(489)
(639)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 481 - كتاب البيع: 29 - باب الرهن
صباح الثلاثاء 4 ربيع الثاني 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
بَابُ الرَّهْنِ
"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كان رسول الله ﷺ يرهن كثيرًا عند أهل الذمة وغيرهم"، قال أنس -رضي الله عنه-: "وتوفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بالمدينة في ثلاثين صاعًا من شعير أخذها لأهله"، وكان ﷺ يقول: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة"، وفي رواية: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها"، وكان ﷺ يقول: "لا يعلف الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه"، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بالشريعة الغراء، وبيانها على لسان خير الورى، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم سرًا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والشرف أعلى الذُّرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- باب الرهن.
الرهن لغةً: الثبوت والدوام؛ يقولون: ماءٌ راكدٌ بمعنى دائم، ماءٌ راهنٌ بمعنى دائم، ويقولون كذلك: نعمةٌ راهنة، نعمةٌ راهنة بمعنى دائمة ثابتة، ويأتي بمعنى الحبس؛ قال تعالى: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور:21]، محبوسٌ بكسبه.
وفي الحديث "إِنَّ نَفْسَ المَيِّتِ مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِه"، في رواية: "مُعَلَّقَةٌ"، وفي رواية: "مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِهِ"، مرهونة يعني: محبوسة حتى يُقضى عنه. ولذا قالوا: من مات وعليه دَيْنٌ ولم يجعل فيه رهنًا فإن روحه تُحبس في البرزخ، لا يَزور ولا يُزار من قِبل أهل البرزخ حتى يُقضى عنه دَينه.
فجاءت مشروعية الرهن:
فيأتي تعريف الرهن في الشرع:
جعل عيْن مالية وثيقة بدَين يُستوفى منها أو من ثمنها إذا تعذَّر الوفاء.
وهذا هو ما أرشد إليه القرآن وفعله ﷺ وخيار الأمة، ولم يكن الأمر للوجوب بالاتفاق؛ ولكن للإرشاد وللندب.
ويقول: "قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كان رسول الله ﷺ يرهن كثيرًا عند أهل الذمة وغيرهم" أي: إذا اقترض من أحدٍ منهم شيئًا جعل له رهنًا، فهو مشروعٌ على وجه الجواز والإرشاد أو الندب لمن أراد أن يستبرئ لذمته.
ثم العاقد:
كلٌّ من الراهن والمرتَهَن لا بد أن يكون مطلق التصرف في المال؛ بأن يكون عاقلًا بالغًا رشيدًا غير محجورٍ من التصرف، الصبي والمجنون والمحجور عليه في التصرف، لا يصح منه الرهن ولا الارتهان؛ لأنه عقدٌ على المال فلم يصح منهم.
والمرهون به: كلُّ حقٍّ لازم في الذمة.
ثم المرهون:
كلُّ متموَّل يمكن بيعه؛ يمكن أخذ الدَّين منه، فيصح أن يكون هو المرهون.
المرهون: كلُّ متموَّل يمكن أخذ الدَّين منه أو من ثمنه عند تعذَّر وفاء الدين يصح أن يكون رهنًا.
ثم قال: "وتُوفي والدرعُ مرهونةٌ عند يهوديٍّ بالمدينة في ثلاثين صاعًا من شعير أخذها" لأجل النفقة قال ﷺ، كما أورد ابن حجر: ويُرى أنه قد قضى هذا الدين ﷺ ولم يستلم الدرع بعدُ، قضى الدين قبل وفاته؛ قالوا: ولم يَمُت نبيٌّ وعليه دَيْن قط، ما أحد من الأنبياء يموت وعليه دين، وكان قد قضى هذا الدين وردَّ له الثلاثين الصاع، وعاده لم يستلم، لم يرجع له الدرع فتُوفي قبل أن يرجع له الدرع، فقال الدرع مرهونة، يعني كانت مرهونةً وقد قُضي الدين فبقي استرجاعها فقط ﷺ .
وكان ﷺ يقول: "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ".
فهذا الذي عليه الجمهور؛ أن المرتهن لا يجوز أن ينتفع بشيء، وإنما له حق الحبس، ولا يجوز للراهن أن يتصرف بما يزيل عن ملكه من بيعٍ وهبةٍ ونذرٍ وما إلى ذلك، نعم، وأما مصالحه فهي مُلْكٌ للراهن صابرًا هو له، ولا يجوز لذاك أن يأخذ شيء إلا بإذنه، أو يبيع عليه لبن أو غيره ولكنه هو حقٌ، وكذلك النفقة مكانه تبقى تَبَعْ المالك، فالمرتهن ما عليه نفقة في أمر المرهون، وهذا الذي عليه الجمهور.
يقول وفي رواية: "إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا"؛ أي: مقابل إما دَرّ اللبن وإما الركوب، وعرفت ما انتهى إليه جمهور الفقهاء في المسألة، وأن المرهون لا زال ملك للراهن وليس للمرتهن أن ينتفع به؛ وكان ﷺ يقول: "لا يعلف الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه".
ثم أخذ يتكلم على الحوالة والضمان، وآداب المطالبة والقضاء، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
رزقنا الله الإستقامة، والاهتداء بهدي المُظَلَّلِ بالغمامة، ورزقنا مرافقته في البرزخ ويوم القيامة وفي دار الكرامة، ووقانا به الأسواء والأدواء، وأعاذنا من موجبات الحسرة والندامة، وتولَّانا بما تولى به المحبوبين من عباده الوداد، في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
10 ربيع الثاني 1448