كشف الغمة -425- تكملة آداب الطعام والشراب، الهدايا والقناعة وعدم ذم الطعام

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 425-  تكملة آداب الطعام والشراب ، من قوله: ثلاثة لا ترد 

صباح السبت 22 ذو القعدة 1447هـ 

 

يتضمن الدرس نقاط مهمة منها:

  •  كيفية إكرام الخبز
  •  شرح حديث "ثلاث لا ترد"
  •  ضوابط قبول الهدية
  •  فضل العشاء والتحذير من تركه (لماذا وصفه بالمهرمة؟)
  •  رعاية حق الجسد وأكل ما يفيد
  •  كمال الأدب النبوي في عدم ذم الطعام
  •  خطر سب الكائنات ولو الجمادات
  •  قصة رجل لم يتأدب مع حشرة
  •  موقف حيوان رد على من أساء له
  •  منزلة الخل في البيوت
  •  عدم شبع آل محمد 3 أيام
  •  تسلسل سند الإضافة على التمر والماء
  •  ما شبع النبي في يوم واحد مرتين
  •  قصة ثناء النبي على الخل
  •  تقديم السيدة فاطمة الخبز للنبي
  •  خروج رسول الله وأصحابه بسبب الجوع
  •  قصة أكل النبي "سُخينة" وحمده الله
  •  حق الجار في الطعام وفضل تكثير المرق

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

"وكان ﷺ يقول: "ثلاثة لا تردّ اللبن والدهن والوسادة"، وزاد في رواية: "الريحان والمشط واللحم والطيب والتمر والسواك". 

وكان ﷺ يقول: "تعشوا ولو بكف من حشف فإن ترك العشاء مهرمة"، وكان ﷺ لا يذم طعامًا قط، بل كان إن اشتهاه أكله وإلا تركه"، وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: دخلنا على رسول الله ﷺ في يوم عيد فوجدنا بين يديه حريرة مدخنة يأكل منها فدعا القوم إلى الأكل فأكلوا".

 

فرع: وكان جابر -رضي الله عنه- يقول: "كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة هو وأهله طاوين لا يجدون عشاء وإنما كان خبزهم الشعير"، وكان ﷺ يقول: "ما أقفَرَ من أدم بيت فيه خل"، ومعنى ما أفقر ما خلا، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: "ما شبع آل محمد ﷺ من طعام ثلاثة أيام تباعاً حتى قبض"، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين، وكلما أتذكر الحال التي فارقت رسول الله ﷺ عليها بكيت، وفي رواية: والله ما شبع رسول الله ﷺ من خبز ولحم مرتين في يوم ولو شئنا لشبعنا ولكنه ﷺ كان يؤثر على نفسه. 

وقال أنس -رضي الله عنه-: ناوَلَتْ فاطمة -رضي الله عنها- رسول الله ﷺ كسرة من خبز شعير فقال: ما هذه ؟ فقالت: قرص خبزْتُهُ فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة، فقال ﷺ: هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام. 

وكانت خولة بنت قيس -رضي الله عنها- تقول: دخل علينا رسول الله ﷺ وأنا يومئذ تحت حمزة بن عبد المطلب فصنعتُ له ﷺ سُخَينَة فأكل منها وأكلنا فضلته ﷺ، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: "أُتِي رسول الله ﷺ بطعام سُخِّن فأكل فلما فرغ قال: الحمد لله ما دخل بطني طعام سُخِّن منذ كذا وكذا"، وكان ﷺ  يكثر مرق الطعام ويتعاهد جيرانه ويقول: "إن الجيران إذا تواصلوا وعطف بعضهم على بعض أجرى الله عليهم الرزق، وكانوا في كنف الله عز وجل".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مكرمنا بحسنِ البيان على لسان سيد الأكوان محمد بن عبد الله من أُنزل عليه القرآن، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله الأطهار وصحبه الأعيان، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القرب والعرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

ويواصل الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ذكر الآداب المتعلقة بالطعام، وتقدم أمره بإكرام الخبز وأنه من بركات السماء والأرض؛ من هنا ينبغي أن لا يضع عليه شيئاً لغير حاجة، ومهما تأتّى تجزئته باليد مباشرة بلا سكين فذلك أولى، ولا يضعه على الأرض ولا يرمي بفتاته، هذا من إكرام الخبز. 

وتقدمت أيضاً إشارته إلى ما قال السيدة عائشة لما رأى كسرة في البيت ملقاة على الأرض، رفعها ونظفها وقال: "يا عائشة أحسني جوار نعم الله، فإنها قلَّ ما نفرت عن أهل بيت فعادت إليهم".

 

ثم يذكر لنا ما كان يُستحب أن لا يُرد إذا أُهدي إلى الإنسان: 

"وكان ﷺ يقول: "ثلاثة لا تردّ اللبن والدهن والوسادة"، فمن أتاك بلبن أو بدهن -ومنه الطيب فقد كان غالباً يوضع الطيب في الدهن- والوسادة؛ وكانت الوسادة يُجلَس عليها، لا يُتكأ عليها، فأكرمك بها فتقبل ذلك منه ويكره أن تردها عليه.

ولهذا أنشد بعضهم وقد جاءكم في الرواية الأخرى: "الريحان والمشط واللحم والطيب والتمر والسواك".

وأنشد بعضهم يقول سيدنا الشعراني يحكي عن سفيان بن عيينة قال: وماء زمزم، مثل الطيب ما ينبغي أن يُرد فلا يُرد. 

يقول: انشد بعضهم

قَد كَانَ مِن سِيرَةِ خَيرِ الوَرَى *** صَلَّى عَلَيهِ اللهُ طُولَ الزَّمَن 

أَن لَا يَرُدَّ الطِّيبَ والمُتَّكَى *** وَالتَّمرَ وَاللحمَ مَعَ اللَّبَن

 

وأشار بالمتكى للوسادة إنها ما كان يجلس عليها.

 

والإمام السيوطي أورد فيها سبع خصال، يقول:

عَنِ المُصْطَفَى سَبْعٌ يُسَنُّ قَبُولُهَا *** إِذَا مَا بِهَا قَدْ أَتْحَفَ المَرْءَ خِلَّانُ 

حَلْوَى وَأَلْبَانٌ وَدُهْنٌ وَسَادَةٌ *** وَرِزْقٌ لِمُحْتَاجٍ وَطِيبٌ وَرَيْحَانُ

 

هكذا، ومع أنه ينبغي أن لا يرد الهدية مطلقاً، ولكن يتأكد في هذه أن لا يردها إلا ما كان من شبهة ووجه آخر يَحْسُن بها الرد، وكان ﷺ يقبل الهدية ويكافئ عليها صلوات ربه وسلامه عليه. 

 

"وكان ﷺ يقول: "تعشوا ولو بكف من حشف فإن ترك العشاء مهرمة"؛ أي: يجلب الهرم، وهو الضعف في الجسد. 

والعشاء ما يتناول بعد الزوال يقال له عشاء، وما يُتناول من الطعام قبل الزوال يقال له غداء. 

فمن نصف الليل إلى الزوال ما يُتناول في هذا الوقت يقال له غداء، ومن الزوال إلى نصف الليل ما يُتناول يقال له عشاء. 

وما كان العرب يعرفون إلا غداء وعشاء؛ وجبتين في اليوم والليلة. 

ولم يزل بعضهم في البادية إلى الأوقات القريبة يتغدون في أول النهار ويتعشون آخر النهار، وذلك أقرب للصحة. 

فإذا كان تركه العشاء وهو ميسر له يؤثر في قوته ويقرِّب له المهرمة، فينبغي أن يتجنب ذلك ويأخذ ما تيسر ولو كفاً من حشف -يعني: تمر يابس أو ضعيف قد يكون لا نوى له مثل الشيص-، "فإن ترك العشاء مهرمة". وفي رواية: "إن ترك العشاء مسقمة"؛ أي: مدعاة للسقم.

 

فإذًا: 

  • لا ينبغي أن يتعاطى الإنسان من الأمور ما يضعف قوته، ولا ما يعجل هرمه، لأن البدن مَركبٌ للروح تطيع الله به وتنفذ أوامره في الحياة.
  • ولهذا حُرّم علينا كل ما يضر صحة البدن ضرراً بيناً واضحاً، حُرّم علينا تناوله. 
  • وكذلك حُرّم علينا أن نعتدي على شيء من أعضائنا أو نقطعها بغير ضرورة. 

وحتى جاء في الخبر أن بعض الصحابة لما اشتد عليه الألم من الجروح، فشطّ في بعض عروق يده بالموسَ يستعجل الموت، فلما مات رآه أخٌ له في الله في المنام مغطياً يده، فسأله قال: إن الله غفر لي وأكرمني، وذكر له ما لقاه من نعم. قال له: وما بالك تغطي اليد؟ قال: إني فَشَطُّها بحادِّ فقيل لي: هذا بيدك جنيته، فلا نصلح ما أفسدت، فبقي أثر الجراحة في يدي. فلما قص الرؤيا على النبي ﷺ، قال ﷺ: "اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فوجب أن يُراعى مركب الروح لأجل القيام بالطاعة. ومن هنا كان الأكل والنوم إذا صحَّت فيه النية أن يكون تقوية للطاعة من العبادات، لكن إذا نوى بأكله التقوي لطاعة الله له ما قد نوى.

 

وهكذا يذكر لنا "وكان ﷺ لا يذم طعامًا قط، بل كان إن اشتهاه أكله وإلا تركه"، وهذا أيضًا من بديع أدبه عليه الصلاة والسلام؛ بل ولا يذم من المباحات لا فراشاً ولا وسادة ولا شيئاً من هذه الأمتعة، ما دام لا يخرج عن المباح فلا يذم شيئاً صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وهذا هو الهدي الشريف الذي يكون به الطهر للباطن، أو علامة طهر الباطن والأدب مع الرحمن -جل جلاله وتعالى في علاه-. 

فمن مخالفة السنة والخروج عنها إلقاء الكلمات في ذم شيء من الأطعمة أو الأشربة ما لم يكن محرماً، فذمك إياه دليل على خبث في باطنك ووسخ في ضميرك، فالكل خلق الله -تبارك وتعالى-. وما أباح الله لا يُذَم؛ إن اشتهيت كُل، إن اشتهيت البس، إن اشتهيت اضطجع، وإلا اتركه. 

ولا تقل هذا أفعله وهذا أتركه إلا ما كرهه الشارع وما حرمه، فهو المذموم ولك أن تذمه. وما لم يذمه الشارع، لِمَ تجعل طبعك وشهوتك ورغبتك حاكماً على دين الله تعالى وحاكماً على أكوان الله -جل جلاله-؟ وأنت عبد من عبيد الله، ما يحكم على أكوان الله إلا شرع الله ومنهج الله؛ ليس هواك ولا رغباتك ولا طبيعتك، فتأدب مع الله في كونه فلا تذم شيئاً.

ولهذا جعلوا من المبعدات عن الله أن يسب شيئاً من الكائنات ولو جماداً. 

وحتى جاء في الأثر أنه إذا لعن الأرض قالت الأرض: لعن الله أعصانا له! العاصي مننا أنا ولا أنت؟ الذي عصى الله هو اللي اللعنة عليه. كما يفعل بعض الحمقى إذا تضايق يلعن الأرض، يلعن الجدار، يلعن الجماد! ويجاوب عليك ويقول لك: اللي عصى الله هو الذي يستحق اللعنة، أنا ولا أنت؟ هذه ما عصت ربها جل جلاله، قال لها وللأرض: (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)[فصلت:11]، من الذي يستحق اللعنة؟ ليس الجمادات، بل الإنسان العاصي المخالف لأمر الله -تبارك وتعالى-. 

 

فلا ينبغي أن يسب شيئاً ولا أن يذم شيئاً، وعلى خصوص الطعام، كان لم يذم طعاماً قط، ولا يقول زاد ملحه ولا قصر، ولا ما عرفتم طبخه ولا حرقتوه ؛ وكان ما يحب أن يأكل المحروق من الطعام، ما يأكله ولكن ما يذم. 

وهكذا كل ما لم يُحرَّم ما كان يذمه، حتى كان بعضها يتعمد تركها ويبتعد عنها ويحب تركها، ولكن ما يحرمها ولا يذمها صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. 

فهكذا ينبغي أن ينزه المؤمن قلبه ولسانه عن ذم الكائنات، فإنها تبع المكون -جل جلاله-، إلا ما أذِنَ لك الشارع في ذمُِه مما كرهه وحرمه. وما عدا ذلك، هذا خلق من وصناعة من؟ أنت تعرف أنك إذا جئت لأدوات شركة تسبها، فقد سبيت الشركة. وهذه صناعة الرحمن، التي هي  صناعة الخالق البارئ، ما لك أنت؟

 

وتعجب بعضهم بحكم طبعه من حشرة رآها ولم ترق له صورتها، وقال: هذه لماذا خلقها الله؟ أيش الفائدة من هذا؟ فابتلاه الله تعالى ببلية في جسده وجرح، داواه بكل ما يستطيع وما تداوى. وجاء إلى بعض الصالحين يشكوه، قال له الصالح: أسأت الأدب على شيء من خلق الله؟ قال له: لا. قال: تفكر تفكر. قال: مرة حشرة رأيتها. قال: تعرف هذه الحشرة؟ فابحث عنها وضعها في سليط -يعني: زيت- وادهن بها، ما شفاك الله إلا فيها، وتأدب مع ربك. راح يبحث للحشرة حتى حصل واحدة منها، ووضعها في سليط ودهن، فذهب جرحه وشفاه الله -تبارك وتعالى-. 

وهكذا كل من له عناية من الله ومحبوبية إذا زل نبهه ورفعه عنها قبل أن يموت وهو ملطخ بها، لا إله إلا الله.

 

يقول: "لا يذم طعامًا قط، بل كان إن اشتهاه أكله وإلا تركه".

وأنطق الله بعض الحيوانات لِتُكَلِّمَ بعض المسيئين بالطبع، وقال له: فعلك، تركك، وكذا... فنطق الحيوان وقال: أتسبني أم تسب صانعي خالقي؟ قال: أتسبني أم تسب الذي صنع، فإن سبَّ الصنعة سب للصانع! لعله يخجل. وفي الخبر أيضاً أنه إذا قال إنسان لإنسان: يا حمار، أو يا كلب، جِيء به يوم القيامة فعاتبه الجبار وقال: حماراً رأيتني خلقته؟ كلباً رأيتني خلقته؟ رأيتني خلقته قدامك آدمياً، تقول كذا؟ فماذا يقول للخالق؟ فهكذا ينبغي أن يحترز الإنسان في ألفاظه، بل يحترز في قلبه أدباً مع المكون في كائناته والصانع في مصنوعاته كلها.

 

ويقول: "وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: دخلنا على رسول الله ﷺ في يوم عيد فوجدنا بين يديه حريرة مدخنة -يعني: مطبوخة على الدخان- يأكل منها فدعا القوم إلى الأكل فأكلوا".

 

ثم ذكر لنا في الفرع "وكان جابر -رضي الله عنه- يقول: "كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة هو وأهله طاوين لا يجدون عشاء وإنما كان خبزهم الشعير"، ومع ذلك ما يحصِّلون شعير، يبيتون بلا شيء لا شعير ولا بر ولا غيره، ليالٍ متتابعة ﷺ، وكان ذلك اختياراً كما قالت السيدة عائشة: ما كان جوع آل محمد اضطراراً ولكن اختياراً، ينفقون ويحبُّون أن يطووا بعض الأيام، ويمر عليه الشهران لا يوقد في بيته نار، قالوا: فما تأكلون؟ قالوا: التمر والماء؛ فيعيش على الأسودين، يتغدى ويتعشى بالتمر شهر إلى شهرين، إلا أنه في بعض الأيام يأتيه لبن من بعض جيرانه أو أصحابه؛ فالأكل المطبوخ من وقت إلى وقت يأتيه.

 

"وكان ﷺ يقول: "ما أقْفَرَ من أدم بيت فيه خل".

"أقْفَرَ": يعني: صار قفاراً خالياً، يعني: ما خلا من الأدُم بيت فيه خل، يعني: الخل من الإدام الحسن الطيب؛ فما عدم أهل البيت الإدام ما دام الخل موجوداً في البيت. 

فانظر إلى منزلة الخل اليوم عند الناس، ولو واحد ضيَّف واحد وجعل الإدام الخل.. ماذا يقول؟! وسيدنا يقول: "نِعمَ الإدامُ الخلُّ".. هل من إدام عندكم؟ قالوا: ما عندنا إلا الخل، قال: "نِعمَ الإدامُ الخلُّ" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. 

هذا ليس أفقر إنما "أقْفَرَ"  "ما أقْفَرَ من أدم بيت فيه خل".

 

وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: "ما شبع آل محمد ﷺ من طعام ثلاثة أيام تباعاً -أي: متوالية- حتى قُبِض" صلوات ربي وسلامه عليه.

وما كان يوالي أكل البُر ثلاثة أيام متتالية، وأكثر طعامه الشعير والتمر؛ والتمر أكثر، "وإنَّما هما الأَسْوَدانِ" حتى قد أضاف ضيافة على الأسودين أي: "التَّمرُ والماءُ"، ثم تسلسل السند في الحديث بالإضافة على الأسودين.. وهكذا إلى بعض الموجودين في زماننا، يروون هذا الحديث، وأنه أضافه شيخُهُ على الأسودين "التَّمرُ والماءُ"، ويقول: وأضافني شيخي على "التَّمرُ والماءُ"، وشيخ شيخه أضافه على "التَّمرُ والماءُ"، حتى إلى الصحابي، إلى رسول الله ﷺ أنه أضافه على "التَّمرُ والماءُ" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

 

وكان في تعظيم النعمة والجود بما وجدوا يقول: "لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها، ولو فِرْسِنَ شاةٍ" -وفي رواية- "ولو ظِلفَ شاةٍ مُحرَّق" ظلف ومحروق! فلا تنقطع عن إعطائه للجار وللصاحب وللزائر وهكذا.

 

يقول: "وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول-: لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين"، وكانت تقول: كان إذا تغدى لم يتعشَّ، وإذا تعشى لم يتغدَّ، أي: في أكثر أيامه. 

وقالت: "وكلما أتذكر الحال التي فارقت رسول الله  ﷺ عليها بكيت"، تخاف أن تكون قد توسعت في المعيشة ما يؤخرها في الدرجات في الآخرة -رضي الله عنها- "وفي رواية: والله ما شبع رسول الله ﷺ من خبز ولحم مرتين في يوم ولو شئنا لشبعنا ولكنه ﷺ كان يؤثر على نفسه" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم .

 

في هذا الحديث يقول إن أم هانئ قالت: "دخل عليَّ النبيُّ ﷺ فقال: يا أمَّ هانئٍ هل عندك شيءٌ، فقالتْ: لا إلا كُسَيراتٍ يابساتٍ وخَلٍّ، فقال: ما أَقْفَرَ من أُدُمٍ بَيْتٌ فيه خلّ".. هاتي، كما جاء في رواية أبي نعيم وغيره -لا إله إلا الله- وهكذا جاء في رواية؛ قال لها: "أعندَكِ شيءٌ؟ فقُلتُ: لا، إلّا خُبزٌ يابسٌ وخَلٌّ"؛ فكأنها استعظمت شأنهُ ﷺ ورأت أن مثل هذا ما يُقَدَّم إليه ﷺ قالتْ: لا ما عندي إلا كُسَيراتٍ يابساتٍ وخَلٍّ؛ كِسَر يعني: لهن مُدَّة منذ خُبِزن وقد يَبِسن؛ كِسَر يابسات والخل، فقال لها ﷺ: أثنى على هذا، وأمرها أن تقدمه له صلى الله عليه و على آله وصحبه وسلم.

 

يقول: "وقال أنس -رضي الله عنه-: ناوَلَتْ فاطمة -رضي الله عنها- رسول الله ﷺ كسرة من خبز شعير" ذَهَبَتْ بها إلى بيته فسلَّمت عليه وناولته الكسرة "فقال: ما هذه؟ فقالت: قرص خبزْتُهُ" يعني: حصَّلت في بيتها ما يكفي قرص؛ وهي بتتغذى منه هي وسيدنا علي والأولاد عندهم في البيت الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم.. هو هذا قرص واحد! وكأنه لما جاء سيدنا علي بالشعير يسع قرص خبزته، فلما خبزته ذكرتْ أباها، فما طابت أن تَطعَم ولا تُطعِم الحسن والحسين، فأخذَتْ كسرة منه وجاءته، فلما دخلَتْ عليه -وكان يقوم لها إذا دخلت عليه- وناولته، "فقال: ما هذه ؟ فقالت: قرص خبزْتُهُ فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة" قالت: ما قَدِرت أطعَمُه ولا أُطعِم الأولاد ولا علي حتى جِئتُك بهذه،  فتناولها منها ﷺ قال: "هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام" وفي رواية: " أما إنَّها أولُ طعامٍ دخَلَ -يَلِجُ- جوفَ أبيكِ منذُ ثلاثٍ".

فتعلَّمَتْ من سيرته وهديِه، وهي صارت يمر عليها أحياناً اليومان والثلاثة؛ حتى في قصته لما خرج ﷺ في وقت غداء الناس وجلوسهم في بيوتهم، فلَقِيَ سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر، سيدنا أبو بكر يقول لسيدنا عمر: ما أخرجك في هذه الساعة؟ قال: الجوع، ليس في البيت أكل، أتَرَقَّب شيء بأحَصِّل لقمة هنا أو هنا، قال له سيدنا أبو بكر: وأنا ما أخرجني إلا الجوع. فلقيهم ﷺ قال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: يا رسول الله ما أخرجنا إلا الجوع، قال: وأنا قد وجدت بعض ذلك، تعالا.. فذهب بهما إلى مكان سيدنا أبي الهيثم بن التيهان -وهو أحد الذين بايعوه في العقبة- فجاء إلى المزرعة، وجد أهله في المزرعة وهو ذهب يأتي لهم بماء عذب، فلما رأته ﷺ وأبا بكر وعمر، فرحت.. سلَّموا وردَّتْ عليهم السلام. قال لها: أين أبو الهيثم؟ قالت: ذهب يستعذب لنا ماءً.. يجيء الآن يارسول الله ادخلوا تفضلوا، فدخلوا في الحائط.. وأقبل فلما رآهم قال: الحمد لله، ما على وجه الأرض اليوم أحد أكرم أضيافًا مني؛ ما أحد في الدنيا عنده ضيف مثل ضيفي محمد وأبو بكر وعمر.. فأقبل ببشاشته، وضع الماء وأخذ يصافح رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قام وقطع عِذقًا من النخل وحمل الْمُدْيَة -أي: السكين- فقال ﷺ: لا تذبح الولود ولا ذات اللبن، فذبح لهم عَناقًا وأمر زوجته أن تخبز فخبزت خبزًا، فقدم لهم الرُّطب والخبز واللحم؛ ولما قدموه إليه أخذ ﷺ كسرة من الخبز وضع عليها تمرات، قال لسيدنا أبي الهيثم: ابعثوا بهذا إلى بيت فاطمة بنت محمد، فإن لها ثلاثة أيام لم تذق طعامًا. وأخذوا الكِسرة والتمرات إلى بيت فاطمة قال: اذهب به إلى بيت فاطمة بنت محمد، فإن لها ثلاثة أيام لم تذق طعامًا. 

وهي سيدة نساء العالمين سيدة نساء أهل الجنة -رضي الله عنها- وهكذا قال لها لما جاءت له بالكسرة: " أما إنَّها أولُ طعامٍ دخَلَ جوفَ أبيكِ منذُ ثلاثٍ" ﷺ.

 

"وكانت خولة بنت قيس -رضي الله عنها- تقول: دخل علينا رسول الله ﷺ وأنا يومئذ تحت حمزة بن عبد المطلب فصنعتُ له ﷺ سُخَينَة فأكل منها وأكلنا فضلته ﷺ، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: "أُتِي رسول الله ﷺ بطعام سُخِّن -أي: مطبوخ مسخن بالنار- فأكل فلما فرغ قال: الحمد لله ما دخل بطني طعام سُخِّن منذ كذا وكذا" يعني: طعام مطبوخ؛ إنما يأكل التمر ما يحتاج طبخ ما يُسَخَّن؛ التمر ما يُسَخَّن. 

 

"وكان ﷺ يكثر مرق الطعام -إذا طبخ لحم يكثر المرق- ويتعاهد جيرانه ويقول: "إن الجيران إذا تواصلوا وعطف بعضهم على بعض أجرى الله عليهم الرزق، وكانوا في كنف الله عز وجل".

يُيسر أمورهم ويوسع عليهم بسبب عطفهم على بعضهم البعض، وإن كان كل جار قفل على الذي عنده، ولا يبالي بجاره وصاحبه؛ فإنه لا يهنأ لهم العيش ولا يطيب ولا يوسع لهم توسعة مباركًا فيها، ولكن الجيران إذا تواصلوا وعطف بعضهم على بعض؛ عطف عليهم الرحمن -سبحانه وتعالى-.

ولهذا كان يتفقد جيرانه بالمرقة، وقال: "إذا اشْتَرى أحدُكُم لَحْمًا، فلْيُكْثِرْ مَرَقَهُ، فإنْ لمْ يُصِبْ أحدُكُم لَحْمًا، أصابَ مَرَقًا"، من لم يُصِب من اللحم أصاب من المرق ويتعاهد أهل بيتٍ من الجيران. فأرشد إلى هذا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

رزقنا الله حسن متابعته، وأحيا سنته فينا، وأصلح به ظواهرنا وخوافينا، ولا قطعنا عنه ولا عن كريم مرافقته، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. وأصلح شؤون أمته، وكشف الكروب والشدائد عنهم، وجمع شملهم وألَّف ذات بينهم، وجعلنا في خيرهم، وفي أنفعهم لهم وأبركهم عليهم، في خير ولطف وعافية.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

24 ذو القِعدة 1447

تاريخ النشر الميلادي

11 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام