كشف الغمة - 481 -  كتاب البيع: 29 - باب الرهن

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 481 -  كتاب البيع: 29 - باب الرهن

صباح الثلاثاء 4 ربيع الثاني 1448هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  معنى الرهن، ولماذا تحبس روح الميت بدينه؟
  •  مشروعية الرهن في القرآن وهدي الصحابة في الاستبراء للذمم
  •  شروط صحة عقد الرهن وما يصح رهنه عند المذاهب الأربعة
  •  هل يصح رهن الصبي والمحجور عليه؟
  •  شروط الدين المرهون به والعين المرهونة
  •  موانع صحة الرهن عند الحنفية
  •  درع النبي المرهونة
  •  حديث "الظهر يركب بنفقته": هل ينتفع المرتهن بالعين المرهونة؟
  •  قول الجمهور في الانتفاع بالرهن وقاعدة "له غنمه وعليه غرمه"

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

بَابُ الرَّهْنِ

 

"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كان رسول الله ﷺ يرهن كثيرًا عند أهل الذمة وغيرهم"، قال أنس -رضي الله عنه-: "وتوفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بالمدينة في ثلاثين صاعًا من شعير أخذها لأهله"، وكان ﷺ يقول: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة"، وفي رواية: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها"، وكان ﷺ يقول: "لا يعلف الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه"، والله سبحانه وتعالى أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة الغراء، وبيانها على لسان خير الورى، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم سرًا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والشرف أعلى الذُّرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- باب الرهن.
الرهن لغةً: الثبوت والدوام؛ يقولون: ماءٌ راكدٌ بمعنى دائم، ماءٌ راهنٌ بمعنى دائم، ويقولون كذلك: نعمةٌ راهنة، نعمةٌ راهنة بمعنى دائمة ثابتة، ويأتي بمعنى الحبس؛ قال تعالى: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور:21]، محبوسٌ بكسبه.
وفي الحديث "إِنَّ نَفْسَ المَيِّتِ مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِه"، في رواية: "مُعَلَّقَةٌ"، وفي رواية: "مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِهِ"، مرهونة يعني: محبوسة حتى يُقضى عنه. ولذا قالوا: من مات وعليه دَيْنٌ ولم يجعل فيه رهنًا فإن روحه تُحبس في البرزخ، لا يَزور ولا يُزار من قِبل أهل البرزخ حتى يُقضى عنه دَينه.
فجاءت مشروعية الرهن:

  • إرشادًا من الله -تبارك وتعالى- قال تعالى: (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرُهُنٌ مَّقْبُوضَةٌ) [البقرة: 283]، وفي قراءة: (فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ).
  • وجاء أيضًا في فعله ﷺ الرهن كما أشار في الروايات.
  • وكذلك كان الصحابة والأخيار لا يرضون أن يستقرضوا شيئًا إلا برهنٍ خشية أن يموتوا قبل قضاء الدَّين فتُحبس أرواحهم، فيجعلوا فيه رهنًا.

فيأتي تعريف الرهن في الشرع: 

جعل عيْن مالية وثيقة بدَين يُستوفى منها أو من ثمنها إذا تعذَّر الوفاء.
وهذا هو ما أرشد إليه القرآن وفعله ﷺ وخيار الأمة، ولم يكن الأمر للوجوب بالاتفاق؛ ولكن للإرشاد وللندب.

 

ويقول: "قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كان رسول الله ﷺ يرهن كثيرًا عند أهل الذمة وغيرهم" أي: إذا اقترض من أحدٍ منهم شيئًا جعل له رهنًا، فهو مشروعٌ على وجه الجواز والإرشاد أو الندب لمن أراد أن يستبرئ لذمته.

  • وينعقد الرهن بالإيجاب والقبول باتفاق، وعيَّن ذلك الشافعيةُ. 
  • وقال المالكية والحنابلة: ينعقد بكل ما يدل على الرضا عرفًا، فيصح بالمعاطاة والإشارة المُفهِمة والكتابة وما إلى ذلك في الصحيح عندهم، ويثبت الرهن بذلك.

