كشف الغمة - 465 -  كتاب البيع: 13- النهي عن بيع المبيع قبل قبضه ومسائل أخرى

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 465 -  كتاب البيع: 13- النهي عن بيع المبيع قبل قبضه ومسائل أخرى

صباح الثلاثاء 21  صفر الخير 1448هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  ما يجوز النظر إليه لمن أراد شراء الأمة وأقوال العلماء
  •  النهي عن بيع ما لم يقبض وحكمة استقرار المُلك قبل التصرف
  •  متى يجوز بيع العقار قبل القبض؟
  •  حكم بيع الطعام قبل قبضه
  •  قول الشافعية في بطلان بيع ما لم يستقر ملكه مطلقا
  •  نهي النبي عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان
  •  أحكام الكيل المتكرر عند الشراء والبيع لدفع الغرر
  •  حسن الخلق مع الخدم
  •  التفرقة بين الأم وولدها في بيع الرقيق

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

"فرع: وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يرى الركون إلى البيع بيعًا، وكان -رضي الله عنه- إذا أراد أن يشتري جارية يواطئ أهلها على ثمن ثم يضع يده على عجزها وبطنها وقلبها ويكشف عن ساقها.

 

فرع: وكان ﷺ ينهى المشتري عن بيع ما اشتراه قبل قبضه ويقول: "إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه وتكتاله ثم تحوزه إلى رحلك"، وفي رواية: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه وينقله"، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ولا أحسب كل شيء إلا مثله، وكان ﷺ ينهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري فيكون لصاحبه الزيادة وعليه النقصان."

فصلٌ:

وكان ﷺ يقول: "إذا اشترى أحدكم الخادم فليكن أول ما يطعمه الحلوى، فإنه أطيب لنفسه".
وكان ﷺ ينهى عن التفريق بين ذوي المحارم في البيع"

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

 

الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان عبده وحبيبه وصفوته خير بريته سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحابته، وأهل ولائه ومحبته ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيرة عباد الله -تبارك وتعالى- وصفوته في خليقته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله- ما يتعلق بشأن البيوع وما ورد فيها من نواحيَ متعددة، وذكر في هذا الفرع ما يجوز أن ينظر إليه أو يمسه الرجل إذا أراد أن يشتري جارية: "وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يرى الركون إلى البيع بيعًا، وكان -رضي الله عنه- إذا أراد أن يشتري جارية يواطئ أهلها على ثمن" -أي: يتفق مع أهلها على ثمن- "ثم يضع يده على عجزها وبطنها وقلبها" -أي: من وراء الحجاب- "ويكشف عن ساقها".

  

وبذلك اختلف الأئمة فيما يجوز لمن أراد أن يشتري جارية ونحوها: 

  • فيقول الحنفية: 
    • إن الرأس والوجه والصدر والساق يجوز النظر إليه إذا أراد الشراء. 
    • وجاء أيضًا عندهم مع الأمن؛ إذا أمِنَ من الشهوة. 
  • وكذلك يقول أيضًا المالكية: 
    • يُكره كشف رجل مشترٍ لأمَةٍ صدرًا أو ساقًا أو معصمًا من أجل خشية الفتنة. 
    • وإنما ينظر الوجه والكفين فقط، ويحرم الجَس أي: المَس باليد. 
  • وهكذا يقول الشافعية: النظر إلى بدن الأمة عند ابتياعها إذا أراد أن يشتريها يجوز إلى المواضع التي يحتاج إلى تقليبها، فينظر ما عدا ما بين السرة والركبة. 
  • وهكذا أيضاً يقول الحنابلة: أن يكون نظره إلى الوجه واليد والرقبة والقدم والرأس والساق من أمَةٍ مُسْتَامَةٍ أي: معروضة للبيع يريد شراءها.

 

قال: وكذلك ذكر المسألة الثانية، قال: "وكان ﷺ ينهى المشتري عن بيع ما اشتراه قبل قبضه ويقول: "إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه وتكتاله ثم تحوزه إلى رحلك"، وفي رواية: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه وينقله" من محله الذي هو فيه؛ فإذا نقله من مكان إلى مكان فقد دخل في ملكه وثبت استقرار ملكه وحصل بذلك القبض. 

 

فلهذا يقول: الشيء المملوك قبل قبضه لا يجوز بيعه: 

ويقول الحنفية: 

  • لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض؛ لنهيه ﷺ عن بيع ما لم يُقبَض.
  • قالوا: والنهي يوجب الفساد؛ يوجب فساد البيع، فإذا اشترى شيئًا ولم يقبضه بعد؛ فلا يجوز له أن يبيعه على آخر حتى يقبضه. 
  • وهكذا قال لأنه بيع فيه غرر؛ غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، لأنه يحتمل الهلاك فلا يدري المشتري هل يبقى المبيع أو يهلك قبل القبض فيبطل البيع الأول وينفسخ الثاني، ونهى عما فيه غرر.
  •  قال الحنفية: أما العقار كالأراضي والدُّور غير منقولة هذه، و يجوز بيعه قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانًا منهم، ويقولون أنه لا غرر في العقار: 
    • إذ  لا يُتوهم هلاك العقار. 
    • ولا يُخاف تغيره غالبًا.
  •  فغير المنقول من الثابت عندهم يجوز بيعه قبل قبضه عند أبي حنيفة وأبي يوسف غير محمد.
    • فمحمد قال: لا، لا يصح إلا بقبضه. 
  • فيرون أن النهي جاء من أجل الغرر، وأن الغرر يكثر في المنقولات، وأما في الثوابت القائمة من الدور والعقار فلا يكون فيها غرر؛ فقالوا يجوز بيعها قبل قبضها.

 

وكذلك يقول المالكية

  • لا يجوز بيع الطعام قبل القبض رُبويًّا أو غير رُبويٍّ؛ لأن الربوي عندهم من الطعام ما ورد في الحديث الستة الأنواع التي وردت في الحديث: البر والذرة والشعير… إلخ، فيقول هذا الرُبويٍّ أو غير الرُبويٍّ لا يجوز بيعه قبل قبضه وإن كان طعامًا منقولًا "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه". 
  • قالوا: أما ما سوى ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه. 
  • قالوا: لأن الغلبة تحصل في تغير الطعام، فالعلة عندهم في منع البيع قبل القبض: أن يتخذوا البيع ذريعة للتوصل إلى ربا النسيئة، فهو شبيه ببيع الطعام بالطعام نسيئة.

 

قال الحنابلة

  • لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه إذا كان مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا؛ لسهولة قبض المكيل والموزون والمعدود، عادة ما يصعب عليه القبض ولا يتعذر عليه. 
  • وقالوا: إن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه يدل على إباحة البيع فيما سواه، وأن الأحاديث الأخرى لم تصح عندهم. 
  • واشترطوا الكيل أو الوزن أو العدد؛ لأن المكيل والموزون والمعدود لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن أو العدد، وقد نهى ﷺ عن بيع ما لم يُضمن. 
  • أما ما عدا المكيل والموزون والمعدود -يعني: غير المقدرات- فيصح عندهم أن يبيعها ولو قبل القبض.

 

وقال الإمام الشافعي ومحمد بن الحسن من الحنفية وزُفَر: 

  • لا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه مطلقًا قبل قبضه، عقارًا كان أو منقولًا كله سواء، طعامًا أو غير طعام؛ لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض. 
  • يقول حكيم بن حزام: يا رسول الله، إني أشتري بيوعًا فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: "إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه". 
  • "إذا اشتريت شيئًا" فهو عام عندهم: 
    • منقول. 
    • غير منقول. 
    • طعام.
    • غير طعام.
  • ما يمكن أن يبيع شيئًا حتى يقبضه أولًا ثم يبيعه للآخر. 
  • وقالوا: ما لم يقبضه كيف يسلِّمه؟ فهو غير مقدور على تسليمه فلا يصح بيعه.

 

قال: "كان ﷺ ينهى المشتري عن بيع ما اشتراه قبل قبضه، ويقول: "إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه وتكتاله ثم تحوزه إلى رحلك"، وفي رواية: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه وينقله" وهذا الذي أخذ به المالكية "طعامًا"؛ وخصصوه بالطعام.


يقول: "ولا أحسب كل شيء إلا مثله"، "قال ابن عباس"، وعليه مذهب الإمام الشافعي ومحمد بن الحنفية وزفر وغيرهم أنه أي شيء كان، وإنما ذُكر الطعام مثالًا ونموذجًا ولكن كل شيء.

 

وعندنا الحديث الثاني: "إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه"، أي شيء كان.
"وكان ﷺ ينهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري فيكون لصاحبه الزيادة وعليه النقصان".

يقول سيدنا عثمان: كنت أبتاع التمر من بطن من اليهود يُقال لهم بنو قينقاع وأبيعه بربح، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "يَا عُثْمَانُ: إِذا اشْتَرَيْتَ فَاكتَلْ، وَإذَا بِعْتَ فَكِل". 
وهكذا جاء في الرواية عن سيدنا عثمان بن عفان وحكيم بن حزام أنهما كانا يبتاعان التمر ويجعلانه في غرائر، ثم يبيعانه بذلك الكَيل الأول، فنهاهما ﷺ أن يبيعاه حتى يكيلا لمن ابتاعه منهما.


 فمن اشترى شيئًا مُكايلًا وقبضه ثم باعه إلى غيره، فينبغي أن يُعيد الكَيل، ما يسلمه بالكَيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيًا، وعليه الجمهور، فهو كذلك في مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رضي الله عنهم- المعتمد عندهم. 

وقد اشترط الفقهاء القبض قبل بيع المبيع في الجملة، فهذا من تمام القبض، فإذًا إذا اشترى شيئًا -وإن كان مَكيلًا- فينبغي عند الشراء أن يكيله ويتأكد منه، وإذا أراد بيعه فربما طرأ عليه طارئ أو أخذ منه أحد شيئًا أو ما إلى ذلك، فيكيله أيضًا للمشتري الجديد ويبيعه عليه.


"وكان ﷺ ينهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري، فيكون لصاحبه الزيادة وعليه النقصان".

فصلٌ:

"وكان ﷺ يقول: "إذا اشترى أحدكم الخادم فليكن أول ما يطعمه الحلوى، فإنه أطيب لنفسه" صلى الله عليه وصحبه وسلم فيما سَنَّه وشرعه من حسن الخلق ومراعاة الناس لبعضهم البعض، ومنهم المالكون إذا ملكوا أحدًا من الأرِقَّاء، فينبغي أن يراعوا ما يسر قلوبهم وما يجبر خواطرهم وما يعجبهم فيفعلوه.
 
"وكان ﷺ ينهى عن التفريق بين ذوي المحارم في البيع"

  • التفرقة بين الأم وولدها حتى يُمَيِّز حرام في بيع الرقيق، فهذا أمر متفق عليه. 
  • يقول سيدنا عمران بن حصين: قال رسول الله صلى الله عليه وصحبه وسلم: "مَلْعُونٌ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا"؛ أي: في بيع الولد دون الوالدة أو الوالدة دون الولد.
  • يقول سيدنا أبو أيوب -عليه رضوان الله-: سمعت رسول الله  يقول: "مَن فَرَّقَ بينَ والدةٍ وولدِها، فرَّقَ الله بينَهُ وبينَ أَحِبَّتِهِ يومَ القيامَةِ"، كما رواه الترمذي والحاكم أيضًا في المستدرك.
  • إذًا فالجمهور: مالك والشافعي وأحمد يقولون: التفريق بالبيع حرام. 
  • يقول الإمام مالك: يجب فسخه.

 

حضَرَتْ جنازة نريد أن نصلي عليها فنؤخر شرح الفصل هذا إلى اليوم المقبل إن شاء الله.
ملأنا الله بالإيمان واليقين والإخلاص والصدق، وجعلنا عنده من خيار الخلق، ورَقَّانا مراتب قربه في لطف وعافية، مع صلاح شؤوننا الظاهرة والخافية، وصلاح أحوال المسلمين أجمعين، ودفع البلاء عنا وعن المؤمنين. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

23 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

06 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام