(25)
(475)
(635)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 466 - كتاب البيع: 14- مستحبات في البيع والشراء والنهي عن تلقي الركبان
صباح الأربعاء 22 صفر الخير 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل
"وكان ﷺ ينهى عن التفريق بين ذوي المحارم في البيع، ويقول: "من فرَّق بين والدة وولدها أو أخٍ وأخيه فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة، ومن لا يرحم لا يُرحم". وكان ﷺ يقول لمن باع: "ارتجِع ما بِعتَ ولا تبِعهما إلا جميعًا"، وفي رواية: "ردَّه فإن الله لعن من فرَّق بين الوالد وولده وبين الأخ وأخيه". وكان ﷺ يُرخِّص في التفريق بعد البلوغ، وكان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا غزوا وسبوا حريمهم وبناتَهم اقتسمُوها، وكثيرًا ما كان الأمير ينفل بعضهم البناتَ البالغين ثم يستوهِبُها منهم ويُفادي بها من أُسر من المسلمين.
وكان ﷺ ينهى عن بيع حاضرٍ لبادٍ وإن كان أخاه أو أباه، ويقول: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". وفي رواية: "لا تلقوا الرُّكبان ولا يبع حاضر لباد". فقيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما قوله لا يبِع حاضر لباد؟ قال: "لا يكون سمسارًا". وكان ﷺ ينهى عن النَّجش وهو أن يزيد في الثمن لا لرغبة في السلعة بل ليخدع غيره. وكان ﷺ يقول: "من تلقى الجلب -يعني الرُّكبان- قبل دخولهم فاشترى منهم شيئًا فصاحبُ السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق".
وكان ﷺ ينهى عن بيع الرجل على بيع أخيه وأن يسوم على سومه بعد استقرار الثمن ويرخص في ذلك ما دامت المزايدة من الناس، ويقول: "لا يبِع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطِب على خِطبة أخيه إلا أن يأذن له أو يذر"، وتقدَّم في باب التعفُّف عن المسألة أنه ﷺ باع قدَحًا وحِلسًا وصار يقول: "من يزيد، من يزيد" حتى انتهت الرغبات باعهما. والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ لله مُكرمِنا بشريعتِه الغرَّاء العظيمة، وبيانها على لسانِ عبده محمد خير الورى ذي الهمَّة العظيمة، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرم على عبدك المختار سيِّدنا محمد، وعلى آلهِ وأصحابهِ وأتباعهِ المستقيمين على مناهجِه القويمة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل المراتبِ الشريفةِ الفخيمةِ، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرَّبين، وعلى جميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم إِنَّه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الرَّاحمين.
وبعدُ؛
فيواصل الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ذكر ما يتعلَّق بالبيع والشراء والأحكام في ذلك، وما جاء به الشرع المصون من نظامٍ مستوعبٍ كاملٍ شاملٍ معتدلٍ حسنٍ قويمٍ يستقيمُ به حال الناس.
وذكر في هذا الحديث النهي عن التفريق بين ذوي المحارم في البيع، يقول: "من فرَّق بين والدة وولدها أو أخٍ وأخيه فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة، ومن لا يرحم لا يُرحم". وكان ﷺ يقول لمن باع -أي: باع وفرَّق بين والدة وولدها-: "ارتجِع ما بِعتَ ولا تبِعهما إلا جميعًا" وفي رواية: "ردَّه فإن الله لعن من فرَّق بين الوالد وولده وبين الأخ وأخيه".، كما جاء عند الطبراني.
إذًا اتَّفق الفقهاء على منع هذا البيع لثبوت النهي عنه:
إذًا فهذا غير جائز.
وفي بقيَّة ذوي الأرحام:
هذا فيما يتعلق في التفريق.
ثم ذكر لنا: "وكان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا غزوا وسبوا حريمهم وبناتَهم اقتسمُوها، وكثيرًا ما كان الأمير ينفل بعضهم البناتَ البالغين ثم يستوهِبُها منهم ويُفادي بها من أُسر من المسلمين".
"وكان ﷺ ينهى عن بيع حاضرٍ لبادٍ"؛ وهذه المسألة الثانية: بيع الحاضر للباد.
وذلك لما جعل الله -تعالى- من حاجات البلدان لبعضها البعض، وأن كثيرًا ممَّا يحصل في بعض البلدان والأماكن وفي البادية يحتاجه أهل المدن وأهل القرى وأهل البلدان الثانية كذلك لاستفادتهم منه في حياتهم. وكما أنَّ بعض ما يكون في المدن والقرى يحتاجه أهل البادية لمعيشتِهم وعادتِهم في كيفية العيش. فأحبَّ أن يكون ذلك بساط رزق الله -تعالى- لبعضهم من بعض، وأن لا يتدخَّلوا فيه بالتحكُّم بحيث يتضرر أهل الحضر أو يتضرر أهل البادية، برفع السعر أو احتكار البضاعة وما إلى ذلك؛ فنهى عن تلقِّي الركبان ونهى أن يبيع الحاضر للباد. فالحاضِر: المُقيم في الحضر من المدن والقرى. والبادي: المُقيم في أرض البادية.
أمرهم أن يمضوا على سَنَنِهِم وما أراد الله لهم ويبيعوا بما تيسَّر لهم.
وفي الحديث أيضًا: "لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ"؛ أي: تتركوا حلب لبنها أو تقيِّدوا طرف الثدي للغنمة منشان يتوفر اللبن حتى يُظن أنها لَبُون وكثيرة لبن عندما تُرى، فيبيعها رغبةً في كثرة لبنها، ويحصلُّه المحبوس حق يومين أو حق ثلاثة أيام وهكذا.
وأيضًا في الحديث يقول ﷺ: "لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" هذا جاء في الصحيحين. وكذلك حديث يقول سيدنا أنس: "نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ"، وإن كان أخاً لأبيه وأمه، هكذا جاء أيضًا في الصحيحين.
فاجتهد الأئمة بعد ذلك في علَّة هذا النهي:
والمُراد أن كل بضاعة يحتاجها أهل البلد فلا ينبغي أن يُمنعوا منها وتباع لأي جهة أخرى وبلدة أخرى بثمن أغلى، إلا ما فاض عن حاجة أهل البلد. ما فاض عن حاجة أهل البلد فيُمكن أن يباع في البلدان الأخرى. وأمَّا أن يكون أهل البلد في حاجة ويمنع بضاعته إلا أن يرسلها إلى المكان الآخر من أجل الغلاء؛ مع حاجة أهل بلده إليها؛ فهذا فيه ما فيه. فإن كان من القوت والطعام الضروري فذا أقرب إلى أن تجتمع فيه الأقوال في الإثم على صاحبه، ونوعٌ من الاحتكار والإِضرار بأهل البلد.
يقولون الشرط في ذلك:
وكذلك أن يكون الوافد هذا أو البادي الذي ورد إلى البلد جاهل بالسعر:
فإذا علمه، إذا لم يزده الحاضر على ما عنده؛ لأن النهي لأجل أن يبيعه للناس برخص، وهذه العلَّة إنما توجد إذا كانوا الآخرين جاهلين بالأسعار، فإمَّا فإذا علموا بالأسعار فقُدُّهم ما بيبعونها إلا بقيمتها فلا فرق بين يبيعها هو أو يبيعها أحد من أهل البلد.
وهكذا اختلف الأئمة في شرط جهل البادي بسعر الحاضر.
فإذا أحضر البادي السلعة ليبيعها فقَصَدَه الحاضر وحضَّه على تخزينها فهذا الإشكال، أو جلبها لخزنها، أو كذلك. فقصَدَه الحاضر وحضَّه على بيعها.. هذا بالعكس كان توسعةً لا تضييقًا؛ فلا يدخل في النهي.
إذًا فالأمر يدور على ما يضر بالناس في أسعارِهم واستقرار بعض شؤونهم. فجاء ذلك اجتهاد الأئمة في هذا النهي النبوي عن بيع الحاضر للبادي.
فهذه مسألة أن يبيع الحاضر للبادي؛ يُعلَم منها تشريعه ﷺ أن لا يترقَّب للناس الغلاء في شيء يحتاجون إليه من السلع، ولكن يباع بما يسَّر الله فيكون في ذلك الخير والبركة. أمَّا ما فاض عن الحاجة بحيث توفر في الأسواق وبين أيدي الناس، فخبأ شيئًا لوقتٍ تغيب فيه البضاعة فلا إشكال فيه. ولكن ما دامت الحاجة موجودة فلا يجوز أن يُؤخِّر هذا، ولا ينبغي أن يترقَّب وقت الغلاء ويدخل في شيء من الإِحتكار وتَربُّص الغلاء بالناس. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله.
ثم ذكر مسألة وهو تلقِّي الركبان: "لا تلقوا الرُّكبان ولا يبع حاضر لباد". فقيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما قوله لا يبِع حاضر لباد؟ قال: "لا يكون سمسارًا" له.
فهذا تلقِّي الرُّكبان أو الجَلَب أو السلع الوافدة؛ فقبل معرفتهم بالسعر في البلد يخرج إلى الطريق ويتلقَّاهم ويشتري منهم، فيدخلون ويحصِّلون السعر غير الذي اشترى هذا منهم، وأن السعر أحسن، وإنما استغفلهم هو وهو مُتعمِّد. بل يتركهم يرِدوا البلد ويشاهدون الأسعار ويبيعوا بما يشاؤوا، أو يخبرهم بالسعر الموجود في البلد فلا إثم عليه. وأمَّا يخفي عليهم سعر بضاعتهم في البلد ويشتريها برخصٍ منهم ويدخلون.
وفي بعض المذاهب كما جاء في الحديث لهم إذا دخلوا إلى البلد ورأوا الأسعار مختلفة حقَّ الخيار؛ أن يقولوا ردَّ علينا بضاعتنا، ما تسلِّم لنا ثمن كامل كما تباع بثمن المثل وإلا ردَّها علينا.
فأما إذا خلت هذه الأشياء عن الضرر والغرر، وتأخير بضاعة يحتاج لها الناس، فحكمة النهى تخرج عن ذلك. إذًا فالأمر دائر على ما يترتب عليه إضرار أو تغرير أو احتكار وهكذا.
وكذلك اختلفوا في فساد هذا البيع إذا تُلُقِّيَ الرُّكبان:
ثم ذكر النَّجْش والنهي عن النجش، قال: "وهو أن يزيد في الثمن لا لرغبة في السلعة" يُظهر أنه يريد شراءها بقيمة كذا وكذا، وهو ما له غرض فيها أبدًا؛ إلا منشان غيره يشتريها بهذا الثمن أوأكثر منه يُغالى فيها. سواء كان باتفاق مع صاحب السلعة أو بفضول من نفسه هو يُغري الناس بالبضاعة. يقول: أنا أشتريها بقيمة كذا. كذَّاب! ما بيشتريها. لكن قصده منشان يرغبون الناس فيها ويشترونها؛ سواء اتفق مع البائع أو لم يتَّفق مع البائع فهذا النجش حرمه ﷺ قال: "وَلَا تَنَاجَشُوا".
يقول ﷺ: "لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ"؛ في الصحيحين.
قال: "وكان ﷺ يقول: "من تلقى الجلب -يعني الرُّكبان- قبل دخولهم فاشترى منهم شيئًا فصاحبُ السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق. وكان ﷺ ينهى عن بيع الرجل على بيع أخيه"؛ وذلك أن يأمر المشتري أن يرد البضاعة ليبيعُه أحسن منها بنفس الثمن أو يبيع مثلها بثمن أقل.
"وأن يسوم على سومه بعد استقرار الثمن ويرخص في ذلك ما دامت المزايدة من الناس" قائمة ولم يستقر ثمن فالأمر جائز. لكن إذا قد استقر الثمن بينهما فما بيجوز واحد يقول: أنا أشتريه بكذا. فلا يشتري على شراء أخيه ولا يبيع على بيع أخيه.
كما لا يجوز أن يخطب على خطبة أخيه، إذا علم أنه تقدَّم أحد إلى هذه الأسرة لخطبةاإبنتها وقد وافقوا فيجيء هو يُخطب ثاني مرة منشان يُشوِّش عليهم أو يُغرِيهم أو ليردُّوا الأول. إذا قد اتفقوا خلاص، ممنوع! ممنوع أن تخطب. أمَّا إذا لم يتَّفقوا بعد، ولم يردُّوا بالموافقة فيجيء الثاني والثالث ويتخيروا أهل البنت من شاءوا منهم، وأما إذا قد اتفقوا فحرام.
أما إذا لم يعلم بذلك فهو معذور، إذا كان نفسه لم يعلم أنه قد خطبت البنت، وليس على أهل البنت حرج في أن يأخذوا الثاني أو الأول ومن شاءوا، ليس عليهم حرج. الحرج إلا على الذي يخطب على خطبة أخيه وهو المأثوم.
ويقول: "إلا أن يأذن له أو يذر" يترك، بعدما اتفقوا فسخ في الخطوبة أو قال: تعال خلِّص أنا ما عاد أريد، لك أن تدخل في الخط، فهذا ذهب الغرر والتغرير والإضرار، والأمر دائر على "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، "إلا أن يأذن له أو يذر".
"وتقدَّم في باب التعفُّف عن المسألة أنه ﷺ باع قدَحًا وحِلسًا وصار يقول: "من يزيد، من يزيد""؛ حتى انتهوا على شيء فباعه النبي ﷺ نيابة عن صاحب القدح والحِلس، وذلك أنه جاء من يسأل ويشتكي الفاقة، قال له: ماذا في بيتك؟ قال: كذا وكذا وقدح، قال: رُح هات القدح والحلس، راح جابه، الذي هو زائد عن حاجته في البيت وعن ضرورته في البيت، فعرضهم ﷺ للبيع وقال: من يشتري هذين؟ قال: أنا اشتريهم بكذا، قال: "من يزيد" وقال: أنا اشتريهم بكذا، قال: "من يزيد" حتى وقف على الأخير، باع، قال: خذ! درهم أنفقه على أهلك وولدك، ودرهم رُح اشترِ به حطب وبِع. فراح بعد ذلك يتجر بالدرهم هذا وباع، أول بضاعة ثاني بضاعة.. وصار ينفق على أهله منها. لمَّا سأله ﷺ: كيف حالك؟ قال له: الآن أنا أتصدق يا رسول الله. فأرشدَهم إلى هذا المسلك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
رزقنا الله حُسْنَ مُتابعتِه، وحشرنا في زمرَتِه، وثبَّتنا على دربِه، وسقانَا من شربِه، وأدخلنا في حِزبِه، وجعلنا من خوَّاص أهل الاقتداء به، والسير على سبيله، وسقانَا من سلسبيله في عافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
23 صفَر 1448