كشف الغمة -436- كتاب الطب (8) باب: ما جاء في الرقى والتمائم
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة -436- كتاب الطب: باب: ما جاء في الرقى والتمائم
صباح الأحد 7 ذو الحجة 1447هـ
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- ما هي الرقية والتمائم؟
- شروط إباحة الرقية
- الفرق بين الرقى الجاهلية الممنوعة والشرعية
- طلب الرقية من العين واللدغات، ونفث صبيان الأهل
- تعليم النساء الكتابة واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي
- قصة في عرض الرقى على النبي وإقرارها
- أحكام الرقى وحل المعقود
- رقية النبي بالمعوذات، ورقية السيدة عائشة في مرض موته
- قصة أبي سعيد الخدري وسرية الصحابة مع الرقية
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
باب ما جاء في الرُّقَى والتمائم
"كان ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرُّقَى والتمائم والتولة شرك"، قيل لابن مسعود: ما التولة؟ قال: هو تحبيب المرأة إلى زوجها، وكان ﷺ يقول: "من تعلق تميمة فلا أتمّ الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودَّع الله له"، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء إنما التميمة ما يعلق به قبل البلاء، وكان ﷺ يقول: "ما أبالي ما تركت وما أتيت إذا أنا شربت ترياقاً أو علقت تميمة أو قلت الشعر من قبل نفسي"، قال العلماء -رضي الله عنهم-: وهذا كان للنبي ﷺ خاصة، وقد رخّص في الترياق قوم.
وكان ﷺ يرخص في الرقية من العين والحمة والنملة؛ والحمة لسعة العقرب، والنملة قروح تخرج في الجنب، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: "دخل رسول الله ﷺ على قوم وعندهم صبي يبكي، فقال رسول الله ﷺ ما لصبيكم هذا يبكي هلا استرقيتم له من العين"، وكانت الشفاء بنت عبد الله تقول: "دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة"، وفيه دليل على جواز تعليم النساء الكتابة، وقال عوف بن مالك -رضي الله عنه-: "كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى لنا في ذلك ؟ فقال: اعرضوا عليّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".
وقالت عائشة -رضي الله عنها-: دخل عليّ أبو بكر -رضي الله عنه- ويهودية ترقيني فقال: ارقيها بكتاب الله، وقال جابر -رضي الله عنه-: "لما نهى رسول الله ﷺ عن الرقي جاء رجل فقال: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى، قال: ثم عرضوا عليه رقاهم فقال ﷺ: ما أرى بهذه بأساً من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
وفيه دليل على جواز حل المعقود ونحوه، وبه قال سعيد بن المسيب قال: لأنهم إنما يريدون به الإصلاح فإن ما ينفع لا ينهى عنه بحال. قالت عائشة -رضي الله عنها-: وكان رسول الله ﷺ يرقي من مرض من أهله بالمعوّذات وينفث عليه، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه ﷺ وأمسحه بيد نفسه ﷺ لكونه أعظم بركة من يدي، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بالشريعة الغراء، وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى، سيدنا محمد صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله الذين حُبوا به طهرًا، وأصحابه الذين رُفعوا به قدرًا، وعلى من والاهم بإحسان واتّبعهم سرًّا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والشرف والكرامة أعلى الذرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله- في هذا الباب ما جاء في "الرُّقَى": جمع رقية، "والتمائم": وهو أيضًا ما يُعَلَّق مكتوبًا فيه شيء من الآيات أو الأسماء أو غير ذلك للمريض ونحوه؛ طلبًا للشفاء ودفعًا للآفات.
ويقول جمهور فقهاء الشرع المصون: إن الرقى من كل داء يصيب الإنسان إذا جمعت شروطها فهي مشروعة:
- وذلك أن تكون بآيات وبأسماء من أسماء الله -تبارك وتعالى-.
- وأن تكون معروفة إما باللسان العربي، أو بلغة معروفة وليس فيها إبهام ولا إيهام.
- وأن لا يعتقد آخذها ومستعملها أن لها من دون الله أثرًا؛ وإنما هي كغيرها من الأسباب؛ واستعمال أنواع الأدوية لا يجوز للمؤمن أن يظن ولا أن يعتقد أن في هذا الدواء تأثيرٌ مستقل من دون إرادة الله، فلا يكون ذلك؛ وإنما هو بإرادة الله -سبحانه وتعالى- وبقدرته والكل في قبضته وتحت إرادته -جلّ جلاله-.
فإذا كان كذلك -فكما سمعنا- دلّت الأحاديث على ذلك، وجاءنا عدد من الأحاديث؛ وذكر هنا عن ابن مسعود أنه يقول: "إن الرُّقَى والتمائم والتَّولة شرك"، والمراد به: رُقَى الجاهلية وتمائمها، والتَّولة: ما يُستعمل أيضًا من التوسلات بالأصنام وبالجن وغيرهم؛ لتحبيب المرأة إلى زوجها يقال له التَّولة؛ قال: عدّها هذه من الشرك.
وفي هذا النوع من الرقى الممنوعة، جاء: "من تعلق تميمة فلا أتمّ الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودَّع الله له"، وذلك محمول على ما كان من فعل الجاهلية أو مع اعتقاد تأثيرها مستقلة.
"وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء إنما التميمة ما يعلق به قبل البلاء"، فيما يدعى أنه حرز وكفاية. وذلك كله من غير ما جمع الشروط المذكورة كما يدل عليه مجموع الأحاديث الشريفة؛ ومنها هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود في كتاب الطب والإمام أحمد في مسنده، قوله: "ما أبالي ما تركت وما أتيت إذا أنا شربت ترياقاً أو علقت تميمة أو قلت الشعر من قبل نفسي"، قال العلماء -رضي الله عنهم-: وهذا كان للنبي ﷺ خاصة، وقد رخّص في الترياق قوم"، "وكان ﷺ يرخص في الرقية من العين والحُمة، -أي: قرصات النملة والعقرب، والحُمة لسعة العقرب، والنملة قروح تخرج في الجنب"، وعموم الرقى كذلك كما يدل عليه الأحاديث منها حديث السيدة عائشة الذي جاء عند أبي داود وعند الإمام أحمد في مسنده يقول: "دخل رسول الله ﷺ على قوم وعندهم صبي يبكي، فقال رسول الله ﷺ ما لصبيكم هذا يبكي هلا استرقيتم له من العين"، أي: طلبتم الرقية له من العين. وهكذا.
وكانت الشّفاء -أيضًا- بنت عبد الله تقول: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة وقال لي: "ألا تعلّمين هذه رقية النملة -هذه الجروح أو البثور التي تحصل في الجنب- كما علمتيها الكتابة"؛ فجعل تعليم الرقية مثل تعليم الكتابة. وقال الشيخ: "وفيه دليل على جواز تعليم النساء الكتابة"، وإنما حَذِر من حَذِر من تعليم النساء الكتابة خشية اتصالهن بالأجانب، فالأمر في الأصل على الإباحة وفيه سعة؛ ولكن اختار جماعة من صلحاء الأمة أن لا يتعلم نساؤهم الكتابة خشية من التواصل مع الأجانب.
فكيف وقد جاءت في أوقاتكم وسائل التواصل الاجتماعي، وجاءت الجوالات، وغيرها من الأسباب؟ فيجب أن يتربّى في الكل ويتنمّى رائد الخوف من الله -تبارك وتعالى-، ووازع الخشية من الحق -جلّ جلاله وتعالى في علاه- حتى لا يستعمل شيء من ذلك في أي شيء نهى الله عنه ورسوله، وحرّمه الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وكذلك ما جاء في حديث عوف بن مالك، والذي جاء في صحيح مسلم يقول عوف بن مالك -رضي الله عنه-: "كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى لنا في ذلك ؟ فقال: اعرضوا عليّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهكذا جاء في صحيح مسلم.
وكذلك أيضاً جاء في صحيح مسلم عن سيدنا جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما- قال: "نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرُّقى، فَجاءَ آلُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فَقالوا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه كانَتْ عِنْدَنا رُقْيَةٌ نَرْقِي بها مِنَ العَقْرَبِ، وإنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقى، قالَ: فَعَرَضُوها عليه، فَقالَ: ما أَرى بَأْسًا مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُم أَنْ يَنْفَعَ أَخاهُ فَلْيَنْفَعْهُ"، وهكذا جعل في ذلك سببًا للنفع، وهكذا جاء في صحيح الإمام مسلم -رضي الله تعالى عنه-.
وقال: "وقالت عائشة -رضي الله عنها-: دخل عليّ أبو بكر -رضي الله عنه- ويهودية ترقيني فقال: ارقيها بكتاب الله، وقال جابر -رضي الله عنه-: "لما نهى رسول الله ﷺ عن الرقي جاء رجل فقال: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب -أي: من لسعة العقرب ولدغته- وإنك نهيت عن الرقى، قال: ثم عرضوا عليه رقاهم فقال ﷺ: ما أرى بهذه بأساً من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" -كما جاء في هذه الرواية- وأصلها في صحيح مسلم -كما ذكرناها-.
وبذلك يقول الربيع: إني سألت الإمام الشافعي عن الرقى، فقال: لا بأس أن رُقِيَ بكتاب الله، أو بما يعرفُ من ذكر الله -عز وجل-؛ فما بقي إلا ما كان من رقى الجاهلية، وما كان يوهم ولا يُعرَفُ له معنى وغير ذلك، وعلى هذا جماهير فقهاء الشرع المصون.
وبعضهم حدّد الرقى يقول: في العين وفي اللدغة لما جاء أيضاً في رواية عند البخاري عن عمران بن حصين يقول: "لا رقية إلا من عين أو حُمة" -يعني: لسعة من عقرب-.
والجمهور على أن ذلك عام كما دلّت عليه بقية الأحاديث عن المطَهَّر والمطَهِّر عن كل خبيث ﷺ.
وقالوا: "وفيه دليل على جواز حل المعقود ونحوه" في من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل. "وبه قال سعيد بن المسيب قال: لأنهم إنما يريدون به الإصلاح فإن ما ينفع لا ينهى عنه بحال. قالت عائشة -رضي الله عنها-: وكان رسول الله ﷺ يرقي من مرض من أهله بالمعوّذات وينفث عليه، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه ﷺ وأمسحه بيد نفسه ﷺ لكونه أعظم بركة من يدي، والله أعلم" فكانت ترقيه تقرأ المعوذات، وتنفث في يديه ﷺ، وتمسح بيديه على نفسه ﷺ في مرض موته.
وأيضًا في الصحيح جاء أن أبا سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه-، وكان في عدد من الصحابة نحو الثلاثين أو أربعين، خرجوا في غزوة في سبيل الله، في جهاد في سبيل الله، في سرية، ولما كان مع رجوعهم مرّوا ببيوت قوم من الأعراب من العرب، أبوْا أن يضيفوهم، وكان ذلك مما يُعاب ويُعد عاراً عند العرب، فانتحوا ناحية وجلسوا. فلُدِغَ رئيس حيّهم بحية، لدغته؛ فجاؤوا إليهم يقولون: إن صاحبكم هذا بُعث بخير -يعني: النبي ﷺ- فهل عندكم من أحد يرقي؟ فإن سيدنا لدغته حية. قال سيدنا أبو سعيد الخدري: نعم نرقي، ولكنكم استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا، فلا نرقي لكم إلا بجُعْل -بأجرة- تجعلونها لنا. قالوا: اطلبوا ما شئتم، فاتفق معهم على قطيع من الغنم نحو الثلاثين، ولو كانوا ضيّفوهم كان ما طلب. قال سيدنا أبو سعيد: ما كنت أرقي من قبل لكني جئت إليه، فجعلت أقرأ الفاتحة وأجمع ريقي وأنفث عليه، أول مرة، ثاني مرة، ثالث مرة، كأنما نشط من عقال. ولا عاد به أثر، قال: هذه رقية كبيرة، هذه رقية عظيمة. أعطوهم القطيع من الغنم، فبعض أصحابه شك فيها، قال: الآن نأكل غنم على رقية رقيتها للرجال هذا؟ كم من رأس تجلبه لك؟ فأكل بعضهم، وبعضهم تحرّز حتى وصلوا للمدينة، فأخبروا النبي ﷺ. لمّا أخبروه فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ -يعني الفاتحة- وما يدريك أنها رقية؟ كلوا واضربوا لي معكم بسهم، أعطوني منها معكم، قال: "فمن أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق". إنما رقاه بالفاتحة المعظمة؛ لكن من قلب موقن ملآن بالتعظيم لله ولكتابه، أثّر فيه مباشرة، فما عاد رقاه المرة الثالثة من الفاتحة إلا كأنما نشط من عقال، لم يكن به شيء -عليه رضوان الله تعالى-.
وهذا أيضًا واحدٌ من الأدلة الواضحة لم يذكرها الشيخ هنا، جاء في البخاري وأظنها أيضاً في مسلم حديث أبي سعيد الخدري، وما كان رقى به رئيس الحي من فاتحة الكتاب.
وهكذا جاء أيضًا في هديه ﷺ أنه خصوصاً بعد نزول المعوذتين عليه كان يرقي بهما صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
شفانا الله به من العلل والأمراض والأسقام الظاهرة والباطنة، شفانا الله به وببركته ووجاهته عنده من العلل والأسقام والأوجاع والآفات والآلام الظاهرة والباطنة، في أجسادنا وفي قلوبنا وفي أرواحنا وفي أسرارنا إنه أكرم الأكرمين، في أنفسنا وأهلينا وأولادنا وقراباتنا وطلابنا وأحبابنا والمسلمين، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
08 ذو الحِجّة 1447