صفة صلاة المقربين - 2 | معاني دعاء الاستفتاح، وسورة الفاتحة

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثاني من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب صفة صلاة المقربين للعلامة الحبيب الحسن بن صالح البحر الجفري رحمه الله، يوضح فيها صفة صلاة المقربين والعباد الصالحين.

 في مسجد الرضوان، مدينة صلالة، سلطنة عمان

 عصر الإثنين 9 ربيع الأول 1447هـ.

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام العارف بالله الحسن بن صالح بن عيدروس البحر -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (صفة صلاة المقربين) إلى أن قال:

"إنَّ صَلاتي" في حضرته، هي صِلاتِي من رحمته بالخضوع والاستسلام والفضل والإنعام. 

"ونُسُكي" وجود طاعتي له، و انقيادي لأمره، وصبري على أقداره، وانتدابِي لشُكره.

"ومَحيايَ" بتعلقي بأوصافه، ومشاهدتي حسن صنيعه وألطافه. 

"ومَماتي" غيبتي عن وجودي في شهوده، وغيبتي عن شهوده ببقاء وجوده.

"للهِ" أعني هو الذي أقامني في ذلك، واختصني به بغير حول مني ولا قوة. 

كما هو "ربِّ العالَمينَ" يقرِّب ويبعّد، ويشقي ويُسعد، فالكل تحت قهره خاضعون، ولعزته خاشعون، يذل من يشاء ويعز من يشاء لا معقب لحكمه في نقضه وإبرامه، ولا مُؤازر له في ايجاد ما أوجده وأعدامه.

"لا شَريكَ لَه" يشبهه في ربوبيته؛ إذ العالمون الذين هم روح العالم خَلقه وعبيده يصرِّفهم بحكمه ويُدبرهم بعلمه.

"وبذلك أُمِرتُ" ولذلك خلقت.

"وأنا مِنَ المُسلِمينَ" المتحققين له بالقهر والغلبة على كل شيء، المطّرحين تحت سلطان عزته، المتعلقين بأستار رحمته، الواقفين بالعجز عن إدراك حقيقة معرفته".

 

لا إِلَهَ إِلَّا هُو.

 الحمد لله، يواصل سيدنا الإمام الشيخ  الحبيب الحسن بن صالح البحر الجفري -عليه رحمة الله تعالى- شرحه للدعاء المسنون في افتتاح الصلاة قبل قراءة الفاتحة، وذَكَر هذه من أفضل الروايات، كما يقول الشافعية: أن أفضل ما ورد من أدعية الاستفتاح دعاء التوجه: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ"، وقد سبق شرح بعض معاني هذه الكلمات العظيمة.

وصلنا إلى عند شرحه يقول: "إنَّ صَلاتي" في حضرته"؛ بالدخول إلى تلك الحضرة بهذا الإقبال الخاص في اتباع المخصوص بأعلى الخصائص صلى الله وسلم عليه وعلى آله الذي قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي".

"إِنَّ صَلاتِي" دخولي في هذه الحضرة الكريمة بواسطة هذه النيات والأقوال والأفعال المحددة للصلاة.

"إنَّ صَلاتِي" بما فيها من قيام وركوع وسجود "في حضرته، هي صِلاتِي من رحمته".

 "صِلاتِي": جمع صِلَة، أي: ما يصلني من الصِّلة من ربي -جل جلاله-، كما أنني بالاتباع والانقياد أطلب الاتصال به، فإنه يحصل الصلة منه -سبحانه وتعالى- لي بواسطة هذه الصلاة.

فهي "صَلاتي" و "هي صِلاتِي من رحمته"، أي: دخولي فيها كان بالفضل والجود، ورتّب على دخولي فيها إمداده لي بكثير من الإنعام والفضل: 

  • سواءً في تنقية الباطن وإبعاد الشوائب.
  • أو في إدراك المعاني.

فهي صِلاةٌ من ربي واصلني بها. 

"إنَّ صَلاتي" في حضرته، هي صِلاتِي من رحمته بالخضوع"؛ إقامتي للصلاة وقيامي بها: 

  • "بالخضوع والاستسلام"، له -جل جلاله- من جهتي.
  • "والفضل والإنعام" من جهته سبحانه وتعالى.

 فأنا عليَّ "الخضوع والاستسلام"، ومنه لي "الفضل والإنعام"؛ وما كان خضوعي ولا استسلامي له إلا من جملة فضله وإنعامه الذي يترتب عليه زيادة فضل وإنعام.

 فأنا أدخل إلى الصلاة بفضله؛ ويزيدني بالصلاة من فضله، وأنا أخضع وأستسلم بفضله وإنعامه؛ وإذا أكرمني بذلك رتّب على هذا الخضوع والاستسلام الذي هو من جملة "الفضل والإنعام" زيادة فضل وزيادة إنعام آخر، يقول -جل جلاله-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7].

ويقول: "بالخضوع والاستسلام والفضل والإنعام".

"إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي"، أي وجود طاعتي له، فإن النسك هو العبادة وهو الطاعة، جميع طاعتي له، وفي أعلى مظاهرها "انقيادي لأمره، وصبري على أقداره، وانتدابي لشكره"؛ فهذه أعلى مظاهر العبادة: 

امتثال الأمر، اجتناب النواهي، صبري على الأقضية والأقدار؛ التي تجري بحيث لا يكون في قلبي جزعٌ ولا اعتراض على ربي فيما قدّم وأخّر وأعطى ومنع وأسعد وأشقى وقرّب وأبعد -جل جلاله-، بل من حيث ما قدّر وقضى نحن راضونَ بقضائه وقدره -سبحانه وتعالى-. 

قال: "وصبري على أقداره، وانتدابي لشكره"، أي قيامي وحثّ نفسي وبعثها على أن تنتصب في محراب الشكر لربي -جل جلاله-. 

هذا هو النسك، هذه هي العبادة: 

  • امتثال أوامر الله. 
  • مع أجتناب نواهيه.
  • مع الصبر على القضاء والقدر.
  • مع القيام في محراب الشكر وشهود المنّة والفضل لله.

 ههذ هي العبادة، وهذا هو النسك، هذه القُربة إلى الله -تبارك وتعالى-، يندرج فيها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخيرات التي أوحاها الله إلى الأنبياء: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء:73]، صلوات الله وسلامه عليهم.

يقول: "إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي"، هذا النسك والعبادة الممنوحة لي من الله -تبارك وتعالى-.

"وَمَحْيَايَ" أي حياتي الظاهرة والباطنة، حياتي الظاهرة بوجودي على ظهر الأرض في هذه المدة المعينة المقدرة المحددة لي.. وإن كانت تبدأ من حين خروجي من بطن أمي؛ لكن تبدأ خواص خيراتها وبركاتها من حين تمييزي، ثم يكبر الأمر من حين بلوغي، فإذاً هذه حياتي إلى وقت وفاتي. 

"وَمَحْيَايَ" إن حياتي هذه الحياة لله -تبارك وتعالى-، يجب أن لا أصرفها وأشتّتها في غفلة عنه، فضلاً عن معصية له؛ لأنه خلقني ليكرمني بعبادته فيها وقيامي بحقه.

فلذا من حقي أن كل هذه الحياة أجعلها له، حتى ما أسعى فيه من الكسب للرزق وغيره، وما أتناوله من مقتضيات الحياة من: طعام وشراب ومسكن وإتيان أهل ولباس وما إلى ذلك، أصبِغه بصبغة العبادة له، أصبِغه بصبغة الانقياد لأمره باتباع نبيه محمد ﷺ والاقتداء به، والعمل بالآداب في طعامي وشرابي ولباسي ومنامي، ونياتي الصالحة في العمل، وتجنّبي للشبهات، وتجنبي للمكروهاتِ وللمحرماتِ.

 

"إن صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ"..

  • هذه الحياة الحسية يجب أن تكون مصروفة لله تبارك وتعالى.
  • وكذلك الحياة المعنوية؛ أشار إلى الحياة المعنوية في قوله: معنى حياتي، حياة روحي "بتَعلُّقي بأوصافه".

"تَعَلُّقي بأوصافِه": استِحضاري لمَعاني صفات ربي ومعاني أسمائه حتى تكون غالبة عَلَيَّ: تكون غالبة عَلَيَّ هذه المطالعة للأسماء والصفات، بها حياة قلبي هذه حياتي: حياتي يقول: " بتَعَلُّقي بأوصافِه".

 " وَمَحْيَايَ" بتَعَلُّقي بأوصافِه" جل جلاله:  

  • إيمانًا ويقينًا أولاً.
  • وتحقيقًا وذوقًا ثانيًا.
  • وشهودًا ومعاينة ثالثًا.

 هذه الحياة، هذه الحياة التي قال عنها الحق تعالى: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24]، هذا المحيا، هذه الحياة المعنوية؛ "بتَعَلُّقي بأوصافِه"، وأيضًا متصلاً بشكره "بمشاهدة حُسنِ صَنِيعِه وألطافه". 

إيقاني بأن أصلي عدم محض لست بشيء ولا لي شيء ولا مني شيء ولا عليّ شيء؛ خَلَقَني، ولمَّا خلقني؛ خلقني مسلمًا وخلقني من خير الأمم وأنعم عليّ بالهداية لهذا الدين وأنعم عليّ بالمجيء إلى المساجد.. صنيع جميل من الحق عاملني به وألطاف لاطفني بها، مع ذلك أنا في هذه الأثناء ربما أسأت الأدب، وربما وقعت فيما يوجب العَطَب، وربما غَفلتُ عن الرب؛ وما قطع حسن صنيعه ليَ، ولا قطعني لا عن الإيمان به، ولا عن حضور المساجد ولا عن طلب العلم ولا عن الذكر، ولا عن إرادة الوفاء بالعهد، له الحمد. 

وهذا حسن صنيع من الإله البديع وألطاف لاطفني بها، دَفَع عني آفات فيما يتعلق ببصري ما لا يُحصى، فيما يتعلق بسمعي ما لا يُحصى، فيما يتعلق بلساني ونطقي وطعمي ما لا يُحصى، دفع عني آفات في أجهزة هضمي وفي أجهزتي الداخلية، دفع عني آفات في مساري وحركتي في الحياة ما لا يُحصى، وأعطاني فيها نعم لا تُحصى، ألطاف كبيرة من الله.

يقول: "إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ"، الحسية والمعنوية هذه.

"وَمَمَاتِي" الحسي بخروجي من هذه الدنيا بانتزاع الروح من الجسد بعد أن رُكِّبَتْ فيه وحُبست مدتها المعينة؛ فتُحبس الروح المدة المعينة من خلال النفخ في بطن الأم إلى وقت خروجها بالوفاة.

فهذه الروح في الجسد، يُنسَبُ بها الجسد إلى الحياة.

  • والحياة ليست وصف الجسد في ذاته، الجسد نوع من الجمادات؛ لكن لما تَحِلُّ فيه هذه الروح يُوصف بالحياة، وإذا نُزعت منه وُصِف بالممات، فالوصف الذي يقال عن هذه الحياة والموت متعلق بشأن الجسد.
  • أما الروح نعم كانت عدم صحيح، ولكن أحياها الله تعالى، فلما خلقها كان عين خلقها وإيجادها هو عين حياتها، فهي حية. 

نعم تتعرض حياتها هذه الشريفة الفطرية الأصيلة للتَكدير وللغبار وللإماتَة من خلال طغيان صاحبها إذا حُبِسَتْ في الجسد، بأن راح وراء شهوات الجسد والنفس والهوى، فتتعرض هذه الروح الحية في أصلها إلى إماتة عليها معنوية باطنة، ثم عنها يقال: 

لَيسَ مَن ماتَ فَاِستَراحَ بِميت *** إِنَّما المَيتُ مَيتُ الأَحيَاءِ 

وقالوا عن هذا الموت:

 وَفي الجَهلِ قَبلَ المَوتِ مَوتٌ لِأَهلِهِ *** ………… 

أي: قبل موت أجسادهم موت لأرواحهم

……………. *** وَأَجسادُهُم قَبلَ القُبورِ قُبورُ

قبل ما يدخلوا أجسادهم إلى القبور هم قَبَروا الأرواح في هذه الأجساد، صارت هذه الأجساد قبر للروح، بدل ما تكون مركبًا حسنًا يمتطيه ويرتقي عليه صار قبرًا له.

  • فمن دسَّى نفسه فقد قبر روحه في الجسد. 
  • ومن زكّى نفسه فقد أحسن تركيب وتمكين الروح من مركب الجسد لترقى ولتُمارس وتعاين وتعاني حياتها الأصلية، الرفيعة التي كانت قبل أن تُحبس في قفص هذا الجسد.

 

فهذا الموت الأول بالنسبة لمن استقام على الطريقة يكون موتًا لله، ومعناه: 

  • لا يموت معرضًا عن الله.
  • ولا عاملاً بمعصية الله.
  • ولا غافلاً عن الله تبارك وتعالى.
  • ولا مريداً غير وجه الله.

فموته لله وحياته لله -سبحانه وتعالى-، لا يتعرض للموت هربًا من شيء من الكدر الحسي في الحياة فيُفنِي نفسه أو يُهلك نفسه أو يتعرض لقتل نفسه، ولا يعرض نفسه للموت من أجل الرغبة في الشهوات والسلطات وما إلى ذلك، بل موته لله، ما يموت إلا على ذكر الله، وإن تعرض للموت ففي الجهاد في سبيل الله، وفي كدّ النفس على طاعة الله -تبارك وتعالى-، لا لشيء غير ذلك. فمحياه لله، حياته لله، ومماته لله تبارك وتعالى، وهذا الموت الحِسِّي. 

وهناك موت آخر، موت محمودٌ حَسَن، وهو موت النفس. ومعنى موت النفس: موت دواعيها وسلطتها الهوائية، سلطة هواها تموت، ولهذا يقال: ماتت النفس، معنى مَيت نفسه يعني: الدواعي للسوء والشر فيه انتُزِعَتْ منه، فيقال: ماتت نفسه، فحَيي قلبه؛ ومن ماتت نفسه حَيِيَ قلبه.

والنفس بدواعيها وشهواتها وأهوائها ما دامت حية، قالوا: فهي حيّة- أي أفعى- ما دامت حيَّة فهي حيَّة، هي تلسعك وتعرِّضَك للموت، ما دامت حية فهي حيّة إلى أن تموت.

ومعنى موت هذه النفس: خمود طاقاتها الشريرة، دواعيها إلى السوء تخمد حتى لا يبقى لها أثر، فيقال: ماتت نفسه؛ فإذا تستفزهم، تحصلهم ما يُستَفَزُّوا، تَسبُّه تُحصله ما يتأثر بكلامك ولا يخرج عن طريقه. 

قال القائل لسيدنا علي زين العابدين: … يسبُّه… ويسبُّه، وهو ساكت لا تحرك ولا تأثر ولا تغير حتى وجهه، قال له: إياك أعني! أنت، أقصدك أنت بنفسك.. فضَحِكَ سيدنا علي، وقال له: وأنا عنك أُغضِي، أدري أنك تعنيني؛ ولكن أنا أُغضي عنك أنت، كما تعنيني أنت بالسب وأنا أيضًا أعنيك بالإغضاء عنك؛ فهات ما عندك -تكلم إلى أن تشبع-، (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان:63]؛ لما ماتت دواعي الشر عندهم صار ما يقدر يستفزهم لا إبليس ولا شيء من الحوادث لتخرجهم عن سواء السبيل أو تحولهم إلى ما لا يرضي الرب جل جلاله.

 

هذا الموت المعنوي، قال: "وَمَمَاتِي" غَيْبَتِي عَنْ وُجُودِي فِي شُهُودِهِ" هذا أمرٌ كبيرٌ تضمحل فيه دواعي الشر في باطن الإنسان حتى لا تبقى منها بقية. 

قال: "وَمَمَاتِي" يعني وصولي إلى الغيبة عن وجودي، معنى "غيبتي عن وجودي" غيبتي عن وهم أن لي استقلالًا بالوجود أو منافسة للموجِد الموجود؛ فأنا مخلوق على وصف التبعية، لا على وصف المعية والمنافسة أبدًا. 

ليس لوجودي حقيقة في ذاته، وإنما إيجادٌ منه لي، فأنا موجود من وجه إيجاده فقط، لا أصل لي ولا حق في الوجود، ولا قدرة لي على أن أُوجد نفسي، وجودي كله لا باختياري ولا بإرادتي ولا بتدبيري ولا بسعي مني.. أنا عدم؛ وجودي كله فضل منه، منَّة منه، إرادة منه،  قدرة منه،  تكوين منه،  صنعة له -سبحانه وتعالى- هو صنعها.

فأنا إذًا أغيب عن هذه الأوهام أنني موجود بذاتِي، موجود بنفسي، موجود باستقْلالي، موجود كأني مع ربي موجود، وأنا إلا في تبعية ربي موجود، أنا كالمفقود تحت عزه لأنه لا وجود لي مستقلاً عنه ولا عن إرادته، أنا عدم أصلاً، وإذا أراد أن يُعدمني في أي لحظة أعدمني، فلا وجود لي أملكه، ولا وجود لي أستحقه، ولا وجود لذاتي من ذاتي، بل هذا إلا مظهر وجوده هو، إيجَادنا مظهر وجوده هو؛ فالوجود الحق له جل جلاله وتعالى في علاه.

ولهذا يقول: "إِنَّ مَمَاتِي غَيْبَتِي عَنْ وُجُودِي".. كيف إذًا تَعدم؟! قال: أَعْدَم عن الغيرية، وأَعْدَم عن شهود السوى، وأَعْدَم بشهوده هو؛ فأنا أغيب عن وجودي الوهمي بشهود وجوده الحقيقي؛ فإذا شهِدتُهُ راحت الأوهام في وجودي، وأدركت أن وجودي كله من أوله إلى آخره عبارة عن فعل له، وإرادة منه، وتصرُّف منه، أمرها إليه.

 وأما (أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ) [القصص:78]، و(أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) [الأعراف:12] هذا الوهم للوجود ما أنا حوله، ما يحوم حول قلبي، هذا خلّوه لإبليس ولقارون ولجماعتهم ومن سار على شاكلتهم، هم هؤلاء يتوهمون الوجود (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) [القصص:78]. (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [الأعراف:12]. (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15].

هذا منطق الكفار والفجار والأشرار، ما هو عندي هذا وهم، هذا وهم منهم كله؛ أما الوجود الحق له هو، وأنا ووجودي كله عبارة عن فعل من أفعاله، وصَنعة من صَنعاته، لا أستحق فيه شيء ولا أملك فيه شيء، لا يملكون لهم ولأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. 

"وَمَمَاتِي غَيْبَتِي عَنْ وُجُودِي فِي شُهُودِهِ"، يقول أيضًا وعاد وراء ذلك! إذا غبتُ عن وجودي أنا من حيث كوني مملوك ومصنوع ومألوه ومخلوق تحت قدرة الخالق، يبقى عندي شعور بأنني أشهد وأنني أشاهده؛ فامتزج به، امتزج به رقيق من وهم الوجود؛ من وهم وجودي! 

قال: "وَغَيْبَتِي عَنْ شُهُودِهِ"، أي: عن أني مشاهد له "بِبَقَاءِ وُجُودِهِ" يعني: وجودي من أصله، ثم ما أكرمني به من الغَيبة عن أوهام الوجود، هذا فعل منه أيضًا، فلا أكتفي بغَيبتي عن أوهام وجودي المُتَخَيَّلة التي لا حقيقة لها؛ فأُثبِتُ أنني أدركتُ الفرق وعلمتُ الوجود الحق من الوجود الوهمي، فأنا مشاهد للوجود وشاهد للوجود الحق، قال: لا.. ما يوجد أنا..لا، وشهودي أيضًا هذا مندرج تحت وجوده. 

وَاللَّهِ لَوْلَا الله مَا اهْتَدَيْنَا *** وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا 

ولهذا قال: "وَغَيْبَتِي عَنْ شُهُودِهِ بِبَقَاءِ وُجُودِهِ"، هيمنة عظمة الذات، خلاص خلتنا لا عاد أشاهد وجودي، ولا أشاهد أني مشاهد لوجوده، بل هو الذي أوجدني وهو الذي أشهدني، فلا الوجود لي ولا الشهود لي، فوُجودي من جُوده، ومظهر وجوده، وإشهادي من جُوده ومظهر إمداده، فلا لي في ذا ولا لي في ذا..  

فَلَا الأمر فِي ذَا وَلَا ذَاكَ لِي *** وَلَكِنْ لَكَ الأمر فِي ذَا وَذَاكَ 

 كله منك.

قال: "وَمماتي غَيْبَتِي عَنْ وُجُودِي فِي شُهُودِهِ، وَغَيْبَتِي عَنْ شُهُودِهِ" عن شهودي، من حيث كوني أنا مشاهد.  

لمّا أوجدني تكرّم عليّ وتجلى بالإشهاد، فهو له ليس لي، كما أني لم أستقل بالوجود؛ فما أنا مستقل بما أكرمني به من الشهود، بل كله كرمه وفعله وصنعته هو.

 قال: "وَغَيْبَتِي عَنْ شُهُودِي بِبَقَاءِ وُجُودِهِ"، كل هذا ما ذكرنا من الصلاة والنسك والمحيا بمعنيَيه والممات بمعنيَيه "لله"، يعني؟ قال: "أعني هو الذي أقامني في ذلك، واختصني به بغير حول مني ولا قوة". 

 كما قال سيدنا داود، قال: لك الحمد يا رب، ما من ساعة في ليل ونهار إلا وأحد من آل داوود فيها لك راكع أو ساجد أو ذاكر، فأوحى الله إليه: ومن أين لهم ذلك؟ من أين لهم ذلك؟ من الذي وفَّقَهُم؟ فَخَرَّ ساجدًا لله شكرًا، وقال: منك يا رب، فأنت المُتَفضِّل، الفضل ليس لآل داوود من حيث ذواتهم، ولكن لك الفضل من حيث فضَّلتَهم ووَفَّقتَهُم وأعطيتهم أنت هذا، لا إله إلا أنت.. 

يقول: "لله، هُوَ الذِي أَقَامَنِي فِي ذَلِكَ وَاخْتَصَّنِي بِهِ بِغَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلا قُوَّةٍ".

"كما هُوَ رَبُّ العَالَمِينَ -مربيهم- يُقَرِّبُ وَيُبْعِدُ وَيُشْقِي وَيُسْعِدُ، فَالكُلُّ تَحْتَ قَهْرِهِ خَاضِعُونَ، وَلِعِزَّتِهِ خَاشِعُونَ".

(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ) [آل عمران:26]، قال: "يذِلُّ مَن يشَاءُ وَيعِزُّ مَن يشَاءُ". 

 

"لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ فِي نَقْضِهِ وَإِبْرَامِهِ"، فلا يملك أحد نقض الحكم ولا إبرامه، بل هو المستقل بذلك. 

"ولا مُؤَازِرَ لَهُ فِي إِيجَادِ مَا أَوْجَدَهُ وَإِعْدَامِهِ"، بل هو المستقل تعالى في ذلك، يحيي ويميت. 

"لا شَرِيكَ لَهُ" يُشْبِهُهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ" قط من أي وجه من الوجوه، لا شريك له، ما أحد يشركه في هذا الإيجاد والخلق والإمداد والانفراد؛ الانفراد بالألوهية والربوبية وبالصُّنع والتكوين، ما أحد له شريك؛ (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [الاحقاف: 4].

أيّ من الهيئات التي شاركت في تكوين السماء؟ هيئة من؟ حكومة من؟ حضارة من؟ من الذين شاركوا في تكوين السماء؟! ولا في تكوين الأرض؟! أروني البقعة التي هم كوَّنوها من الأرض… كوَّنوا أيش؟!! هم من الأرض خُلِقوا وجاؤوا للأرض وهي مخلوقة من قبل ما يُخلَقون هم وآباؤهم وأجدادهم؛ (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ)، لا إله إلا الله.

فيقول: "لا شَرِيكَ لَهُ" فِي رُبُوبِيَّتِهِ، إِذِ العَالَمُونَ"، "العَالَمُونَ" وهم الذين هم روح العالم، العالَم كل ما سوى الله، فيدخل فيه: الإنس والجن والملائكة والنباتات والحيوانات والجمادات بأصنافها، والحسِّيات والمعنويات كلها، هذا العالَم؛ لكن "العَالَمُونَ": رُوح العالم،  الإنس والجن والملائكة آتاهم الله تعالى أرواح وعقول يعقلون بها عنه ومن أسرار ما لا تعقِلُه بقية العوالم؛ فلهذا صاروا روح العالم. 

روح العالَم، "العَالَمُونَ": الإنس والجن والملائكة روح لبقية العوالم من: حيوانات ونباتات وجمادات؛ لِمَا خُصُّوا به من قدرة على المعرفة بالله -سبحانه وتعالى- وإدراك أسراره ما لا تقدر عليه بقية الكائنات. 

قال: "العَالَمُونَ الذِينَ هُمْ رُوحُ العَالَمِ خَلْقُهُ وَعَبِيدُهُ، يُصَرِّفُهُمْ بِحُكْمِهِ وَيُدَبِّرُهُمْ بِعِلْمِهِ" جل جلاله وتعالى في علاه.

 إذً فما بقي؟ إذا كان روح العالم بهذه الصورة، وباقي العالم؟!.. باقي العالم كله في قبضته وتحت حكمه، حتى هؤلاء الكبار فيهم الذين يَتَوهَّم من يَتَوهَّم لهم قدرة ووجود وتقديم وتأخير؛ هم في قبضته وتحت حكمه؛ (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:56]. 

فما بقي؟ بقي المُلك للحيوانات؟! ولا للنباتات؟! ولا للجمادات؟!.. ولا لشيء ملك معه -سبحانه وتعالى- (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) [الملك:1]. 

قال: "وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ" أن أكون على هذا المسار والشهود، "وَلِذَلِكَ خُلِقْتُ" إكرامًا منه لي سبحانه وتعالى. 

وفي هذا نعرف أنه في قوله: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) مثلا: هذا معنى الإكرام، معنى الإكرام والفضل، ما هو علَّة وجود الخلق، هو خلقهم لأنه مريد أن يخلقهم وليبلوهم أيهم أحسن عملًا؛ ولكن غاية ما يتشرفون به ويكرمون به: العبادة. 

(إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56] يعني: هيأت لهم السبيل لأن يرتقوا الرتبة العالية في التشريف والتكريم بعبادتي؛ هذا معناه.

قال: "وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ" المتحققين له بالقهر والغلبة على كل شيء"، فأنا مستسلم منطرح تحت سلطان عزته، "المُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ رَحْمَتِهِ، الوَاقِفِينَ بِالعَجْزِ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ مَعْرِفَتِهِ"؛ أنه كلما اتسع لي نور معرفته، اتسع لي حقيقة عجزي عن معرفته..

 يقول سيدنا أبو بكر الصديق:  الْعَجْزُ عَنْ دَرَكِ الإِدْرَاكِ إِدْرَاكٌ. 

فأعرَفُ الخلق بالله أعلمهم بالعجز عن أن يحيط به غيره -جل جلاله وتعالى في علاه- وكلما اتسعَتْ معرفته بالله، اتسع يقينه بأنه عاجز عن الإحاطة:

  • بمعرفة صفة من صفاته أو اسم من أسمائه.
  • فضلًا عن الإحاطة بجميع الأسماء والصفات.
  • فضلًا عن الإحاطة بالذات.

بل الأسماء نفسها، أنزل الله في كتبه الكثير منها، وعَلَّمَ كثير من خلقه الكثير منها، وبقي له أسماء ما علمها أحد، ما يعرفها غيره.

 يقول النبي في دعائه: "أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ".

 لا درى به حَمَلَة العرش ولا جبريل ولا ميكائيل ولا…، ما أحد داري؛ أسماء له، ما يستطيعون الإحاطة حتى بألفاظ الأسماء وأعيانها، فضلًا عن حقائقها، لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والصفات العلا. 

قال: "الوَاقِفِينَ بِالعَجْزِ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ مَعْرِفَتِه".

 

ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:

 "ثم تحصن به من كيد رأس الغواة، لياذًا بعزة الله من كيده وبلواه، بقولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. 

وكذلك انْوِ الاستعاذة من جميع الأغيار والخواطر النفسانية والحظوظ الشهوانية. 

وقل: (بِسْمِ اللَّهِ)، وتحقق أن كل شيء قائم باسمه، محوط بعلمه. 

وتحقق الألوهية السارية في جميع الوجود، القائمة بالحكمة في كل حد ومحدود، ومقرب ومبعود. 

فإذا قلت: (الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) [الفاتحة:1]، فاشهد رحمته الواسعة لجميع الوجود، فالرحمن بالإيجاد، والرحيم بالإمداد. 

فقم بالحمد للمحمود بقولك: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) بالاستغراق لكليات الحمد وجزئياته، مستحضرًا أنك نائب عن الوجود في مقابلة هذا الجود، إذ جعلك الواسطة في إيجاد كل موجود وإمداد كل ممدود، لأنك سر الوجود، فاعرِف قدر صنعتك وعظّم صانعك.

  •  أما الإيجاد فمن قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12]. 
  • وأما الإمداد فمن معنى قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [الجاثية:13]. 

فإن الوجود لمَّا كان قيامه بإشراق نوره تعالى، فكثِيف الأجسام لا تطيق تحمل نوره إلا من بعد تلقي نور الخصوصية له، كما يشهده مَن استنارَتْ مرآة قلبه. 

فمِن شاهدها تَثِجُّ مُزْنُ الأمطار الحسية، ومن غائبها تفيض عيون الأسرار بالأنوار الغيبية. 

ثم قف تحت قهرية العزة والجلال، واهبط إلى درك الإنزال، ولاحظ (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل: 53] وقل: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة:2]". 

 

رب العالمين جل جلاله. 

يقول: بعد قراءة دعاء الافتتاح -كما هو مرتب في الصلاة- يأتي التعوذ: وهو الاستعاذة والتحفظ والتحصن بالله من شر العدو الذي تركه الله اختبارًا لنا باقيًا إلى يوم الدين، ومعه الملايين من أتباعه من شياطين الإنس والجن، كلهم يعملون على الكيد والمكر والخديعة؛ ليصرفوا المكلفين من الإنس والجن عن منهج ربهم جل جلاله، وعن الإيمان به إلى التكذيب والعناد، أو إلى مخالفة نظامه وأحكامه وأوامره ونواهيه جل جلاله وتعالى في علاه.

فهو عدو قال عنه تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) [سورة فاطر:6]، وقال: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [يس:60-61]، وقال تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الكهف:50]. 

وهذا من أعظم ما ابتُلينا به من الأعداء، عداوة إبليس، وأكبر معين له علينا يضرنا ويمكنه فينا نفوسنا.. النفوس؛ فإذا لم تتزكى النفوس فهي أكبر معين لإبليس عليك، وأكبر مساعد له ليضرك. 

نفسك بها يبلغ ما لا يبلغ لو لم تكن نفسك منقادة له ومعينة له ما بيقدر يبلغ منك ما يبلغ؛ بل كلما صَفَت، صَعُبَ عليه التسلط عليك، وصَعُبَ عليه أن يستجرَّك إلى السوء، فبهذا تتعوذ بالله، تقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". 

  • وهو سُنَّة قبل كل قراءة، وسُنَّة أيضًا في الصلاة بعد دعاء الافتتاح. 
  • ويقول الفقهاء عندنا: أنه إذا تعوذ فاته فضل دعاء الافتتاح؛ ولكن الحبيب عبد الله بن حسين بن طاهر قال: لو ذكرته وأنا قد تعوذت لأعوْدَنَّ إليه، وما بيحرمني الله تعالى الثواب. 
  • وهذا التعوذ مستحب قبل القراءة في أول ركعة باتفاق.
  • في الركعة الثانية والثالثة والرابعة على اختلاف. 
  • وبعضهم فرَّق وقال:
    • إن كان من أهل الحضور مع الله الذين بأول استعاذة يبعد عنهم إبليس ولا يقرب منهم، فانتهت المسألة؛ يكفي في أول ركعة يتعوذ ولا عاد يعيده. 
    • وإن كان من أهل التسلط عليه بالوسوسة فيتعَوذ في كل ركعة وعسى يبتعد منه عدو الله  سبحانه وتعالى.

فـ "أعوذ بالله" يعني: أتحفَّظ وأتحصّن بالله بعظمته وكبريائه وقدرته، "من الشيطان الرجيم" المبعود عن الله تعالى، المرجوم باللعنة. 

وكذلك مع استِعاذتك بالله من الشيطان، "اِنوِ الاستعاذة" بما يدخل تحت مراد الشيطان أو تحت ابتثاث سلطانه عليك "من جميع الأغيار والخواطِر النفسانية والحظوظ الشهوانية"، "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".

ثم ابتدئ باسم ربك وقل: "(بِسْمِ اللَّهِ)"..

  •  إذا قلت: "(بِسْمِ اللَّهِ)" قال: "تحقق أن كل شيء قائم باسمه"، (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق:1]. 
  • إذا قلت: "(بِسْمِ اللَّهِ)" يعني: "كل شيء قائم باسمه، محوط بعلمه"، (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12]. 

"وتحقق الألوهية السارية في جميع الوجود"؛ لأن كل موجود شاهد بألوهية الموجد المعبود جل جلاله، فنور الإلهية سارية في كل موجود، "القائمة بالحكمة في كل حد ومحدود، ومقرَّب ومبعود". 

(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) ؛ [الرعد:15]

  • المقربون يسجدون طوعًا محبين خاضعين عبودية له وتقلدًا لمنَّته.
  • والمَبعودون يسجدون كرهًا تحت أقضيته وأقداره والمصير إليه، ولا لهم في ذلك ثواب؛ لأنهم ما سجدوا طوعًا ولا سجدوا محبة ولا تعظيمًا (طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) [الرعد:15].

 

قال: تقول "(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) [الفاتحة:1]"، فإذا ذكرت هذين الوصفين، قال: "اشهد رحمته الواسعة لجميع الوجود".. 

  • "الرحمن بالإيجاد"، أوجد كل موجود. 
  • "والرحيم بالإمداد" أمَدَّهم بأنواع النعم.

إذن فهو المستحق للحمد.

 

"فقم بالحمد للمحمود بقولك: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)" انوِ بالحمد "الاستغراق لكليات الحمد وجزئياته"، أي: أحمده بجميع محامده، بكل معاني الحمد، كل معاني الثناء والإكبار والإجلال والتعظيم وشهود المنة أحمد الله بها -سبحانه وتعالى- وأقدمه لله سبحانه وتعالى. 

"(الْحَمْدُ لِلَّهِ)" ولذلك تعلم معنى قوله ﷺ: "الحَمدُ للَّهِ تَملَأُ الميزانَ"، ثوابها إذا جُسِّم يملأ الميزان، وهو أوسع مما بين السماء والأرض. 

"(الْحَمْدُ لِلَّهِ) بالاستغراق لكليات الحمد وجزئياته، مستحضرًا أنك نائب عن الوجود في مقابلة هذا الجود" أي: تحمد الله تعالى عنك وعن أهلك وعن أصحابِك وعن الكائنات والموجودات التي أوجدها كلها، فتحمَده على إيجادها وعلى إمدادها، فتنوب عنها، فتقول: "(الْحَمْدُ لِلَّهِ)".

"مستحضرًا أنك نائب عن الوجود في مقابلة هذا الجود، إذ جعلك الواسطة في إيجاد كل موجود"؛ لأنه بالنسبة لك أيضًا أنت أيها الإنسان، نِعَمُه عليك عظيمة، ولك اتصال بسر الإيجاد والإمداد. 

قال: "في إيجاد كل موجود وإمداد كل ممدود، لأنك سر الوجود" من حيث الخصائص التي آتاك  البر الودود -سبحانه وتعالى-؛ وهذا الأمر أجلى في زين الوجود محمد ﷺ، فهو المَجعول بقدرة الإله السبب في إيجاد جميع الوجود صلوات ربي وسلامه عليه.

قال: "فاعرف قدر صنعتك وعظم صانعك" أما الإيجاد فإن الله تعالى يقول أنه خلق السبع السماوات والأرضين السبع، وإنه يتنزل الأمر بينهن من أجل تعلم، من أجل تعلم علمًا مخصوصًا أنت ؛ إذن فكأنك سبب لهذا الوجود.

 "(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا) [الطلاق:12]"

إذن هذا من شأنك، من شأنك بوجه عام، لكن الوجه الخاص عبده المصطفى محمد ﷺ؛ ولكن أنت لك في هذا الإنعام والفضل معنى منبسط وامتداد لهذا الفضل الممتد من حضرته سبحانه وتعالى. 

  • يقول من خلال قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
  • ومن قوله: "(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12]".
  • "والإمداد بقوله: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [الجاثية:13]". 

"فإن الوجود لمَّا كان قيامه بإشراق نوره تعالى، فكثِيف الأجسام لا تطيق تحمل نوره إلا من بعد تَلَقِّي نور الخصوصية له، كما يشهده مَن استنارَتْ مرآة قلبه.

فمن شاهدها تَثِجُّ -تهطل وتصب- مزن الأمطار الحسية ومن غيبها تفيض عيون الأسرار بالأنوار الغيبية".  

فهذا معنى قولك "(الْحَمْدُ لِلَّهِ)"، يعني: أحمده وأثني عليه وأشكره بجميع معاني الحمد والشكر والثناء وشهود المنة في الحسيات والمعنويات والجزئيات والكليات؛ حمد يليق بجلاله وعظمته، "(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)" جل جلاله.

 قف تحت جبروت العزة والجلال، "واهبط إلى درك الإنزال، ولاحظ (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53]، وقل:  (رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة:2]"، مربِّيهم ومكونهم وخالقهم ومن إليه مرجعهم.

 

 

إلى أن قال:

"ثم انظر كون العالمين واقفين تحت القهر، منقادين لمبرم الأمر، لا يستطيعون لجلب الخير ولا لدفع الشر، فحينئذ تجد لذة الذلة والاستصغار، وتعود إلى رحمة الكريم الغفار، الحليم الستار، بحسن الالتجاء والافتقار، بقولك: 

(الرَّحْمَٰنِ) الذي أهَّلَكَ للوقوف بين يديه، وجعلك تخاطبه وتناجيه. 

(الرَّحِيمِ) بك مع ضعفك وقصورك وظلمك وزورك، وقد سبقت لك منه الرحمة قبل خلقك وتصويرك. ثم اِنفِ تلبيسك وغرورك، واشهد نزول خاصية الرحمة في طُورك، وجلباب العصمة في سورك، وغَيِّبْ في ملكيته الخاصة شعورك، 

بقولك: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) عند كشف عين اليقين ووضوح الحق المبين".

 

يقول هكذا: 

"(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة:2]" ومن هنا تأتي ما يؤكد عليه الفقهاء من التشديدات في (بِسْمِ اللَّهِ) على اللام، فبِسم الله.. بسم الله -بلا تشديد على اللام- ما يصح النطق بها، (بِسْمِ اللَّهِ)، وكذلك "(الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)"، بسم اللـه الرحمن الرحيم.. بسم اللـه الرحمن الرحيم -بدون تشديدات- هذه قراءة غير صحيحة "(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)"..

  • تشديد على اللام. 
  • تَشديد على الراء.
  • تشديد على الراء الثانية في "(الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)".

 لابد من النطق بها صحيحة.

"(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) (الْحَمْدُ لِلَّهِ) باستغراق جميع معاني الحمد كليّاته وجزئياته"، "(لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)".

 

قال: "ثم انظر كون العالمين واقفين تحت القهر" الإنس والجن والملائكة، (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:26-28]، "منقادين لمبرم الأمر لا يستطيعون لجلب الخير ولا لدفع الشر".

"فحينئذ تجد لذة الذلة والاستصغار"، وهذا شرف كبير للمؤمن، سواء كان من الملائكة أو من الإنس أو من الجن، أن يدرك هذه اللذة، لذة الذلة لله تعالى والاستصغار؛ لأنها حقيقة العزة للمخلوق أن يتذلل لخالقه جل جلاله.. 

  • وفيها قال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8]. على حسب إيمانهم وقوة إيمانهم، يقوى به ذلتهم له وخضوعهم لجلاله. 
  • تجد لذة الذلة والاستصغار، قال سيد أهل هذه الأذواق: "إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ". 

وتعود إلى رحمة الكريم الغفار، الحليم الستار، بحسن الالتجاء والافتقار، بقولك: (الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ)".

"(الرَّحْمَٰنِ) الذي أهَّلَكَ للوقوف بين يديه" هذه معاني من معاني الرحمة غير الذي ذكره في الرحمن الرحيم مع البسملة، فذكر: 

  • رحمن بإيجاد.
  • ورحيم بإمداد.

 وهنا كرر "(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ)"، قال: ولاحظ اتصاله بتأهيلك للوقوف.

"(الرَّحْمَٰنِ) -رَحِمَكَ- الذي أهَّلَكَ للوقوف بين يديه".. وإلا من أنت؟ "أهَّلَكَ للوقوف بين يديه وجعلك تخاطبه وتناجيه" برحمته تعالى. 

"(الرَّحِيمِ) بك مع ضعفك وقصورك وظلمك وزورك"، ومع ذلك رحمك وأدخلك إلى حضرته ويسّر لك الصلاة، "وقد سبقَتْ لك منه الرحمة قبل خلقك وتصويرك".

"(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ)". 

"ثمّ انفِ تلبيسك وغرورك"، وكل تصور أنَّ لك أو لغيرك ملكًا معه، انفِ ذلك. 

"واشهد نزول خاصية الرحمة في طورك، وجلباب العصمة بسورك وغَيّب في ملكيته الخاصة شعورك بقولك": (مَالِكِ) -وفي قراءة- (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)". 

(مَالِكِ) و(مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)"، فهو مالك ذلك اليوم، وهو الملك لذلك اليوم الذي يحكم فيه ولا معقب لحكمه جل جلاله، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) [الانفطار17-19].

"(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)"، ملك يوم الدين عند كشف عين اليقين ووضوح الحق المبين". 

 

فالله يرزقنا كشف عين اليقين ووضوح الحق المبين في الحياة قبل الوفاة، ويجعلنا من أهل علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، إنه أكرم الأكرمين. 

لذا قال الإمام الغزالي أن شهود أن المُلك له وحده تبارك وتعالى، وكذلك نسف الجبال، وفي قدرة الحق تعالى، عند الكفار والغافلين من المسلمين يكون هذا الشهود عند القيامة إذا قال: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر:16]، وإذا نُسفت الجبال نسفًا ويقول: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) [طه:105]؛ لكن عند المؤمنين الخواص الصادقين يقولون: لما إلى يوم القيامة؟!.. الآن، من الآن لِمَن المُلْك؟

الجبال هي في شهودهم ما دام قائمة إمكانية نسفها فهي منسوفة في شهودهم منسوفة؛ لأنه مُمكن نسفها.

 كما أنه من كان قابل للموت فهو ميت؛ عاده حي لكن مادام  قابل للموت فهو ميت، (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر:30]، يعني: قابلين للموت.

 فكذلك هذه الكائنات إمكانية نسفها قائمة، بل ويقين أنه سيأتي يوم تُنسف فيه الجبال، وتُشقّق السماوات، فهي خلاص بالنسبة للعارفين قد شُقّقت وقد انتهت، كأنها قد تم كل ذلك.

 والملك اليوم ماهو في القيامة له وحده!.. والآن وقبل وبعد، (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) [الروم:4]، (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) [الحج:56]، ومن قبل ومن بعد، (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر:16]. 

شهود هذا يتأخر بالنسبة للكفار والغافلين إلى القيامة؛ لكن عند المؤمنين وعند الصالحين شهود هذا واضح قدامهم، كله في قبضته وكله تحت تدبيره وتصريفه، والجبال منسوفة والسماوات قابلة للانشقاق فهي منشقة، كأنها قد حصل وكأن ذلك قد تم في شهودهم أدبًا مع الله تبارك وتعالى.

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وبارك لنا في مجلسنا ودرسنا، واجعلنا من المتحابين فيك والمتجالسين فيك، والمقبلين بالكلية عليك، والمقبولين لديك. 

أعلي درجات مؤسس هذا المسجد حبيبنا علي مقيبل، واجمعنا به في دار الكرامة ومستقر الرحمة، وضاعف له الأجُور والخُيور بكل ما يجري في المسجد والآثار، وبأولادِه ووجهتهم إليك وقيامهم بالطاعات والعمل الصالح، وبارك فيهم أوسع البركات وفينا.

واجعل هذا المسجد وجميع مساجدنا منظورة منك بعين العناية، مقبولاً عندك ما يقام فيها من صلوات وأدعية وأذكار وعلوم وأعمال وعبادة ظاهرة وباطنة، وزدنا زيادة وأسعدنا بها أعلى السعادة في الغيب والشهادة، وبلغ كل منا مراده وفوق ما أراده، وضاعف لنا هباتك وأجزل لنا عطياتك، واختم لنا بأكمل حسن الخاتمة وأنت راضٍ عنا. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

13 ربيع الثاني 1447

تاريخ النشر الميلادي

04 أكتوبر 2025

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام