شرح الموطأ - 523 - كتاب الاستئْذَان: باب الاستئذَان

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الاِسْتِئْذَانِ، باب الاستئذان.

فجر الإثنين 14 شعبان 1444هـ

باب الاِسْتِئْذَانِ

2789- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: "نَعَمْ". قَالَ الرَّجُلُ إنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا". فَقَالَ الرَّجُلُ: إنِّي خَادِمُهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟". قَالَ: لاَ. قَالَ: "فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا". 

2790- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الاِسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وَإِلاَّ فَارْجِعْ". 

2791- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَاسْتَأْذَنَ ثَلاَثاً، ثُمَّ رَجَعَ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الاِسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلاَّ فَارْجِعْ". فَقَالَ عُمَرُ: وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا؟ لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا. فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي الْمَسْجِدِ يُقَالُ لَهُ: مَجْلِسُ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: إنِّي أَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الاِسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وَإِلاَّ فَارْجِعْ". فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا، لأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا. فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَلْيَقُمْ مَعِي. فَقَالُوا لأبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي: قُمْ مَعَهُ. وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْغَرَهُمْ، فَقَامَ مَعَهُ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأبِي مُوسَى: أَمَا إنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكرمنا بالشريعة، وبيانها على لسان عبده ورسوله سيِّدنا مُحمَّد ذي الوجَاهات الوسيعة، صلَّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وأصحابه ومَن سار على دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين سادات أهل محبة الله وقربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعهم وعلى الملائكة المُقربين وعلى جميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.

ويتكلم الإمام مالك -عليه رحمة الله تعالى- عن الاستئذان، ويُطلقه الفقهاء على إرادة الإذن لدخول البيت ولإباحة دخول البيت لمَن أراد أن يدخل بيتًا من البيوت، والأصل فيه قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا) [النور:27]، وبذلك يُعلم الأدب في الإسلام وتنظيم العلاقة والحركة بين أفراد المجتمع المسلمين، وأنه لا يُدخل بيت إلا بالاستئذان، في الآية: (غَيْرَ بُيُوتِكُمْ) فبقي بيت الإنسان نفسه: 

  • إن كان لا يسكن فيه معه أحدٌ غيره، فهذا من غيره شك لا يحتاج إلى استئذان. 
  • وأمّا إن كان يسكن معه أحدٌ من الناس رجال أو نساء، فكذلك ينبغي أن يستأذن عند الدخول، ويُعلِم عند الدخول ولو برفع صوته بكلام أو تنحنح أو دق الباب وما إلى ذلك. 
  • فإن لم يكن في البيت إلا زوجته، فكذلك يُستحبّ الاستئذان، وإن كان لا يجب عند مَن أوجبه في هذه الحالة. 
  • فإن كانت أيضًا في البيت مطلقة طلاقًا رجعي: 
  • فكذلك يلزم الاستئذان عند الشَّافعية والحنابلة أيضًا أو والمالكية. 
  • أما الحنفية فقالوا: أنه يجوز له أن ينظر إليها ويُعدّ قربه منها ووطئه لها مراجعةً؛ تُعدّ رجعية، فهؤلاء لهم في الاستئذان حكم الزوجة، تكون عندهم في الاستئذان حكم الزوجة. 

يقول: "باب الاسْتِئْذَانِ"، فأجمعوا على أنه مشروع بدلائل الكتاب والسُّنة ولكن اختلفوا في الوجوب ومتى يجب، ثم ذكر لنا أيضًا كم يكون الاستئذان. وأورد الحديث الأول "عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ" يقول: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: نَعَمْ"؛ يعني: أمي في البيت أدخل عليها باستئذان؟ قال: نعم. "قَالَ الرَّجُلُ إنِّي مَعَهَا"؛ أنا ساكن معها "فِي الْبَيْتِ"، بيت واحد "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا". فَقَالَ الرَّجُلُ: إنِّي خَادِمُهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟". قَالَ: لاَ. قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا"؛ لأنك قد تصادفها في حالة ما تحب تراها عليها أو تطلع عليها؛ فلهذا شُرِع الاستئذان رعاية لحرمة كل فرد من الناس، وأداء للحقوق، ومراعاة للمروءة، وجبر الخواطر كذلك وما تعلق بذلك. وأما في تعبير الآية: (حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا) 

  • فقد جعل بعضهم معنى الاستئناس هو نفس الاستئذان. 
  • وقد جعل بعضهم أنه ينبغي أن يكون في وقت يظنّ فيه و يغلب على ظنه أُنس صاحبه بوصوله إليه وحضوره فيه. 

فأمّا أن يأتي في وقت طعام أو وقت نوم وراحة، فهذا ما يكفي مجرد الاستئذان! أن يستأذن، أين الاستئناس؟ الاستئناس؛ أي طالبًا للأُنس، تكون في وقتٍ يليق فيه المقابلة، ويليق فيه الدخول عليهم، يكونون فرحين بك وفرح بهم، وأمّا في أي وقت تقول: استأذنت! وإن كان استأذنت فقد يفتحون لك ويأذنون لك بالدخول حياءً وقد يشق ذلك عليهم؛ فلهذا قال: (حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا)؛  تشوفوا الوقت وقت أُنس ومؤانسة، ويصلح فيه المقابلة، (وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا) فيتمّ الأُنس بالسلام وتطيب النفوس، ويكون المكالمة والمجالسة والمحادثة مجلبة لزيادة الألفة والأخوة والمحبة.

وقال في الحديث: "إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أجْلِ البَصَرِ"، ولهذا ندب الذي يستأذن على بيت أن لا يكون متوجّهًا نحو باب البيت؛ فإنهم قد يفتحون الباب فيكون شيء ما يريدونه أن يراه، ولذا حتى بنفسه ﷺ كان إذا جاء إلى بيت أحد يستأذن، استقبل الناحية الأخرى ودقّ الباب وهو مستقبل الناحية الأخرى؛ حتى لو فتحوا الباب ما يقع بصره على ما في البيت، يقول: "إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أجْلِ البَصَرِ"؛ يعني: غالبية حكمة الاستئذان ترجع إلى النظر وإلى البصر. وهكذا شدّد المالكية في وجوب الاستئذان إلى حد أن قال جماعة من المالكية: أن مُنكِر وجوبه يُخشى عليه أن يكفر لأنه وارد بالنصوص الصريحة وأنه مُجمَع عليه، فجعلوه من جملة المعلوم من الدين بالضرورة، جعله بعض المالكية، فهو من المهمّات في الدين.

وأورد لنا بعد ذلك حديث "أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ" وهذا في بيان عدد الاستئذان، وفيه أيضًا معاني أُخَر تتعلّق باللياقة والمروءة، وذلك أنه إذا شُرِع الاستئناس والاستئذان، فإذا تكرر الاستئذان وهو يغلب على ظنّه أنهم سمعوه؛ فلا يزيد على ثلاث، فيكفي. وما يظلّ يزعجهم، أربع وخمس وست وسبع ويدقدق عليهم..!! خلاص إذا غَلَب على الظن أنهم سمعوا، فالثلاث لا تزِد عليها! حتى اختلفوا في جواز الزيادة على الثلاث لأنه فيه إزعاج لهم. ما دام تتوقع أنه ما سمعوا، تزيد حتى تظن أنهم سمعوا. فإذا عرفت أنهم سمعوا، وغلب على ظنّك أنهم سمعوا، إيش عاد باقي معك؟!  خلّ اللوَك حقك واللتت!!  اذهب، انصرف معناه ما يريدونك، وهذا الذي فعله سيِّدنا أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- جاء إلى بيت سيِّدنا عُمَر بن الخطاب قال: السَّلام عليكم، هذا عبد الله بن قيس أدخل؟ فلم يُجَب.. ثاني مرة، قال: السَّلام عليكم، أنا عبد الله بن قيس، أدخل؟ فلم يُجَب، ثالث مرة، فلم يُجَب، راح، انصرف حين سمع صوته. قال: أين كان صوت عبد الله بن قيس؟ قالوا: انصرف، قال: ردّوه! راحوا إليه ورجّعوه، قال له: ما لك انصرفت؟ فذكر له الحديث قال له: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الاِسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وَإِلاَّ فَارْجِعْ". استأذنت ثلاث مرات، ما أُذِن لي فانصرفت، قال له: مَن يشهد لك أن النَّبي قال هذا الكلام؟ هيا اذهب أحضر لي شهود، فخرج وجاء له، وقال له: لم اتّهمك ولكن أحببت أن يَهاب النَّاس نسبة القول للرسول ﷺ حتى لا ينسبونه إليه إلا ما تيقنوا أنه قال ﷺ. 

يقول: "الاِسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وَإِلاَّ فَارْجِعْ". معلومٌ إذا علم أنه سمع؛ فلا يزيد على ثلاث. إذا ظنّ أنهم لم يسمعوا؛ فلا بأس أن يزيد. ومع قول بعض أهل العلم الوقوف عند نص الحديث، يقول: ثلاث، فثلاث فقط. 

  • وأكثر أهل العلم قالوا: 
    • إذا قد ظنّ أنهم سمعوه؛ فلا يزيد على ثلاث. 
    • فإذا ظنّ أنهم لم يسمعوا؛ فلا بأس أن يزيد. 
  • وهكذا، قال مالك: لا أحب أن يزيد على ثلاثٍ إلا من عَلِمَ أنه لم يُسمَع. نعم وعليه أيضًا الشَّافعية. 

وقيل: أن المقصود بالثلاث التخفيف فقط على المستأذن، وأنّه لا يلزم تقيّده بالثلاث. فمَن استأذن أكثر؛ فلا حرج عليه، هذا في قول بعض أهل العلم. 

  • الجمهور قالوا: إذا عَلِم أنهم سمعوا؛ فلا يزيد على الثلاث، كما سمعت. 

وذكر لنا: "أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَاسْتَأْذَنَ ثَلاَثاً"؛ أي: فلم يؤذن له، "ثُمَّ رَجَعَ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ لَمْ تَدْخُلْ؟" جاء في رواية مُسلم، أن أبو موسى لمَّا جاء باب سيِّدنا عُمَر استأذن، قال عُمَر: واحدة، ثم استأذن. قال: اثنتان، ثم استأذن. قال: ثلاث، ثم انصرف، فأتبعه، فردّه. 

جاء أيضًا في رواية في صحيح مُسلم، كان يقول سيِّدنا أبو موسى يقول: السَّلام عليكم، هذا عبد الله بن قيس، أدخل؟ ما جاوب عليه، ثاني مرة، ثالث مرة، انصرف. السَّلام عليكم، هذا عبد الله بن قيس، هذا أبو موسى، هذا الأشعري، ما جاوب عليه فانصرف بعد الثلاث. "فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الاِسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلاَّ فَارْجِعْ". فَقَالَ له سيِّدنا عُمَرُ: وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا؟" مَن سمعه من النَّبي هذا الكلام الذي تقوله عن النَّبي؟ "لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ"؛ يعني غيرك ناس سمعوه من النَّبي، "لأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا." في رواية، والله لأوجعنّ ظهرك وبطنك أو لتأتيني بمَن يشهد لك على هذا. "فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى -رضي الله عنه- حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي الْمَسْجِدِ يُقَالُ لَهُ: مَجْلِسُ الأَنْصَارِ" جاءهم مثل المذعور، "فَقَالَ: إنِّي أَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الاِسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ، وَإِلاَّ فَارْجِعْ". فَقَالَ -عُمَر-: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا، لأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا. فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ"؛ يعني: أهل المجلس "فَلْيَقُمْ مَعِي"؛ يجيء يخبر سيِّدنا عُمَر أنه سمعناه من النَّبي ﷺ. فقال له سيِّدنا أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم؛ يعني: الحديث معروف عندنا، كلنا سمعناه من النَّبي، أصغر واحد فينا سنجعله يقوم معك، لا يقوم معك إلا أحدثنا سنًا، قم يا أبا سعيد! فكلّهم وافقوه على ذلك؛ معناه أن المجلس كله كانوا سمعوا هذا من النَّبي ﷺ، فقالوا: أصغر واحد فينا يحفظ هذا، قم.  فجاء إلى عند سيِّدنا عُمَر معه، "قُمْ مَعَهُ". وفي رواية، جاء قال: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ قال: "استأذن  ثلاث". كانوا يضحكون، فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد أُفزِع، أتضحكون!، فقال: انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة، فأتاه. 

"فَقَالُوا لأبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي: قُمْ مَعَهُ. وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْغَرَهُمْ"؛ أي: القوم الحاضرين في هذا المجلس سنًا، "فَقَامَ" أبو سعيد "مَعَهُ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ" الحديث "عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ." قال: فأخبرت عُمَر أن النَّبي ﷺ قال ذلك، قال عُمَر -رضي الله عنه-: أخفِيَ هذا عليّ من النَّبي ﷺ؟ ألهاني الصفق بالأسواق! يعني الخروج إلى التجارة لأني ما سمعته بنفسي. وفي لفظ، قال له: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ذلك، يا ابن الخطاب، فلا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ. قال: سبحان الله! أنا سمعتُ شيئًا فأحببت أن أتثبّت؛ يعني: سمعت هذا من أبي موسى فأحببت أن أتثبّت. "فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأبِي مُوسَى: أَمَا إنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ" لمّا طلبت منك البيّنة، أن تُحضر شاهد معك، ما اتهمتك، "وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ"؛ أي: يكذب النَّاس "عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ." في رواية، قال له: والله إن كنت لأمينًا على حديث رسول الله ﷺ؛ يعني على أبو موسى ولكن أحببت أن أستثبت. 

قال أُبيّ بن كعب لعُمَر: لا تكن عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: سبحان الله! إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبّت. قال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون حضر عنده -كان عند سيِّدنا أبو موسى- من قَرُبَ عهده بالإسلام، فخشي أن أحدهم يتساهل بالحديث، فافتعَل هذه الحركة مع سيِّدنا أبو موسى وهو من الكبار حتى يتثبّتوا ولا ينسبوا إلى رسول الله ﷺ. وكان هذا يشبه كثير من سيرته، سيِّدنا عُمَر أحيانًا يفتعل بعض الأشياء، يقوم بها من أجل مقصد صحيح له وغرض يقوم به، هذا معروف في سيرته كثير عليه الرضوان. 

وهكذا، حتى لمَّا قال حسان: أشِعر في مسجد رسول الله؟ وسيِّدنا عُمَر كان يعرف حكم المسألة، وهو نفسه كان حاضر لمَّا ينشد الشعراء قصائدهم والنَّبي ﷺ يسمع في المسجد، هو كان حاضر ولكن المسألة محتاجة إلى أن يعلم النَّاس حكمها فالكل يعرف أصلها، فقال: أشِعر في مسجد رسول الله؟ قال: كنت أنشدُ في المسجد مَن هو خير منك! هكذا شهِدوا  الجماعة عنده كلهم، انصبوا لحسان كرسي، يقعد على الكرسي، فهو مُقِرٌّ له ولكنه أراد هذا. 

مثل قوله عند الحجر: أما أني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك، ما قبّلتك. وكان يشعر أن سيِّدنا علي وراءه ويبين المسألة، قال: بلى يا أمير المؤمنين  ينفع ويضر، أتقولها يا أبا الحسن؟ قال: سمعت رسول ﷺ يقول: إن الله لما أخذ الميثاق على بني آدم أكتب كتابًا فألقمه الحجر فهو يشهد لمن استلمه بالموافاة، قال: فبِئس المقام بأرضٍ ليس فيها أبو الحسن. لا إله إلا الله… فخاف من مسارعة النَّاس إلى التقول على النَّبي ﷺ، فقال هكذا، وصلّح الحركة هذه مع سيِّدنا أبو موسى وهو يعلم صدقه ويعلم خشيته من الله تبارك وتعالى.

وقالوا في قوله تعالى: (إِذَا بَلَغَ ٱلْأَطْفَٰلُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَـْٔذِنُوا) وكان قصَر استئذانهم على أوقات معينة، (مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) [النور:59] ثلاث أوقات. قال: يستأذنوا حتى الأطفال الصغار حتى عليكم لا بُد أن يستأذنوا في هذا الوقت، (إِذَا بَلَغَ ٱلْأَطْفَٰلُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَـْٔذِنُوا) قالوا: سواء كانوا محارم أو غير محارم، إذا بلغ الأطفال الحلم، خلاص جاء وقت الاستئذان فهو عام للمحارم وغيرها. 

وهكذا، قرأنا الحديث في موطأ الإمام مالك، حتى قال ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم. يقول عطاء: سألت ابن عباس، أستأذن على أختي؟ قال: نعم، قال: إنها معي في البيت، وأنا أنفق عليها، استأذن عليها؟ جالس أنا وإياها مرة في البيت ونفقتها عليّ! قال له: إن لم تستأذن رأيت ما يسوؤك. فهكذا، قالوا بوجوب الاستئذان. 

بل أرشد ﷺ للقادم من السفر أن لا يبغَت أهله بالقدوم ويرسل إليهم قبل ذلك، فقال: لا تطرقوا أهلكم ليلًا؛ يعني إذا لم يكن عندهم بذلك خبر ولا استعداد ولا تهيؤ للقائه. صلَّى الله على سيِّدنا مُحمَّد وآله وصحبه ومَن سار على دربه، وجعلنا وإياكم ممّن سار على دربه. 

وهكذا، تعلموا حتى اللطف في نفس الاستئذان والإشعار بالوصول. وصار الناس الآن يستعملون أجراس وغيرها؛ فلا ينبغي أن يُكثِّر ولا أن يوالي، ففيه تنبيهه ﷺ إلى الهدوء والسكينة واللطف. يقول: بأظفاره يستأذن بالباب. يقول: بظفره يدق الباب هكذا، صوت خفيف، يشعرون أنه طارق بالباب فقط بلا إزعاج. 

وعابّ الحق تعالى على الأعراب الذين يأتون وينادونه من وراء الحجرات ﷺ قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ  أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ..) [الحجرات:4-5]. 

ثم ذكر الحق البيوت غير المسكونة التي فيها متاع؛ أي: منفعة للناس، يجوز دخولها من غير استئذان

  • بعضهم جعلوها على البيوت التي تبنى في الطرقات يأوي إليها المسافرون. 
  • وبعضهم قد جعلها الدكاكين التي في الأسواق.
  • وقال عطاء: البيوت الخرِبة التي يدخلها الناس لقضاء الحاجة؛ ما عاد فيها ساكنين.
  • المالكية قالوا على العرف إذا كان محل مطروق مثل مسجد، وبيت مفتوح كبيت عالم أو قاضي في وقت القضاء أو طبيب يستقبل الناس فيه؛ فأي واحد يدخل في أي وقت. 
  • وهكذا يقول الحنفية: إن البيوت التي ليس لها ساكن، فيها ساكن، وللمرء فيها منفعة؛ فيجوز له أن يدخلها من غير استئذان، (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُم ..) [النور:29]. 

وكذلك إذا كان الدخول لشيءٍ من الضرورات مثل إحياء نفس أو إنقاذ مال أوغيره، ولو استأذن وانتظر؛ تلِفَت النفس أو ضاع المال! رأى سارق يسرق من البيت، يجلس يستأذن أهل البيت؟ وذاك قد حمّل شغله وذهب… اقفز وامسكه! فوقت الضرورة ووقت الحاجة هذا ما عاد يحتاج إلى استئذان. 

وهكذا، قالوا: إذا كان البيت مُشرِف على العدو، يقاتل منه العدو، ويوقع به النكاية، قال: يجوز دخوله بغير استئذان لما فيه دفع العدو من إحياء نفوس المسلمين. هذا قال: لو نهب منه ثوب ودخل بيته، راح أدخله إلى بيته، والآن عنده فرصة ممكن يقدر يدخل ويرد ويأخذ  ثوبه أو المتاع الذي نهبه عليه ذاك، وإذا جاء يستأذن بيمسكه!! فيجوز له أن يدخل ويأخذ حاجته ويذهب مهما تيسّر له ذلك، فهذه استثناءات بحسب العوارض والطوارئ التي تطرأ والأصل هو ذلك. 

  • حتى يقول الحنفية والمالكية: البيت الذي يُتعاطى فيه المنكر.. يجوز دخوله بغير استئذان بقصد تغيير المنكر مثل إذا سمع صوت المزامير، قالوا: له أن يدخل، قالوا: لأنه مع اتخاذ المنكر سقطت حرمته، وتغيير المنكر فرض. 
  • وهكذا قالوا الشَّافعية: 

○ إن كان المنكر مما يفوت استدراكه..جاز له دخوله لمنع ذلك المنكر بغير استئذان. كما إذا أخبره من يثق به أن رجًلا خلا برجل ليقتله أدخله هنا في البيت وبيتصرّف فيه!.. يجوز له  في مثل هذه الحالة. 

○ أما إذا لم يَفُت استدراكه، فلا يحلّ الدخول إلا باستئذان. 

وهكذا من يريد الدخول وإن كان صغير غير مميّز، أو صغير مميز، أو كبير، 

  • فالكبير لا يحل له الدخول بغير استئذان وإذن دائمًا. 
  • الصغير المميز، يقول كذلك الجمهور: أنه يجب أن يستأذن، كما أشرنا في عموم قوله: (إِذَا بَلَغَ ٱلْأَطْفَٰلُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَـْٔذِنُوا ..). وكذلك المميز ولكن في الأوقات الثلاثة هذا قد ورد بنَصّ القرآن لابُد لهم أن يستأذنوا،في غيرها إذا كان مميز، لأنه قال في الآية الأخرى: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ). أما إذا قد ميّز ويعرف هذا؛ عليه الاستئذان.

رَزَقنا الله الاستقامة، وأتحفنا بالاقتداء بحبيبه ﷺ في جميع الشأن، في السِرّ والإعلان، ووَقانا به الأسواء والأدواء وجميع البلوى، بِسِرّ الفاتحة إلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

14 شَعبان 1444

تاريخ النشر الميلادي

06 مارس 2023

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام