كشف الغمة - 416- كتاب الأطعمة (10) تكملة آداب الضيافة

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 416- تكملة آداب الضيافة

صباح الأحد 2 ذو القعدة 1447هـ 

فوائد مكتوبة 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  أهمية البشاشة والحركة إكراماً للداخل
  • قصة وفد عبد القيس واستقبال النبي ﷺ لسيدهم المنذر بن عائذ
  • إضافة المجتاز المار عند الضرورة والحاجة
  • خُلق النبي ﷺ في مقابلة الإساءة بالإحسان
  • قصة خدمة النبي ﷺ لوفد النجاشي بنفسه
  • فضل الذبح للضيف
  • حكم أكل من قدم له طعام وترك السؤال عن مصدره
  • 6 مراتب للأكل بحسب أحوال الناس
  • خُلق النبي ﷺ أن يكون آخر الجماعة أكلاً
  • قصة عمر بن عبد العزيز ونصف الرغيف
  • كراهة التكلف للضيف وتقديم سلمان الفارسي الميسور
  • أثر الكرم في دفع البلاء (قصة البدوي)
  • قصة استضافة عمرة بنت حرام للنبي ﷺ
  • مسألة الوضوء مما مست النار
  • الإسراف في أثاث البيت والفرق بين الحاجة والمباهاة
  • ثبات المؤمنين بذكر الله وقت فتنة الدجال
  • سنة تشييع الضيف إلى باب الدار عند خروجه
  • معنى ضيافة الله

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

"وكان ﷺ إذا دخل عليه الضيف تحرك له وإن كان مادًّا رجله قبضها، ولما دخل وفد عبد القيس عليه فرح بهم رسول الله ﷺ ورحب بهم ودعا لهم ثم نظر إليهم فقال: من سيدكم وزعيمكم؟ فقالوا: المنذر بن عائذ وأشاروا إليه وإذا هو متخلف بعد القوم يعقل رواحلهم ويضم متاعهم، فلما فرغ أخرج من صالح ثيابه فلبسها وألقى ثياب السفر وأقبل على النبي ﷺ وقد بسط ﷺ رجله واتكأ فلما دنا منه المنذر أوسع له القوم وقالوا: ههنا فقال النبي ﷺ واستوى قاعداً وقبض رجله: ههنا يا منذر فقعد عن يمين رسول الله ﷺ فرحب به وألطفه وسأله عن بلادهم، ثم أقبل على الأنصار فقال: يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشباهكم في الإسلام، فلما أصبحوا قال لهم رسول الله ﷺ: "كيف وجدتم كرامة إخوانكم وضيافتهم إياكم؟ قالوا: خير إخوان يا رسول الله ألانوا فرشنا وأطابوا مطعمنا وباتوا وأصبحوا يعلمونا كتاب ربنا وسنة نبيينا فأعجبت النبي ﷺ وفرح بها"، وكان الصحابة -رضي الله عنهم- كثيراً ما يخرجون في الغزو فيمرون بالقوم ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن فيقول لهم رسول الله ﷺ: فإن أبوا إلا أن تأخذوا كُرهًا فخذوا، وكان عوف بن مالك -رضي الله عنه- يقول: "قلت: يا رسول الله الرجل أمر به فلا يقريني ولا يضيفني ثم يمر بي أفأجزيه؟ قال : لا بل أقره"، وكان أبو قتادة -رضي الله عنه- يقول: لما قدم وفد النجاشي على النبي ﷺ قال ﷺ: "لا يخدمهم أحد غيري فكان ﷺ يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نحن نكفيك الخدمة يا رسول الله، فقال: "إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم عن أصحابي"، وكان ﷺ يقول: "من ذبح لضيفه ذبيحة كانت فداءه من النار"، وكان ﷺ يقول: "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاماً فليأكل منه ولا يسأل عنه وإذا سقاه شراباً فليشرب منه ولا يسأل عنه".

وكان ﷺ إذا أكل مع جماعة يكون آخرهم أكلاً، وكان السلف -رضي الله عنهم- يقدمون للضيف ما يجدونه ولو كان شيئاً يسيراً ويقولون هو أحسن من العدم، وقد دخل ضيف على عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- فقدم إليه نصف رغيف ونصف خيارة وقال له: كل فإن الحلال في هذا الزمان لا يحتمل السرف. قال شيخنا -رضي الله عنه-: وفي ذلك دليل على أنه لا يجب قرى الضيف إلا من حلال إلا أن يكون الضيف مضطراً يحل له مثل ذلك الطعام، وكذلك حكم دابته، والله أعلم.

قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: وأخرج سلمان الفارسي -رضي الله عنه- إلى ضيف خبزاً وملحاً وقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف لتكلفت لك. وقال إبراهيم النخعي -رضي الله عنه-: كان يعجبهم أن يكون في بيوتهم التمر للزائر والسائل. وقالت عمرة بنت حرام -رضي الله عنها-: "استضفت النبي ﷺ فأجابني فكنست له مكاناً تحت نخل عندنا ملتف ورششته بالماء وطيبته بالبخور والطيب ثم ذبحت له شاة وطبختها فأكل ﷺ منها ثم صلى العصر ولم يتوضأ"، قال أنس -رضي الله عنه-: وكان رسول الله ﷺ كلما قدم من سفره نحر جزوراً أو ذبح بقرة أو شاة وأطعم الناس، وتقدم في باب اللباس قوله ﷺ: "فراش للرجل وفراش لامرأته وفراش للضيف والرابع للشيطان".

خاتمة: كان رسول اللّٰه ﷺ يقول: "طعام المؤمنين في زمن الدجال طعام الملائكة التسبيح والتقديس فمن تركهما جاع في ذلك الزمن"، وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: إن من السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدار، والله سبحانه وتعالى أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مُكرمنا بهديِ رسول الله ﷺ، وهو الكمال في جميع الأحوال، صلى الله وسلم وبارك وكرم على زين الأقوال والأفعال، كريم الخصال، عبده الجامع لصفات الكمال، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآل، وعلى من والاهم في الله واتبعهم في خير مِنوال، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين إلى ذرى المعرفة والقرب والكمال، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

قال: "وكان ﷺ إذا دخل عليه الضيف تحرك له"، وفيه البشاشة بالضيف؛ وذلك من أهم ما يُقابل به الضيف. 

قال: "وإن كان مادًّا رجله قبضها" ﷺ إكرامًا واحترامًا للضيف الداخل؛ فينبغي أن يشعُر الضيف بفرح من يضيِّفُه ومن ينزل عنده، ويُبدي له من البشاشة والاحترام والحركة ما يدل على فرحه به وإكرامه إياه.

قال: "ولما دخل وفد عبد القيس عليه فرح بهم رسول الله ﷺ ورحب بهم ودعا لهم"؛ وذلك أنهم وصلوا وكانوا في شوق إلى رسول الله ﷺ؛ فلما وصلوا للمدينة عند المسجد قيل لهم: رسول الله ﷺ في المسجد فتبادروا عن رواحلهم، دخلوا إليه شوقًا إلى لقائه ورؤيته. وكان هذا سيّدهم صاحب حلم وأناة ومكارم، فربط رواحلهم ورتبها ورفع أمتعتهم، وأخرج متاعه وأخرج له ثياب حسنة وتوضأ واغتسل ودخل بعد ذلك على النبي ﷺ،

فلما دخل عند النبي ﷺ، قال: "من سيدكم وزعيمكم؟ فقالوا: المنذر بن عائذ وأشاروا إليه وإذا هو متخلف بعد القوم يعقل رواحلهم ويضم متاعهم، فلما فرغ أخرج من صالح ثيابه فلبسها وألقى ثياب السفر وأقبل على النبي ﷺ وقد بسط ﷺ رجله واتكأ فلما دنا منه المنذر أوسع له القوم وقالوا: ههنا، فقال النبي ﷺ واستوى قاعداً وقبض رجله: ههنا يا منذر -فأجلسه بجانبه- فقعد عن يمين رسول الله ﷺ فرحب به وألطفه وسأله عن بلادهم، ثم أقبل على الأنصار فقال: يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشباهكم في الإسلام، فلما أصبحوا قال لهم رسول الله ﷺ -يقول لوفد عبد القيس-: "كيف وجدتم كرامة إخوانكم وضيافتهم إياكم؟ -يعنيء الأنصار- قالوا: خير إخوان يا رسول الله ألانوا فرشنا وأطابوا مطعمنا وباتوا وأصبحوا يعلمونا كتاب ربنا وسنة نبيينا فأعجبت النبي ﷺ وفرح بها"؛ يعني أن يكون أصحابه على هذا المستوى من الإكرام والتعليم وأداء المهمة.

"وكان الصحابة -رضي الله عنهم- كثيراً ما يخرجون في الغزو فيمرون بالقوم ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن فيقول لهم رسول الله ﷺ: فإن أبوا إلا أن تأخذوا كُرهًا فخذوا". وهكذا يقول عنْ عقبةَ بنِ عامرٍ: "رسولَ اللهِ ! إنما نمرُّ بقومٍ، فلا هم يُضيِّفوننا، ولا هم يُؤدونَ ما لنا من الحقِّ، ولا نحن نأخذُ منهُم؟ ! فإن أبَوْا إلا أن تأخذوا كُرهًا؛ فخذُوا"، قالوا: هذا حديث حسن.

وجاء في رواية الليث بن سعد معنى الحديث أنهم كانوا يخرجون في الغزو فيمرون بقوم ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن -ما في- فقال النبي ﷺ: " إن أبوا أن يبيعوا إلا أن تأخذوا كرها فخذوا "؛ أي: حق الحاجة والضرورة. ومن هنا تقدم معنا قول المالكية بوجوب إضافة المار إذا لم يكن عنده شيء، يجب أن يضيفوه.

وهكذا يقول: "وكان عوف بن مالك -رضي الله عنه- يقول: "قلت: يا رسول الله الرجل أمر به فلا يقريني ولا يضيفني ثم يمر بي أفأجزيه؟ -اعمل كما عمل لي لا أُقريه ولا أُضيفه- قال: لا بل أَقْرِهِ"، يعني: لا تكافئ السيئة بالسيئة، تكافئه بالحسنة؛ لا ينبغي للمؤمن أن يكافئ من أساء إليه بالإساءة، وكان هديه ﷺ  هكذا، لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ويجزي بالسيئة الحسنة ﷺ وقال الله: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت:35-36]. "قال: أفأجازيه؟ قال: لا، بل أَقْرِهِ". قال: أخرجه الترمذي في كتاب البر.

"وكان أبو قتادة -رضي الله عنه- يقول: لما قدم وفد النجاشي على النبي ﷺ قال ﷺ: "لا يخدمهم أحد غيري فكان ﷺ يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نحن نكفيك الخدمة يا رسول الله، -لهؤلاء الوفد والضيوف الذين وفدوا- فقال: "إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم عن أصحابي"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما رواه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

 

وكان ﷺ يقول: "من ذبح لضيفه ذبيحة كانت فداءه من النار"، هكذا جاء في رواية بسند ضعيف، "من ذبح لضيفه ذبيحة -يعني إكرامًا له من أجل الله -تعالى- كانت فداءه من النار"؛ وفيه ذبح للضيف وذبح لكذا ولا إشكال في ذلك، ما أحد يقول ما يجوز الذبح  إلا لله، لله يعني التقرب به إلى الله -تعالى- وتعبد الحق -تعالى- به من حيث اعتقاد حِلّه بهذا الذبح؛ هذا راجع إلى الله، وأما وتُقري به، وتذبح للزواج، وتذبح للضيف، وتذبح للقريب، وتذبح للوافد.. كذا كذا ما فيه إشكال. 

"فمن ذبح لضيفه ذبيحة" يعني: لإكرامهم ما هو لعبادتهم، يعني: لإكرامهم "كانت فداء له من النار". أي: نار جهنم "لا يدخلها إلا تحِلّة القسم" بل يُكرَم بالجنة كما أكرم ضيفه بإحسان الضيافة. وهكذا جاء في رواية الحاكم في تاريخه، ولكن في سنده عامر بن شعيب، يقول الحاكم: روى أحاديث منكرة وفيها موضوع.

 

ثم يقول: "وكان ﷺ يقول: "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاماً فليأكل منه ولا يسأل عنه" إذا دخل لزيارة أو لغيرها فأطعمه من طعامه فليأكل ندبًا، ويندب لمن قُدِّم له طعام أن يأكل منه، وإن كان صائمًا نفلًا عند الجمهور جبرًا لخاطره. 

قال: "ولا يسأل عنه" من أي وجه اكتسبه؟ من أجل يقف على حقيقة حِلّه فإن هذا هو غير مكلف به ما لم تقوى الشبهة في طعامه، ما دام ما هناك شبهة ظاهرة لا يسأله ولا يسأل غيره عن ذلك. 

"وإذا سقاه شراباً فليشرب منه ولا يسأل عنه"، لأن السؤال هذا قد يورث الضغائن ويوجب التباغض، والظاهر أن المسلم لا يطعمه ولا يسقيه إلا حلال، فينبغي إحسان الظن؛ وسلوك طريق النوادر إلا أن تكون هناك علامة واضحة.

 

ويقول الإمام الغزالي: الناس فيما يتعلق بأكل طعامهم:

  • إما أن يكون عندك مجهول، قال: ما تعرف حاله كيف هو؟ تقي أو غير تقي؟ ورِع أو غير ورِع؟ قال: فكُل من ماله، والحذر ليس بواجب، بل هذا محض الورع.
  • الثاني: أن تعرفه بالصلاح والخير، فإذا عرفته بالصلاح والخير فكُلْ ولا تتورع، الورع هذا وسوسة! هذا وسوسة ما له معنى، فإن أدى إلى الإيذاء والإيحاش -السؤال يعني- فهو معصية وحرام. إما يسأل وإلا يرده عليه خوفًا من الشبهة وهو معروف بالصلاح والخير، إنسان من الناس الطيبين، هذا يظن نفسه ورِع قال: هذا حرام ويفعل معصية! قال: ورِع! ، ما هو ورع هذا، هذا معصية!
  • والثالث: قال أن تعرفه بالظلم والربا، انت علمت أن كل ماله أو أكثره حرام. قال: هذا  تجتنبه، لا تأكل من عنده ورُدُّه وما عليك شيء.
  • الرابع: أن تعرف أن أكثر ماله حلال، ولكن لا يخلو من حرام، مثل الرجل له تجارة وميراث ومع ذلك هو في عمل بعض السلاطين أهل الشبهة أو ما إلى ذلك. قال: فلك الأخذ بالأغلب والترك من الورع.
  • أما الخامس: يكون مجهول عندك، لكن ترى عليه علامة الظلم، مثل هيئات وأزياء معروفة يستعملونها الظلَمة، فهذا قال: علامة توجب الحذر لا تأكل إلا بعد شيء من التفتيش والسؤال.
  • أما السادس: أن ترى عليه علامة الفسق لا علامة الظلم. شيء من الأشياء التي يعتاد بها؛ أما التاركون للصلاة مثلاً، أو الذين يستعملون الأغاني الماجنة مثلاً وما إلى ذلك، ولكن لا يدل على الظلم وأخذ حق الغير. فهذا إن علمت له مالاً موروثاً أو تجارةً لم يحرم ماله بذلك، وإن كان أمره مجهولاً عندك فهذا فيه النظر؛ لأن علامة الفسق أضعف دلالة من علامة الظلم، فرق بين علامة الظلم وعلامة الفسق. يقول الإمام الغزالي -كما هو في كتابه الأربعين في أصول الدين-: الأظهر عندي أنه لا يحرم ماله؛ لأن ظاهر يد الإسلام يدل على الملك. أما علامة الظلم فهي شبهة قوية توجب السؤال بخلاف علامة الفسق من دون الظلم.

 

وفي هذا الحديث الإرشاد إلى أنه ما دام أخوه المسلم لا يعلم عليه سوء ولا يتظاهر بشيء من الحرام؛ "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاماً فليأكل منه ولا يسأل عنه وإذا سقاه شراباً فليشرب منه ولا يسأل عنه".

قال: "وكان ﷺ إذا أكل مع جماعة يكون آخرهم أكلاً"، جبرًا بخواطرهم وأخذاً لهم حتى لا يُحْرَج أحد منهم، فإذا اكتفوا يكون هو آخرهم. 

"وكان السلف -رضي الله عنهم- يقدمون للضيف ما يجدونه ولو كان شيئاً يسيراً ويقولون هو أحسن من العدم، وقد دخل ضيف على عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- أيام خلافته هذه، فقدم إليه نصف رغيف ونصف خيارة" خيارة واحدة من الخيار نصفها، ما هي كاملة الخيارة، نصف خيارة ونصف رغيف! قدمه لضيفه، "وقال له: كل فإن الحلال في هذا الزمان لا يحتمل السرف"، لا يوجد منه إلا القليل -رضي الله عنه-. وهو أمير المؤمنين وبيت المال ملآن، ولكن لا يأخذ شيئاً من بيت المال لداره، ولا لخاصته -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، وهكذا. وكان بشر بن الحارث يقول: الحلال لا يحتمل السرف، لا إله إلا الله. 

ويقول: "قال شيخنا -رضي الله عنه-: وفي ذلك دليل على أنه لا يجب قرى الضيف إلا من حلال إلا أن يكون الضيف مضطراً يحل له مثل ذلك الطعام، وكذلك حكم دابته".

 

قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: وأخرج سلمان الفارسي -رضي الله عنه- إلى ضيف خبزاً وملحاً، -هذا الذي عنده- وقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف لتكلفت لك". وجاء "أنَّ سَلْمانَ دَخَلَ عليه رَجُلٌ فدَعا له بما كان عِندَه، فقال: لولا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهانا أنْ يَتَكَلَّفَ أحَدُنا لصاحِبِه لتَكَلَّفْنا لكَ"، هكذا جاء في رواية أحمد والطبراني في الأوسط.

 

يقول: "وقال إبراهيم النخعي -رضي الله عنه-: كان يعجبهم أن يكون في بيوتهم التمر للزائر والسائل". 

وقد دخل بعض البدو مرةً وقال: أنا جائع أريد تمر. قال له: اذهب عند ذاك السيد حسن بن شهاب تراه هناك سيعطيك تمر، فجاء إلى عنده يدق؛ نعم، قال: جئت أريد تمر. وقال: مرحبا. خرج وأخرج له تمر وأكل منه وذهب. بعد مدة سافر إلى سيئون، وكان البدو يتقطعون الناس في الطريق، وكان معه جماعة فتلقّاهم البدو، فرأى هذا البدوي كان عندهم، نظر كذا، قال: هذا حبيب حسن؟ قال: نعم. قال: يا جماعة هذا في وجهي ولا أحد يقرب شيء منهم. وردّوا لهم حقهم كله! مكارم الأخلاق بِتمر أعطاه إياه في يوم من الأيام، ونفعه في الدنيا قبل الآخرة، ونفْعه في الآخرة أعظم.

 

 

وقال وقالت عمرة بنت حرام -رضي الله عنها-: "استضفت النبي ﷺ فأجابني فكنست له مكاناً تحت نخل عندنا ملتف -بعضه على بعض، هيأت له مكان، نظفت له المكان- ورششته بالماء وطيبته بالبخور والطيب -وجاء النبي ﷺ- ثم ذبحت له شاة وطبختها فأكل ﷺ منها ثم صلى العصر -يعني: وقت صلاة العصر- ولم يتوضأ". فأثبتت أنه لا يجب الوضوء بأكل شيء مما مسّته النار، وعليه جمهور العلماء. فعليه جمهور التابعين أيضًا والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وفي قول عند الحنابلة أنه ينقض الوضوء فيلزم الوضوء مما مسته النار، وهذا يروى عن سيدنا عمر بن عبد العزيز والزهري وجماعة من التابعين وبعض الصحابة -رضي الله عنهم-.

وفي الحديث: "تَوضَّؤوا ممّا مَسَّتِ النّارُ" في صحيح مسلم، فهو محمول إما على الندب وإلا منسوخ، فكان آخر الأمرين أنه ﷺ أكل مما مسته النار ثم لم يتوضأ، وصلّى -كما قرأت في هذا الحديث- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

قال أنس -رضي الله عنه-: وكان رسول الله ﷺ كلما قدم من سفره نحر جزوراً أو ذبح بقرة أو شاة وأطعم الناس، وتقدم في باب اللباس قوله ﷺ: "فراش للرجل وفراش لامرأته وفراش للضيف والرابع للشيطان". يعني: ما زاد على الحاجة من الأمتعة، وهذا حق الشيطان من جملة أبوابه التي يدخل بها على الناس، أن يدّخروا زائد على الحاجة -ما لهم حاجة به- والثالث للضيف، نعم إذا كان يعتاد ينزلون عنده اثنين أو ثلاثة.. يأتي باثنين أو ثلاثة، يعتاد ينزلون عنده عشرة عشرين.. يأتي بعشرة عشرين، لكن واحد ما أحد ينزل عنده، وإذا نزل فيكون واحد، يأتي بأربعين فرشة يصفهم في الدار لهم، هذا من التي يبيض فيها الشيطان -يفرخ فيها-، يعني يتعبه بها ويشغله بها ولا فائدة فيها ولا حاجة.

 

وقال الحبيب أحمد بن حسن العطاس: لمّا كثر الضيوف علينا بنينا داراً من أجل الحاجة لإكرام الضيف، قال: لمّا بنينا الدار، تبعنا ناس بنوا ديار من دون حاجة، لا أحد ضيف يجي عندهم ولا شيء! ولكن قالوا السيد أحمد بنى سنبني ونعمل مثله، فإنما بحسب الحاجة.

يقول: والميزان المعتدل في أمر المؤمن: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) [الفرقان:67].

 

قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "هذا فراشٌ للرجل، فراشٌ لامرأته، والثالث للضيف -أي الفراش إذا كان ينزل بهم  الضيف على حسبه-، والرابع للشيطان" لأنه زائد على الحاجة وسرف، اتخاذ مماثل لعرض الدنيا وزخارفها، فهو للمباهاة. ففي الحديث يقول: ترك الإكثار من الآلات والأشياء المباحة والترفُّه بها أن يكثر على حاجته، وقوله: "للشيطان"، يدل على الكراهة ما يدل على التحريم، يدل على الكراهة.

 

يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: "طعام المؤمنين في زمن الدجال طعام الملائكة: التسبيح والتقديس"، وهذا جماعة منهم، وجماعة منهم يكونوا مع سيدنا الإمام المهدي، وجماعة يداهمهم في بلدانهم وأماكنهم، وجماعة يفرون إلى الجبال؛ فمنهم طائفة يرسل الله عليهم الظباء ويشربون من ألبانها، وطائفة أقوياء يجعل غذاء أجسادهم في التسبيح والتحميد مثل: الملائكة يتحوّلون، غذاؤهم التسبيح والتحميد، إذا قصّر في الذكر يجوع، إذا عاد إلى ذكر الله شبع، مدة الأربعين يوماً حقّ الدجال، أول يوم مثل سنة، ثاني يوم مثل شهر، ثالث يوم مثل أسبوع، وبقية الأيام كهذه الأيام. وهذه فتنة كبيرة، ما يكمل اليوم الأول مقدار سنة إلا وقد فتن أكثر أهل الأرض -والعياذ بالله تعالى-.

فهؤلاء الذين هم أقوياء ويفرّون، فإذا نزل سيدنا عيسى ابن مريم يخبرهم بمنازلهم في الجنة، يحدّثهم لصبرهم أيام فتنة الدّجال. أكبر فتنة وأشدّ فتنة، دفع الله شرها عنّا وحمانا وأهلنا وأولادنا وذريّاتنا من فتنة المسيح الدجال، ومن كل فتنة أحاط بها علم الله.

طعام المؤمنين في زمن الدجال طعام الملائكة التسبيح والتقديس فمن تركهما جاع في ذلك الزمن"، -أخرجه الحاكم في المستدرك-، عن سيدنا عمر بن الخطاب: "طعام المؤمنين في زمن الدجال -يعني: وقت ظهوره- طعام الملائكة: التسبيح والتقديس، -يعني: يقوم لهم مقام الطعام في الغذاء، فمن كان منطقه يومئذٍ التسبيح والتقديس أذهب الله عنه الجوع والظمأ؛ فكأنه اكتفى بهم من قبيل: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ -أي: والبرد- وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ) [النحل:81]، يقصد: تقيكم الجوع والظمأ.

 

وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: "إن من السنّة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدار"، والله سبحانه أعلم"، خاصة إذا كان من ذوي الهيئات أو الأعيان ومن يُنسب إليه، فينبغي أن يشيّعه، أن يرحب به إذا ولَج ويشيّعه إذا خرج، يخرج معه إلى باب الدار، هذا من إكرام الضيف، والله أعلم وجعلنا الله في ضيافته.

 

وكان بعض العارفين يقولون: إذا يدخلنا الله في ضيافته! وإذا أدخلنا الله في ضيافته يقولون نحن طول عمرنا في ضيافة الله، لماذا؟ لأن الضيافة ثلاثة أيام، و(إِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ) [الحج:47]، لا أحد منا يعمّر ثلاثة آلاف سنة، كم عمره؟ فإذا قبله الله ضيف عنده، ثلاثة أيام حقّ الضيف، واليوم عند ربك كألف سنة -يعني: ثلاثة آلاف سنة-، لا أحد يعمّر ثلاثة أيام طول عمره وهو ضيف عند الحق -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

 

الله يكرمنا ويكرم نزلنا، ويقرّبنا إليه زلفى، ويجعلنا في ضيافته وضيافة رسوله ﷺ، ويملأ قلوبنا بالإيمان واليقين والإخلاص والصدق، ويصلح الشأن لنا وللأمة، ويختم لنا بأكمل الحسنى، ويصلح أحوال المسلمين، ويؤلف ذات بينهم، ويجمع شملهم، ويرد عنهم كيد المعتدين والظالمين والغاصبين والمفترين والمفسدين، ويجعلنا في الهداة المهدتين، الذين ترعاهم عين عنايته في كل شأن وحال وحين مع الاستقامة، ويتحفنا بالكرامة والصدق مع الله، والقبول عند الله، والتوفيق لمرضاته، في لطف وعافية.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ

اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأصَحْابِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

03 ذو القِعدة 1447

تاريخ النشر الميلادي

19 أبريل 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام