(443)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 428- باب: آداب الشرب
صباح الثلاثاء 25 ذو القعدة 1447هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
باب آداب الشرب
"قال أنس -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ إذا شرب يشرب على ثلاث مرات، وكان يتنفس خارج الإناء عقب كل مرة ويقول: إنه أروى وأبرى وأمرى، وكان ﷺ يقول: "لا تشربوا واحداً كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث"، وكان أبو قتادة -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا شرب أحدكم فليشرب بنفس واحد"، وكان ﷺ يقول: "اشربوا ولا تكرعوا وليغسل أحدكم يده إذا لم يجد إناء يشرب به ثم يشرب بها أي إناء أنقى من يده إذا غسلها"، وفي رواية: "لا يلغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم، ولا يشرب بالليل من إناء حتى يحركه إلا أن يكون الإناء مخمراً، ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى ابن مريم طرح القدح، وقال إن هذا من الدنيا".
وكانﷺ ينهى عن التنفس في الإناء والنفخ فيه، فقال رجل يوماً: يا رسول الله القذاة أراها في الإناء، فقال: اهرقها، قال: يا رسول الله فإني لا أروى من نفس واحد، قال فأبِن القدح إذن عن فيك، وكان ﷺ يستعذب له الماء من مسيرة يومين، وكان ﷺ كثيراً ما يقول: "إذا دخل دار أحد من أصحابه وطلب ماء يشربه إن كان عندكم ماء بات هذه الليلة في شنه وإلا كرعنا"، وكان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد، وكان ﷺ يقول: "إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصاً ولا يعب عباً فإن منه الكباد وهو وجع الكبد"، وكان ﷺ إذا شرب اللبن يعبه عباً، وكان ﷺ ينهى عن الشرب من ثلمة الإناء ويقول: "إن الشيطان يشرب منها"، وكان ﷺ ينهى عن الأكل والشرب قائماً ويقول: "من أكل أو شرب قائماً ناسياً فليستقىء"، ثم رخص ﷺ بعد ذلك فيه حتى كان يشرب قائماً من زمزم وغيرها.
وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام، ولما دخل عليّ -رضي الله عنه- الكوفة وقف في رحبتها وقال: بلغنا أن ناساً يكرهون الشرب قائماً وإن رسول الله ﷺ كان يشرب قائماً، وكان ﷺ يكره أن يختنث الأسقية ليشرب من أفواهها، واختناثها هو أن يقلب رأسها ثم يشرب منه. وكان ﷺ كثيراً ما ينهي عن الشرب من السقاء فتهاون رجل فشرب فخرجت له حية، وكانت عائشة -رضي الله عنها تقول: الشرب من فم الإناء يورث النتن في الفم، وكانت أم سليم -رضي الله عنها- تقول: دخل عليّ رسول الله ﷺ وفي البيت قربة معلقة فقام ﷺ فشرب منها، فقمت إلى فيها فقطعته فاتخذته ركوة أشرب بها تبركاً بمكان شربه ﷺ.
وكان ﷺ إذا شرب اللبن تمضمض وقال: إن له دسماً، وقال أنس -رضي الله عنه-: "أتى النبي ﷺ يوماً بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن".
وقال سهل بن سعد: "أتى النبي ﷺ بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً، فتله رسول الله ﷺ في يده وسقاه منه"، وكان ﷺ يقول: "ساقي القوم آخرهم شرباً"، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بالهدي النبوي القويم، على يدي ولسان وبيان الهادي للصراط المستقيم، عبده المختار ذي الخلق العظيم، صلى الله وسلم وبارك وكرم أفضل الصلاة والتسليم عليه وعلى آله وصحبه، وعلى من والاه وودَّهُ في الله واتبعه في نهجه القويم بقلب سليم، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل الفضل والقدر العظيم ومحل التكريم والتفخيم، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويتكلم الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- في هذا الباب عن آداب الشرب، والشرب: تناول المائع؛ تناول أي مائع يقال له الشُّرب، وللشرب آداب كما للطعام آداب.
"قال أنس -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ إذا شرب يشرب على ثلاث مرات"؛ أي: بثلاثة أنفاس؛ يشرب فيزيح الإناء ويتنفس خارج الإناء، ثم يشرب ويزيح الإناء ويتنفس خارج الإناء، ثم يشرب الثالثة.
"وكان يتنفس خارج الإناء عقب كل مرة ويقول: إنه أروى -أقرب إلى ريّ الإنسان- وأبرى -أقرب أيضًا إلى براءته من الأمراض والعلل- وأمرى" أهنأ وأطيب في أن يشرب بثلاثة أنفاس.
فكان هذا هو الأفضل وهو السنة في شرب الماء وغيره، بأن يشرب بثلاثة أنفاس.
يسمي الله في أول كل نَفَس ويحمده في آخره.
فيسمي الله تعالى ويشرب قليلًا، ثم يزيح الإناء ويبعده فيتنفس خارج الإناء فإنه يُكره التنفس وسطَ الإناء، ثم يقول: الحمد لله، ثم يسمي ويشرب ويقول: الحمد لله، ثم يسمي ويشرب ويقول: الحمد لله.
"وكان ﷺ يقول: "لا تشربوا واحداً كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث" -أي: في نَفَسَين وفي ثلاثة أنفاس-، "وكان أبو قتادة -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا شرب أحدكم فليشرب بنفس واحد". وهذا من الأحاديث المنسوخة التي جاءت بسنية الشرب من ثلاثة أنفاس.
"وكان ﷺ يقول: "اشربوا ولا تكرعوا"؛ اشرب بأن تغرف وتشرب ولا تكرع؛ تضع فمك في الماء نفسه وتكرع منه من دون إناء ومن دون يد.
"وليغسل أحدكم يده إذا لم يجد إناء يشرب به ثم يشرب بها أيّ إناء أنقى من يده إذا غسلها". فهذا من أنقى الآنية؛ ولهذا لما سأله بعضهم مِمَّن كان يأكل بيده ويقول له: لماذا لا تستعمل الملعقة؟ يقول: أنا آكل بملعقة لا يأكل بها غيري، قال الملعقة حقك ذي كل ساعة واحد يأكل بها؛ ساعة ذا وساعة ذا وساعة ذا، أما هذه ما حد يأكل بها إلا أنا، آكل بملعقة لا يأكل بها غيري.
يقول: "أيّ إناء أنقى من يدهِ إذا غسلها"، وفي رواية: "لا يلِغُّ أحدكم -يعني: يكرع مباشرة بفمه من إناء كبير أو من نهر ونحو ذلك- كما يلِغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم، ولا يشرب بالليل من إناء حتى يحركه إلا أن يكون الإناء مخمراً"، يعني: مغطى؛ وإذا لم يكن مغطى وإلا يحركه فإنه ربما يظهر عليه أثر شيء طرأ عليه سواء من حيوان أو أي مادة أو وسخ آخر طرأ على الماء.
"ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو -يعني: اليد- إناء عيسى ابن مريم طرح القدح، وقال إن هذا من الدنيا"، ماله حاجة اليد تكفي، وكان يكتفي في شربه بيده؛ قالوا: وكان سيدنا عيسى ابن مريم أزهد الناس بعد نبينا محمد ﷺ، أزهد الناس في الدنيا، ولذا يُقذَف الزهد في قلوب الناس إذا نزل إلى الأرض وحكم بشرع نبينا، فتُؤتى الأرض خيراتها وبركاتها وتتوافر عليهم وهم يعرضون عنها، وتكون أحسن الأيام في الدنيا بعد أيام نبينا محمد أيام عيسى ابن مريم -عليه السلام- يحكم بشريعة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويكون من لقيه من هذه الأمة أصحابًا له ومن التابعين، يعدون من التابعين بالنسبة للنبي ﷺ، فإن عيسى ابن مريم لقي نبينا في بيت المقدس وائتم به، فمَن تلقى عنه كان كمَن تلقى عن الصحابة، بل أعظم من ذلك؛ لأن الصحابة غير أنبياء وهذا تلقى عن نبي عن نبي، فيكونون بمثابة التابعين، فهم من أهل القرن الثاني بإدراك عيسى ابن مريم، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام.
"وكان ﷺ ينهى عن التنفس في الإناء والنفخ فيه -وهو مما يسبب المرض-، فقال رجل يوماً: يا رسول الله القذاة أراها في الإناء، فقال: اهرقها -ارميها لا تنفخ فيه-، قال: يا رسول الله فإني لا أروى من نفس واحد، قال فأبِن القدح إذن عن فيك". أَبِنْهُ: أبعده واصرفه، "فأبِن القدح إذن عن فيك" يعني: المراد بالشرب بالنفس الواحد أنك لا تتنفس في الإناء، هذا المراد، فإذا أردتَ التنفس فأبعد الإناء، أَبِن: أزِل وأبعِد الإناء عن فيك وتنفس؛ فإذا فُسّر الشرب بالنفس بعدم التنفس في الإناء فلا إشكال فيه، وأنه يكون نفسين وثلاث أنفاس.
قال: "وكان ﷺ يستعذب له الماء من مسيرة يومين"، أي: يؤتى له بالماء العذب ولو من مكان بعيد، وكذلك أرسل إلى مكة ليُرسلوا له قربتين من ماء زمزم، فبعثوا له بقربتين من ماء زمزم، فكان يشرب منها، وإذا جاءه مريض أخرج له منه فقرأ عليه وأعطاه إياه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويقول عن ماء زمزم: "طعام طُعمٍ وشفاء سُقم"، فإنه يقوم مقام الطعام، ويكون شفاء للأسقام.
وكان بعض الأخيار توفي قريب قبل سنوات وهو في جدة، ولكنه في كل أسبوع يطلع مكة ويجيب له ماء زمزم، ولا يشرب هو وأهل بيته إلا من ماء زمزم ليل ونهار، فكان يقول: لنا سنوات ما أحد منا دخل المستشفى -منه ومن أولاده- لأنهم لا يشربون إلا من ماء زمزم.
"وكان ﷺ كثيراً ما يقول: "إذا دخل دار أحد من أصحابه وطلب ماء يشربه إن كان عندكم ماء بات هذه الليلة في شنِّه وإلا كرعنا"، فيطلب الذي بات في الشن، فذلك يكون أبرد ويكون أطيب وأحسن، وقد تكرر شربه من القِرَب، حتى غُسله عند الحمى من القِرَب التي بات فيها الماء.
"وكان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد". ما كان حاليًا بارد؛ ولذا كانوا يحلون زمزم وغيره بشيء من الزبيب يضعونه فيه أو بشيء من العسل.
"وكان ﷺ يقول: "إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصاً -وهذا من آداب الشرب- ولا يعب عباً فإن منه الكباد وهو وجع الكبد" أي وجع الكبد، ولكن يمصه مصًّا فهذه كيفية الشرب. "وكان ﷺ إذا شرب اللبن يعبه عباً، وكان ﷺ ينهى عن الشرب من ثلمة الإناء -محل الكسر من الإناء، اشرب من منطقة ثاني ليس من مكان الكسر- ويقول إن الشيطان يشرب منها، وكان ﷺ ينهى عن الأكل والشرب قائماً ويقول: "من أكل أو شرب قائماً ناسياً فليستقىء -أي: يتعمد إخراج ما وقر في بطنه من ذلك الشراب- ثم رخص ﷺ بعد ذلك فيه حتى كان يشرب قائماً من زمزم وغيرها". لبيان الجواز؛ فبدأ النهي حتمًا عن الأكل قائمًا أو أن يشرب قائمًا، ثم ذكر أنه يباح إلا أنه خلاف الأولى أو مكروه، فيجوز أن يشرب قائمًا أو يأكل قائمًا ولكن على خلاف الأولى.
"وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام -أي: لأنه لا يُنكر فعل المباح، وإنما يُنكر فعل الحرام والمكروه الذي اشتدت كراهته- ويقول: ولما دخل عليّ -رضي الله عنه- الكوفة وقف في رحبتها وقال: بلغنا أن ناساً يكرهون الشرب قائماً -بمعنى: يحرمونه- وإن رسول الله ﷺ كان يشرب قائماً"، أي: أحيانًا لبيان الجواز، وحتى أنه لما شرب زمزم وهو قائم، استثنى بعضهم من الشرب زمزم أنه لا يُسن القعود له، وأنه يشرب ماء زمزم قائمًا.
وقال أيضًا بعض أهل العلم: إذا صعب عليك الجلوس في وقت فشربت قائمًا، فحرك إبهاميك أثناء الشرب، فإنه أبعد لضرر الشرب قائمًا، وكان بعضهم إذا احتاج أحيانًا للشرب قائمًا شرب وصلى على النبي ﷺ وقال: " اللهم صلِّ على عبدك ونبيك محمد الذي شرب قاعدًا وقائمًا.
وكذلك كره أن يطوي فم القربة ويشرب منها مباشرة؛ نهى عن ذلك أن يقلب رأسها ثم يشرب منه، "وكان ﷺ كثيراً ما ينهي عن الشرب من السقاء -يقول: صبه في إناء أو في يدك واشرب- فتهاون رجل -ما بالى؛ سمع الحديث وراح، فتح القربة ويشرب- فشرب فخرجت له حية". وإذا حية خرجت له وأرَته شغله -؛ وأرَتهُ الاستهانة بالتوجيه النبوي وبالسنة الشريفة، وهكذا يجب على المؤمن حُسن امتثاله لأمر رسول الله ﷺ فرضًا وندبًا، والانتهاء عن نهيه تحريمًا وكراهةً.
قال: "وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: الشرب من فم الإناء يورث النتن في الفم -من أسباب تغير رائحة الفم- وكانت أم سليم -رضي الله عنها- تقول دخل عليّ رسول الله ﷺ وفي البيت قربة معلقة فقام ﷺ فشرب منها -وكأنّه لم يبق إلا ماء قليل فيها ويسير، ورأى الماء ولم يرَ فيه شيئًا فشربه، فلما رأته شرب منها، ووطئته شفته الكريمة، قالت: لما خرج- فقمت إلى فيها فقطعته فاتخذته ركوة أشرب بها تبركاً بمكان شربه ﷺ"، وصيانة له عن الابتذال، وهكذا كان الصحابة في تعظيمهم لسيدنا المصطفى صلى الله عليه واهله وسلم.
وهكذا يأتي حكم الشرب:
"وكان ﷺ إذا شرب اللبن تمضمض -بعده- وقال: إن له دسماً، وقال أنس -رضي الله عنه-: "أتى النبي ﷺ يوماً بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره -سيدنا- أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن".
وجاء في بعض الروايات في بعض الوقائع أنه استأذن الذي عن يمينه: "أسقي هؤلاء الأشياخ؟" قال: "ما كنت لأوثر بنصيبي من فضلتك أحداً"، فأعطاه إياه.
"وقال سهل بن سعد: "أتى النبيﷺ بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً، فتله رسول الله ﷺ في يده وسقاه منه" -وقال له خذ وسقاه إياه ﷺ كما جاء في البخاري-.
وكان ﷺ يقول: "ساقي القوم آخرهم شرباً". وكان إذا سقى يشرب في الآخر ﷺ كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره، وأنه سأل أهل بيته: عندكم شيء؟ قالوا: لبن جاء به آل فلان، قال: "ادعُ أهل الصفة يا أبا هريرة"، فكان يسقيهم واحدًا بعد الثاني، عشرة عشرة، حتى كملوا، قال: "اشرب يا أبا هريرة"، قال: اشرب أنت يا رسول الله، قال: "ساقي القوم آخرهم شربًا"، قال: فشربت حتى رويت وأنا كنت فزعت أنه لن يبقى شيء لي من اللبن إذا دعوت أهل الصفة وأنا كنت جائع، وأقول أريد نصيب من هذا اللبن، وإذا دعا النبي ﷺ أهل الصفة سيسقيهم قبلي ولن يبقى شيء، فلما شربوا كلهم وبقي الإناء على حاله، -اللبن على حاله في الإناء- قال: اشرب، قال: شربت، قال: اشرب، -يعني أنت الذي فزعت ما عاد يصلك شيء، اشرب- قال: فشربت، فقال: اشرب ثالث مرة فشربت، فقلت: يا رسول الله، خلاص كاد يخرج من أظفاري، ما عاد أجد له مساغًا، قال: فتناول الباقي وشرب ﷺ.
فجمع لنا في هذا الأحاديث أنواع من الآداب النبوية المتعلقة بالشرب:
رزقنا الله حسن متابعته، وحسن الاقتداء به، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ووقانا الأسواء والأدواء، وأصلح لنا السر والنجوى، وغمرنا بِفيِّضات إحسانه وواسع امتنانه، وأصلح لكل منا جميع شأنه بما أصلح به شؤون الصالحين من عباده أهل وداده.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
26 ذو القِعدة 1447