شرح الموطأ - 534 (ختم الكتاب) باب ما جاء في طَلَب العِلم، وباب ما يُتَّقَى مِن دعوة المظلوم، وباب أسماء النبِيِّ ﷺ
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب العلم: باب مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وكتاب دعوة المظلوم: باب مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وكتاب أسماء النبي ﷺ: باب أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ.
فجر الثلاثاء 29 شعبان 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ
2882 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ أَوْصَى ابْنَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ، كَمَا يُحْيِي اللَّهُ الأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ.
باب مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ
2883 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى، فَقَالَ: يَا هُنَيُّ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ النَّاسِ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِي بِبَنِيهِ فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لاَ أَبَا لَكَ؟ فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ إنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ إِنَّهَا لَبِلاَدُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ، قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِسْلاَمِ، وَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْلاَ الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلاَدِهِمْ شِبْراً.
باب أَسْمَاءِ النَّبِيِّ (ﷺ)
2884 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: "لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ".
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرمنا بشريعته، وبيانها على لسان خير بريّته حبيبِه وصفوته، خاتم أهل نبوّته سيدنا محمدِ بن عبد الله، رحمةِ الله المُهداة، ونعمته المُسداة، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى أولاده وأهل كسائه وأهل بيته وصحابته الأكرمين، وعلى من والاهم في الله واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآل كلٍ منهم وأصحابهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويختم الإمام مالك -عليه رحمة الله- كتابه الموطأ بهذه الثلاثة أبواب:
- باب مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْعِلْم
- باب اتقاء دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ
- باب أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأورد فيما جاء في طلب العلم: ما جاء عن لقمانَ الحكيم -عليه الرضوان والرحمة- أنه خاطب ابنه في جملة وعظهِ ووصيتهِ له بهذا الخطاب المتعلق بالعلم.
وقد رفعَ الله تعالى شأن لقمان الحكيم بذكره في كتابه، بل ونقلهِ لِوصايا يوصي بها ابنَه، (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان:13]، إلى آخر ما ذكر الله من وصايا لقمان لابنه، وكفى بذلك شرفًا وفخرًا مميَّزًا للقمان، وفيه رفعُ قدر الحكمة (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) [لقمان:12] وقدرِ أهلها ومنزلتهم لدى الرب، فنسأل الله أن يؤتيَنا الحكمة (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا).[البقرة:269].
قال في وصيته لابنه: "يَا بُنَيَّ جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ، كَمَا يُحْيِي اللَّهُ الأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ". فأمرَهُ بمجالسة العلماء، ومجالستُهم تكون على أحوال:
- فمن مُجالِس لهم للتبرّك بمجالستهم، ورؤية أخلاقهم ومعاملتهم، وتفهّم ما استطاع أن يفهم من حديثهم، وعرض شؤونه عليهم وما إلى ذلك.
- ومنهم من يُجالسهم ليتلقّى عنهم العلم، ويأخذ عنهم ويستفيد منهم، ويتصلَ بعلمهم وسندهم.
- ومنهم من يكون مع ذلك مراقبًا لأحوالهم، مقتديًا متابعًا لهم، متأسيًّا مُنفّذًا لتوجيهاتهم وتعليماتهم، فهو من أشرف المنازل.
ووراء ذلك ما وراءَهُ في سر المجالسة التي يترتب عليها عظيم الشأن في السر والإعلان، وفي جنان الحق -تبارك وتعالى- في الدار الآخرة ينبسط بساط المجالسة، فتظهر آثارُ مراتب ما كان من مجالسة الإنسان أيام تكليفه في دنياه، فإنه إن صحَّت مجالسة المؤمنين لبعضهم البعض، على وصف المحبة في الله تبارك وتعالى، اتصلوا بمعاني في سندٍ يكونون بها مجالسين للشريعة الغراء، وللوحي المنزّل وللسنّة المطهرة، وبكلّ ذلك يجالسون ملائكةَ الرحمن جل جلاله، المعظّمين للوحي والسنة والشريعة ومتصلين بها.
وبكل ذلك ينالهم على حسب المراتب وعلى حسب الدرجات، معنىً من مجالسة صاحب الشريعة وصاحب الرسالة، وصاحب الهديْ، خاتمَ النبيين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبكل ذلك ينبسط لهم بساطٌ من سر مجالسة الرحمن الذي قال: "أنا جليسُ مَن ذكرني"، وعلى حسب ما استفادوا من ذلك وارتقوا في الدنيا، تكون المجالسة في الجنة، كما يسبقها مجالساتٌ في البرزخ، ومجالسات يوم القيامة.
فمن خلال حسن النظر، والاستعمال والانتباه من المجالسة للصالحين في الدنيا، تأتي الترقِّيات الكبيرة، ليصبح المؤمن جليسَ الرحمن وهو على ظهر الأرض، وينبسط له من البسُط الواسعة في المُصاحبة في الجنة، والمجالسة التي أشار الحق تبارك وتعالى إلى طرفٍ منها في قوله: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)[ الحجر:47]، وإلى طرفٍ منها في قوله (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور:25-28] إلى غير ذلك، ووصف لنا منها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما وصف.
فعلى قدر ما تأخذُ من حُسن مجالسة صلحاء زمانك، تنالُ درجة المجالسة للمقرّبين والصدّيقين في الجنة وللأنبياء، وعلى قدر أيضًا ما تُحصِّل من ذلك وتحسنُه وتتقنه، تكون مجالستك لسيد الأنبياء أيضًا في الجنة، وكل ذلك يرجع إلى سرّ المواصلة من حضرة الربوبية والألوهية، فيكون بعد ذلك لعموم أهل الجنة إتاحةَ النظر إلى وجه الله الكريم في كل جمعة، والناس بعد ذلك على اختلاف، ومِنْ أعلاهم مَن يُـمكَّنُ من النظر بكرةً وعشيّا، ومنهم من يستغرقُ في ذلك في جنة المزيد، في وقته وحاله كله، و (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).[آل عمران163].
فأوصى بمجالسة العلماء، وقد ضرب النبي لنا المثل للجليس الصالح والجليس السوء.. "وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ"؛ أي: احرص على القرب منهم، وأن لا تملَّ مجالستهم، وأن تقرُب وتدنو منهم وتلازم ذلك، وجاء: "وزاحمهم بركبتيك فلعل الرحمةَ تنزلُ عليهم فتصيبَك معهم، ولا تجالس الفجار لئلا ينزلَ عليهم سخطةٌ فتصيبَك معهم" والعياذ بالله تبارك وتعالى.
قال: "فَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ"، وهي: العلمُ النافع من فقهٍ في دين الله، ووعيٍ لخطابه، وإدراك لإشاراته ودلالات وحيِهِ، وبلاغ رسوله صلى الله عليه وصحبه وسلم، فهذا مَجمعُ الحكمة، (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ )[البقرة:269]، وهي التي يحيي بها الله تبارك وتعالى مَوات القلوب، يحيي القلوب بنور الحكمة. وجاء في رواية دعائهِ ﷺ لابن عباس: "اللهمّ علِّمه الحكمة"، وفي الرواية المشهورة: "وعلِّمه تأويلَ الكتاب" ودعا له بالفقه في الدين.
ويدخل في تلك الحكمة رأسُها وهو القرآن الكريم والعمل به، والسنة الغراء، وقد أُطلقَ لفظ الحكمة على سنته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في آيات:
- مثل قوله: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)[آل عمران:164].
- وقوله: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ [الأحزاب:34]، أراد في هذه الآيات أن ظاهرها بالحكمة سنةُ زين الوجود صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
تحيا هذه القلوب في عالم المعنى وعالم الباطن، كما يُحيي الله الأرضَ في عالم الحِس وعالم الظاهر، الميتةَ التي ماتت بقِلِّ الماءِ، يحييها بوابل السّماء، وهو الماء الصبّاب الكثير الغزير، يقال له: وابل، قال سبحانه وتعالى: (فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ) [البقرة:265]؛ فنور الحكمة كذلك تُغزِّر القلوب حياةً بعد أن كانت ميتة بالمعصية وبالغفلة، كما أنّ وابلَ السماء وهو غزيرُ قَطْرِها، يُحيي الأرض بالنبات، (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)[الحج:5].
وفي حديثه ﷺ: "جالِسُوا الكبَراء وسائِلُوا العُلَماءَ وخالِطُوا الحكَماءَ"، وجاء عنه ﷺ وقد سئل: أي جلسائنا خير؟ قال: "من ذكَّركم اللهَ رؤيتُه، وزاد في علمكم منطقُه، وذكرّكم الآخرةَ عملُه"؛ هؤلاء خير من تجالسون على ظهر الأرض. وهكذا يُروى عن سيدنا عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: يا روح الله مَن نجالس؟ قال: من يزيد في علمكم منطقُه، ويذكركم الله رؤيتُه، ويرغبكم في الآخرة عملُه. وهذا أثر سيدنا لقمان، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، رزقنا الله مجالسةَ أهل قربه، وأهل حبه وأهل المعرفة به، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وفي اتساع المجالسة لمَن في زمننا من أهل الخير والنور إلى مَن قبلهم، بما يُلقون علينا من أخبارهم، وبما نطالعُ من كتبهم ومناقبهم وشؤونهم، فهي مجالسةٌ لأولئك، إلى أن تصل إلى الرأس، وهو سيدُ الناس صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
باب مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ
ثم ذكر التحذير من دعوة المظلوم، وأن لا يُعرِّض الإنسان نفسه لظلمِ صغيرٍ ولا كبير، فإن الإلهَ الخالق الجبار القدير، تكفَّلَ أن لا يدعَ مَظلمةً لمظلوم من خلقه إلا أخذها له، وأنك بظُلمِك أي حيوانٍ فضلًا عن أي إنسان، تجعل خصمَك الجبار الأعلى، لينتقمَ منك ويأخذ حق ذلك المظلوم، فلمَ تُعرّض نفسك لهذا الخطر الكبير الصعب الشديد؟! أن يتحوّل الجبارُ الأعلى خصمًا لك، يأخذ الحق منك، ومَن كان خصمُه الله خصَمَه، والعياذ بالله تبارك وتعالى، "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة".
وأورد أثر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه: "اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ" أي : جعله عاملًا، يُدعى "هُنَييًا" استعمله "عَلَى الْحِمَى"، موضعٌ يُعيِّنه الوالي و الأمير لرعي مواشي الصدقة، مواشي بيت المال، يعني: استعمله على حمايته لإبل الصدقة، وجاء أن النبي ﷺ حمَى النقيعَ لخيله، لما فيه من المنفعة للمسلمين، فوصى عمر بن الخطاب هنيا فيما استعمله فيه من نفس ذلك الموضع، النقيع، وجعله لإبلِ الصدقة ولخيل المجاهدين، وكذلك أضاف الشَّرَفَ والرَبَذة، فجعلها في الحِمى الذي ترعى فيه نَعَمُ الصدقة لمّا كثُرت، ولم يحمِ أبو بكر رضي الله عنه من الأرض إلا للبقيع، ولما كان عمر، وكثر الناس، استعمل على حِمى الرَّبذَة.
وهذا خاطبه لما استعمله يقول "يَا هُنَيُّ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ النَّاسِ"، وفي لفظ البخاري: "اضمم جناحك عن المسلمين" مع أن ضمّ الجناح كنايةٌ عن الشفقة والرحمة، والمعنى: كُفَّ يدك عن ظلمهم أو إيذاء أحدٍ منهم، اكفُفْ يدك عن أن تُسيءَ إلى أحد منهم. "اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ النَّاسِ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ"؛ يعني: اجتنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم، فيُستجابُ له، فتقع في الورطة، "فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ" مقبولة عند الله، وإن كان المظلوم عاصيًا، وإن كان المظلوم كافرًا، فإن لهم رب جل جلاله، وإن كفروا وإن عصوا، فربُّهم ربهم، وهو رب الحيوانات كلها، فلا يُظلَم منها شيء إلا أخذ حقَّه جل جلاله.
وكم من آدمي يُبطَح على صفائح من نار في القيامة، لتأخذ الحيواناتُ حقَّها منه، وترفسُه كما آذاها وظلمها في الدنيا، سبحان الملك العدل جلّ جلاله، فإن دعوة المظلوم مستجابة، اتق دعوة المظلوم ولو كان كافرا، "دعوة المظلوم مستجابة" في مسند الإمام أحمد روى "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه" هكذا رواه بسند حسن سيدنا أحمد بن حنبل عليه الرضوان في المُسند، يقول "دعوةُ المظلوم مستجابةٌ وإن كان فاجراً ففجورُه على نفسه"، ولكن ربَّ الجميع سبحانه وتعالى يأخذ الحقوق.
ويُروى أن سيدنا النبي داود عليه السلام أراد أن يُعمِّر ويجدد بناء بيت المقدس، فقال له أوحى الله إليه: أني لا أمكِّنُك من ذلك، ولكن أجعل بناءَه على يد ولدك، فقال: لمَ يا رب؟ قال: لكثرةِ ما أصبتَ من دماءِ عبادي، قال: أليس ذلك في سبيلك يا رب؟ قال: نعم، هو في سبيلي، وقد رضيت منك بذلك، وقد أثَبْتك عليه، ولكنهم عبادي، هم عبادي خلقي، لا إله إلا الله!... فهو ربُّ كل شيء، وإله كل شيء، ولا تظن أن شيئاً ضائع، وأن أحداً ضعيفٌ من الخلق، الذي ورائه الجبار الأعلى ليس ضعيف، تُخيل إليك نفسك والشيطان أنه ضعيف، وتمد يدك عليه، وما تدري بالقوة اللي وراءه، ما ظلمتَ إلا نفسك، وما أوقعتَ إلا نفسك في البلايا والرزايا، فاحذر من ظلم أحد، فإن دعوة المظلوم مستجابة.
"وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ"؛ تصغير صُرم "وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ"، والغُنيمة: تصغير غَنم، قال والصُّريمة: القطعة القليلة من الإبل، والغُنيمة نحو الأربعين من الغنم، الصُّرَيْمَةِ والْغُنَيْمَةِ، "وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ"؛ سيدنا عثمان وابن عوف من أغنياء الصحابة، من أغنياء المهاجرين، خصّهما بالذكر لكثرة نَعَمِهما، فكانا من مياسير الصحابة، سيدنا عثمان وسيدنا عبد الرحمن بن عوف، وهم من العشرة المبشرين بالجنة؛ يعني: نَعَم المُقلِّين أولى بالحفظ، يعني: لا تؤثر أربابَ الكثرة وإن كانوا ذوي فضلٍ ومنزلة كبيرة، انتبه من أغنام المسلمين، وانتبه من جِمال المسلمين، لا تقل هذا غنم رجل اسلم قريبًا او جاء من فترة قريبة، فما له منزلة ولا اعتبار، ولا تـقدم نَعَم الكبار والموسرين وإن كانوا فضلاء، وإن كانوا كبارا، وإن كانوا قُدامى في الإسلام، لكن الحماية للكل، انتبه هنا لمال المسلمين.
يقول :"فَإِنَّهُمَا" يعني: مثل سيدنا عثمان وعبد الرّحمن بن عوف "إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا" الى المدينة "إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ"، لأنهما صاحبا زرع ونخل أيضًا؛ فمعيشتُهم ليست مقتصرةً على هذه المواشي، "وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ" الذي ليس معه إلا قليل إبل أو قليل غنم "إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا" بسبب فقدان المرعى، "يَأْتِنِي بِبَنِيهِ"، ما عندهم نفقة، ويطلب نفقتَهم من بيت المال، يعني يأتي بأولاده وأهل بيته كلهم ويسأل لهم ما يعيشهم، يقول له: هؤلاء رعيةٌ عندك، ما عندهم شيء! "فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لاَ أَبَا لَكَ؟" هل أترك أحداً من هؤلاء الرعايا إذا احتاجوا؟! وأنا مسؤول عنهم ومُخاطَب يوم القيامة، "فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ"، نفتحه لهم، ويتيسر رزقُهم منه، "أَيْسَرُ عَلَيَّ" وعلى بيت المال، "مِنَ الذَّهَبِ" والفضة "والوَرِق". فخلِّهم يرعون ويكتفون بما عندهم، ويذهب ذاك للمحتاجين غيرِهم، وللجهاد في سبيل الله.
"وَايْمُ اللَّهِ" يحلفُ بالله تبارك وتعالى، "إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ"؛ أي: يعتقدون "إنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ" يريد أرباب المواشي الكثيرة، أو الثانيين الذي أوصى بهم.
وقالوا: جاء إليه رجل من أهل البادية قال له: يا أمير المؤمنين بلادُنا قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام، ثم تحمي علينا؟ فجعل عمر -رضي الله عنه- ينفخ ويفتل شاربه، فلما رأى الرجل ذلك ألحّ عليه، فلما أتاه قال: المال مال الله، والعباد عباد الله، ما أنا بفاعل.
يقول: "إِنَّهَا لَبِلاَدُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ، قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِسْلاَمِ"، اترك الأرض التي نحميها لجماعة المسلمين، قاتلوا عليها في الجاهلية أكثر من غيرهم، وأسلموا عليها، فهي باقية لهم من جملة حقوقهم، فليس لأحدٍ أن يستبدَّ بها، إلا ما كان من المنفعة العامة، من مثل: حماية شيء لإبل الصدقة ونحوها.
"وَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْلاَ الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ"؛ يعني: من الإبل والخيل، والذي أحمل عليه المجاهدين والمسافرين "فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلاَدِهِمْ شِبْراً"، ولكن من أجل حماية هذا الظهر للجهاد، وهذه الخيول للجهاد في سبيل الله، فنحن مضطرون أن نحميَ أراضي لرعي هذه، تكون عدةً للمسلمين في مهماتهم. لا إله إلا الله…
باب أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ
ثم ختم الكتاب بذكر أسماء سيد الأحباب، وفي ذلك ما يُشعر بما اشتهَر عن مالك من تعلّقه بذاك الجناب وتعظيمه له؛ فختم كتابَه بذكر أسمائه لما في قلبه من قوة التعلّق بسيد المرسلين والتعظيم له، وهو المشهور عنه أنه الذي لم يركب ولم ينتعل في مدينة رسول الله، فعاش حياته في المدينة حافيًا، يمشي حافيًا وسط المدينة؛ تعظيمًا للبلدة بتعظيم مُشرِّفها، ولمّا سُئل لمَ لا تركب، ولا تلبس النعال؟ قال: إني أستحي من الله أن أطأَ بنعلي أو بحافر دابتي تربةً تردد فيها جبريل بالوحي على رسول الله، ومشى فيها رسولُ الله ﷺ وجلس فيها، وكان إذا أراد قضاء حاجة الإنسان خرج من حدود حرم المدينة كلها، ولكن كان له في الثلاثة أيام أكلةً واحدة، وقعة واحدة؛ لهذا لا يحتاج للخروج كثيرًا -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- وعاش على هذا التعظيم والإجلال؛ فعظُم قدره وحُمِل عليه قولُ صاحب الشريعة: "يوشِكُ أن يَضرب الناسُ أكبادَ الإبِل فلا يجدون عالمًا أعلمَ من عالم المدينة"، وهو سيدنا مالك بن أنس عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
فذكر الحديث الذي ذكر فيه من أسمائه ﷺ خمسة، وأسماؤه كثيرة، وهذه الخمسة منها ما جاء في عدد من الروايات، وقد ألف الإمام الشيخ يوسف النبهاني -عليه رحمة الله- "المقصد الأسمى فيما للنّبيِ من الأسماء" ونظم نحو 800 اسم من أسمائه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقد جُعِلَ في الجدار القبلي من حرمه النبوي ذكرُ أسمائه؛ فنُقِش عددٌ كبير من أسمائه عليه الصلاة والسلام.
وجاء أن لله تعالى ألف اسم، بل السنة والنص يدل على أن له أسماء كثيرة، وأنّ منها ما لا يعلمها إلا هو، ومنها ما خصّ به بعض عباده فعلموها، ومنها ما شهرَه لعباده سبحانه وتعالى، بشاهد قوله ﷺ: "أسألك بكل اسمٍ هو لك سميتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك". لا إله إلا الله… لهذا لا يحيط بأسمائه أحد، كما لا يحيط بصفاته أحد، بل كل اسم من أسمائه لا يحيط بمعناه غيرُه سبحانه وتعالى.
يقول: وغالب الأسماء التي تُذكر، أوصافٌ له عليه الصلاة والسلام، ويقولون: إن للنبي صلى الله عليه وسلم ألف اسم، يقول: "لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ" من جملة أسمائي التي أختص بها، أو لم يتسمَّ بها أحدٌ قبله، أو هي معظمة ومشهورة في الأمم الماضية والكتب المتقدمة، ومشهور في السنة الغراء أنه يذكر عددًا في شيء من الخصال، وليس المقصود الحصر فيه، ولكن فيما يذكره، كقوله سبعة يُظلهم الله في ظلّ عرشه، والمذكور في الأحاديث فوق الأربعين أو خمسين، أو فوق السبعين من الذين يظلهم الله في ظلِّ عرشه، فليس المقصود الحصر في العدد وهذا مثله.
قَالَ: "لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ،" صلى الله عليه وسلم، وهو الاسم الذي جعله الله مكتوبًا على قوائم العرش، وعلى أبواب الجنان، ووضعه بجنب اسمه تعالى في لفظ: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ.
"وَأَنَا أَحْمَدُ"، وإن كانت الشًُهرة في السماء بأحمد أكثر، وفي الأرض بمحمد أكثر، وفي الحديث عن سيدنا علي بن أبي طالب، يقول: قال رسول الله ﷺ: "أُعطيتُ ما لم يُعط أحد من الأنبياء.. نُصرت بالرعب،.. وسُمّيتُ أحمد" كما جاء في مسند الإمام أحمد. أحمد يعني: أكثرُ الحامدين لله تعالى؛ فإن حَمَده ملائكةٌ أو حمَدَه نبيون أو حمده صدّيقون أو حمدته الأكوان، فأنا أحمد، أحمدُهم لله تبارك وتعالى - صلى الله عليه وسلم- فلم يَحمد الله ولم يعرف من معاني حمد الله ملَكٌ ولا إنسيٌّ ولا جنيٌّ ولا من سواهم، كما عرَّف الله نبيَه ومكّنه من حمده، ومع ذلك فلا يزال يخبؤ له من أسرار الحمد ما يخبؤه إلى يوم القيامة، حتى أنه في القيامة يلهمه محامد لم يحمده بها أحد قبله، وما سبق أن حمده بها مَلَك في السماء ولا في الأرض، ولا نبي ولا ولي ولا غير ذلك، قال: "فيلهمني محامد لا أعلمها الآن". قال: أنا في رتبتي عنده ومنزلتي الآن ما أعلمها، ولكن يفتح بها عليّ هناك، عندما أسجد سجدة الحمد؛ ولذا: سَمى الله اللواء الذي يُسلمه له في القيامة في إمارةٍ على جميع الأولين والآخرين، وجميع العالمين لواءَ الحمد، وينضم تحته كـلُّ نبي، وكل مقرّب كل صدِّيق، كل ولي وكل من يدخل الجنة، "ولواءُ الحمد بيدي يوم القيامة، آدمُ فمَن دونه تحت لوائي"، فهو محمد وهو أحمد، صلى الله عليه وعليه وآله وصحبه وسلم.
وقال سيدنا عيسى بن مريم لقومه: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف:6] صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وسميت أمته في الكتب السابقة الحمّادون، وأن الحمّادين من أمته أي: أكثُرهم حمدًا، هم أول من يدخل الجنة، أول من يدخل الجنة من الأمم أمته، وأول من يدخل من أمة الجنة الحمَّادون، وهم: الذين تستشعر بواطنُهم الثناء على الله سبحانه وتعالى، وشهود الإنعام الواسع منه بلا حد، جل جلاله وتعالى في علاه، فهم كثيرو الحمد لله في السراء وفي الضراء، في الشدة وفي الرخاء، وفي المرض وفي الصحة، وفي الفقر وفي الغنى، وفي الخوف وفي الأمن، حمَّادون يحمدون الله على كل حال، اللهم ألحقنا بالحمّادين.
وقالوا في شعر حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وشقَّ له من اسمه ليُجِلَّه *** فذو العرش محمودٌ وهذا محمدُ
صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
وقد ألهم الله جده عبدالمطلب أن يسميه محمدا، وقد رأت أمه في ذلك مرائي كثيرة، فهذان إسمان.
قال "وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ"، صلوات ربي وسلامه عليه، وكل شئون الكفر وما تعلق به، والشرك الظاهر والشرك الخفي، ينمحي من قلبك على قدر صلتك بالماحي ﷺ، بل جميع الصفات الذميمة تنمحي منك على قدر اتصالك به، فهو الماحي الذي محا الله به الكفر، صلوات ربي وسلامه عليه، فينتشر به التوحيد والإيمان والهدى في كثير من الأقطار، وفي ملايين من الناس، حتى يأذن الله في آخر زمان أمته الآخِرين، بظهور سيدنا الإمام المهدي، فيعلو شأن الدين أكثر، وينمحي الكفر أكثر، ثم بنزول سيدنا عيسى بن مريم، وهنا يظهر محوُ هذا الكفر من على ظهر الأرض. لا إله إلا الله… وهكذا إلى أن يرفع الله القرآن، ويخطف مَن في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
"وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي،. صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ يعني: قدامي وأمامي، وفيه أنهم يجتمعون إليه وينضمون حوله، ويكونون قدامه ووراءه، فهم ملتفين حوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو ملاذهم ومرجعهم جميعًا.
قال: "وَأَنَا الْعَاقِبُ".العاقب: الذي لا نبي بعده، لا أحد بعده، فهو خاتم النبيين ﷺ.
وهكذا جاءنا في الروايات الحديث، وفي صحيح مسلم يقول: "أنا محمد وأحمد والمقفِّي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ومحمد: مبالغة من كثرة الحمد، يعني: مَن كَثُر حمدُ الناس له يقال له محمد. ولما سُئل جده عبد المطلب لمَ سميته محمد؟ في اليوم السابع من ولادته ﷺ قال: رجاءَ أن يَحمَده أهل السماء والأرض، أرجو لابني هذا أن يكون محمودًا يَحمَده أهل السماء والأرض، فحقق الله ذلك، صلوات ربي وسلامه عليه
ومن العجيب أنه لم يَشتهر هذا الاسم من قبله، حتى دنا وقت ولادته، وكثُر حديث الأحبار والرهبان أن في هذه الأيام وهذه السنين سيولد نبيُ آخر الزمان، يُسمى محمد،، فأناس وُلِد لهم أولاد سموهم محمد، محمد، نحو خمسة عشر، ولكن ما كان إلا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ابن آمنة بنت وهب، بن عبدمناف، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)[ الأنعام:124] لا إله إلا الله.
ويروى أن لله ملائكة تزور البيت الذي فيه اسمه محمد، إكرامًا من الله لهذا الاسم، وكان كثير من أخيار المسلمين يتهيّبون أن يضربوا ولدهم أو يهينوه إذا كان اسمه محمد، تعظيمًا لهذا الاسم. لا إله إلا الله..
وأظهر الله دينه على الدين كله، فكان من معنى محوه للكفر ﷺ. ويقول تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ) [يونس:2]؛
- يعني: سابقة صدق، وهذا أيضًا من معاني على قدمي: على سابقتي.
- وقيل: على قدمي يعني: قدامي وحولي يجتمعون إليّ.
- وقيل على قدمي: على سُنّتي، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وجاء في رواية أيضًا عنه ﷺ قال: وأنا رسول الرحمة ورسول الراحة، ورسول الملاحم، وأنا المُقفّي، قفيت النبيين وأنا قيِّم؛ القيِّم: الجامع الكامل، وفي بعضها: قُثَم. وجاء أيضًا عنه ﷺ: لي في القرآن سبعُ أسماء: أحمد ومحمد وياسين وطه والمدثر والمزمل وعبد الله. قال تعالى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا)[الجن:19]، عبد الله: محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)[الأنبياء:107].
والمقفّي والعاقب معناه واحد، عقَب النبيين وختَمهم وقفَّاهم، فليس نبيٌ بعده، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهو المُزكِّي، قال تعالى: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ) [الجمعة:2]، اللهم صلِّ عليه وعلى آله.
ونتوجه إلى إلهنا الرحمن الكريم المنّان ونسأله بنبيّه محمّد سيد الأكوان، وبحديثه الشريف، وبسُنّته الغراء، وبمن تلقّاها، اللهم إنا نستشفع ونتوجّه إليك بحبيبك محمّدٍ ﷺ ونتبرك بتلاوة حديثه، نسألك أن تكشف عنا المحن والغحن، وجميع المصائب اللهم والنوائب ما ظهر منها وما بطن، وعن جميع أمته أجمعين. ياحبيبنا يا محمد يا أحمد يا أبا القاسم إنا نتوجّه بك إلى الله، وإنّا نتشفّع بك إلى الله، وإنا نتوسل بك إلى ربنا أن يرفع عنّا وعن كافة المسلمين المصائب والنوائب والملمّات، ويقضي لنا جميع الحاجات، اللهم شفّعه فينا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم شفّعه فينا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم شفّعه فينا برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين حمدًا ينكشف به من الحمد السر المعمّى، فيقف به الحامد من الاسم على المسمى، حمدًا يستغرق جزئيات الحمد وكليّاته، عدد أفراد الوجود وذرّاته. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد داعي الحق بالحق في كل مقيّد ومطلق، جامع الكمالات الإنسانية، وطور التجليّات الإحسانية، ومظهر رحمة الله المبسوطة في الوجود الخلقي، وحامل لواء التبليغ بلسان الصدق في المجلى الحق ومجلى الشهود الامتناني، في المقام العياني، المعرب باللسان الفرقاني عن حقيقة معنى المثاني، من دعا إلى الله على البصيرة النافذة، فكانت به القلوب في مجال الاستبصار لائذة، وعن شواهد الحق بلسان الجمع آخذة، ومن شر عوائق الوقوف عن النفوذ في الإقبال عائذة.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عليه وعلى آله وصحبه صلاة مستمرة أبدا لا تبقي في مراتب الأعداد عددا، اللهم إن قلوب محبي حبيبك ونبيك سيدنا محمد ﷺ متعشقةٌ إلى مشاهدة ذلك الجمال، باسطة أكف الضراعة والابتهال، سائلةٌ منك أن تُجدّد لها في كل نفس وطرفة ولمحة وُصلةً تامة بذلك الجناب، وخلعةً لا تَخْلَق من حب أشرف الأحباب، وقد شرّفتنا يا رب بالإيمان به وبما جاء به وذلك محض مِنّةٍ ساقتنا إليها أقدارك المنتشرة في الوجود، ويسرتها لنا عنايتك الخاصة الواصلة من حضرة الجود، فكما أكرمتنا بهذا الفضل العظيم فثبّتنا عليه، وكما أنعمت علينا بهذا المدد الجسيم فأحينا مستمسكين به، صادقين في التوجّه إليه، وقد سمعنا أحاديثه الصحيحة وأقواله المليحة، ففهمنا منها ما فهمنا وعلمنا منها ما علمنا، وكلها تحدونا إلى الوفاء بحقك، والصدق في معاملتك، وقلوبنا ونواصينا بيدك، ولا سبيل إلى التحقق بها إلا بتوفيقك.
فنسألك اللهم بحقّه عليك أن توفّر حظنا من التوفيق، وأن تسلك بنا في فهمها والعمل بها أقوم طريق، وتوصلنا إلى أعلى رفيق مع خير فريق، فنسألك اللهم بحقه عليك أن توفّر حظنا من التوفيق وأن تسلك بنا في فهمها والعمل بها أقوم طريق، وتوصلنا إلى أعلى رفيق مع خير فريق، فنسألك اللهم بحقّه عليك أن توفّر حظنا من التوفيق، وأن تسلك بنا في فهمها والعمل بها أقوم طريق، وتوصلنا إلى أعلى رفيقٍ مع خير فريق.
وقد حضرنا مجالس إملاءها وتلاوتها وفاءً بحق ذلك الحبيب المحبوب، وامتلاءً بسماع ذلك الكلام الذي تنبسط بسماعه الأرواح والقلوب، وليس معنا استعدادٌ ولا قابلية في العمل بما تدعونا إليه تلك الأحاديث المروية، وقد حال بيننا وبين فهم معناها والعمل بمقتضاها كسب الذنوب والسيئات، وانقطاعنا بالشهوات والفانيات، فإنّا يا مولانا نازلون ببابك، مستشفعون بأجلّ أحبابك، سائلون منك أن تصرف عنّا كل ما يعوقنا عنك وعن فهم كتابك، وإجابة داعي خطابك في كتابك، متوسّلين إليك بأجلّ الوسائل لديك وأشرف المحبوبين لك، أن تفتح لنا بابًا في الفهم عنك يوصلنا إلى معالم القُرب منك ومشاهد الأخذ عنك، في حركاتنا وسكناتنا وأعمالنا ونيّاتنا، وأشهِدنا سِرّ العمل لما دعوتنا إليه وإخلاص القصد في أداء ما نَدَبتنا إليه.
اللهم أعِد بركة هذا الختم والجمع المشهود على جميع أهل الوجود، بما تقرّ به عين الوالد والمولود، اللهم أعِد بركة هذا الختم والجمع المشهود على جميع أهل الوجود، بما تقرّ به عين الوالد والمولود. اللهم أعِد بركة هذا الختم لموطأ الإمام مالك في حديث حبيبك الهادي إلى أشرف المسالك والآثار عنه وعن أصحابه وعن أتباعه، وهذا الجمع المشهود على جميع أهل الوجود بما تقرّ به عين الوالد والمولود.
وافتح أعين بصائرنا فتحًا تشرق به أنوار سرائرنا، واجمع قلوب أهل الإيمان على حفظ حقه والثبات عليه والاستمساك منه بالعروة الوثقى التي ليس لها انفصام، والوقوف من ثمراته على ما يوجب الخلود في دار السلام. اللهم اجعلنا من المجيبين لداعيك، الباذلين وسعهم وطاقتهم فيما يرضيك، وابسط فينا وفي أولادنا وأهلينا وفي قُطرنا وجميع أقطار المسلمين نور العلم النافع، بسِرٍّ تتشرف به المسامع من كل سامع، وتظهر بركته في جميع المجامع، تكرّم علينا يا كريم، وتعطّف علينا يا رحيم، واهدنا في الفهم عنك والخدمة لك الصراط المستقيم، تكرّم علينا يا كريم، وتعطّف علينا يا رحيم، واهدنا في الفهم عنك والخدمة لك الصراط المستقيم، تكرّم علينا يا كريم، وتعطّف علينا يا رحيم، واهدنا في الفهم عنك والخدمة لك الصراط المستقيم.
وما تحركنا فيه من نيّةٍ وعملٍ فتقبّله، وما ارتكبناه من خطأٍ وزللٍ فاغفره، وامحُ الخطايا وأجزِل العطايا واصرف عنا جميع البلايا، وامحُ الخطايا وأجزل العطايا واصرف عنا جميع البلايا، وامحُ الخطايا وأجزل العطايا واصرف عنا جميع البلايا.
وما تفضلت به على الصادقين في حُبّك، والراغبين في قربك فتفضّل به علينا، اللهم ومن جمعتنا به أقدارك في هذا المجلس من إخواننا المؤمنين فابسط علينا وعليهم فيه بساط المغفرة للمذنبين، والقبول للعاملين، والإحسان للمسيئين، والنجاة للغارقين، واليقظة للغافلين، والتوبة للعاصين واصرفنا من هذا المجلس أجمعين بنيل ما أمّلنا وتحقيق ما رجونا وغفر ما جنينا والمسامحة فيما اكتسبنا.
وكما وفقتنا لسماع كلام حبيبك محمد ﷺ فأكرمنا برؤية وجهه الشريف وهو راضٍ عنّا في اليقظة والمنام، وفي الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة وفي الفردوس الأعلى مع إخوانه من النبيين والمرسلين وصالحي عباد الله أجمعين. وكما وفقتنا لسماع كلام حبيبك محمد ﷺ فأكرمنا برؤية وجهه الشريف وهو راضٍ عنّا في اليقظة والمنام، وفي الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة وفي الفردوس الأعلى مع إخوانه من النبيين والمرسلين وصالحي عباد الله أجمعين. وكما أكرمتنا بسماع كلام حبيبك محمد ﷺ فأكرمنا برؤية وجهه الشريف وهو راضٍ عنّا، فأكرمنا برؤية وجهه الشريف وهو راضٍ عنّا، فأكرمنا برؤية وجهه الشريف وهو راضٍ عنّا في اليقظة والمنام، وفي الدنيا والبرزخ وفي الآخرة وفي الفردوس الأعلى مع إخوانه من النبيين والمرسلين وصالح عباد الله أجمعين.
اللهم تقبل هذه الدعوات، وعجّل بالإجابات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات، واختم لنا بالخاتمة الحسنة عند الممات، واختم لنا بالخاتمة الحسنة عند الممات، واختم لنا بالخاتمة الحسنة عند الممات. وخُذ بأيدي ولاة الإسلام، وانصرهم على من عاداهم من الكفرة اللئام، وشتت شمل أعاديهم واصرف عنهم من يؤذيهم وما يؤذيهم، وشتت شمل أعاديهم واصرف عنهم من يؤذيهم وما يؤذيهم، وشتت شمل أعاديهم واصرف عنهم من يؤذيهم وما يؤذيهم.
والحمدلله رب العالمين، إلهنا.. لو أردت إهانتنا لم تهدِنا، ولو أردت فضيحتنا لم تسترنا، فتمّم اللهم ما به بدئتنا ولا تسلبنا ما به أكرمتنا..
إلهنا، عرّفتنا بربوبيتك، وغرّقتنا في بحار نعمتك، ودعوتنا إلى دار قدسك، ونعّمتنا بذكرك وأُنسك، إلهنا.. إلهنا، إلهنا، إنّ ظلمة ظلمنا لأنفسنا قد عمّت، وبحار الغفلة على قلوبنا قد طمّت، والعجز شامل، والحصر حاصل، والتسليم أسلم، وأنت بالحال أعلم، إلهنا.. إلهنا.. إلهنا.. ما عصيناك جهلاً بعقابك، ولا تعرّضًا لعذابك، ولا استخفافًا بنظرك، ولكن سوّلت لنا أنفسنا وأهانتنا شقوتنا وغرّنا سترك علينا وأطمَعنا في عفوك بِرّك بنا.. فالآن من عذابك من يستنقذنا؟.. وبحبل من نعتصم إن أنت قطعت حبلك عنّا؟.. واخجْلتنا من الوقوف غدًا بين يديك، وافضيحتنا إذا عُرضت أعمالنا القبيحة عليك..
اللهم اغفر ما علمت، ولا تهتك ما سترت، اللهم اغفر ما علمت، ولا تهتك ما سترت، اللهم اغفر ما علمت، ولا تهتك ما سترت، إلهنا.. إن كنّا عصيناك بجهل فقد دعوناك بعقل، حيث علمنا أنّ لنا ربًّا يغفر الذنب ولا يبالي، إلهنا.. أنت أعلم بالحال والشكوى، وأنت قادر على كشف البلوى، اللهم يا من سترت الزلّات، وغفرت السيئات، أجرنا من مكرك، ووفقنا لشكرك، أجرنا من مكرك، ووفقنا لشكرك، أجرنا من مكرك، ووفقنا لشكرك.
إلهنا.. أتحرق بالنار وجهًا كان لك مصليّا؟.. ولسانًا كان لك ذاكرًا وداعيا؟.. لا بالذي دلّنا عليك، ورغّبنا فيما لديك، وأمرنا بالخضوع بين يديك، وهو محمّدٌ خاتم أنبيائك، وسيد أصفيائك فإن حقّه علينا أعظم الحقوق بعد حقك، كما أن منزلته أشرف منازل خلقك، اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بكنفك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا فأنت ثقتنا ورجاؤنا، فكم من نعمةٍ أنعمت بها علينا قل لها عندك شكرنا، وكم من بليةٍ ابتليتنا بها قل لها عندك صبرنا، فيا من قل عند نعمته شكرنا فلم يحرمنا، ويا من قلّ عند بلائه صبرنا فلم يخذلنا، ويا من رآنا على الخطايا فلم يفضحنا، نسألك أن تصلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت وباركت ورحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم أعِنّا على ديننا بدنيانا، وعلى آخرتنا بالتقوى، واحفظنا فيما عنه غِبنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا فيما حضرنا، يا من لا تضرّه الذنوب ولا تنقِصه المغفرة، هب لنا ما لا يضرّك، واغفر لنا ما لا ينفعك. يا من لا تضرّه الذنوب ولا تنقصه المغفرة، هب لنا ما لا يضرّك، واغفر لنا ما لا ينفعك. يا من لا تضرّه الذنوب ولا تنقصه المغفرة، هب لنا ما لا يضرّك، واغفر لنا ما لا ينفعك.
يا إلهنا، نسألك فرجًا قريبًا وصبرًا جميلا، ونسألك العافية من كل بلية، ونسألك العافية من كل بلية، ونسألك العافية من كل بلية، ونسألك الشكر على العافية، ونسألك دوام العافية، ونسألك الغِنى عن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصل وسلم يا رب على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وجميع الأنبياء والمرسلين، وارحم عبادًا غرّهم طول إمهالك، وأطمَعهم كثرة إفضالك، وذلّوا لعزّتك وجلالك، ومدّوا أكفهم لطلب نوالك، ولولا هدايتك لم يصلوا إلى ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمدلله رب العالمين (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
29 شَعبان 1444