 

ثم العاقد: 

كلٌّ من الراهن والمرتَهَن لا بد أن يكون مطلق التصرف في المال؛ بأن يكون عاقلًا بالغًا رشيدًا غير محجورٍ من التصرف، الصبي والمجنون والمحجور عليه في التصرف، لا يصح منه الرهن ولا الارتهان؛ لأنه عقدٌ على المال فلم يصح منهم. 

  • والرهن نوع تبرع؛ لأنه حبس مالٍ بغير عوض، فلم يصح إلا من أهل التبرع، فيصح رهن البالغ العاقل الرشيد ماله أو مال مُوَلِّيه بشرط وقوعه على وجه الغبطة الظاهرة.
  • ولكن صرَّح الحنفية أن الصبي المأذون له في التجارة، في البيع والشراء، يجوز له الرهن والارتهان؛ لأن الرهن من توابع التجارة، فمن يملك التجارة يملك الرهن، والصبي يجوز أن يَتَّجِر عند الحنفية إذا أذِن له الولي، إذا أذن له وليه يجوز أن يبيع ويشتري فالرهن داخل في ذلك.
  • وكذلك يقول المالكية: الصبي الممِّيز، حتى الصبي يصح رهنهما، رهن الصبي الممِّيز والسفيه، ولكن يكون موقوفًا على إجازة الوليِّ، إجازة الوليِّ. هذا العاقدان.

 

والمرهون به: كلُّ حقٍّ لازم في الذمة.

 

  • وقال الشافعية: يُشترط أن يكون دَيْنًا، ولا يصح أخذ الرهن بالأعيان مضمونة كانت أو أمانة، وأن يكون الدَّين ثابتًا، فلا يصح أخذ الرهن بما ليس بثابت، ولا بما سيُقرضه غدًا أو نحو ذلك، وأن يكون الدَّين شرطًا لازمًا أو آيلًا إلى اللزوم، فأما جُعْل الجعالة قبل الفراغ من العمل ما يصح فيه الرهن، فيصح أخذ الرهن بكل حقٍّ لازم في الذمة ثابت غيرِ معرَّض للإسقاط من الراهن.
  • يقول المالكية: يجوز أخذ الرهن بجميع الأثمان الواقعة في جميع البيوعات إلا الصرف وفي رأس مال السَّلَم؛ ما يصح في الصرف ورأس مال السَّلَم؛ لأنه يُشترط فيهما التقابض في المجلس فلا يكون هناك رهن، وما عدا ذلك فعندهم يجوز الرهن.
  • كذلك يقول الحنفية: يجوز أخذ الرهن بعوض القرض وإن كان قبل ثبوته، وبرأس مال السَّلَم، وثمن الصرف، المستلَم فيه؛ فتوسعوا في ذلك وأجازوا الرهن في كل هذا، وكما يجوز عندهم الرهن بالأعيان المضمونة بعينها، أما المضمونة بغيرها كالمبيع في يد البائع فلا.
  • وكذلك يقول الحنابلة: يصح الرهن بكل دَيْن كالشافعية، واجب أو مآله إلى الوجوب كما قال الشافعية؛ مثل القرض، وقيمة مُتْلَف، وهكذا.

 

ثم المرهون: 

كلُّ متموَّل يمكن بيعه؛ يمكن أخذ الدَّين منه، فيصح أن يكون هو المرهون. 
المرهون: كلُّ متموَّل يمكن أخذ الدَّين منه أو من ثمنه عند تعذَّر وفاء الدين يصح أن يكون رهنًا.

 

  • وهكذا يقول الشافعية والحنابلة: كل عينٍ جاز بيعها جاز رهنها، فما يجوز بيعه يجوز رهنه؛ لأن المقصود من الرهن أن يُباع ويُستوفى الحق منه إذا تعذر استيفاؤه من ذمة الراهن، وهكذا.
  • وتوسع المالكية وقالوا: يجوز رهن ما فيه غَرَر يسير كبعير شارد يجعله رهن. 
  • ويقول الحنفية: المرهون يُشترط أن يكون محوزًا يصح بيعه مقسومًا، فلا يصح رهن نصيب مشاع، فلا بد أن يكون قد حازه صاحبه وهو تحت يده لا شركةً مشاعةً في شيء، ويكون مفرَّغًا عن ملك الراهن؛ فلا يجوز رهنُ مشغول بحق الراهن؛ مثل دار فيها متاعه وحاجاته، يقولون: لا بد أن يكون مفرَّغ، هكذا اشترط الحنفية، ويكون مُمَيَّز؛ فلا يجوز رهن المتصل بغيره، اتصال مثل ثمر على الشجر من دون الشجر يرهن الثمر وحده؛ لأن المرهون متصل بغير المرهون خِلْقَةً فصار مثل الشائع، مثل النصيب الشائع في داره وفي أرضه وما إلى ذلك، فلا يصح عندهم ذلك.

 

ثم قال: "وتُوفي والدرعُ مرهونةٌ عند يهوديٍّ بالمدينة في ثلاثين صاعًا من شعير أخذها" لأجل النفقة قال ﷺ، كما أورد ابن حجر: ويُرى أنه قد قضى هذا الدين ﷺ ولم يستلم الدرع بعدُ، قضى الدين قبل وفاته؛ قالوا: ولم يَمُت نبيٌّ وعليه دَيْن قط، ما أحد من الأنبياء يموت وعليه دين، وكان قد قضى هذا الدين وردَّ له الثلاثين الصاع، وعاده لم يستلم، لم يرجع له الدرع فتُوفي قبل أن يرجع له الدرع، فقال الدرع مرهونة، يعني كانت مرهونةً وقد قُضي الدين فبقي استرجاعها فقط ﷺ .

 وكان ﷺ يقول: "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ".

  • هذا في مذهب الحنابلة أنه يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته، إذا قام بنفقته، هذا قول الإمام أحمد وإسحاق.
  • وقال الآخرون: ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة فقط، لا ينتفع بغيرهما؛ لأن هذا الذي ورد في الحديث وليس بعامٍ، ولكنه مخصوص بالركوب بالنسبة للدابة، والحلب بالنسبة لذات الدَّر من الحيوانات ذوات الألبان، فهذه إذا كان ينفق عليه فبمقدار ما ينفق عليه يجوز أن يأخذ مقابل ذلك من الركوب ومن اللبن.
  • وقال الجمهور: لا يُنتَفَعُ من المرهون بشيء، وتأوَّلوا هذا الحديث بأنه ورد على خلاف القياس من وجه التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه، والثاني التضمين بالنفقة لا بالقيمة؛ فلهذا هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرُدُّ أصول مُجمَع عليها وآثار ثابتة لا يُختلَف في صحتها، بل قال بنسخه من قال، ويدل على نسخه حديث ابن عمر الذي مرّ في المظالم قال: "لَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ".

 

فهذا الذي عليه الجمهور؛ أن المرتهن لا يجوز أن ينتفع بشيء، وإنما له حق الحبس، ولا يجوز للراهن أن يتصرف بما يزيل عن ملكه من بيعٍ وهبةٍ ونذرٍ وما إلى ذلك، نعم، وأما مصالحه فهي مُلْكٌ للراهن صابرًا هو له، ولا يجوز لذاك أن يأخذ شيء إلا بإذنه، أو يبيع عليه لبن أو غيره ولكنه هو حقٌ، وكذلك النفقة مكانه تبقى تَبَعْ المالك، فالمرتهن ما عليه نفقة في أمر المرهون، وهذا الذي عليه الجمهور.

 

يقول وفي رواية: "إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا"؛ أي: مقابل إما دَرّ اللبن وإما الركوب، وعرفت ما انتهى إليه جمهور الفقهاء في المسألة، وأن المرهون لا زال ملك للراهن وليس للمرتهن أن ينتفع به؛ وكان ﷺ يقول: "لا يعلف الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه".

ثم أخذ يتكلم على الحوالة والضمان، وآداب المطالبة والقضاء، كما يأتي إن شاء الله تعالى.

 

رزقنا الله الإستقامة، والاهتداء بهدي المُظَلَّلِ بالغمامة، ورزقنا مرافقته في البرزخ ويوم القيامة وفي دار الكرامة، ووقانا به الأسواء والأدواء، وأعاذنا من موجبات الحسرة والندامة، وتولَّانا بما تولى به المحبوبين من عباده الوداد، في خير ولطف وعافية. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

10 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

20 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام