(475)
(635)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 463 - كتاب البيع: 11- بيان ما لا يجوز فعله في البيع وما يجوز من الشروط -2-
صباح الأحد 19 صفر الخير 1448هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"وكان ﷺ ينهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. وكثيراً ما كان ﷺ يقول: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر". وكان ﷺ ينهى عن حبل الحبلة، وكانوا في الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. وكان ﷺ ينهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص.
وكان ﷺ يقول: "لا تبيعوا الثمر حتى يطعم، ولا الصوف حتى يجز، ولا اللبن حتى يحلب، ولا السمن في اللبن حتى يتميز من اللبن". وكان ﷺ ينهى عن المنابذة والثنيا والملامسة في البيع؛ والمنابذة في البيع أن ينبذ رجل إلى رجل بثوبه، وينبذ الآخر بثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ. وبالثنيا قوله: بعتك هذا الثوب إلا بعضه، أو إلا أن أشاء عدم البيع. والملامسة: لمس رجل ثوب الآخر بيده في ليل أو نهار ولا يقلبه.
وكان ﷺ ينهى عن المزابنة والمحاقلة. فالمزابنة: اشتراء التمر بالتمر في رؤوس النخل، والمحاقلة: كرى الأرض بالحنطة. وكان ﷺ كثيراً ما ينهى عن هذه الأمور ثم يقول: "إلا أن تعلم". وكان ﷺ يقول: "سيد السلعة أحق أن يسام". وكان ﷺ ينهى عن بيعتين في بيعة، ويقول: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا".
وكان ﷺ ينهى عن صفقتين في صفقة، وهو أن يقول رجل لآخر: ابتع هذا البعير مثلاً بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل. أو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بيننا بكذا وهو بنقد بكذا وكذا. وكان ﷺ ينهى عن بيع العربون، بأن يشتريه ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهي هبة".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريته عبده وصفوته سيدنا محمد، صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحابته وعلى أهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم، وعلى الملائكة المقرّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنّه يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يواصل الشيخ -رضي الله عنه- ذكر ما نُهي عنه من البيع وما لا يجوز فعله في البيع وما يجوز من الشروط، فقال: "وكان ﷺ ينهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر".
فما بيع الحصاة؟
بيع الحصاة: البيع بإلقاء الحجر، كان معروف في الجاهلية وجاء النهي عنه في الشرع المصون.
ومعنى بيع الحصاة التفسير الأول:
وهكذا كلهم فسروا بيع الحصاة بهذا الغرر، وأن يكون المبيع غير معلوم، وإنما حيث تصل الحصاة.
وهناك أيضًا تفسير ثاني لهذا النوع من بيع الحصاة:
فيقول البائع للمشتري في أرض مثلًا: بعتك من هذه الأرض من محل وقوفي إلى مبلغ الحصاة، يرمي والمحل الذي تقف فيه فهو بكذا، مجهول! هكذا ذكر هذا المعنى في بيع الحصاة بعض المالكية والحنابلة.
وكذلك معنى ثالث:
أن يقول البائع إذا رميت هذه الحصاة فهذا الثوب مبيع منك بعشرة، أي: يجعل الرمي هو محل صيغة البيع.
تفسير أيضًا رابع:
يذكره بعض المالكية والشافعية والحنابلة: يقول البائع للمشتري بعتك هذا بكذا على أني متى رميت هذه الحصاة وجب البيع ولزم خلاص ما في خيار،
وذكر بعض المالكية تفسير خامس:
يقول البائع للمشتري ارمِ بالحصاة فما خرج من أجزاء تلك الحصاة التي تكسرت كان لي بعدده دنانير أو دراهم بالبضاعة هذه.
والحاصل أنه في كل من هذه الصور إبهام إما الثمن أو المُثمن -البضاعة-؛ ففيه غرر.
أو يقول المشتري للبائع: ارمِ بالحصاة فما خرج من أجزائها المتفرقة حال رميها كان لك بعدده دنانير أو دراهم. نفسه.
أو يكون المراد بالحصى الجنس، يقول البائع للمشتري: خذ جملة من الحصى في كفك أو كفيك، وحرّكه مرة أو مرتين فما وقع، فلي بعدده دراهم أو دنانير.
الحاصل كله راجع إلى جهل في معرفة المبيع أو معرفة الثمن، فكل هذا يُطلق عليه بيع الحصاة وهو باطل، فهذا فاسد باتفاق الفقهاء وعلّلوا لكل صورة من الصور هذه ومرجعه إلى هذا الغرر الذي ذكرناه.
إذًا لا خلاف في فساد البيع بالحصاة.
قال: "وعن بيع الغرر"، اسم مصدر من التغرير والخطر والخدعة؛ تعريض المرء نفسه أو ماله للهلكة يقال غرر؛ غرّه غرًا وغرورًا وغِرة، فهو مغرور وغرير، خدعه وأطمعه بالباطل.
يعني: غرّته الدنيا؛ غروراً أي: خدعته بزينتها. غرّر بنفسه يعني: عرضها للهلكة. التغرير: حمل النفس على الغرر، ما كان فيه مجهول العاقبة لا يُدرى.
وكثيراً ما كان ﷺ يقول: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر"؛ بعده السمك وسط الماء يقول أنا بأصيدها وأبيعها عليك بكذا وكذا! رُح أول صِدْ وبعدين تبايع، مادامها في الماء تهرب عليك ولا تُحصِّلها ويكون كلام باطل وبيع باطل.
أيضًا فهذا وجود الغرر والجهالة؛ مثل: عبد آبق مجهول الصفة قبل الإباق، فهذا جهالة وغرر.
والجهل المتعلق بخارج عن الإنسان كمبيع ومشترى وإعارة وغيرها يقال له: جهالة، فمثل شراء العبد الآبق المعلوم قبل الإباق لا جهالة فيه ولا فيه غرر، فإذا كان غير معلوم قبل الإباق أيضًا ففيه غرر وجهالة، كله منهي عنه.
ويتعلق بذلك ما يُذكر في الغبن وهو: النقصان.
يقال: غبنه في البيع والشراء غبنًا، أي: نقصه، وغَبُنَ رأيُه غبنًا: قلّت فطنته وذكاؤه.
وغبنته في البيع يعني: خدعته، فمنه يسير ومنه فاحش.
ويتعلق بذلك ما يُقال له التدليس: كتم عيب السلعة.
إذًا:
الغرر أعمّ من التدليس، والغرر الذي يتضمن خديعة أو تدليس حرام ومنهي عنه.
"نَهي عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر".
قال الإمام النووي: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، وبيع ما فيه غَرٌّ ظاهر يمكن الاحتراز عنه ولا تدعو الحاجة إليه باطل.
فقد يكون الغرر في عقد البيع:
كل هذا مما جاء النهي عنه ونقرأ في الأحاديث مثل ماذا؟ الجهل بصفة المحل البضاعة، كيف؟
"وكان ﷺ ينهى عن حبل الحبلة":
"وحبل الحبلة" يقول: حَبَلت المرأة تحبل، ويُستعمل لكل بهيمة تلد إذا حملت بالولد، والوصف حُبلى والجمع حُبليات وحبالى.
ومعنى ولد الجنين الذي في بطن الناقة؛ لهذا قيل الحبلة لأنه أنثى، وإذا ولدت فولدها حَبَل. والمقصود بحبل الحبلة: النتاج، أن تُستَولد الدابة ثم تُستَولد ابنتها (حبل الحبلة) وهكذا.
الملاقيح: ما في بطون الأمهات من الأجنة.
والمضامين: ما في أصلاب الفحول، كله ممنوع.
فبيع حبل الحبلة والعقدُ باطل وحرام، عقده باطل وفعله حرام.
"وكانوا في الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. وكان ﷺ ينهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها" يقول: اللبن هذا اللي في ضرعها بنحلبه لك بكذا كذا خذه. كم هو؟ يخرج كثير ولا قليل؟ أول احلبه وبعدين بع، ما يجوز يبيعه قبل ما يحلبه!
يقول: "وعن بيع ما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق"؛ لأنه لا يتمكن من تسليمه.
وكان ﷺ يقول: "لا تبيعوا الثمر حتى يُطعم، ولا الصوف حتى يُجَز، ولا اللبن حتى يُحلب، ولا السمن في اللبن حتى يتميّز من اللبن" ويستخرج.
كذلك "المنابذة والثنيا"؛ يعني: الاستثناء، يستثني بعض المبيع.
"والمنابذة في البيع أن ينبذ رجل إلى رجل بثوبه، وينبذ الآخر بثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ"؛ "وبالثنيا قوله: بعتك هذا الثوب إلا بعضه، -كيف إلا بعضه!؟- أو إلا أن أشاء عدم البيع" كله باطل. "والملامسة: لمس رجل ثوب الآخر بيده في ليل أو نهار ولا يقلبه".
"وكان ﷺ ينهى عن المزابنة والمحاقلة. فالمزابنة: اشتراء التمر بالتمر في رؤوس النخل، والمحاقلة: كرى الأرض بالحنطة. وكان ﷺ كثيراً ما ينهى عن هذه الأمور ثم يقول: "إلا أن تعلم" -تكون مبينة قدرًا وصفة-.
"وكان ﷺ يقول: "سيد السلعة أحق أن يسام"، وكان ﷺ ينهى عن بيعتين في بيعة، ويقول: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا".
"وكان ﷺ ينهى عن صفقتين في صفقة، وهو أن يقول رجل لآخر: ابتع هذا البعير مثلاً بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل. أو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بيننا بكذا وهو بنقد بكذا وكذا.
"وكان ﷺ ينهى عن بيع العربون، بأن يشتريه ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا .." وإلا خلاص يأخذها له! ما يصح، إنما أن تكون جزءًا من الثمن فقط هذا ما يضر، لكن إن ما تمّ البيع خلاص هي لك! هذا ممنوع.
أما الذي يوضع في ماء مقدور عليه، في مثل ايش؟ في إناء صغير وشفاف يُرى من جميع الجوانب فهذا ما هناك غرر فيه يأخذه ويلتقطه. الماء في نهر جاري أو في بحر ما يدري يصيده أم لا يصيده؟ يقدر عليه أم لا يقدر عليه؟ أما المحبوس في صندوق ماء يفتحه ويخرجه هذا في قبضة اليد ما يضر.
كذلك ممنوع البيع فيه برمي الحصاة، ما يمكن وباطل، ولا بد من تحديد الأرض بأذرع أو أمتار -أي مقياس- أما لا يجوز برمي الحصاة. فيجب نهي العوام عن ذلك وتبيين أنه باطل في الشرع لا يجوز.
رزقنا الله الاستقامة والاقتداء بنبينا سيد أهل الإمامة، والاقتداء بهديه في جميع الشؤون الخاصة والعامة. وفرّج كروب أمته، وجعلنا في خيار أمته، وأنفع أمته لأمته، وأبرك أمته على أمته، ونفعنا بأمته عامة وبخاصّتهم خاصة.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
21 صفَر 1448