الله ﷺ يقول: "من ابتاع نخلًا بعد أن أُبِّرَت فثمرها للذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبداً فماله للذي باعه، إلا أن يشترط المبتاع"، كما سيأتي إيضاحه في باب بيع الأصول والثمار إن شاء الله تعالى، وكان ﷺ يرخص في اشتراط منفعة المبيع وما في معناها في البيع، ويقول: "من باع بعيرًا واستثنى حملانه إلى أهله أو إلى بلده فله ذلك"، وكان ﷺ ينهى عن جمع شرطين من ذلك ويقول: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك"".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته الغراء وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار في دربه سرًا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى جميع الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وبعد:
يتكلم الشيخ -عليه رحمة الله- على ما يتعلق بالبيوع، فذكر في هذا الفرع الإشهاد على البيع لمن باع أو اشترى. وذلك ما بين من استحبه وجعله سنة، وبين من جعله جائزًا والأمر للإرشاد، وبين من أوجبه.
الإشهاد للبيع
يقول: "كان رسول الله ينهى عن البيع بغير إشهاد، ثم يقرأ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾". فالإشهاد إذًا عند البيع أقطع للنزاع وأبعد عن التجاحد.
فينبغي الإشهاد عند عامة الفقهاء، فقال بندبه:
وصرف الأمر عن الوجوب عدد من الأدلة بعد ذلك، واستمرار التبايع في الأسواق وغيرها من دون إشهاد في عهده ﷺ ومن بعده من غير نكير، فدل على أن الأمر بالإشهاد إنما هو على سبيل الندب والاستحباب.
فقد جاء أنه ﷺ اشترى من يهودي طعامًا بنسيئة فأعطاه درعًا له رهنًا، كما جاء في الصحيحين ولم يكن هناك إشهاد، واشترى أيضًا من رجل بعض الملابس ولم يكن هناك إشهاد، وكذلك اشترى من أعرابي فرسًا -كما جاء في رواية الإمام أحمد وأبي داود والنسائي- ولم يكن هناك إشهاد، وكان كذلك الصحابة يتبايعون في عصره في الأسواق من دون إشهاد على البيع، فدل على أن الأمر للاستحباب.
إلا أن الأشياء القليلة الخطر كحوائج البقال والعطار وشبههما، ما يتأكد فيها ولا يستحب الإشهاد على ذلك.
فهذا حكم الإشهاد للبيع والشراء.
"قال أنس -رضي الله تعالى عنه-: اشترى رسول الله مرة من أعرابيٍ بعيرًا"، سلمه الثمن وبعدين جحده الأعرابي، قال يا رسول الله هذا البعير لي وحقي، قال: "بل قد ابتعته" يعني: اشتريته منك، قال الأعرابي: "هلمَّ شهيدًا"، مَن يشهد أنك اشتريته مني؟ سيدنا خزيمة كان حاضر لما سمع قال: أنا، أنا أشهد أنك بايعته يا رسول الله. ما كان حاضر وقت البيع ولكنه ليقينه بصدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصمته أنه لا يقول إلا الحق. قال رسول الله: "بمَ تشهد؟". كيف تشهد؟ أنت ما حضرت معي وقت البيع؟ قال: "بتصديقك"، أنا أعلم أنك رسول الله ما تقول إلا الحق. فقال ﷺ: "من شهد له خزيمة فحسبه". يكفيه شهادة خزيمة لقوة إيمانه ويقينه وأنه لا يمكن أن يكذب، فجعل شهادته بشهادة رجلين. الآن الأعرابي قال: صح صح أنا بعته عليك، وقد استلمت الثمن ورجع أقرَّ بعد ذلك، ولما رأى هذا الإيمان واليقين من هذا الصحابي فاعترف وأقر لسيدنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وانصرف. "فلم يزل رسول الله ﷺ بعد قصة الجمل يجعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين حتى مات".
ثم إنهم أيضًا عند جمعهم للقرآن الكريم، فمع تواتر جميع آيات القرآن ورواية عدد من الصحابة لها عنه ﷺ، فبقي جماعات من الصحابة يروون عن جماعات من الصحابة، ولكن لما كتبوا المصحف صار مع تواتر الآيات لا يكتب سيدنا زيد بن ثابت -لما كلفوه- لا يكتب الآية حتى يسمعها من اثنين سمعوها من فم النبي ﷺ مباشرة، غير الذين يروونها عن غيرهم من الصحابة الذين توفوا واستحرَّ القتل بالقُرّاء الذين سمعوها عن الصحابة عن النبي ﷺ والتي قد تواترت، ولكن مع ذلك احتاط عند الكتابة، فلا يكتب إلا حتى يستدعي اثنين من الذين سمعوه من فم النبي ﷺ تكلم به فيكتبها. وجاء عند آخر آية سورة التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة:128]، ما عاد حصل حد من اللي سمعها من فم النبي مباشرة إلا خزيمة، جاء خزيمة، قال: أنت خزيمة؟ أنت بشهادة رجلين. يكفي وحده. قال: "من شهد له خزيمة فحسبه"، فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين ﷺ.
ثم ذكر -عليه رضوان الله تعالى- حكم الثمار عند بيع الشجر.
قال: "كان الرسول ﷺ يقول: "من ابتاع نخلاً بعد أن أُبِّرَت فثمرها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع" أي: المشتري، "ومن ابتاع عبدًا فماله" يعني: الذي تحت يديه "للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع".
قال: "وسيأتي إيضاحه في باب بيع الأصول والثمار إن شاء الله".
إذًا فالحكم لمن باع شجرًا وعليه ثمر، فما حكمه؟ هي للبائع -الثمر الذي على الشجر- للبائع أو للمشتري؟
فللنماء حد، فلم يتبع أصله عندهم في البيع كما لا يتبع الزرع في الأرض، ويؤمر البائع بقطع الثمر عندهم أنه للبائع وعليه أن يقطع الثمر.
كيف أُبِّرَت؟ الآن أيضًا
لكن ما معنى أُبِّرَت؟ وما الحكم يوم إذا أُبِّر بعض الشجر وبعضه لم يُؤبَّر وباع الشجر كله؟ فإذا لم يُؤبَّر بعضها:
لكن ما معنى أُبِّرَت؟
فإن كان بعد ذلك،
إذا كان غير النخل ففيه تفصيل:
قال الحنابلة:
هذا ما يتعلق بالثمر إذا بيع الشجر، أيكون للبائع أم للمشتري على هذا التفصيل.
"وكان ﷺ يرخص في اشتراط منفعة المبيع وما في معناها في البيع". ويقول: "من باع بعيرًا واستثنى حُملانه إلى أهله أو إلى بلده فله ذلك". والحديث أصله ما جاء في الصحيحين من اشترائه ﷺ لبعير جابر، وكان المقصود أن يساعده ﷺ وأن يُرفده في الحال الذي هو فيه، فلما وصلوا المدينة أمر سيدنا بلال أن يزن له الثمن وأن يرد إليه الجمل، فوزن له الثمن وأعطاه إياه وردًَ عليه جمله: بعيره. فإنما أراد ﷺ أن يُرفده في حالته التي هو فيها، فأحب أن يكون ذلك لا على سبيل الصدقة المجردة، ولكن بايعه على الجمل حتى يوصله إليه بطريقة يكون فيها حفظ حشمته وحرمته ويكون في باطنها إنفاقه ﷺ وتصدقه عليه.
فبذلك اختلف العلماء، إذا باع واحد شيء وبعدين اشترط أنه يبقى عنده مدةً أو يستعمله بشي من الاستعمالات؛ فيقول:
"وكان ﷺ ينهى عن جمع شرطين من ذلك، "ولا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع"، و"لا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك"، يأتي إن شاء الله شرحه معنا في ما يأتي، كان ﷺ ينهى عن جمع شرطين.
رزقنا الله الاستقامة، واتباع النبي الكرامة، والاقتداء به ظاهرًا وباطنا، ودفع به عنا وعن أمته البلايا والآفات والرزايا والعاهات في الظواهر والخفيات، وأصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين والصالحات في عافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 صفَر 1448