كشف الغمة - 462 -  كتاب البيع: 10- بيان ما لا يجوز فعله في البيع وما يجوز من الشروط

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 462 -  كتاب البيع: 10- بيان ما لا يجوز فعله في البيع وما يجوز من الشروط

صباح السبت 18 صفر الخير 1448هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  • أصل التراضي في العقود واشتراطه لصحتها
  •  اشتراط الرضا: متى ينعقد البيع مع الإكراه؟
  •  الفرق بين الفساد والبطلان في العقود المالية
  •  حكم بيع المعاطاة (دون التلفظ بالإيجاب والقبول)
  •  رأي الشافعية في بيع المعاطاة للنفيس والحقير
  •  وعيد تاركي الجهاد المنشغلين ببيع العينة
  •  تعريف بيع العينة وحيلتها المحرمة
  •  أقوال المذاهب في حيل الربا المغلفة بظاهر البيع
  •  قصة السيدة عائشة مع تعاملات زيد بن أرقم
  •  متى يُنزع الذل عن الأمة؟
  •  مكانة سوق المسلمين: لا يبيع فيه إلا من تفقه في الدين

     

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

باب ما لا يجوز فعله في البيع وبيان ما يجوز من الشروط

 

"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ يقول: "إنما البيع عن تراضٍ". وكان ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر في الحرث والزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم". قال العلماء: والعينة هي أن يشتري من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به، ويسقط له الزائد في نظير صبره عليه، وذلك ربا.

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة والأحكام، وبيانها على لسان حبيبه خير الأنام سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم، أفضل الصلاة والسلام على آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الكرام سادات الأنام، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله- في هذا الفصل ما لا يجوز فعله في البيع وبيان ما يجوز من الشروط. 

وذكر الحديث الأول عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ يقول: "إنما البيع عن تراضٍ"، "إنما البيع عن تراضٍ"، وهذا أصل من الأصول في المعاملات، وهو الموافق لقوله تبارك وتعالى:( إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْۚ)[النساء:29]، فاشتراط الرضا في المعاملات هو الذي يقوم عليه بعد ذلك ما يتعلق بصحة العقود والبيع فيها، فالرضا والاختيار أساس في العقود: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْۚ)[النساء:29].

 

والحديث أيضاً هذا الذي أخرجه الترمذي وأبو داود وهو أيضاً عند ابن ماجه يقول: "إنما البيع عن تراضٍ". وقد جاء بالأسانيد الصحيحة عنه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

والرضا

  • سر القلب وطيب النفس، ضد السخط والكراهة.
  • ويقولون: هو قصد الفعل دون أن يشوبه إكراه. 
  • ويقول الحنفية: امتلاء الاختيار، أي: بلوغ نهايته فتفضي أثره إلى الظاهر من البشاشة في الوجه، أو إيثار الشيء واستحسانه. وبذلك كان للحنفية بعض التفصيل:
    • في أن الرضا شرط لصحة العقود التي تقبل الفسخ وهي العقود المالية من بيع وإجارة ونحوها لا تصح إلا مع التراضي. 
    • وقد يقولون بانعقاد العقود المالية لكنها تكون فاسدة، كما في بيع المكره ونحوه، فمن شروط صحة هذه العقود التراضي؛ فأصل العقود المالية تنعقد عند الحنفية من دون الرضا لكنها لا تكون صحيحة، فينعقد بيع المخطئ مثلآ أو المكره لكنه يكون فاسداً لعدم الرضا حقيقة. 
    • وفرقوا بينها وبين العقود التي لا تقبل الفسخ مثل النكاح، ويقولون هذا الرضا ليس فيه شرطاً، فيصح عندهم مثل النكاح والطلاق ونحوه ولو مع الإكراه، هذا كلام همج.

 

  • أما جمهور الفقهاء فيقولون: الرضا أصل وأساس وشرط للعقود كلها، فلا ينعقد العقد إذا لم يتحقق الرضا، سواء كان مالي أو غير مالي مما يقبل الفسخ وما لا يقبل الفسخ، لا بد من الرضا. 
  • وبهذا أيضاً يُعرف أن الفساد والبطلان واحد عند المالكية والشافعية والحنابلة.
  • لكن عند الحنفية الفساد يباين البطلان بالنسبة للمعاملات؛
    • البطلان عندهم: مخالفة الفعل للشرع لخلل في ركن من أركانه أو شرط من شروط انعقاده.
    • أما الفساد: مخالفة الفعل للشرع في شرط من شروط صحته، ففرقوا فيه بين هذا. 

فإذًا التراضي مشروط للصحة عند الجميع كما سمعنا في الآية والحديث.

 

فكيف يكون البيع الذي يسمى بيع المعاطاة؟ 

وهو الذي يدفع فيه المشتري الثمن والبائع البضاعة من دون ألفاظ "بعتك" ولا "اشتريت" ولا "قبلت" ولا "بعني" ولا شيء، ولكن يتفق بكم تبيع هذا؟ يقول كذا، يسلمه هذا ويستلم هذا، فهذا يسمى بيع المعاطاة أو بيع المراوضة: يتفق المتعاقدان على ثمن ومثمن، ويعطي كل منهم من غير إيجاب ولا قبول، فما يوجد لفظ، أحدهما يأخذ المشتري ويدفع للبائع الثمن، أو يدفع البائع المبيع ويدفع له الآخر الثمن من غير ألفاظ العقد:

  • هذا يقول فيه الأئمة الثلاثة الحنفية والمالكية والحنابلة -كما هو الأرجح عندهم عند الحنابلة- أنه صحيح، يصح بيع المعاطاة متى كان هذا معتاداً دالاً على الرضا؛ ما دام معتاد  يدل على الرضا في عرف الناس ومجتمعاتهم ويعبر عن تمام إرادة كل من المتعاقدين، فالبيع يصح بكل ما يدل على الرضا. قالوا: لأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر ولم يُنقل إنكاره عن أحد فكان ذلك كالإجماع، فالقرينة كافية هنا التي تدل على الرضا تكفي عندهم.
  • قال الشافعية: يشترط أن يقع العقد بالألفاظ الصريحة أو بالكناية مع النية بالإيجاب والقبول، فمعتمدهم أنه لا يصح بيع المعاطاة سواء أن كان المبيع نفيس أو حقير . وقالوا لأن قوله ﷺ: "انما البيع عن تراضٍ" والرضا أمر غيبي معنوي ما نعرفه ولا نستطيع أن نطلع عليه إلا بالتعبير وباللفظ، فلا بد من الإيجاب والقبول. 
    • واختار جماعة من الشافعية منهم الإمام النووي والإمام البغوي والمتولي صحة انعقاد بيع المعاطاة في كل ما يعده الناس بها بيعاً، ما يعده الناس بها بيعاً؛ قالوا لأنه لم يثبت اشتراط لفظ معين فيه نص، قالوا فيُرجع إلى العرف كسائر الألفاظ. قال الإمام النووي: وهذا هو المختار للفتوى. 
    • وبعض الشافعية مثل ابن سريج والروياني يقولون: في المحقرات يصح بيع المعاطاة، في الأمور النفيسة الكبيرة ما يصح بيع المعاطاة، فيقولون: ما جرت العادة فيه بالمعاطاة من الأمور المحقرات كربطة الخبز وحزمة بقل وما إلى ذلك فيصح فيها المعاطاة.
    • لكن اختيار الإمام النووي أنه إذا وجدت قرينة الرضا بأي شيء صح البيع بالمعاطاة.

 

فإذاً مما هو أيضاً مقرر عند الفقهاء أن الزواج ما ينعقد بالفعل، لا بد من القول للقادر عليه لخطره؛ فلا بد فيه من الاحتياط له وإتمامه بأقوى الدلالات على الإرادة، وهكذا يختلف عن غيره، بل اشترطوا في لفظ النكاح أن يكون بلفظ النكاح أوالتزويج إن قالوا التزويج لابد أو ترجمتهما باللغات الأخرى، لما في ذلك من الاحتياط في الأعراض. فهنا ما يتأتى بالإجماع أن يكون الزواج أن يقول: سلِّم المهر وخذ البنية، ما شيء منه ما يصح، لا بد من ألألفاظ فيها "زوجتك" و"قبلت" هذا باتفاق الفقهاء أيضاً في هذا.

 

ثم ذكر لنا قوله ﷺ: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر في الحرث والزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم". يبيّن ﷺ -هذا الحديث عند أبي داود وعند الإمام أحمد في مسنده والبيهقي في السنن الكبرى- يبيّن صلى  الله عليه وآله وصحبه وسلم أن الأمة تتعرض في مراحلها للإغواء والإغراء بالإقبال على الدنيا والتنافس فيها، والبعد عن إدراك مهمة الجهاد في سبيل الله والقيام بأمر الله على ظهر هذه الأرض؛ وأنه عندئذ يذلهم الله تبارك وتعالى بسبب إعراضهم عن أمره وتعظيمهم لشعائره ودينه، فيذلون كما نقرأ ذلك في واقع الحال لعامة المسلمين، وعلامة ذلك تساهلهم في العقود وأخذ الأموال ليكون الأصل فيه تحصيل الربح بأي كيفية كانت. وفي هذا الانحطاط الإيماني الذي حذر منه؛ قالوا: مَن لم يبالِ مِن أيّ باب دخل عليه الرزق لم يبالي الله به في أيِّ وادٍ من أودية جهنم أهلكه، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 

