كشف الغمة - 417- كتاب الأشربة (01) بيان تحريم شرب الخمر
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 417- كتاب الأشربة وبيان تحريم شرب الخمر
صباح الإثنين 3 ذو القعدة 1447هـ
يتضمن الدرس نقاط مهمة منها:
- معنى "الشراب" والحلال والحرام فيه
- تدرج تحريم الخمر
- تسمية الخمر بغير اسمها (المشروبات الروحية وغيرها)
- عدد من الصحابة لم يشربوا الخمر في الجاهلية
- عقوبة من شرب الخمر في الدنيا وحرمانه في الآخرة
- واقعة تحريم الخمر ونزول الآيات
- إراقة الخمر في طرق المدينة بمجرد سماع أمر التحريم
- تحذير من مخططات نشر المخدرات والمسكرات بين الشباب
- قصة العابد وأثر الخمر في جر الإنسان لارتكاب الكبائر
- قاعدة "ما أسكر كثيره فقليله حرام"
- مذاهب الأئمة في الأنبذة والمسكرات من غير العنب
- قاعدة "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" ووجوب إراقتها
- النهي عن إهداء الخمر
- سبب نزول قوله تعالى "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى"
- التداوي بالمحرمات "لم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها"
- معنى الحرمان من الخمر في الآخرة لمن شربها
- حكم بيع الخمر وأي نجاسات وشروط صحة البيع
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
كتاب الأشربة وبيان تحريم شرب الخمر ونسخ إباحتها المتقدمة
"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: لم يشرب رسول الله ﷺ الخمر ولا أبو بكر -رضي الله عنه- لا في جاهلية ولا في إسلام، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حُرِمَها في الآخرة"، وكان يقول ﷺ: "مدمن الخمر كعابد وثن"، وكان أبو سعيد -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس إن الله يعرّض بالخمر ولعل الله تعالى سينزل فيها أمراً فمن كان عنده شيء فليبعه ولينتفع به"، فما لبثنا إلا يسيراً حتى قال رسول الله ﷺ: "إن الله قد حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبتع، فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فأراقوها"، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وكان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو دوس فلقيه يوم الفتح براوية من خمر يهديها إليه فقال: يا فلان أما علمت أن الله تعالى حرمها، فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها فقال رسول الله ﷺ: "إن الذي حَرَّمَ شربها حَرَّمَ بيعها فأمر بها فأفرغت في البطحاء"، وهو دليل على أن الخمر المحترمة وغيرها تراق ولا تستصلح بتخليل ولا غيره.
قال شيخنا -رضي الله عنه-: إنما كان ذلك حين أنزل التحريم سداً للباب وأما الآن فلا بأس بإمساكها لقصد التخليل والأعمال بالنيات والسلام، وفي رواية: "فقال الرجل: يا رسول الله أفلا أكارم بها اليهود قال: إن الذي حَرَّمَها حَرَّمَ أن يكارم بها اليهود"، وكان علي -رضي الله عنه- يقول: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون. قال فأنزل الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾[النساء:43]، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يحرّق حوانيت الخمر التي تباع فيها حتى تصير فحماً، وكان -رضي الله عنه- يكره أن يداوى دبر دابته بالخمر، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته الغراء وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم، عليه وعلى آله وأصحابه طُرًّا، وعلى من والاهم في الله واقتدى بهم سرًّا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والشرف والكرامة أعلى الذرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويقول الشيخ عليه رحمة الله: "كتاب الأشربة"؛ جمع شراب والشراب: اسم لما يشرب من أي شيء كان، من كل ما لا مضغَ فيه يقال فيه يُشرب.
وقد بين الله تبارك وتعالى لنا الحلال والحرام في الأكل والشرب، وأمرنا بأكل الطيبات. وقال: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة:60]
ويقول: "بيان تحريم شرب الخمر ونسخ إباحتها المتقدمة".
لم تكن في أول الإسلام محرمة حتى حُرِّمَت، ومرت بهذه المراحل.
فمنها ما أنزل على النبي ﷺ في شأن الخمر وهو بمكة المكرمة، قوله تعالى: (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) [النحل:67]
ففرّق بين السَّكَر والرزق الحسن، يعني:
- بقية المنافع من العنب رزق حَسَن.
- ولكن السَّكَر هذا وحده ليس حسن، فبقي تتنبه عقول من المؤمنين إلى أن يبتعدوا عما ليس بحسن وهكذا.
ثم نزل فيها: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) [البقرة:209] فابتعد عنها جماعة من الصحابة. وكانت منتشرة بقوة بين العرب ومن أهم ما يعدُّونه في مشروباتهم، فكان تحريمها أشد ما يكون، فصادف قلوبًا مؤمنة موقنة ما ترددت كما نسمع في الروايات.
كذلك يقول في شأن الصلاة معنا هذه الآية نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ) [النساء:43] فحرمت أوقات الصلوات.
فكان من بقي يشربها إنما يشربها بعد العشاء حتى يصحى في الليل ويقوم، أو بعد الصبح حتى يصحى قبل الظهر وهكذا، ثم نزل التحريم القطعي لها.
فكل ما كان مسكراً من الشراب فهو حرام، ويسمى بلسان الشرع وفي عرف الشرع: خمرًا.
وهكذا ولا يضر تغيير الناس الأسماء كما حصل في الكثير، وفي الحديث يقول: "لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا". يقول: ليست خمر، لا، إنما أي شيء آخر؛ إما ويسكي، لا أدري ماذا ليس خمر! سمّها ما تسمّها، كل مسكرٍ خمرٍ، وكل خمرٍ حرام لا إله إلا الله.
ذكر لنا في حديث الذي صلى وخلَّط في الصلاة هنا.
"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: لم يشرب رسول الله ﷺ الخمر ولا أبو بكر -رضي الله عنه- ولا سيدنا عمر ولا سيدنا علي الخمر لا في جاهلية ولا في إسلام"؛ ما يشربوها من قبل تحريمها حتى في أيام الجاهلية.
"وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة"
ومعنى حرمها في الآخرة أحد أمرين:
- إما يموت على غير الملة -والعياذ بالله- وهو الغالب لمن كان يدمن الخمر فلا يدخل الجنة أصلاً.
- وإلا في نادر من الأحوال لو مات وعنده شيء من الإيمان فإنه تمنع عنه أنهار الخمر في الجنة، وشرب الخمر ما له شيء من الخمر الطيب الهنيء؛ لأنه استعجل على نفسه بشرب الخمر القبيح الخبيث في الدنيا -والعياذ بالله تعالى-
ولكن في الغالب أن مدمن الخمر لا يموت إلا على غير الملة -والعياذ بالله- وفي الحديث: "من من زنى أو شرِب الخمرَ نزع اللهُ منه الإيمانَ كما يخلعُ الإنسانُ القميصَ من رأسِه" أو من على جسده -والعياذ بالله تبارك وتعالى-
ويقول: "مدمن الخمر كعابد وثن" يعني: إن كان مستحلاً لها فهو كافر مثل عابد وثن.
"وكان أبو سعيد -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس إن الله يعرّض بالخمر ولعل الله تعالى سينزل فيها أمراً فمن كان عنده شيء فليبعه ولينتفع به" يعني: قبل أن تحرم.
قال: "فما لبثنا إلا يسيراً حتى قال رسول الله ﷺ: "إن الله قد حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبتع، فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فأراقوها". الله الله الله! وهكذا
وصارت ملقبة أيضًا بـأم الخبائث؛لأنها تجر إلى أنواع من المفاسد والخبائث والعياذ بالله تبارك وتعالى.
ومن الوقائع التي وقعت لهم هؤلاء الصحابة قبل تحريم الخمر: اتخذ عتبان بن مالك صنيع ودعا رجالاً من المسلمين جاءوا إلى عنده، فيهم سيدنا سعد بن أبي وقاص وغيره، وكان شوى لهم رأس بعير، أكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم مأخذها أثرت عليهم. ولما كانوا كذلك افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، وأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار -لا حول ولا قوة إلا بالله-، فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَ البعير ضربه به رأس سعد فشجّه موضح. فانطلق سعد إلى النبي ﷺ وشكاه، وقال سيدنا عمر: اللهم بين لنا في الخمر رأيك بياناً شافياً. فأنزل الله آية التحريم في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) [المائدة: 90-91] هذا بعد غزوة الأحزاب بأيام. فقال لسيدنا عمر ودعاه النبي وتلاه عليه، فقال: انتهينا يا رب! فحرمت الخمر.
ويقول سيدنا أنس: لم يكن يومئذ للعرب شيء أعجب منها، ولكن أحسنوا الامتثال عليهم رضوان الله تبارك وتعالى. فلما نزلت هذه الآية في سورة المائدة وحرمت الخمر، قال: فخرجنا بالحباب -يعني: الزير هذا الذي يضعون من الفخار ويضعون فيه كانوا خمرهم-، خرجنا بها إلى الطرق ورموها في الشوارع، لا إله إلا الله.
وهكذا حتى جاء في حديث يقول سيدنا أنس: "ما كان لنا خمر غير فضيحكم، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلان وفلان من الصحابة، إذ جاء رجل قال: حُرّمت الخمر! -رسول الله قال: حرمت الخمر-
قالوا كلهم: أهرق هذه القلال يا أنس خرجها، قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل، بمجرد ما جاء الخبر أن رسول الله حرمها انتهت المسألة.
مع أنه شيء يألفونه وعاشوا عليه، ولا كيف ولا متى وماذا نعمل وبعد سنسأل النبي! ولا شي بمجرد ما أخبرهم أن رسول الله حرمها: خذها يا أنس ارمها في الشارع.
خرجوا بها فملأوا بها شوارع المدينة، حتى الداخل للمدينة ذاك اليوم يظن أنها أُمْطِرت خمراً من كثرة ما رُمي منها في الشوارع، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
وثبت تحريم الخمر والمسكرات بأجمعها بالكتاب والسنة والإجماع.
ويحرص إبليس على نشرها بين العالم، ومن هم جنده من شرار كفار أهل الأرض ومفسديها؛ يعملون على نشر هذه المخدرات والمسكرات وخصوصاً بين شباب المسلمين؛ ليصدوهم عن سبيل الله، ولينزعوا منهم نور الإيمان، وليهيئوهم ليكونوا جنداً لفسادهم ومكرهم وشرهم وضرهم والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فاستعملوا مختلف الوسائل والطرق مع ما يتظاهرون به من محاربة المخدرات بالكذب! وهم فيهم صناعها وناشروها ومُسهِّلو الطريق إليها، وخصوصاً لشباب المسلمين -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ليُردوهم وليقطعوهم عن الخير والهدى وعن النور.
وهكذا لما خُيّر بعض الذي وقع في قبضة بعض الأشرار، وقالوا له: الآن عندك هذا الصبي وهذه المرأة وهذا الخمر، واحدة من الثلاث تعملها وإلا نقتلك! من هنا ما تخرج فإما تقتل الصبي، أو تزني بالمرأة، أو تشرب الخمر. قال: اتركوني أخرج، حسناً، اخرج سيقع بك القتل ! واحدة منها… أخذ المسكين يفكر، قال: الخمر أخفها.
فلما شرب الخمر سكِر، وقتل الصبي، ووقع على المرأة، وفعل الكبائر كلها! لذلك سموها: أم الخبائث -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
لذلك وجب الحذر منها وحماية المسلمين لأبنائهم وبناتهم، فإنهم أدخلوا هذه المسكرات وتفننوا في صناعتها بأنواع، وجاءوا بها لا إلى الأسواق وحدها، حتى جاءوا بها إلى المدارس، وجاءوا بها إلى محلات التجمعات، وربما وصلت على يد بعضهم في المساجد -والعياذ بالله تبارك وتعالى-! وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ فكان نشر من نشر الشر والفساد بين الأمة، خلص الله الأمة من شرها.
وأنه سبحانه وتعالى قَرَنَ شرب الخمر والميسر بعبادة الأصنام:
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة:90].
والأمر بالاجتناب أعظم من مجرد التحريم، فالاجتناب يحرِّم القرب منها؛ ليس نفس شربها؛ ولهذا لُعِن في الخمر:
- شاربها.
- وعاصرها.
- ومعتصرها.
- وبائعها.
- ومبتاعها.
- وحاملها.
- والمحمولة إليه.
- وآكل ثمنها.
كلهم الثمانية ملعونين بالخمر؛ حتى الذي يحملها، قال: أنا ما لي دخل، أنا ما أشرب؛ إذا حملتها أنت معهم - لا إله إلا الله-؛ وآكل ثمنها وكل من قَرُبْ منها:
- (فَاجْتَنِبُوهُ) يقول الله تعالى: ابتعدوا عنه بعيداً.
- وجعلها (رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ).
- وبالغ في النهي فقال: (فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) [المائدة:91]، أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا وتزجروا بعدها كلام من هذا؟ ترجعون أم لا؟ ففيه تهديد ووعيد وهكذا.
وجاءتنا السنة الكريمة بهذا التحريم لها:
- يقول أهل العلم: كل شراب أسكر كثيره حَرُمَ قليله، قال: هذا النوع من الشراب ما يسكر إلا إن كان كثير، قال له: القليل والكثير حرام؛ ما أسكر كثيره حَرُمَ قليله، وهكذا عليه الجماهير.
- وقالت عائشة -رضي الله عنها-: إن النبي ﷺ قال: "كُلُّ شَرابٍ أسكَرَ فهو حَرامٌ"، كما جاء في الصحيحين وغيرهما.
- وسيدنا سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ: "أَنْهاكم عن قَليلِ ما أَسْكَرَ كَثيرُه" أخرجه الدارقطني والنسائي.
- وفي الرواية الأخرى عند ابن ماجه والدارقطني: "ما أسكَرَ كثيرُهُ، فقليلُهُ حرامٌ".
- قال ﷺ: "كُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ، وما أسكَرَ الفَرَقُ فمِلءُ الكَفِّ منه حَرامٌ"، يذكر الفَرَق مكيال كبير فيه كذا كذا مُد، يقول: الذي يسكر منه الفَرَق فملء الكف منه حرام، القليل منه حرام ما يجوز، وإن كان ما يسكر منه إلا المقدار الكبير هكذا، لأن الفَرَق هذا يسع مئة وعشرين رطل، لا إله إلا الله.
- وفي الحديث عند أبي داود وغيره يقول: "نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن كُلِّ مُسكِرٍ ومُفَتِّرٍ".
واتفقوا على أن ما اتخذ من عصير العنب فيسمى: خمراً لغة وشرعاً؛ وهي من المحرمات التي يُحَدُّ شاربها.
وكذلك الأنبذة عند الأئمة الثلاثة من غير العنب.
يقول الحنفية:
- الأشربة المتخذة من العنب هي الخمر.
- وما يتخذ من التمر أو الرطب يقولوا: هو السَّكَر، أو من البُسْر قالوا: الفضيخ.
ونبيذ ما عدا العنب والتمر كالعسل أو التين أو البُرّ ونحوها، هذه الأشربة ينص الحنفية على تحريمها، فالخمر بإجماع الأمة ونبيذ العنب والتمر كذلك.
يحرم عند أبي حنيفة وأبي يوسف القدر المسكر منها خلافاً لمحمد.
وأما نبيذ العسل والتين والبُرّ وشيء من ذلك فمباح عند أبي حنيفة وأبي يوسف بشرط أن لا يشرب للهو أو طرب وخَالفهما محمد، وهو الرأي المفتى به عند الحنفية أنه ما يجوز.
"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وكان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو دوس فلقيه يوم الفتح براوية من خمر يهديها إليه فقال: يا فلان أما علمت أن الله تعالى حرَّمها، فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها فقال رسول الله ﷺ: "إن الذي حَرَّمَ شربها حَرَّمَ بيعها فأمر بها فأفرغت في البطحاء" وهذا بعيد في البادية لم يدرِ بالخبر، لها ثلاث سنين من حين حُرِّمَت وهو لا يدري
"وهو دليل على أن الخمر المحترمة وغيرها تراق ولا تستصلح بتخليل ولا ولا غيره."
"قال شيخنا -رضي الله عنه-: إنما كان ذلك حين أنزل التحريم سداً للباب وأما الآن فلا بأس بإمساكها لقصد التخليل والأعمال بالنيات والسلام"، نعم اتخاذها من أجل قصد الخلّيّة من دون قصد الخمريّة نعم.
وفي رواية: "فقال الرجل: يا رسول الله أفلا أكارم بها اليهود قال: إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود"، ما يمكن تعطيها أحداً ولو كفار، ما يمكن تقرب الخمر ولو للكافر، ولا تبيع عليه الخمر.
"وكان علي -رضي الله عنه- يقول: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا" قال: هذا الحديث ما يصح، سيدنا علي كان من الصحابة الذين اجتنبوا الخمر في الجاهلية قبل الإسلام. "وحضرت الصلاة فقدموني" هذا من عبد الرحمن بن عوف "فقرأت" جاء في الرواية أن هذا غير سيدنا علي "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون". خلَّطها بعد لام منها "قال فأنزل الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾[النساء:43]".
"وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يحرّق حوانيت الخمر التي تباع فيها حتى تصير فحماً، وكان -رضي الله عنه- يكره أن يداوى دبر دابته بالخمر، والله سبحانه وتعالى أعلم".
ولما سأل بعضهم أن نستعملها للتداوي يارسول الله قال: "إنَّ اللهَ لم يَجعَلْ شِفاءَ أُمَّتي فيما حرَّم عليها" صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم.
"مَن شَرِبَ الخَمرَ في الدُّنيا، ثُمَّ لم يَتُبْ مِنها؛ حُرِمَ منها في الآخِرةِ" وفي رواية مسلم: "حُرِمَها في الآخِرةِ"، يعني: حُرِم دخول الجنة إن لم يعف عنه؛ وليس ثَمَّ إلا جنة ونار والخمر من شراب الجنة، فإذا لم يشربها في الآخرة لم يدخلها لأن شربها مرتب على دخولها -هذا الغالب-. مثل ما جاء في من لبس من الرجال الذهب في الدنيا حُرمه في الآخرة، يعني إن مات على الإيمان فليس له من الذهب حظ لا في بيوته ولا في ما يلبس من الحلى، وإن كان ارتد والعياذ بالله أو مات على غير الملة خلاص قد ما يرى الجنة أصلاً.
وكذلك قوله: "كعابد وثن" حملوه على من كان يستحلها؛ فإنه كافر مثل عابد الوثن والعياذ بالله تبارك وتعالى.
ولا يجوز بيع الخمر ولا بيع أي نجس فضلاً.
وهكذا تكلم الفقهاء على ما يتعلق بالنجاسات وبيعها، وما اضطروا إليه أن يقولوا إنه رفع يد عنه للشافعية وغيرهم؛ وإلا من شروط المبيع طهارة عينه، فلا يصح بيع نجس العين كما هو عند أكثر الأئمة؛ فيحرم بيع النجس.
رزقنا الله الطهارة والنقاء والإستقامة والتقى، وألحقنا بحبيبه المنتقى، وتولانا به في دار الفناء ودار البقاء، وجعلنا مقتدين بهديه، مهتدين به في جميع شؤوننا حتى يكرمنا بعظيم اللقاء، وأصلح الله أمور الأمة، وكشف عنا وعنهم الغمة، وجنبنا موجبات الشقاء، وجعلنا من أسعد السعداء هاهنا ويوم الملتقى، وأصلح شؤون المسلمين، ودفع السوء عنا وعن الأمة أجمعين، وختم لنا بأكمل الحسنى، وهو راضٍ عنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
04 ذو القِعدة 1447