(447)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 434- كتاب الطب: فصل: التداوي بالمحرمات وما جاء في الكي
صباح الأربعاء 3 ذو الحجة 1447هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل فيما جاء في التداوي بالمحرمات
"قال وائل بن حجر: "سأل رجل رسول الله ﷺ عن الخمر فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال ﷺ: إنه ليس بدواء ولكنه داء، وإن الله لم يجعل شفاءكم فما حرم عليكم"، وكان ﷺ يقول كثيراً: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام"، وكان ﷺ ينهى عن الدواء الخبيث، قال العلماء: يعني السم ونحوه، وكان ﷺ يقول: "عليكم بأبوال الإبل البرية وألبانها"، وفي رواية: "والبقر فإنها ترمّ من كل الشجر وفيها شفاء من كل داء"، وتقدم في كتاب الأطعمة وغيرها أن المسلمين كانوا يتداوون في عهد النبي ﷺ بأبوال الإبل ولا يرون بها بأسًا، والله -سبحانه وتعالى- أعلم.
فصل فيما جاء في الكي
قال جابر -رضي الله عنه-: لما مرض أبيّ بن كعب بعث إليه رسول الله ﷺ بطبيب فقطع منه عرقًا ثم كواه، وكان سعد بن معاذ يكتوي في الحكة، وقال أسعد بن زرارة -رضي الله عنه-: "كواني رسول الله ﷺ من الشوكة"، وفي رواية: "من الذبحة"، والشوكة حمرة تكون في الوجه، والذبحة وجعٌ يأخذ في الحلق، وكان ﷺ كثيرًا ما يقول: "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل"، وكان ﷺ يقول: "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي"، وقال عمران بن حصين -رضي الله عنه-: "لما نهى رسول الله ﷺ عن الكي اكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا"، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ للهِ الذي أكرَمَنَا بخيرِ مِنهَاج، وثبَّت أقدامَ اللَّذين صَدَقُوا معهُ عليهِ من غيرِ اعْوِجَاج، وهداهُم إلى حُسنِ الاِستِمسَاك بِعروَتِهِ الوُثقَى بالنورِ والسِّراجِ، عبدِهِ المُختَار سيِّدنا محمَّد صلَّى الله وسلَّم وبارَكَ وكرَّم عليه، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَنْ سَارَ في دَربِهِ بالصِّدقِ مَع الرَّحمَنِ -سبحَانَهُ وتعَالَى-، وعلى آبائِهِ وإِخوَانِهِ مِنَ الأَنبِيَاءِ والمُرسَلِينَ وآلهِم وصَحبِهِم وتَابِعِيهِم، وعلى المَلائِكةِ المُقَرَّبِين، وعلى جَمِيعِ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِين، وعليْنَا معَهُم وفِيهِم، إِنَّهُ أكرَمُ الأَكرَمِينَ وأَرحَمُ الرَّاحِمِينَ.
ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- النَّهي عن التداوي بالمحرمات، وأنَّ ما حرم الله -تعالى- لم يجعل فيه شفاءً ولا دواءً. وذكر عن "وائل بن حجر: "سأل رجل رسول الله ﷺ عن الخمر فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال ﷺ: "إنه ليس بدواء ولكنه داء، وإن الله لم يجعل شفاءكم فما حرم عليكم".
ومن هنا اتفق أيضًا أهل الفقه على العموم أنه لا يجوز التداوي بالمحرم والنجس من حيث الجملة، لقوله ﷺ: "إن الله لم يجعل شفاءكم فما حرم عليكم" كما جاء في البخاري مُعلقًا، وجاء عند الإمام أحمد من قول ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- ولقوله ﷺ: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام" كما جاء في سنن أبي داود -رضي الله تعالى عنه-.
وجاء أيضًا عن سيدنا عمر بن الخطاب أنه كتب إلى خالد بن الوليد: "إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُدَلِّكُ بِالْخَمْرِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ظَاهِرَ الْخَمْرِ وَبَاطِنَهَا، وَقَدْ حَرَّمَ مَسَّ الْخَمْرِ كَمَا حَرَّمَ شُرْبَهَا، فَلاَ تُمِسُّوهَا أَجْسَادَكُمْ، فَإِنَّهَا نَجَسٌ".
حكم نجاسة الخمر:
وهكذا جاءت المذاهب:
والشروط أيضًا هذه التي ذكرناها عند الشافعية وعند الحنفية: أنه إذا عُلمت الفائدة في شيء من هذه النجاسات ولم يُهتدَ إلى شيءٍ يقوم مقامها فبمقدار الضرورة، والأصل أنها حرام.
وهكذا جاءنا قوله ﷺ: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام"، وكان ﷺ ينهى عن الدواء الخبيث، قال العلماء: يعني السم ونحوه، وكان ﷺ يقول: "عليكم بأبوال الإبل البرية وألبانها".
وهذا أيضًا ممَّا اختلف في نجاسته، مثل بول أو روث المأكول، هل هو نجس أم لا؟
وجاء في الصحيحين أنه أمر الذين استوخموا المدينة وشكوا للنبي ﷺ أن يلحقوا بالإبلِ؛ من إبلٍ كانت له ترعى ومعَها الراعي؛ فذهبوا وقال: "اشربوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا"، فشربوا فصحُّوا وقويت أجسادهم، فعدواْ على الراعي وسملوا عينيه وقتلوه. بلغ الخبر النبي ﷺ فلحق بهم حتى أدركهم، فاقتص منهم بما فعلوا بالراعي. فالشاهد في قوله: "اشربوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا". ولم يزالوا يكتشفوا فوائد فيها حتى لبعض أنواع السرطان وغير ذلك. فإذا تعيَّنت فيجوز استعمالها، ولو بالشرب لأجل الضرورة.
"وفي رواية: "والبقر فإنها ترُمّ من كل الشجر - المُراد ألبان البقر- وفيها شفاء من كل داء"؛ أي: تأكل من أنواع الشجر المختلفة، والأشجار المختلفة مُوزَّع فيها الفوائد والعناصر النافعة لجَسد الإنسان.
قال: "وتقدم في كتاب الأطعمة وغيرها أن المسلمين كانوا يتداوون في عهد النبي ﷺ بأبوال الإبل ولا يرون بها بأسًا"؛ ولذلك:
ثم ذكر الكيّ وأنه من جملة ما يتداوى به، " قال جابر -رضي الله عنه-: لما مرض أبيّ بن كعب بعث إليه رسول الله ﷺ بطبيب فقطع منه عرقًا ثم كواه".
وكما نسمع أيضًا في الحديث: "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم"أي: في الحجامة "أو شربة عسل، أو كية بنار.."، وقوله في الرواية: "..وأنهى أمتي عن الكي"؛ فالمراد ألَّا يستعجلوا به؛ مهما وجدوا دواءً غيره فغيره مقدَّم عليه.
ومن هنا كان يقول العوام في أمثلتهم: آخر الدواء الكي. إن لم يُفِد ولم يُفلِح شيءٌ آخر. وليس المراد به نهي التحريم، لأنه ﷺ بعث بهذا وكواه، وهو بنفسه. "قال أسعد بن زرارة -رضي الله عنه-: "كواني رسول الله ﷺ من الشوكة"؛ فدلَّ على حِلّ ذلك -كما جاء في سنن الترمذي وابن حبان في الصحيح، والحاكم في المستدرك- قول أسعد بن زرارة: "كواني رسول الله ﷺ من الشوكة". فإذًا يكون التداوي بالكي؛ ولكنه آخر شيء.
وفي لفظ عند الصحيحين -البخاري ومسلم- عن سيدنا جابر -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: "إن كان في شَيءٍ مِن أدويَتِكُم -أو: يَكونُ في شَيءٍ مِن أدويَتِكُم- خَيرٌ، ففي شَرطةِ مِحجَمٍ، أو شَربةِ عَسَلٍ، أو لَذعةٍ بنارٍ توافِقُ الدَّاءَ، وما أُحِبُّ أن أكتَويَ". وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الشِّفاءُ في ثَلاثةٍ: شَربةِ عَسَلٍ، وشَرطةِ مِحجَمٍ، وكَيَّةِ نارٍ، وأنهى أُمَّتي عَنِ الكَيِّ" كما جاء في البخاري.
وكذلك عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "يدخلُ مِن أمَّتي الجنَّةَ سبعونَ ألفًا بغيرِ حسابٍ همُ الَّذينَ لاَ يسترقونَ ولا يَتطيَّرونَ ولا يغتابون وعلى ربِّهم يتوَكَّلونَ"، وفي رواية البخاري: "..ولاَ يكتَوونَ" فيُحمل أنهم لا يُسارعون إلى ذلك، أو لا يقدمون عليه وغيره يقوم مقامه.
جاء أيضًا في حديث المغيرة بن شعبة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ اكْتَوَى أَوْ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ"، وهذا محمول:
وكذلك قول "عمران بن حصين -رضي الله عنه- -نسأل الله العفو والعافية-: "لما نهى رسول الله ﷺ عن الكي اكتوينا..". وفي لفظٍ يقول: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا فَلَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ"؛ أي: ما أفادتنا المكاوي هذه.
وذلك أنَّ له قصَّة وكان به مرض، وكان يرى الملائكة ويحدثهم ويصافحهم، ثم أُرشد إلى التداوي من مرضه بالكي، فتداوى فامتنعت عنه الملائكة فلم يصر يراهم ولا يسمع كلامهم. فرجع ابتهل إلى الله تعالى قال: "رُدَّ عليَّ المرض ورُدَّ عليَّ الملائكة"؛ أي: رؤيتهم ومُخاطبتهم، فعاد إليه المرض وعادت إليه مشاهدته للملائكة ومخاطبته إياهم. وهكذا حتى كان في آخر أيامه يأمرهم أن يخرجوا من غرفته ومكانه الذي فيه ويقول: "دعوني مع من أُناجي" ويجلس يتحدث مع الملائكة -عليه رضوان الله- عمران بن حصين، واشتهر بين علماء الحديث أنه عند ذكر اسمه يستجاب الدعاء، عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنه-.
وسمعتم ما قال: "فما أفلحنا ولا أنجحنا"؛ يعني: ما أفادنا ذلك، قطع عنا خيرًا كان عندنا، فتخلينا عن المُعالجة بالكي، ونسأل الله أن يرد المرض ويرد علينا ما كنا نشاهده.
وجاء أيضًا عن سيدنا عمران بن حصين في صحيح مسلم يقول: أنَّه جَمَعَ رسولُ الله ﷺ بين حجٍّ وعُمرةٍ ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وقد كان يُسلَّمُ عَلَيَّ -يعني: من قِبل الملائكة- حتى اكتَوَيتُ، فَتُرِكْت، ثم تَرَكْتُ الْكَي فَعَادَ" كما جاء في صحيح مسلم -رضي الله تعالى عنه-.
وهكذا جاء عن سيدنا جابر -رضي الله عنه- يقول: "لما مرض أبيّ بن كعب بعث إليه رسول الله ﷺ بطبيب فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه" كما جاء في رواية الإمام مسلم. وفي رواية: أَنَّ أُبَيًّا مَرِضَ فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِ طَبِيبًا فَكَوَاهُ عَلَى أَكْحَلِهِ".
وهكذا جاء أنه: "رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ" فكواه وانتهى؛ أيضًا جاء في صحيح مسلم.
وكذلك عن ابن مسعود يقول:
"جَاءَ نَفَرٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ صَاحِبًا لَنَا اشْتَكَى أَفَنَكْوِيهِ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ إنْ شِئْتُمْ فَاكْوُوهُ وَإِنْ شِئْتُمْ فَارْمِضُوهُ يَعْنِي بِالْحِجَارَةِ". يقوم ذلك مقام الكي في مثل الحالة التي ذكروها كما جاء عند البيهقي بإسناد صحيح.
وجاء أيضاً عند البيهقي أنه ممن اكتوى من الصحابة:
رَزقنَا الله العِلاجَ مِنْ جميعِ الأمرَاضِ والأَسقامِ، وعَافانَا مِنْ جميعِ الضُّرِ والآلامِ، وتولَّانَا بِمَا هوَ أهلهُ في الدُّنيا والبرزَخِ ويومِ القِيامِ، وجمَعَنا بحبيبِهِ في دارِ السَّلام، ونظمَنَا في سلكِ الصَّالحينَ الكِرَامِ، وبَاركَ لنَا في هذه اللَّيالي والأيَّام، وجعلَ حظَّنَا مُوفَّرَا من الأيَامِ المَعدُودَاتِ والأَيَّامِ المَعلُومَاتِ ومِن ليَالِي العَشْرِ ومِمَّا فيهَا مِنْ خيرٍ وأَجرٍ وصَلاحٍ في السِّرِ والجَهْرِ، وكَشْفَ اللهُ كرُوبَ الأُمَّةِ ودَفَعَ عنْهَا كلَّ غُمَّة.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ نَبِيّ الرَّحمَة
اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
03 ذو الحِجّة 1447