فيصيب المسلمين ما يصيب أهل الجشع من الكفار ومن لا يؤمن بيوم الحساب من إرادة كسب المال وتوفيره بأي طريقة وتحت أي حيلة وأي وسيلة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ومنه فيحصل التبايع بالعينة الذي ذكره .

العينة:

  • في اللغة يأتي بمعنى السلف، يقول: اعتَانَ الرجل شيئاً بشيء نسيئةً، واشترى نسيئةً يقول اعتَانَ.
  • ولكن يقول الفقهاء: بيع العينة بثمن زائد نسيئة ليبيعها المستقرض بثمن حاضر أقل ليقضي دينه، يبيع شيئ من غيره بثمن مؤجل ثم يسلمه إلى المشتري، ويشتريه بائعه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر. 
  • يقول في الشرح الكبير للمالكية: بيع من طلبت منه سلعة قبل ملكه إياها لطالبها بعد أن يشتريها فهي قرض في صورة بيع من أجل استحلال الفضل للربا؛ وهذا حيلة من الحيل .

العينة المنهي عنها أشهر تفسيراتها: أن يبيع سلعة بثمن إلى أجل معلوم ثم يشتريها نفسها نقداً بثمن أقل، فكأنه أقرضه ذاك الثمن الكبير واسترد منه هذا الذي أعطاه، وبقي هذا الفضل الزائد زيادة فوق ما أقرضه إلا الذي اشترى به، ويسترد منه أكثر من الذي اشترى به؛ فيبيعه إياها بخمسة عشر ألف ويشتريها منه بعشرة آلاف ويسلم له العشرة الآلاف، فكأنه أقرضه عشرة آلاف واستلم مقابلها خمسة عشر ألفاً، فكأنه  قرض ربا. لاحول ولاقوة الابالله العلي العظيم فالزائد هذا بين الثمنين هو ربا يقع للبائع الأول، فتؤول العملية إلى قرض عشرة وخمسة عشر، وهكذا.

 

  • فعامة الفقهاء يقولون -الأئمة الثلاثة-: لا يجوز هذا البيع؛ عند أبي حنيفة ومالك وأحمد -عليهم رضوان الله- يقولوا: لا يجوز هذا البيع ولا يصح هذا البيع. حتى يقول محمد بن الحسن فقال: هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال، قال: ما اخترعه أَكَلَةُ الربا. يتحايلون بصورة البيع، وهو إلا بيأخذ منه مال أكثر ويعطيه مال أقل، ودخلو صورة البيع وهو إلا كله عبارة عن قرض، ولكن دخّلوا البيع لكي يبعدوا أنفسهم من الربا، لا إله إلا الله.
  • وجاء عند بعض الشافعية: أنه إذا تم بيع صحيح ثم تم شراء صحيح آخر بيع صحيح آخر؛ فإنه يُحمل على ظاهر العقد وتوافر الركنية، لا إله إلا الله. 
  • ويقول ابن قدامة من الحنابلة: ثمنٌ يجوز بيع السلعة به من غير بائعها فيجوز من بائعها كما لو باع بثمنها؛ وهذا قول عند الحنابلة والمعتمد عندهم أنه حرام ولايصح ولا يجوز. 
  • وهكذا يقول الشافعية إنه مكروه، كما جاء في المغني المحتاج يقول: بيع المكروه كبيع دور مكة وبيع العينة، عدّوه في المكروهات. وكذلك في التحفة قال: "وقد يُكره أي: البيع كبيع العينة، وكل بيع إختُلف في حله يكون مكروهاً إذا صححه المذهب ولكن غيره من المذاهب يبطله فهو مكروه. فبهذا نعلم وجوب الاحتياط في مثل هذه الأشياء.
  • وقد قال المالكية: أنه سلف جرَّ نفعاً، وما ينفع فيه صورة البيع هذه التي تمت وإنه عبارة عن سلف. -هم دارين بأنفسهم، هذا بغى فلوسه وذا بغى ربحاً منه- فيصلحون صورة البيع، ولا قصدوا ذاك يشتريه ولا له غرض في البضاعة، له غرض في الثمن الثاني الذي بيجيه هذا، فكأنه يأخذ قرضاً. 

 

وقال سيدنا الإمام الحداد:

ليس دين الله بالحيلِ * فانتبه يا راقد المقلِ

يا لقلبٍ جاهلٍ لاهٍ * أنت بعد اليوم في شغلِ

 

  • وقال الحنابلة: مما يدل على تحريمه ما جاء عن أبي إسحاق السبيعي يقول عن امرأته العالية قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم على عائشة -رضي الله عنها- فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاماً من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم نقداً. فقالت لها: فقالت لها: "بِئسَ ما اشتَرَيتِ! وبِئسَ ما شَرَيتِ! إنَّ جِهادَه مع رَسولِ اللهِ قد بَطَل إلَّا أن يتوبَ"؛ هكذا أخرجه الدارقطني، ونبّهت على ذلك السيدة عائشة: قالت  يصلح كذا ويبطل جهاده كله! لا يتعامل بهذه المعاملة.

 

قال: فهو ذريعة إلى الربا ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل، والذريعة معتبرة في الشرع بدليل منع القاتل من الإرث وهكذا، وهنا ذريعة فيمنع من ذلك ويُعد من جملة الربا. وكذلك فيما ورد أنه ﷺ قال: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة..." وكما في رواية في هذا الحديث الذي قرأناه: "...وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يرجعوا أو يراجعوا دينهم". 

وما ينزع الذل عن الأمة إلا أن تعظِّم شرع الله ومنهج الله، وتعود إلى منهج الله حينئذٍ يرفع الله الذل عنهم؛ ومن دون انقياد وخضوع لحكم الله المبين على لسان محمد، لا عزة ولا شرف ولا كرامة، بل يُفرض عليهم الذل. وحالهم كما قال في الحديث الآخر: "ولتُقذفنّ مهابتكم من قلوب عدوكم، ولتقذفنَّ في قلوبكم المهابة من عدوكم". أنتم تهابونهم وهم ما يهابونكم، يستغلونكم ويضحكون عليكم؛ لأنكم أهنتم شرع الله ودين الله تعالى وحكمه، ورضيتم بالأنظمة المخالفة للشرع المصون، وما باليتم ببلاغ الأمين المأمون، فتُضَلّون لأجل ذلك. والعياذ بالله تبارك وتعالى، وإنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين قال عنهم: (فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[النساء:65].

 

وفي الرواية الأخرى الذي ذكر: "إذا تبايعتم بالعِينةِ، وأخذْتُم أذنابَ البقرِ، ورضيتم بالزَّرعِ، وتركتُمْ الجهادَ؛ سلَّطَ اللهُ عليكم ذُلًّا لا ينزعُه حتى ترجعوا إلى دينِكم"، وهكذا جاء بالرواية بأسانيد فيها الثقات. 

"قال العلماء: والعينة هي أن يشتري من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به، ويسقط له الزائد في نظير صبره عليه، وذلك ربا".

 

 

"وكان ﷺ ينهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر ويأتي بعد ذلك بيوع أخرى نهى عنها صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ويكون فيها الفساد. قال سيدنا عمر بن الخطاب: "من لم يتفقه في ديننا فلا يبع في سوقنا". إنما أماكن المسلمين محل تطبيق لمنهج الله وشرعه، ما يقام فيها الأهواء ولا الآراء في مقابل أحكام السماء ورسول رب الأرض والسماء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

 

أحيا الله ما مات فينا من شريعة خير البريات وسننه الرفيعات، ورزقنا حسن متابعة له ظاهراً وباطناً في خير ولطف وعافية إنه أكرم الأكرمين.

 

(مداخلة):

 

ماذا تنصحهم؟ ذكرهم بشيء، ذكرهم استمدينا واستمديتم، بسم الله ذكرهم بشيء، آمين. فلنكمل الدرس، اختموه، ولا رتب الفاتحة ولا واحد؟ بسم الله انصحوا:

كلمة الداعية محمد بن عقيل الحامد:

الحمد لله، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما أسمعنا وما علمنا، وأن يجعل العلم في قلوبنا إن شاء الله، ويجعل آذاننا واعية وقلوبنا صاغية، ويمتعنا بعلمائنا وحبائبنا ومشايخنا إن شاء الله، يطيل الله في أعمارهم ويديم بقاءهم في خير وعافية. حبيبنا عمر حفظه الله وأطال الله في عمره وأطال الله في بقائه، وزاده الله من كل خير ظاهر وباطن إن شاء الله في خير وعافية.

 

ماشاء الله هذه المجالس التي تُغبَط، وهذه المجالس التي يتحسر الإنسان إذا فاتت عليه، إذا فاتت عليك مثل هذه المجالس العظيمة التي فيها الدرر والجواهر والفوائد والمسائل والشوارد.

والتفقه في دين الله سبحانه وتعالى، من أعظم ما يتعلم الإنسان. "إنما الفقه بالتفقه" يقول: "وإنما العلم بالتعلم وإنما الفقه بالتفقه". والآن أكثر الناس أعرضوا عن هذه المجالس، وصارت شغلتهم كما سمعنا شغلتهم الدنيا وشواغل الدنيا وأفكار الدنيا. وصارت المدارس.. كانت المدارس هذه عندنا في حضرموت ما شاء الله معمورة، في الصباح معمورة يحضرها طلاب العلم، يحضرها الكبار، يحضرها الصغار، يحضرون ويستفيدون ما شاء الله، يستفيدون من علمائهم. وكم سمعنا في هذه اللحظة الآن من الفوائد؟ وكم سمعنا من المسائل؟ ولكن أين من يقيّد هذه الفوائد ومن يحفظها؟

العلم صيد والكتابة قيده *** قيد صيودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة أن تصيد غزالة *** ثم تتركها بين الخلائق طالقة

 

سمعنا فائدة، إذا سمعنا مسألة من المسائل نقيدها. يُذكر عن بعض المشايخ يقول: "اكتب أحسن ما تسمع، واحفظ أحسن ما تكتب، وأروِ أحسن ما تحفظ". هكذا ينبغي لطالب العلم أن يكتب ما يسمعه من الفوائد، ما بتجدها لا في كتاب. ولكن كان يذكرنا الحبيب محمد -عليه رحمة الله- الهدار يقول: عندما يحضر إنسان عند شيخه، قال كم يستفيد من الفوائد؟ قال هو قد راجع وقد حصّل هذه المسائل وجمعها لك، فيأتي لك بالخلاصة. وأنت إذا أردت أن تأتي بها بتبحث كذا كذا كتاب ما بتجدها، وهي في جلسة واحدة جاءتك هذه الفوائد، فالحمد لله على هذه النعمة.

 

فنسأل الله يزيدكم، وهنيئاً لكم ما شاء الله مجالسة حبيبنا عمر حفظه الله. كم يتمنى الإنسان أن يحضر مثل هذه المجالس ولكن قدرة الله -سبحانه وتعالى- لكن النيات إن شاء الله، القلوب هنا تحضر إن شاء الله بنياتها ومقاصدها. وأنتم هيأ الله لكم هذه الأسباب، وهيأ الله لكم هذه وجلستم بين يدي هؤلاء العلماء، فالحمد لله، احمدوا الله على ذلك واشكروه، واطلبوا الزيادة من ذلك بأن تستفيدوا وتقيدوا وتعظموا هذه المجالس.

 

فنسأل الله جل وعلا يبارك لنا ولكم إن شاء الله. ما جينا إلا لنستمد ونستفيد، ما جينا نتكلم لكن امتثالاً لأمر الحبيب عمر ولسنا أهل الكلام، ولكن نحن بغرض جينا نستفيد، جينا نحضر مثلكم في هذا المجلس ونستفيد إن شاء الله. فالله يحقق لنا ولكم النيات والمقاصد، ويعيننا وآباءنا ومشايخنا، يمتعنا الله بعلمائنا ومشايخنا حبيبنا عمر حفظه الله وأطال الله في عمره وأقر الله عينه بأهله وأولاده وطلابه ومن أحاطت به شفقة قلبه إن شاء الله. ويحفظ جميع علمائنا ومشايخنا وحبائبنا وعلماؤنا ودعاتنا، نسأل الله أن يطيل في أعمارهم ويمتع الله بهم في خير ولطف وعافية، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين والعفو منكم .

 

ختام المجلس والدعاء:

 جزاكم الله خيراً، أحسن الله إليكم وتقبل ذلك منا منكم وأسعدنا من أفضاله، وجزيل نواله، وحسن الاستقامة، وأتحفنا بأنواع الكرامة، وصلاحاً للقلوب والقوالب في الطاهر والباطن وصلاح البلاد والعباد والأمة، وفرجاً عاجلاً ولطفاً شاملاً، وصلاح أحوال المسلمين، واثبتنا وإياكم في ديوان أهل التفقه في الدين، وأهل المتابعة لحبيبه الأمين، مع الفوز والنجاح والسعادة في الدارين. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

21 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

03 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام