(635)
(475)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 459 - كتاب البيع: 7- التسعير وتحريم الاحتكار
صباح الإثنين 13 صفر الخير 1448هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل
في التسعير وتحريم الاحتكار
"كان رسول الله ﷺ يكره التسعير إذا غلا القوت ويقول لهم إذا قالوا سعر لنا: "إن الله هو القابض الباسط الرزاق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله -عزّ وجلّ- ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال"، وكان ﷺ يقول: "إذا رأيتم عموداً أحمر من قبل المشرق في شهر رمضان فادخروا طعام سنتكم فإنها سنة جوع"، وكان ﷺ ينهى عن احتكار الأقوات ويقول: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده بمعظم من النار يوم القيامة"، وكان ﷺ يقول: "لا يحتكر إلا خاطئ"، وكان ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس"، وفي رواية أخرى: "من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خاطئ"، وكان سعيد بن المسيب -رضي الله عنه- يحتكر الزيت.
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: لا حكرة في سوقنا لا يعمد رجال بأيديهم فضول من ذهب إلى رزق من أرزاق الله ينزل بساحتنا فيحتكرونه علينا ولكن أيما جالب جلب في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء، وليمسك كيف شاء، وكان ﷺ ينهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس؛ يعني أن يكسر الدرهم فيجعل فضة أو يكسر الدينار فيجعل ذهباً، والله أعلم.
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ لله مُكرِمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريََته، عبده وصَفوته سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه وأهل متابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل قُرب الله ومعرفته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويتحدث الشيخ -عليه رحمة الله- في هذا الفصل عما جاء في التسعير والاحتكار، ويقول: كان رسول الله ﷺ يكره التسعير إذا غلا القوت ويقول لهم إذا قالوا سعِّر لنا: "إن الله هو القابض الباسط الرزاق المسعر ظلمتها إياه في دم ولا مال"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وفيها بيان أن هذا التسعير لغير ضرورة ليس للحاكم، إلا إذا جاءت هناك شروط بأن تجاوز الحد البائعون لما يحتاج إليه الناس في قوتهم ومعاشهم، فصاروا يبيعونه بضعف ثمنه وزيادة على ذلك، ويشق ذلك على عامة الرعية، حينئذٍ يجوز لهم التسعير، وإلا فلا يجوز.
لأن الأصل فيه أنه على حسب ما ييسر الله تعالى للخلق:
فإذا حصل فيها التثمين والتسعير والتقويم صار ذلك عند الكثير على غير طيب نفس، وصار على غير رِضى؛ فيبقى الأمر على ما هو عليه في مسألة التسعير الذي هو تقدير السعر، يعني: يُجعل له سعر معلوم ينتهي إليه.
فهذا هو ما كان في حكم التسعير، والأصل فيه هو المنع:
واستدلوا أيضاً بالمنع لقوله: "وإني لأرجو أن ألقى الله -عزّ وجلّ- ولا يطلبني أحد بمظلمة"؛ فسمَّى التسعير مظلمة إذا كانت لغير ضرورة ولغير حاجة. فلهذا ابتعد عنها ﷺ.
وذكر بعد ذلك الادِّخار، وفرَّق بين التسعير والادِّخار في قوله:
"إذا رأيتم عمودًا أحمر من قبل المشرق في شهر رمضان فادخروا طعام سنتكم فإنها سنة جوع" أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، وكذلك هو في مجمع الزوائد، رواه الطبراني في الكبير والأوسط.
وهذا يكون في بعض السنين التي تأتي في آخر الزمان، ويظهِرُ الله هذه العلامة للناس، فيرون من جهة المشرق عمودا أحمر في شهر رمضان فيكون لهم علامة، فعلى المؤمنين عند ذلك أن يدخروا قوت السنة، فإنها تكون سنة جوع كما أرشد ﷺ.
قال: "وكان ﷺ ينهى عن احتكار الأقوات":
فأيضًا الاحتكار في اللغة معناه: الحبس، حبس الطعام إرادة الغلاء.
حكم من احتكر؟
أن يأخذ الحاكم ما عنده من البضاعة، ويبيعها قهراً بالثمن المتوسط المعقول.
إذًا: جاءت عدد من الأحاديث في الاحتكار، ومنها: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده بمعظَمٍ من النار يوم القيامة" هكذا عندكم.
"من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه" وكان سبب لإيذاء المسلمين، يُعظُم عليه العذاب في النار، ويأخذ النصيب الوافي من عذابها كما كان آذى المسلمين في الدنيا، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فالنبي ﷺ يقول: "لا يحتكر إلا خاطئ" خارج عن سواء السبيل "؛ كما جاء في صحيح مسلم والترمذي وأبي داود "لا يحتكر إلا خاطئ"
"من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس"، فيمرض ويصيبه بعد ذلك الإفلاس والفقر -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ كما جاء في مسند الإمام أحمد وعند الحاكم في المستدرك.
ويقول: "من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خاطئ"، "وكان سعيد بن المسيب رضي الله عنه يحتكر الزيت" ما يُعدُّ فيه، ما يُعدُّ أنه من المنهي عن احتكاره، والمقصود كل ما يحتاجه الناس في حركة حياتهم، ويكون حاجتهم إليه شديدة، ثم يدخره عنهم.
حتى يقول: "مَنِ احتكرَ الطعامَ أربعينَ يومًا ثمَّ تصدَّقَ بهِ لمْ تكنْ صدقةٌ كفارةٌ للاحتكارِ"، حتى تصدق به بعد ذلك، لكن لأنه أخَّره في وقت حاجة الناس إليه.
"وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: لا حكرة في سوقنا لا يعمد رجال بأيديهم فضول من ذهب إلى رزق من أرزاق الله ينزل بساحتنا فيحتكرونه علينا ولكن أيما جالب جلب في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء، وليمسك كيف شاء"، وهكذا جاء أيضاً عنه أنه مرّ ببعض الصحابة، ووجده يبيع زبيبا كان بأرخص مما هو في السوق، فقال: إما أن ترفع السعر، وإما أن تخرج من سوقنا، تبيع في مكان ثانٍ". ثم حاسب نفسه ورجع إليه، وقال: "إنما كنت أمرتك بذلك لمصلحة المسلمين، فبِع حيث شئت، وبكم شئت، وكيف شئت، ما أحكر عليك شيء ولا أسعِّر عليك في شيء.
"وكان ﷺ ينهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس؛ يعني أن يكسر الدرهم فيجعل فضة أو يكسر الدينار فيجعل ذهباً"، فيتعامل بما ساد في بلده من عملة الذهب أو الفضة، ولا يتجاوز ذلك إلا لحاجة وضرورة، ولهذا قد يختلف سعر الذهب مقابل الفضة.
وإن كان في عصره ﷺ غالباً كان الدينار بعشرة دراهم، عشرة دراهم تكون قيمتها دينار، ولكن قد يختلف ذلك باختلاف الأوقات. فقال: "لا تتبادلوا بينها إلا لحاجة تكون هناك".
رزقنا الله الاستقامة، وأتحفنا بالكرامة، وملأنا بالإيمان واليقين، وجعلنا في الهداة المهتدين، ورقَّانا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، وأصلح شؤوننا وشؤون الأمة، ودفع عنا البلايا، وأصلح الظواهر والخفايا، وفرَّج كروب المسلمين، واجعلنا فيمن ترعاهم عين عنايته في الظاهر والباطن، وحسن أداء الأمانة على وجه الأرض في خير ولطف وعافية
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
14 صفَر 1448