كشف الغمة - 480 -  كتاب البيع: 28 - باب القرض وما جاء في فضله

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 480 -  كتاب البيع: 28 - باب القرض وما جاء في فضله

صباح  السبت 23  ربيع الأول 1448هـ

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

باب

القرض وما جاء في فضله

 

"قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتهما مرة"، وكان ﷺ يقول: "من منح منيحة لبن أو ورق أو أهدى زقاقاً كان له مثل عتق رقبة"، ومعنى منح الوَرْق: قرض الدراهم، ومعنى أهدى زقاقاً هداية الضال إلى الطريق، وكان ﷺ يقول: "كل قرض صدقة"، وكان ﷺ يقول: "رأيت ليلة أسري بي مكتوباً على باب الجنة الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت: يا جبريل كيف صارت الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر؟ فقال: لأن الصدقة تقع في يد الغني والفقير والقرض لا يقع إلا فيمن هو محتاج إليه".

 

وكان ﷺ يقول: "من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة"، وكان ﷺ يستقرض من الحيوان ويردُّ خيراً منه ويقول: "خياركم أحسنكم قضاء"، وقال أنس -رضي الله عنه-: "جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه فأرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضك"، وكان ﷺ يرخص في الزيادة عند الوفاء وينهى عنها قبله ويقول: "إذا أقرض أحدكم أخاه قرضاً فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك"، وفي رواية: "من أقرض فلا يأخذ هدية".

 

وكان أبو حنيفة -رضي الله عنه- لا يجلس في ظل جدار غريمه ويقول: "كل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا"، وقال عبد الله بن سلام لأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما-: إنك بأرض فيها الربا فاش فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا. وسئل ابن عمر -رضي الله عنهما- عمن أقرض رجلاً قرضاً فأهدى له هدية فقال -رضي الله عنه-: ليثبه على هديته أو يحسبها له مما عليه أو يردها عليه، وجاء رجل إليه فقال: إني أسلفت رجلاً سلفاً واشترطت عليه قضاء أفضل مما أسلفته؟ فقال ابن عمر: ذلك الربا، فقال: كيف تأمرني؟ قال: السلف على ثلاث وجوه: سلف يريد به العبد وجه الله فلك وجه الله، وسلف يريد به وجه صاحبه فليس لك إلا وجهه، وسلفٌ أسلفت لتأخذ خبيثاً بطيب فإن كانت نفسه طيبة فخذه فإنما هو شكر شكره لك في نظير ما أنظرته وإن لم تطب به نفسه فلا تأخذه، والله سبحانه وتعالى أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمدُ للهِ مُكْرِمِنا بشريعته وحُسْنِها وبيانِه على لسان عبده محمدٍ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله حِصْنِ الخليقة وأَمْنِها، وصلى معه على آله وصحبه ومَن سار على دَرْبِهِ بالصدق في الطريقة ظاهرِها وباطنِها، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين صَفْوَةِ الحق من العالَمين، وعلى آلِهم وصَحْبِهم والتابعين، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين.

فيَذْكُرُ الشيخ الشَّعْراني -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في هذا الباب: القَرْضَ؛ وما جاء في مساعدة المحتاج إلى القَرْض وقرضِه، وما يُحَصِّله المُقْرِضُ من الثواب، وذكر لنا فيه أحاديث بعضُها تُبَيِّن فضلَ القَرْضِ للمحتاج؛ وذلك أن القَرْض يأتي على أَوْجُهٍ:

  • فقد يكون للمُضْطَرِّ، ويكون على المَلِيءِ واجبًا عليه أن يُقْرِضَه ما يَسُدُّ به حاجتَه وضرورتَه، ويَنْتَظِر حتى يُوَسِّعَ اللهُ عليه فيَرُدَّ عليه دَيْنَه.
  • وقد يكون لِكُرْبَةٍ نزلت بالمُقْتَرِضِ أو شِدَّةٍ يُفَرِّجُها عليه، فيكون ذلك أيضًا مسنون أو مندوب. 
  • أو كان يقترض ليعملَ به من الصالحات أو يُنْفِقَه في المصالح العامة.

وبعد ذلك 

  • مَن كان يقترض لِيزِيدَ تجارتَه ونحوَها، من غير حاجةٍ ولا ضرورة، فهذا يستوي فيه أخْذُ القَرْضِ والإقراض، فيكون مباحًا.
  • وأما إذا غَلَبَ على ظَنِّهِ أنه يقترض ليعملَ به سوءًا أو معصيةً أو يَضُرَّ به مسلم، فهذا حرامٌ؛ حرامٌ أن يُقْرِضه، فيكون المُقْرِضُ عَوْنًا له على تلك المعصية وذلك الإثم.

إذًا فيَعْتَرِي القَرْضَ الأحكامُ الشرعية: بما يكون واجبًا، أو مباحًا، أو مندوبًا، أو محرمًا، وكذلك لِمَن غلب على ظَنِّهِ أنه يَصْرِفُ القرضَ في مكروهٍ فيكون قرضُه مكروهًا.

  1. فالعونُ على المكروه مكروه.
  2. وعلى الحرام حرام.
  3. وعلى السنّة سُنَّة.
  4. وعلى الواجب واجب.
  5. وهكذا، وكذلك العونُ على المباح مباح. 

إذًا فتختلف النيات والأحوال في شأن هذا القرض الذي هو مصدر: قَرَضَ الشيءَ إذا قَطَعَهُ يقول: قرضه، فهو اسمُ مصدرٍ أيضًا بمعنى الإقراض. 

 فالقَرْضُ: ما تُعْطِيهِ لإنسانَ من مالِكَ لِتُقْضَاهُ بعد ذلك، فكأنه شيءٌ قَطَعْتَهُ -قَرَضْتَهُ- من مالِكَ. 

فهو إذًا: دَفْعُ مالٍ إرفاقًا لِمَن يَنْتَفِعُ به ويَرُدُّ بَدَلَهُ. 

ويُسَمَّى أيضًا:

  • المالُ المدفوعُ على هذا الوجهِ: قَرْضًا.
  • والدَّافِعُ: مُقْرِض، والآخِذُ: مُقْتَرِض ومُسْتَقْرِض. 
  • والمالُ الذي يَرُدُّهُ المُقْتَرِضُ إلى المُقْرِضِ عِوَض عن القرض يُقال له: بَدَلُ القَرْضِ.
  • وأَخْذُ المالِ أيضًا على وجْهِ القَرْضِ يُقال له: اقْتِراض، ويأتي السَّلَفَ أحيانًا بمعنى: القرض وله مَعانٍ أُخَر.

ثم إن الحق تعالى بتفضله على خلقه سمى ما يبذلونه من أجله قرْضًا، وهو المالك لهم ولما ملكوا، والمعطي لهم، وهو الموفق لهم، ولكن قال: 

  • (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) [البقرة:245].
  • (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) [الحديد:11] في الآية الأخرى، وهكذا.

وقد جاء القَرْضُ من فِعْلِهِ ﷺ، وجاء في حديثِ أبي رافعٍ "أن رسولَ الله صلى الله عليه وصحبه وسلم اسْتَسْلَفَ من رجلٍ بَكْرًا، فقَدِمَتْ عليه إِبِلٌ من إِبِلِ الصدقة، فأَمَرَ -أَمَرَ أن يُقْضَى- أَمَرَ أبا رافعٍ أن يَقْضِيَ هذا الرجلَ الذي أَخَذَ منه البَكْرَ ويُعْطِيَهُ بَكْرًا. فَرَجَعَ إليه أبو رافع قال: ما في الإبلِ اللي جاءت بَكْرٌ إلا خِيارًا رَباعِيًّا، -أكثر، ما شي صغير في السن الذي أَعْطَاكِ إيَّاه- قال: "أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إنَّ خِيارَ الناسِ أَحْسَنُهُمْ قَضاءً"". وفي هذا:

  • أن المُقْرِضَ إذا لم يَتَشَوَّفْ للزيادة، فما أَعْطاهُ المُقْتَرِضُ من عندِهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ فهو حلالٌ له. 
  • أمّا إذا اشْتَرَطَ أو تَشَوَّفَ إلى الزيادةِ فيَحْرُمُ عليه أن يأخذَ شيئًا زائدًا، ويكونُ عليه رِبًا بنيَّةِ أخذَ الزيادةَ على ما أَقْرَضَ. 

وهكذا جاء هذا الحديثُ الذي ذَكَرْناه في صحيح مسلم.

وكذلك جاء عند ابن ماجه: "ما مِن مسلمٍ يُقْرِضُ قرضًا…" كما ذَكَرَهُ قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتهما مرة"، هذه رواية ابن ماجه.

ثم ذَكَرَ الحديثَ الآخَرَ: يقول ﷺ: "مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أو وَرِقٍ -يعني: أَقْرَضَ فِضَّةً- أو أهَدَى زُقاقاً -أي- طريق؛ مُتَحَيِّر يريد مكانًا معينًا أو شخصًا معينًا لا يدري أين الطريقُ إليه؟ فَدَلَّهُ على الطريق- كان له مِثْلُ عِتْقِ رَقَبَةٍ". وهكذا يقول: "ومعنى منح الوَرْق: قرضُ الدراهم -أي: الفِضَّة- ومعنى أهدى زقاقاً هداية الضال إلى الطريق"؛ الزُّقاق: الطريق، فأَوْصَلَهُ إلى المكان الذي يُريدُه أو إلى الشخص الذي يُريدُه، فكأنما أَعْتَقَ رَقَبَةً؛ لأنه يُفَرِّجُ بذلك كُرْبَةَ هذا المسلم.

 

وكما جاء أيضًا في الحديث الذي ذَكَرَهُ وهو عند الطبراني "وكان ﷺ يقول: "كل قرض صدقة". بل جاء في بعض الأحاديث أنه إذا أَقْرَضَ حُسِبَ له بكلِّ يومٍ صدقةٌ حتى إذا بَلَغَ الأَجَلَ ثم أَنْظَرَهُ، يُحْسَبُ له كلَّ يومٍ ضِعْفُهُ مَرَّتَيْنِ، كأنه تَصَدَّقَ عليه به مَرَّتَيْنِ بعد أن حَضَرَ الأَجَلُ وأَنْظَرَهُ، وهكذا.

وهذا من الأمور المُجْمَعِ عليها: جوازُ القَرْضِ والاقتراض، وهو في الغالب يكون من القُرَبِ كما أشرنا، وله أحكامٌ؛ 

  • قد يكون بها واجبًا.
  • وقد يكون حرامًا.

 فإذا كان المُقْتَرِضُ مُضْطَرّ والمُقْرِضُ مَلِيئ كان إقراضُهُ واجب عليه. وبالعكس، إذا غَلَبَ على ظَنِّ المُقْرِضِ أنَّ المُقْتَرِضَ يَصْرِفُهُ في معصيةٍ فهو حرام، 

  • أو في مكروهٍ فهو مكروه.

والأصلُ في حَقِّ المُقْتَرِضِ الإباحة، ولكنْ 

  • مَن يَقْتَرِضُ لأَجْلِ إصلاحٍ بين المسلمين أو من أَجْلِ مصلحةٍ عامة، فيكون القَرْضُ بالنسبة له فضيلةً -الاقتراضُ بالنسبة له فضيلةً- ويَنالُ به الأَجْرَ والشَّرَفَ.

فَمَن أَقْرَضَ الله مَرَّتَيْنِ كان له مِثْلُ أَجْرِ إحداهما لو تَصَدَّقَ به.

وكذلك أشار إلى الحديث في ليلة الإسراء والمعراج، والأكثرون على تضعيفِ سَنَدِ الحديث.

 يقول: وكان ﷺ يقول: "رأيت ليلة أسري بي مكتوباً على باب الجنة الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت: يا جبريل كيف صارت الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر؟ فقال: لأن الصدقة تقع في يد الغني والفقير والقرض لا يقع إلا فيمن هو محتاج إليه"، وفي رواية: "قَرْضُ الشيءِ خَيْرٌ من صَدَقَتِهِ" عند البيهقي.

وهناك أحوالٌ قد يكون بها القَرْضُ يَجِدُ صاحبُهُ به ثوابًا كثيرًا، ولكن إنما يكون خَيْرٌ من الصدقةِ في أحوالٍ نادرة؛ وأما الصدقةُ على الإطلاق هي الأفضل، وهذا هو الأصلُ فيها، ولكن قد يَعْرِضُ ما يَعْرِضُ من الأحوال فيكون القَرْضُ لذلك أفضل.

يقول: "وكان ﷺ يقول: "من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة""، كما جاء في صحيح مسلم.

وهكذا ذَكَرَ لنا ﷺ أنَّ رجلًا من بني إسرائيل كان مُسْرِفًا على نفسه، ولكن كان تاجرًا يقول لِعُمَّالِئه ووُكَلائِهِ: أَنْظِرُوا المُوسر وتَجاوَزُوا عن المُعْسِرِ، لعلَّ اللهَ يَتَجاوَزُ عَنَّا، -المُوسر أَنْظِرُوهُ لا تُلِحُّوا عليه في القضاء، أمّا المُعْسر سامِحُوه، إذا عَرَفْتُموه فقير خلاص تَجاوَزُوا عنه- أَنْظِرُوا المُوسر وتَجاوَزُوا عن المُعْسِرِ لعلَّ اللهَ يَتَجاوَز عَنَّا. قال ﷺ: فلما ماتَ أوقَفَه الله بين يَدَيِه وسأله: ما عَمِلْتَ؟ قال: يا ربِّ، ما عندي من خَيْرٍ، ولكنك تَعْلَمُ أني كنتُ أقولُ لِوُكَلائِي: أَنْظِرُوا المُوسر وتَجاوَزُوا عن المُعْسِرِ لعلَّ اللهَ يَتَجاوَزُ عَنَّا. قال: فقال له الله: نحنُ أَحَقُّ بالكرَمِ منكَ، قد تَجاوَزْنا عنكَ! قد تَجاوَزَ...، ما أحَد أَعْسَرَ منه وقد وَقَفَ بين يَدَيِ اللهِ تعالى، قد تَجاوَزَ نَظِيرَ ما كان يَفْعَل؛ فإنَّ الجزاءَ من جِنْسِ العَمَل.

"وكان ﷺ يستقرض من الحيوان ويرد خيرًا منه ويقول: "خياركم أحسنكم قضاء""، وهذا قد ذَكَرْنا أنه إذا لم يَكُنْ شَرْطًا ولم يَكُنْ مُتَشَوِّفًا إليه المُقْرِضُ؛ فَيَعْلَم من حالِ هذا أنه يُحْسِنُ القضاءَ ويَرُدُّ أكثرَ مما يُعْطَى فما يُقْرِضُهُ إلا لأجل ذلك، فهذا يَصِيرُ مُرابِيًا لا مُقْرِضًا، ولا يَسْتَحِقُّ ثوابًا بل إِثْمًا فإذا شَرَطَ أو تَشَوَّفَ أوعَلِمَ من عادةِ هذا أنه يأتي بأكثر. 

فأمّا إذا لم يَكُنْ له في ذلك غَرَضٌ لنفسه، وأَرادَ مكارم الأخلاق، فذلك مما يَثْبُتُ له به الثواب.

"وقال أنس -رضي الله عنه-: "جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه فأرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك"، وكان ﷺ يرخص في الزيادة عند الوفاء وينهى عنها قبله"، بل إذا اشْتَرَطَ فهو رِبا، وفي الحديث: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا".

 

"ويقول: "إذا أقرض أحدكم أخاه قرضاً فأهدى إليه -بعدَ ما أَخَذَ القَرْضَ منه صار يَجِيبُ له هَدِيَّةً- أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله، -لا يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ ولا يَقْبَلُ عَرْض الدابَّةِ عليه لِيَرْكَبَها- إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك"، كان من عادتِهِ يُهْدِي إليه من قَبْلِ ما يَقْتَرِضُ منه، كان من عادتِهِ يُهْدِي إليه إمّا لِقَرابَةٍ وإمّا لِجِوارٍ وإمّا لِصَداقَةٍ وما إلى ذلك.

أمّا ما حَمَلَهُ على أن يُهْدِيَ إليه إلا كَوْنُهُ أَقْرَضَهُ، فهذا يَحْرُمُ على المُقْرِضِ أن يَقْبَلَهُ، ويَجِبُ عليه يردُّهُ، ويقول له: ما أسْتَحِق لي هدية، تُهْدِي لي هَدِيَّة وأنا أَعْطَيْتُكَ قَرْض، هذا قَرْض فيه مَنْفَعَة، ويَرُدُّها عليه.

وكذلك لا يَقْبَلُ لو كان من عادتِهِ يَمُرُّ عليه يُحَصِّلُهُ في الطريق ولا في الدَّرَّاجَة ولا بالسيارة ولا يقول له: أنتَ فين؟ ولمّا اقْتَرَضَ منه يُوَقِّفُ: تَفَضَّلْ تَفَضَّلْ. امشِ في طريقِكَ، وأنا في طريقي، ذا الحين لما اقْتَرَضْتَ مني بترَكِّبنا في سيارتكَ، تُعْطِينا رِشْوَة وزيادة على ما لي، ما لي إلا المال الذي أَعْطَيْتك إِيَّاهُ تَرُدُّهُ عَلَيَّ، ولا أَرْكَبُ سيارتك ولا أَرْكَب معك في الدَّرَّاجَة؛ إلا إن كان من عادتِهِ من قَبْل يَرْكَب معهُ فلا إشكال.

وهكذا مثل ما قالوا في القاضي إذا تَوَلَّى القضاءَ فجاءت له هدايا: إن كان مِمَّن يُهْدي له من قَبْلِ القضاءِ من أقارِبِهِ ولَّا من أصحابِهِ، صحيح، يَجُوزُ له يَقْبَلُه، وأمّا ما يعرفه بهدية إلا لمّا تَوَلَّى القضاءَ أَعْطاهُ هدية لا يَجُوزُ له أن يَقْبَلَه؛ لأنه يقدم له مقدمة من شان إذا جاءت قَضِيَّةٌ عندَهُ يُحابِيه فيها ويَخْرُجَ عن الحُكْمِ بالحَقِّ.

وهكذا كما قال ﷺ فيمَن أَرْسَلَهُ يَجْمَعُ الصدقةَ، وقال: هذا للصدقةِ وهذا أُهْدوه لي، فأَخَذَه منه وطَرَحَهُ فوقَ الصدقة، وخَطَبَ خطبتهُ، وقال: "ما بالُ أَحَدِكُمْ نُرْسِلُهُ في عَمَلٍ فيقولُ: هذا لكم وهذا أُهْدِيَ لي، أَلا فَلْيَقْعُدْ في بيتِ أبيهِ وأُمِّهِ فَلْيَنْظُرْ ما يُهْدَى له". 

يوم أَرْسَلْناكَ عامِل تقول: أَهْدَوْهُ لي؟! هم يَعْرِفونَك من أَوَّل ويُعْطونَك هَدِيَّة من قَبْل؟! الحين يوم جيت عامل! فما أُعْطِيَ عامِلُ الصدقةِ بسببِ عَمَلِهِ يَجِبُ أن يَرُدَّهُ فوقَ الصدقة، ولا يَقْبَل منه شيء ولا يأخُذ منه شيء.

وفي الرواية هذه أيضًا: "من أقرض فلا يأخذ هدية".

يقول: بل كان سيِّدُنا أبو حنيفةَ من وَرَعِهِ واحتياطِهِ إذا أَقْرَضَ أحد قَرْض ما يَنْتَفِع بِظِلِّ جِدارِهِ، إذا في ظِل حَقّ الجِدار ما يَقْعُدْ تحتَ الظِلِّ حَقه، يعدِّي كذاك، لا يَسْتَظِلُّ "لا يجلس في ظل جدار غريمه" خوفًا من أن يكونَ ذلك مُقابِلَ القَرْضِ احتياطًا منه، "ويقول: "كل قرض جر نفعاً فهو ربا"" -عليه رضوانُ اللهِ تبارك وتعالى-، والحديثُ عند البيهقي في السنن الكبرى والطبراني في المعجم، "كل قرض جر نفعاً -منفعةً- فهو ربا".

"وقال عبد الله بن سلام لأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما-: إنك بأرض فيها الربا فاش فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا". وكان من علماء أهل الكتاب، من علماء اليهود، ثم صار من علماء المسلمين عبد الله بن سلام، وفيه نَزَلَتِ الآية يقول: (كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)[الرعد:43]، يعني: عبد الله بن سلام.

ولمّا أَسْلَمَ جاء إلى النبي ﷺ، قال له: يا رسول الله، إنّ اليهودَ قَوْمٌ بُهت، وأُحِبُّ أن تَسْأَلَهُم عَنِّي قبلَ أن يَعْلَمُوا بإسلامي حتى تَنْظُرَ ما عندهم. فَرَتَّبَ ﷺ أن يَجْلِسَ في مكانٍ قَرِيبٍ، واسْتَدْعَى كبار قَوْمِهِ من زعماء اليهودِ ودَعاهُمْ للإسلامِ فأَبَوا، قال لهم: "إنكم تَعْلَمُونَ أنّي منعوت عندكم في التوراة"، قالوا: ما نَعْلَمُ ذلك. قال: "ما تقولونَ في عبد الله بن سلام؟" قالوا: خَيْرُنا وابنُ خَيْرِنا، وحَبْرُنا وابنُ حَبْرِنا، وعالِمُنا وابنُ عالِمِنا، قال: "أَرَأَيْتُمْ إنْ أَسْلَم؟" قالوا: ما يُسْلِم، قال: "أَرَأَيْتُمْ إنْ رأى وَصْفِي في الكتابِ وأَسْلَم"، قالوا: ما يكونُ ذلك، فـخَرَجَ عليهم عبدُ الله قال: يا قَوْمِ، إنكم تَعْلَمُونَ أنه الموصوفُ في كتابِ الله على لسانِ موسى، وأنه رسولُ الله. قالوا: هذا شَرُّنا وابنُ شَرِّنا، وجاهِلُنا وابنُ جاهِلِنا -وعَكَسُوا الكلامَ- قال: أَلَمْ أَقُلْ لكَ يا رسولَ اللهِ إنهم قَوْمٌ بُهت. يبهتون والعياذ بالله، رضي الله عن ابن سلام.

وهو يقول في حديثه إنه أَوَّلَ ما وَصَلَ ﷺ المدينة: ذَهَبْتُ لِأَنْظُرَ إليه، فوَقَفْتُ عليه أيامَ كان بَعْدُه في قُباءَ قَبْلَ أن يَدْخُلَ المدينة، قال: فلما وَقَعَ نَظَرِي عليه رأيتُ أنه وَجْهُ صِدْقٍ، وليس بوَجْهِ كَذَّابٍ، قال: ثم سَمِعْتُهُ أَوَّلَ ما يقول: يقول لهم: "أيُّها الناسُ، أَفْشُوا السلامَ، وصِلُوا الأرحامَ، وأَطْعِمُوا الطعامَ، وصَلُّوا بالليل والناسُ نِيامٌ؛ تَدْخُلُوا الجنةَ بسَلامٍ"، فَعَلِمْتُ أنه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم.

وهو يُحَذِّرُ سيِّدَنا أبا موسى من الرِّبا وما يقرب من الرِّبا.

قال: "وسئل ابن عمر -رضي الله عنهما- عمن أقرض رجلاً قرضاً فأهدى له هدية فقال -رضي الله عنه-: ليثبه على هديته أو يحسبها له مما عليه -من الدين- أو يردها عليه"، إمّا يَجِيب له مِثْلَها ويُعْطِيه إيّاها، خلاص يُكافِئُه، وإلا يَحْسِبها من جُمْلَةِ الدَّيْنِ الذي عليه فينقص من الدَّيْنِ بمقدارِ قيمة هذه الهدية التي أَهْدَاه، أو يَرُدُّها عليه؛ وأمّا يأخُذها ولا يَحْسِبها ولا يُعْطِيه مِثْلَها فلا؛ لأنه ما أَهْدَى له إلا لأنه أَقْرَضَه.

 

 "وجاء رجل إليه -أي: لابن عمر- فقال: إني أسلفت رجلاً سلفاً واشترطت عليه قضاء أفضل مما أسلفته؟ فقال ابن عمر: ذلك الربا، -فَقَرْضُكَ هذا حرام، واشْتَرَاطْك على هذا حرام ولا يَجُوزُ لك- فقال: كيف تأمرني؟ قال: السلف على ثلاث وجوه: سلف يريد به العبد وجه الله فلك وجه الله -فيُضاعفه له أَضْعافًا كثيرة- وسلف يريد به وجه صاحبه فليس لك إلا وجهه، وسلف أسلفت لتأخذ خبيثاً بطيب فإن كانت نفسه طيبة فخذه فإنما هو شكر شكره لك في نظير ما أنظرته وإن لم تطب به نفسه فلا تأخذه" -فإنه خَبِيث-، ولكن الشَّرْط حرام مع ذلك، الشَّرْط حرام.

فأما إذا لم يَشْتَرِطْ فَرَدَّ عليه أَحْسَنَ أو أكثرَ مما أَعْطاهُ؛ فإن كان يَعْلَمُ أنَّ نَفْسَهُ طَيِّبَة بذلك وأنه مَسْرُور بذلك، فيَجُوز أَخْذُه مُعاوَنَة له على مَكارِمِ الأخلاق. 

وأما إن كان يَعْلَمُ أنه يَدْفَعُهُ عن حَياءٍ ويَوَدُّ أنه لا يَدْفَعُهُ، فلا يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَ منه، ويردُّه عليه؛ لأنَّ المأخوذ بِوَجْه الحَياء كالمأخوذ بالسَّيْف.

وفَّقَنا اللهُ وأكرمنا أن نُقْرِضَهُ قَرْضًا حَسَنًا بما سمّاهُ قَرْض، وإلا فنحن ملكه، وما عندنا من صِحَّة ومال ونَفْسٍ ملكه -جل جلاله- والمَنُّ له، والفَضْلُ له علينا وعلى جميعِ خَلْقِهِ سبحانه وتعالى.

رزقنا اللهُ الإنابة والخشية والاستقامة، وأَتْحَفَنا بالكرامة، وجَعَلَنا فيمَن تَرْعاهم عَيْنُ عنايتِهِ في كلِّ شان، وأصلح لنا السر والإعلان.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

05 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

16 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام