(637)
(484)
(5)
الدرس الثالث من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب صفة صلاة المقربين للعلامة الحبيب الحسن بن صالح البحر الجفري رحمه الله، يوضح فيها صفة صلاة المقربين والعباد الصالحين.
في مسجد عمر بن الخطاب، مدينة صلالة، سلطنة عمان.
فجر الثلاثاء 10 ربيع الأول 1447هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام العارف بالله الحسن بن صالح البحر -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (صفة صلاة المقربين) إلى أن قال:
"فإذا أفَقتَ من دهشة الجلال، فانهض على قدم العجز والإذلال، واشهد قيامه بك في حالة الجمال، وقل:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) كرماً منك وإحسانًا، ولطفًا وامتنانًا.
(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) توكلًا وإيقانًا وتنويهًا وتبيانًا فحينئذ يسكن روعك، ويعظم طمعك؛ فاسأله به كمال الاستقامة بقولك:
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فانوِ به الينبوع الذي يشرب منه ﷺ وهو عين الحياة، أعني روح الشريعة الذي جسمه كمال الاستقامة.
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) بلذيذ خطابك، وحُسن ملاطفتك واقترابك، وهم النبيون والصديقون الذين اصطفيتهم لطاعتك واختصَصْتهم لحضرتك، ونعَّمتهم بمشاهدتك، وادخلتهم جوارك في دار كرامتك.
(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) بحرمان طاعتك وعدم سلوك محجتك لإقامة حجتك.
(وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 5-7] الذين ضربتَ عنهم الحجاب، ولم تسمعهم لذيذ الخطاب؛ ولم تسكرهم برحيق الشراب.
وقل حال كونك خاضعًا لجنابه، واقفًا ببابه، موقنًا منه بالإجابة: "آمين".
ثم اقرأ سورة واشهده في كلامه، واعرف نطقك به منه، وأقم الحجة على نفسك فيما أمرك ونهاك وأعظم الرغبة فيما أطمعك ورجَّاك؛ فحينئذ تجد في كل آية، بل في كل كلمة، بل في كل حرف معنى طريفًا، وسراً لطيفًا وحالًا منيفًا ثم اركع خضوعًا له، وحياءً منه ؛ حيث جعلك من أهل حضرته، مكبِّراً لجلال عظمته، وكبرياء عزته.
وتحقق أن كل شيء راكع لهيبته، خاضع لعزته، منقاد لقدرته، وقل:
"سبحانَ ربِّيَ العظيمُ وبحمدِهِ" فاجعل تسبيحك تنزيهًا له، وحياءً منه؛ حيث كنت مخاطبًا له مع جلالته وكبريائه، وذُلِّكَ وضَعفِكَ، ودُنوِّك وعلوِّه، ثم املأ سرك سرورًا به، وفرحًا بقربه؛ حيث نسبك بالعبودية إليه، وأهَّلك للوقوف بين يديه فقم، بحسن الثناء عليه واذكر نعمه وأياديه وقربه وتوليه".
جل جلاله وتعالى في علاه.
الحمد لله مكرم المقبلين عليه بعجائب إقباله، ومذيقهم لذائذ وصاله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحاط علمه بكل شيء؛ فهو الواحد القيوم الحي، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، سيد أهل الحضور معه والشهود له، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، ومن سار على سبيله في كل قوله وفعله، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، معادن جود الله وفضله، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يذكر الشيخ الإمام -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- بقية ما يتعلق بقيام المؤمن في الصلاة عند أدائه الفريضة والنافلة، من بعد:
ووصل عند قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة:5]، فذلك بعد ذكر (يَومِ الدِّينِ)، والدين هو: الجزاء والمحاسبة، ومعنى (يَومِ الدِّينِ): يوم يُجازى كلٌّ بما عمل وما قال، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47].
قال: "فإذا ذكرتََ يوم الدين وملكه له عند كشف عين اليقين ووضوح الحق المبين.
فإذا أفقتَ من دهشة الجلال، فانهض على قدم العجز والإذلال، واشهد قيامه بك" أي: توليه لأمرك وأحوالك، وشؤونك.
"قيامه بك": أنه بعد إيجادك وإمدادك، وفَّقك وأقامك بين يديه مخاطبًا له مقتديًا بنبيه ﷺ.
"واشهد قيامه بك في حالة الجمال" وهو التفضُّل عليك بهذا الخير في الوجهة إليه والتذلل بين يديه والوقوف بين يديه جلَّ جلاله.
"وقل: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)" أي: وحدكَ نعبد وعند أهل اللغة أن تقديم ما حَقُّهُ التأخير من علامات الحصر.
"(إِيَّاكَ نَعْبُدُ)" أصله نعبدك ونعبد إياك؛ ولكن قال: "(إِيَّاكَ نَعْبُدُ)" فقدَّمَ "(إِيٌَاكَ)" مشيرًا إلى أنه لا نعبد سواك، أنت وحدك.
"(إِيَّاكَ نَعْبُدُ)" متذللين خاضعين وموقنين أنك الإله الذي يستحق العبادة دون ما سواه.
قال: "(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) كرمًا منك وإحسانًا" أي: وهل كانت عبادتنا لك إلا بتكرمك علينا وإحسانك إلينا؟ ولولا ذلك ما قدرنا أن نعبدك؛ فعبادتنا إيّاك منّة منك علينا ونعمة وهدية أهديت بها إلينا، رتبت عليها قربًا، ورتبت عليها حبًّا، ورتبت عليها زيادة معرفة، ورتبت عليها وصلًا منك ووصولًا إليك، أنت رتبت كل ذلك على الطاعة ووفقتنا للطاعة، فأهديت إلينا الطاعة لنتقرب بها إليك ولنصل بها إليك وليزداد معرفتنا بك ويزداد حبنا لك.
فـ "(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) كرمًا منك وإحسانًا، ولطفًا وامتنانًا" يَدِقُّ عن الوصف حقائقه بما يجد العابد في العبادة من أسرار الملاطفة والامتنان الرباني "ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ"؛ فإن للعبادة لطائف وأذواق يجود بها الخلاق، فيطيب بها حال المتوجه إليه، والمتذلل بين يديه طيبًا يروق له به اتساع المعرفة بإلـٰهه، وانكشاف الأستار عن عظمته وجلاله وكبريائه وواسع إحسانه؛ فالعبادة منّة من الإله الكبير.
فما أعظم شأن العبادة! رزقنا الله معرفة قدرها والقيام بحقها وزادنا من التحقق بحقائقها.
قال: "(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)" يعني: ما عبدناك إلا بمعونتك لنا، فإياك وحدك نستعين على تمام النعمة.
"(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) توكلًا -عليك- وإيقانًا" أنه ليس لنا غيرك "وتنويهًا" بعظيم فضلك "وتبيانًا" لجلال كرمك.
فـ "(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)"، وتدور دوائر الإقبال على الله تعالى وشريف المعاملة له بين هذه الحقيقة، حقيقة "(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)".
قال: "فحينئذ" مع هذا الخطاب لرب الأرباب الطيب العذب "يسكن روعك، ويَعظُمُ طَمَعُك" يقال: الرَّوْعُ، والرُّوْعُ:
وهناك قال: "فحينئذ يسكن روعك، ويعظم طمعك؛ فاسأله به" أي: بذاته وعظمته وتوفيقه إياك للسؤال "فاسأله به كمال الاستقامة بقولك:
"(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)" فلو كان في الوجود شيء أهم وأعلى أن يطلبه المؤمن من ربه لَذَكَرَهُ الله في هذا الموضع، في أعظم سورة في القرآن أمرنا أن نكررها في كل ركعة من ركعات الصلاة، فجعل الطلب: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، فلو كان شيء أهم من هذا الطلب وأعظم لقدَّمه؛ ولكن هذا أكبر ما تطلبه وأهم ما تطلبه لك من ربك، أن يهديك الصراط المستقيم، اللهم اهدنا الصراط المستقيم.
"(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)" هداية التوفيق للتحقق بحقائقه والذوق له والقيام عليه وجدانًا وذوقًا وتحققًا.
"(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)" وما الصراط المستقيم؟ ما سيَّر الله فيه أنبياءه وأتباعهم الكرام، ولكن الرأس في ذلك خير الأنام ﷺ؛ ولهذا قال: إذا طلبت الصراط المستقيم؛ فاطلب أعلى مراتب التبعية لخير البرية، قال: "فانوِ -بالصراط المستقيم- الينبوع الذي يشرب منه ﷺ".
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)..
و"الينبوع الذي يشرب منه ﷺ" في معرفته بربه، وقيامه بحق العبودية له بحقائق العبادة، هو "عين الحياة" المعنوية الباطنة، حياة القلب والروح والسر؛ روح الحياة: "الينبوع الذي يشرب منه سيدنا محمد ﷺ".
قال: "أعني روح الشريعة الذي جسمه كمال الاستقامة" "كمال الاستقامة": هذا الجسم حقه كمال الاستقامة..
قال: "(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فانوِ به الينبوع الذي يشرب منه -الحبيب العظيم- ﷺ وهو عين الحياة، أعني روح الشريعة الذي جسمه كمال الاستقامة" فكيف بروحه؟
"(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)" سيَّرتَ فيه أنبياءك والصديقين والشهداء والصالحين، فهُم المُنعَم عليهم كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) [النساء:69]؛ فإذًا أَمَرَنا بذكرهم في الصلاة، ونَسَبَ الصراط وهو السير إليه بما شرع، نَسَبَهُ إليهم من حيث أنهم قادته وسادته والدالون عليه.
قال: "(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)"..
وهو صراط واحد..
وهو صراط واحد..
أدخلنا الله في دوائرهم وثبت أقدامنا على مناهجهم.
قال: "(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)" بأي أنواع النعم؟ جميع أنواع النعم، وخصوصًا منها ما يتعلق بالسير إلى الله تعالى.
قال: "بلذيذ خطابك" أنعمتَ عليهم "بلذيذ خطابك"، خاطبوك بلذة فأذقتهم لذة المناجاة والخطاب.
"وحُسن ملاطفتك واقترابك"..
"حُسن ملاطفتك" لهم بما ترفع عنهم من حُجُب، وترفع لهم من رتب.
"واقترابك" منهم بكشف تلك الحُجُب فينالون منك القرب وأنت الأقرب، ويحوزون من سر شهود قربك ما لا يُكيَّف.
وقال: "واقترابك، وهم النبيون والصديقون الذين اصطفيتهم لطاعتك واختصَصْتهم لحضرتك، ونعَّمتهم بمشاهدتك" يعني: أذقتهم من لذائذ النعيم بالمشاهدة ما لا يدخل تحت حصر، "وادخلتهم جوارك في دار كرامتك" فجاوروك وجعلتها دار الكرامة منك والتفضل، ودار النظر إلى وجهك الكريم.
"(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)"..
قال: "(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)" بَعِّدْنَا منهم هؤلاء، ولا نَقبَل منهم شيئًا يخالف شرعك ولا أمرك أبدًا.
(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، ومن أعظم مظاهرهم: اليهود والنصارى، كما جاء تفسير ذلك في بعض الأحاديث أن:
قال: غيرهم هؤلاء، بَعِّدنا منهم، ولاتجعلنا مصدق لأحد منهم، ولا متابع لأحد منهم، ولا مغرور بما يطرحه أحد منهم، "(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)".
"(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) بحرمان طاعتك وعدم سلوك محجتك لإقامة حجتك" غضبتَ عليهم فحُرِموا الطاعة من أصلها، ولم يسلكوا أصلًا سلوك المَحَجَّة أي: الطريقة لإقامة حجتك بما أنزلتَ وأوحيتَ إلى نبيك؛ فبغضبك عليهم صاروا معرضين عن الطاعة، مدبرين عن الوجهة إليك بما شرعته وبما بيَّنتَه على لسان نبيك، فما أبعدهم!
"(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 5-7]، "(الضَّالِّينَ) -قوم أيضًا- ضربتَ عنهم الحجاب، ولم تُسمِعهم لذيذ الخطاب" جعلتهم في بُعدٍ معنوي عنك وعن خطابك وعن وحيك وعن رسولك؛ فلهذا هم في ذلك الحجاب لا تستشعر بواطنهم عظيم خطابك وتكرمك بما أوحيتَ وأنزلتَ، فلم يسمعوا لذيذ الخطاب وأنت رب الأرباب الذي تكرمت بالخطاب لأولي الألباب وكل من أناب؛ ولكن هؤلاء لضلالهم لم يسمعوا (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ) [الأنفال:2]، ولكن بإعراضهم وإدبارهم لم يسمعوا.
"ضربتَ عنهم الحجاب، ولم تُسمِعهم لذيذ الخطاب، ولم تسكرهم" أي: تُغيِّبهم عن الكائنات "برحيق الشراب"، فلم يشربوا معرفة بك ولا يقينًا بما أنزلت على نبيك، فحُرِموا هذه الكؤوس؛ لِما فيهم من رعونات وظُلَم النفوس، فهم المعرضون، فهم الضالون.
"ضربتَ عنهم الحجاب" فلم يدركوا سر الوجهة إليك والإقبال عليك، (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) [البقرة:148] كما قال جلَّ جلاله.
"ولم تُسمِعهم لذيذ الخطاب" بما أوحيتَ إلى سيد الأحباب وبما أنزلتَ في الكتاب، لم يسمعوا ذلك..
فاجعلنا اللهم من الذين اهتدوا، اجعلنا اللهم من الذين اهتدوا وجميع أهل مجلسنا وجميع من يتابع ذلك ومن يسمعنا وجميع المقبلين عليك، اجعلنا من الذين اهتدوا وزدنا منك هدى.
قال: "وقل حال كونك خاضعاً لجنابه، واقفًا ببابه، موقنًا منه بالإجابة: "آمين" فهي: اسم فعل أمر، معناه: استجب يا الله، واجعل الأمر كذلك.
"آمين"..
هذا ما يتعلق بدعاء الافتتاح والفاتحة.
بعد ذلك في الركعة الأولى والركعة الثانية من الفرائض، يُسنّ قراءة شيء من القرآن غير الفاتحة، وقال بعض أهل الفقه في الركعات كلها، وعملوا بما جاء عن سيدنا أبي بكر الصديق، وعمل كثير من علمائنا وسلفنا أن يقرأوا بعض الآيات في الركعة الثالثة وفي الركعة الرابعة، كمثل:
وأمثالها من الآيات بعد الفاتحة في الركعة الثالثة والركعة الرابعة؛ أما الركعة الأولى والثانية فيُسنّ أن يضيف إلى الفاتحة شيئًا من القرآن الكريم، وسورة كاملة أفضل من البعض، وقد جاء عنه ﷺ أنه في الغالب يقرأ سورة بعد الفاتحة، وقد يقسم السورة بين الركعتين في شيء من الصلوات الجهرية؛ فيقسمها.
وكانوا أيضًا يسمعون منه بعض الآيات وهو يقرأ في صلاة الظهر سورة بعد الفاتحة، وقالوا فيها: ويُسمِعُنا سورتها، يعني: نعرف أنه قرأ سورة كذا وكذا ﷺ.
قال: بعد الفاتحة "اقرأ سورة" من القرآن الكريم "واشهده في كلامه" استشعر من أين جاء هذا الكلام؟ وهو كلام مَن؟ الحق تعالى تفضَّل علينا وتنزَّل فأوحاه إلى قلب نبيه محمد ﷺ ويسَّره لنا بلسانه ﷺ:
فيُسِّر لنا بلسان المصطفى عليه الصلاة والسلام وقرأه؛ فاستطعنا قراءته، وهو يشير إلى وصف من أوصاف الله تبارك وتعالى.
"واشهده في كلامه، واعرف نطقك به منه" نطقك بكلامه وبتوفيقه وإحسانه منه فضلًا ومِنَّةً عليك، جعل لك بكل حرف عشر حسنات، قال نبينا: "لا أقول (الم) حرفٌ؛ ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حَرفٌ، وميمٌ حَرفٌ"، بكل واحد عشر حسنات، كل حسنة لا تفنى ولا تزول أبد الآباد، فنعيمها باقٍ لأهليها في دار الكرامة، اللهم وفقنا لما تحبه منا وترضى به عنا، وكثِّ لنا الحسنات.
قال -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-: "واشهده في كلامه، واعرف نطقك به منه، وأقم الحجة على نفسك" وهذا واجبك عند قراءة القرآن في الصلاة وخارج الصلاة، أن تقيم بالقرآن الحُجَّة على نفسك فيما أمرك وتستشعر تقصيرك فيما أمرك وتحمل نفسك على التقوّي في القيام بما أمرك والإحسان والإتقان للأمر وأدائه على الوجه الأطيب.
"وأقم الحجة على نفسك فيما أمرك ونهاك" واستشعر تقصيرك في حسن الانتهاء عما نهاك والابتعاد عما حذرك منه -جل جلاله-، فقوّم من باطنك انكسارًا من أجل الله تعالى وعزمًا صادقًا على حسن امتثال الأمر وحسن اجتناب النهي فيما أمرك ونهاك.
"وأقم الحجة على نفسك فيما أمرك ونهاك وأَعظِم الرغبة فيما أطمعك ورجَّاك" من قُرْبِه ومن حُبِّه ومن معرفته، ومن مجاورته في دار الكرامة، ومرافقة النبيين والصديقين؛ "أَعظِم الرغبة فيما أطمعك ورجَّاك".
قال: إذا قرأت القرآن بهذه الصورة وعلى هذا الوجه؛ "فحينئذ تجد في كل آية" من آيات القرآن "بل في كل كلمة، بل في كل حرف معنى طريفًا، وسراً لطيفًا وحالًا منيفًا" وكان كثيرًا ما تُنازل المؤلف -عليه رحمة الله- هذه المعاني في قراءته للقرآن الكريم، وكان يستغرق في الآية والآيات استغراقًا كليًا حتى لا يحس بشيء مما حواليه.
في إحدى ليالي العيد، وكان في عادتهم في قريتهم: ذي أصبح في حضرموت يأتون في قريب من نصف الليل أوبعد ثلث الليل ويقرؤون، عند نصف الليل يقيمون صلاة العشاء ثم يواصلون القراءة والتكبير إلى الفجر، وجاء في ليلة من ليالي العيد، فقدَّمَ الصلاة وصلى بجماعة ممن معه صلاة العشاء، ثم حضر الناس على عادتهم بعد ذلك قريبًا من ثلث الليل، ومنهم شَيخُهُ وتلميذه؛ هو شيخه وهو تلميذه، الإمام عبدالله بن سعد بن سُمير -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، ورأى الحبيب حسن صاحب الرسالة هذه قائم يصلي وظن أنه جاء يتنفل ولم يصلِّ العشاء بعد، ظن أنه لم يصلِّ وهو قد صلى بجماعة، وقام والقرآن قدَّامه وهو يقرأ مستغرق، فقرؤوا ما يعتادُونه من الأجزاء من القرآن من الحزب، وانتصف الليل يريدون الصلاة، فقال لهم: كلموا الحبيب حسن بنصلي.. جاءوا إليه يكلمونه فلم يتكلم ولم يحس، قال: نادوه، قالوا: ناديناه ولا حَسَّ بشيء.. قام الشيخ يَهُزُّ بكتفِ الحبيب وهو ما يحس ولا يشعر بشيء.. بعدين رأى المصحف بين يديه، قال: هذا مستغرق الآن خلونا نحن بنصلي، قالوا: هو صلى قال: ما قلتوا لي أنه قد صلى ما بنزعجه.. وصلَّوا وهو في قيامه إلى آخر حزبهم آخر الليل ركع وسجد وخرج، بعدين جاء يعتذر له الشيخ، قال له: العفو منك، أنا ما دريتُ أنك صلَّيتَ وأمرتهم يكلموك حتى أزعَجوك وجيت أحرّكك، قال: ما حسيت بك ولا حسيت بِندائهم، قال: أنا هزيت كتفَك، قال: ما حسيت بك.. ولا شَعُرَ بشيء من ذلك عليه رضوان الله تعالى.
قال ولده: أن ليلة كان بوالدي حمى شديدة، و غطيناه بثلاثة أغطية، وكانت الحمى من فوق الأغطية تظهر حرارتها. قال: وبقي فلما جاء وقت قيامه في نصف الليل، ما شعرت إلا وهو يضرب بيده على فخذه ويقول: قومي يا نفس السوء، أتريدين أن تمنعيني عن مناجاتي؟! ورمى بالأغطية من فوقه وقام توضأ وأحرم بركعتين، قرأ آلافًا من سورة الإخلاص في الركعة، وقرأ بعد ذلك أجزاءً من القرآن حتى كمّل ورده، ورجع وقعد محله، قال: رجعت له الحمى، وغطيناه ثاني مرة إلى أن يقوم.. وهكذا.
فهم ذاقوا من كل آية، من كل كلمة، من كل حرف كما قال: "فحينئذ تجد في كل آية، بل في كل كلمة، بل في كل حرف معنى طريفاً، وسراً لطيفاً وحالاً منيفًا" فالله يجعل لنا من القرآن وبالقرآن صِلَة نصل بها إلى النصيب الوافي من هذه الخيرات الكبيرة، اجعله أمامنا يقودنا إلى الجنة، واجعلنا عندك من أهل القرآن الذين قال عنهم نبيك: "أهلُ القُرآنِ هم أهلُ اللهِ وخاصَّتُه".
بعد ذلك يأتي دور الركوع.
قال: "ثم اركع خضوعاً له" فإن هيئة الركوع هيئة تقرّب.
وكان يميل إليه الحبيب علي الحبشي ويذوق فيه ذواقًا، قال: لولا المأمومين ورائي ما بارتفع من الركوع بسرعة، وأبقى مدة في الركوع؛ ولكن لأجل المأمومين أرتفع.
قال: إنه أول منزل من منازل القرب الخاص والصِّلة؛ هيئة الخضوع والتذلل بالركوع.
"اركع خضوعًا له وحياءً منه" قال الله لسيدتنا مريم: (وَاركَعِي مَعَ الرّاكِعينَ﴾ [آل عمران:43].
"حيث جعلك من أهل حضرته" المتوجهين إليه، نعمة الله ما حبسك عند شهوة ولا طمع وقطعك عنه، وجعلك خاضعًا لجلاله، متذللًا بين يديه، "حيث جعلك من أهل حضرته، مكبِّراً لجلال عظمته، وكبرياء عزته".
قال: "وتحقق أن كل شيء -في حقيقته- راكع لهيبته" وانت إنما تعبِّر عن هذا الركوع الطوعي تقربًا إليه -سبحانه وتعالى- وتحقيقًا للعبودية، وإلا فالسماوات والأرض وما فيها كلها خاضعة لجلال الله سبحانه وتعالى، كل شيء خاضع لجلاله، "وتحقق أن كل شيء راكع لهيبته، خاضع لعزته، منقاد لقدرته".
"وقل" ذِكر الركوع في الصلاة "سبحان ربي العظيم وبحمده" أي: تنزَّهَ وتقدَّسَ عن كل ما لا يليق بجلاله، مع حمدي له، وبحمده سبحته، ولولا توفيقه -سبحانه وتعالى- ما قدرت أن أسبحه.
يقول: "فاجعل تسبيحك تنزيهًا له، وحياءً منه؛ حيث كنت مخاطبًا له مع جلالته وكبريائه" أَذِن لك بذلك مع "ذُلِّكَ وضَعفِكَ، ودُنوِّك وعلوِّه" تعالى عن أن تحيط أنت والكائنات كلها به، لا يحيط بشيء من صفاته ولا من أسمائه فضلًا عن ذاته ملك ولا غير الملائكة من الإنس والجن ولا جميع المخلوقين، ومع ذلك سمح لك تتذلل له وتخضع وتعبده وتناديه وتناجيه وتدعوه سبحانه وتعالى، فتسبحه وتقدسه مع حمده.
"ثم املأ سرك سرورًا به، وفرحًا بقربه؛ حيث نسبك بالعبودية إليه" وجعلك من العابدين "وأهَّلك للوقوف بين يديه فقم، بحسن الثناء عليه واذكر نِعَمَه وأيادِيه وقُربِهِ وتَوَلِّيه".
ومن ذِكر الركوع بعد "(سبحان ربي العظيم وبحمده)":
وبعد هذا الذكر "سبحان ربي العظيم وبحمده":
"سبحان ربي العظيم وبحمده"، "سبحان ربي العظيم وبحمده"، "سبحان ربي العظيم وبحمده"، حتى يبلغ عددها.
إلا أن الإمام يقتصر على الثلاث بالتأني، إلا أن يعلم رضا المأمومين فيزيد شيئًا ولا يطول بهم كثيرًا فيشق على الضعيف والمريض وذي الحاجة.
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
"ثم ارفع معتدلاً؛ انبساطاً بقربه، وافتخاراً بحبه وقل:
"سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ" سماع قبول وإجابة، ورضى ومحبة؛ وإلا فهو سامع لكل شيء أقرب إلى المسموع من المُسمِع، بل أقرب إلى المَسموع من نفسه.. ومن هنا تدق العبارة، وتخرس الإشارة، ويظهر سر الحبيب.
ثم قل: "رَبَّنَا" وانو بالضمير جميع الوجود عمومًا، وكل العالمين خصوصًا.
"لكَ الحَمْدُ" المستغرق لجميع المحامد، الموافي للنعماء والمكافيء للزوائد، واشهد أن كل حمد لغيره مَجَازي وله حقيقي؛ لأن كل حمد راجع إليه، وصادر عنه، ومتفضل به واستشعر أنه لا يقدر على الثناء عليك إلا أنت، ولا يشكرك غيرك، وأنا أحمدك بما حمِدتَ به نفسك؛ ولكن خاطَبك بالحمد ورضيه منك فاستحضر أن لك الحمد مثل ما حمِدتَ به نفسك وكما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك من كل أحد من جميع خلقك، عدد ذرات العالم، مضروباً في عدد الأنفاس واللحظات والسكنات والإرادات والخطرات والكلمات، والحسنات والسيئات والحروف، ابداً بدوامك، لا منتهى لأبديته، ولا فناء لديمومته، ولا حد لسر مديته.
ثم انوِ بقولك: "مِلْءَ السَّمَواتِ ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شِئتَ مِن شيءٍ بَعدُ" بكل فرد من هذا الحمد أن يكون كذلك.
وانوِ بما بعد السموات والأرض: العرش والكرسي وجميع المخلوقات، ثم فضاء التوحيد الذي لا منتهى له. ثم قل: "أهلُ الثناءِ" أعني: المُثنِي على نفسك؛ إذ كل من أثنى عليك بتوفيقك ومنّتك، وفضلك ورحمتك، "والمجدِ" فلا مجد لغيرك؛ إذ كل مجيد مجدك، وكل محمود خلقك وعبدك.
"أحقُّ ما قال العبدُ" في كمال عبوديته وانطماس بشريته، وانمحاق دعاويه ورؤيته، باشراق أنواع خصوصيته.
"وكلُّنا لك عبدٌ" تتصرف في ظواهرنا وسرائرنا، محقِّقًا له بالربوبية عليك في جميع حركاتك وسكناتك، مضيفًا إلى نفسك كل وصف ذميم، مشاهداً لمولاك كل وصف كريم .
وقل: "اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ"؛ إذ استحالت قدرة غيرك؛ فلا وجود إلا وجودك، ولا شهود إلا بنورك.
"ولا مُعطِيَ لما منعتَ"؛ لانفرادك بحكمك فيمن تمنعه وتقصيه، واختصاصك بعلمك فيمن تسعده وتشقيه.
"ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ" فلا يصل النفع من شيء إلى شيء، إنما يصل النفع منك بك".
يأتي بعد هذا القيام في الصلاة والركوع، يأتي الاعتدال، بعد المنزلة الاولى بالركوع يأتي الاعتدال والرجوع إلى القيام، ويقولون عن الاعتدال:
قال: "ثم ارفع معتدلاً؛ انبساطاً بقربه، وافتخاراً بحبه" وقد أعطاك هذا الخير كله
"وقل: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ" والمراد به "سماع قبول وإجابة"؛ أما السماع فهو يسمع كل شيء..
يسمع كل شيء -جل جلاله وتعالى في علاه-؛ ولكن المراد به "سماع قبول ورضى"، "سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ" سماع قبول وإجابة، ورضى ومحبة"، فإذا قُبل منك الحمد؛ فإن "الحَمدُ للَّهِ تَملَأُ الميزانَ" كما قال ﷺ، أي: ثوابها يملأ الميزان، وكفة الميزان أوسع مما بين السماء والأرض.
"وإلا فهو سامع لكل شيء أقرب إلى المسموع من المُسْمَع" أو "من المَسْمَع"..
"بل أقرب إلى المسموع من نفسه"، "المَسموع": وهو الإنسان المخاطِب، فهو أقرب إليه من نفسه، ﴿وَلَقَد خَلَقنَا الإِنسانَ وَنَعلَمُ ما تُوَسوِسُ بِهِ نَفسُهُ وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِن حَبلِ الوَريدِ﴾ [ق:16].
قال: "ومن هنا تدق العبارة، وتخرس الإشارة، ويظهر سر الحبيب"؛ طهَّرَك وأوقفك بين يديه وحلَّاك بخطابه ومناجاته وقراءة كلامه، ثم بالركوع بين يديه، والآن أنت واقف بين يديه جل جلاله.
"ثم قل:
"رَبَّنَا لكَ الحَمْدُ" المستغرق لجميع المحامد -وهو الثناء- الموافي للنعماء والمكافيء للزوائد"، كما جاء: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين حمدًا يوافي نعمَه ويكافئُ مزيدَه.
قال: "واشهد أن كل حمد لغيره مَجَازي" والحمد الحقيقي لله تعالى؛ لأننا إذا حمدنا أي شيء..
فالحمد له؛ إنما هو حمد على المتفضل عليه بهذه النعم، فالحمد لله على الحقيقة والحمد لغيره على سبيل المجاز، فالمحمود على الحقيقة هو -جل جلاله- قال: "لأن كل حمد راجع إليه، وصادر عنه، ومتفضل به".
"واستشعر أنه لا يقدر على الثناء عليك إلا أنت"، قال أَعرَف الخلق به نبينا محمد: "سُبْحَانَكَ لا أُحصِي ثَناءً عليكَ، أنتَ كما أثنَيتَ على نَفسِكَ"؛ فلا يقدر على الثناء على الله بما هو أهله إلا هو، "ولا يشكرك غيرك، وأنا أحمدك بما حمدتَ به نفسك" وحمدي لك من توفيقك لي للحمد، فهو نعمة علي، لكن الله رضيها منا، خاطبك بالحمد ورضيه منك.
قال سيدنا علي زين العابدين: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَمِدَ فِي الْكِتَابِ نَفْسَهُ، وَاسْتَفْتَحَ بِالحَمْدِ كِتَابَهُ، وَاسْتَخْلَصَ الحَمْدَ لِنَفْسِهِ، وَجَعَلَ الحَمْدَ دَلِيلًا عَلَى طَاعَتِهِ، وَرَضِيَ بِالْحَمْدِ شُكْرًا لَهُ مِنْ خَلْقِهِ، أي: رَضِيَ بذلك شكرًا منهم وإلا فالحمد نفسه نعمة جديدة تحتاج إلى الشكر، وَرَضِيَ بِالْحَمْدِ شُكْرًا لَهُ مِنْ خَلْقِهِ.
"أن لك الحمد مثل ما حمدت به نفسك وكما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك من كل أحد من جميع خلقك، عدد ذرات العالم، مضروبًا في عدد الأنفاس واللحظات والسكنات والإرادات" حمد ما له حصر وعدد "الخطرات والكلمات، والحسنات والسيئات والحروف، ابداً بدوامك، لا منتهى لأبديته، ولا فناء لديمومته" حمد دائم مستمر "ولا حد لسرمديته"، يعني: املأ بالك بأنه أهل الحمد ومستحقه، ويجب أن يُحمَد بجميع المحامد بلا غاية ولا حصر ولا حد، عدد كل شيء من ذرات الوجود والعوالم، فله الحمد وله المنة أبدًا سرمدًا.
قال سيدنا الإمام الحداد في بعض مكاتباته: واحمَد نَفسَكَ عَنِّي بِما أنْتَ أهْلُه، يقول للرب: احمد نفسك عني، فإنك أظهرتَ لي أني عاجز عن القيام بحمدك، وأجليتَ لي من نعمك ما تيقنت أنه لا قدرة لي على القيام بحمدك إلا بك، فاحمد عني نفسك بما أنت أهله.
"ثم انوِ بقولك: "مِلْءَ السَّمَواتِ ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شِئتَ مِن شيءٍ بَعدُ" يعني: كل فرد من أفراد هذا الحمد بهذه الصورة يملأ السماوات والأرض وكل شي "أن يكون كذلك"
وماذا ماشئت من شيء بعد السماوات والأرض؟ باقي شي غير السماوات والأرض؟! قال نعم: عاد فوق "عرش وكرسي"، وجنات ومخلوقات كثيرات، غير السماوات والأرض وما بينهما، "ثم فضاء التوحيد الذي لامنتهى له" ولانهاية، أكبر من السماوات وأكبر من الأرض؛ ولذلك كان يقول بعض العارفين: لو أُذِنَ الله للعرش أن يرتفع عن المكان الذي فيه، لارتفع الى مالا نهاية.
وهكذا فللحقّ عوالم سبحانه لا يحيط بها أحد وقاصر النظر مايشوف إلا السماء والأرض، يظن أنه لا مخلوق إلا السماء والأرض.
"مِلْءَ السَّمَواتِ ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شِئتَ مِن شيءٍ بَعدُ"، والعرش والكرسي لاهو من السماء ولا هو من الأرض، فوق السماوات والأرض وكذلك الجنة وما أعَدَّ الله فيها، قال: "وجميع المخلوقات، ثم فضاء التوحيد الذي لا منتهى له" لا حد له.
وهذا أيضًا وارد في الحديث، وجاء في رواية البخاري أن أول ما سمعه ﷺ من أعرابي جاء يصلي معه، كما جاء في رواية رفاعة بن رافع قال: " كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي ورَاءَ النبيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ ، قالَ رَجُلٌ ورَاءَهُ: رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قالَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ قالَ: أنَا، قالَ: رَأَيْتُ بضْعَةً وثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أوَّلُ"، ثم جاءت من قوله ﷺ كان يحمد الله بهذا الحمد عند القيام من الركوع.
حتى قال ابن حجر في شرحه للبخاري في فتح الباري: وفي هذا دليل على:
فإن الاعرابي لم يكن سمعه من النبي ولا من أحد، ولكن لما سمع النبي قال: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ" قال "رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ"؛ فبشَّرَه النبي ﷺ بأن الملائكة ابتدروا هذه الكلمة يكتبونها ليعرضوها على الله سبحانه وتعالى.
الله يحب منا الحمد؛ فعلينا أن نحمده ونشكره، لك الحمد ولك الشكر.
وقال: "أهل الثناءِ والمجدِ"، وهذا من الأدعية التي أيضًا وردت في الاعتدال.
وذكرنا بعض أدعية الركوع.
فكان يُكثر منها ﷺ في ركوعه وسجوده.
وفي الاعتدال بعد هذا الذكر المشهور "رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مِلْءَ السَّمَواتِ ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شِئتَ مِن شيءٍ بَعدُ"، أيضًا تقول: "أهل الثناءِ والمجدِ"، يعني: يا أهل الثناء "أنت المُثنِي على نفسك؛ إذ كل من أثنى عليك بتوفيقك ومنّتك، وفضلك ورحمتك"، ففي الحقيقة ما أثنى عليه تعالى غيره؛ لأن ثناء الملائكة والعالمين كلهم من توفيقه لهم وما عرَّفَهم من نِعَمِه واستحقاقه للحمد، ثم ما أكرمهم به أن يحمدوه؛ فالحمد منه وإليه؛ فهو الحامد لنفسه حقيقة والمثني على نفسه حقيقة.
"إذ كل من أثنى عليك بتوفيقك ومِنَّتك، وفضلك ورحمتك" وأنت "أهل الثناءِ -وأهل- المجدِ".
"والمجدِ" أي: الشرف والكرامة والرفعة "فلا مجد لغيرك؛ إذ كل مجيد مجدُك، وكل محمود خلقك وعبدك" فالمجد كله لك.
"أحقُّ ما قال العبدُ"، احق شيء يقوله عبدك والانسان والمخلوق من الإنس والجن والملائكة كل مخلوق "أحق مايقوله في كمال عبوديته وانطماس بشريته وانمحاق دعاويه ورؤيته بإشراق أنواع خصوصيته".
يقول: "وكلُّنا لك عبدٌ" أحق ما يقول العبد ونحن كلنا عبيد لك "تتصرف في ظواهرنا وسرائرنا، محقِّقًا له بالربوبية عليك في جميع حركاتك وسكناتك، مضيفًا إلى نفسك كل وصف ذميم" فأنت محل الضعف ومحل النقايص "مشاهِدًا لمولاك كل وصف كريم".
ما أحق مايقول العبد؟ ونحن كلنا عبيد؟
نقول:"اللهُمَّ لا مَانِعَ لِما أعطَيتَ" مايقدر أحد يمنع شي أعطيته (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا) [سورة فاطر:2].
"اللهُمَّ لا مَانِعَ لِما أعطَيتَ"، إذ استحالت قدرة غيرك؛ فلا وجود إلا وجودك، ولا شهود إلا بنورك".
"ولا مُعطِيَ لما منعتَ"؛ لانفرادك بحكمك فيمن تمنعه وتقصيه، واختصاصك بعلمك فيمن تسعده وتشقيه". فالأمر لك، لا أحد يقدر يعطي شيئًا منعته ولا يمنع شيئًا أعطيته.
"ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ" أي: الحظ والغنى "منك الجَدُّ" دونَكَ، من دونك ما ينفع أحد لا حظه ولا عقله ولا غناه ولا قوته ولا قدرته ولا شيء أعطيته، ما ينفعه إلا بك؛ فلا يصل النفع من شيء إلى شيء، إنما يصل النفع منك بك إلى من أردت أن تنفعهم، وأنت النافع الضار، لا إله إلا أنت سبحانك.
وهكذا كان عندنا العوام لمجالستهم لأهل العلم والفضل، يقولون: شوفوا ما أحد يعطي أحد شيء؛ إلا ياعبدي أعطِ عبدي.
ياعبدي.. يعني: ربك يأمر هذا ويسلط عليه الدواعي؛ يعطي وينفق والكل عبيده وملكه، ويريد يثيب هذا وفقه للإخلاص والإعطاء، وياعبدي أعطِ عبدي، فالأمر منه وإليه جل جلاله وتعالى في علاه.
"لا مَانِعَ لِما أعطَيتَ ولا مُعطِيَ لما منعتَ" "ولا رادَّ لما قَضَيتَ" في رواية "ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ"، يعني: صاحب الحظ والغنى والقوة والثروة، ماينفعه منك، أي: من دونك ماينفعه شيء، "ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ"، جَدُّه وحظه وغِناه ماينفعه إذا أنت لم تنفعه، إذا أنت لم توفقه ولهذا قال في قوم حرمهم: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأحقاف:26].
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وارزقنا حقيقة الصلاة يارب وحققنا بنصيب منها.. أعمارنا مضَت وما عرفنا حق الصلاة ولا حق القيام بها.
فنسألك أن تُلحِقنا بالذين قَبِلتَ وبالذين ارتضيتَ وتجبر كل نقصنا وكل عوار لنا وكل ضعف لنا، وتَقبَل بفضلك على ما كان منا، ولا تحرمنا في بقية أعمارنا التَّحقُّق بحقائق الصلاة والدخول مع أهل لذَّة المناجاة يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين..
على هذه النية وصلاح الأحوال كلها الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية الحسية والمعنوية واجعل جميع حاجاتنا وحاجاتكم مقضية بجاه خير البرية، ولطف الله الخفي وصلاح الحال في الدارين بجاه جد الحسن والحسين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
13 ربيع الثاني 1447