القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله -9- المجاهدة ببذل النفس (2)

شرح كتاب القدوة الحسنة - الدرس التاسع - المجاهدة ببذل النفس(2)
للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب القدوة الحسنة في منهج الدعوة إلى الله للسيد محمد بن علوي المالكي، يتحدث عن مسائل مهمة عن منهج الدعوة الإسلامية وحقيقة القدوة الحسنة في سبيلها.

الدرس التاسع: المجاهدة ببذل النفس (2).

 

نص الدرس مكتوب:

 

المُجاهدة ببذلِ النّفس 

"ولقد قام النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بهذه المهمَّة خير القيام، وضرب لهم أروع الأمثال من معاني التَضحية والجِهاد؛ حتى قال قائلهم يوم أن كان بمكة قبل الهجرة وهو وحيد بينهم، غريب بدينه عنهم، انفرَد عن جميعهم بمبدَئِه، فاجتمع عليه الكل بجمعِهم في تلك الظروف المُظلمة؛ يقول قائلهم في اجتماعٍ لهم بالحِجر: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل؛ سفَّهَ أحلامنا، وشتَم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّقَ جماعتنا، وسبَّ آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمرٍ عظيم".

 

خيرُ من قَام بأمر الله؛ عبده ومُصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، وصَفَهم الله بقوله: (لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [التوبة:88]، بعدما قال -جل جلاله-: (وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ * لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة:86-89]. 

ذكرَ الفريقين؛ فرق بين هذا، وهذا! 

  • فأولئك.. (وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ) قال الله: (رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ)؛ هذا موقف دناءَة وانحِطاط.. رضوا! (رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ)..
  • كما حرَّك ضمائر المؤمنين في الآية: (..مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ) أرضيتُم؟ (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا..)[التوبة:38-39].

وقال: (رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ * لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)؛ ألحِقنا بهم، وسِر بنا في دربهم.

 وقام ﷺ، وعبَّروا بهذه التعبيرات، وإن كان فيها مُقتضى أهوِيَتِهم وتحامُلِهم؛ وإلا فإنما آلَمهُم قوة بَيانه، وظهور حُجَّته ﷺ، وعظيم خُلقه، وأخذه بمجامع القلوب والأرواح. رجعوا يقولون: "سفَّهَ أحلامنا، وشتَم آباءنا" ولا سبّ واحد ﷺ؛ "عاب ديننا"؛ إن عاب عبادة غير الله -تعالى- بحُجّة وبُرهانٍ واضح، أتعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنكم من الله شيئا؟! قالوا: سبَّنا! ما سبّ؛ هذا بيان، هذه حُجَّة؛ هذا إيضاح دليل ومحجَّة؛ لا يوجد سبّ فيه؛ وقالوا: سبَّنا؛ لم؟ لأنّ حُجَّته كانت بالِغة، حُجَّته كانت قوية.

ورجعوا يصيحون: سبّنا، فعل كذا وكذا..، وهكذا أي فريق رأوا عدم قدرة عندهم لِمقابلة الثَّاني يفترون عليه، يقولون: صلَّح فينا كذا؛ ما صلّح، إلا أقام أمر بالطريق الصحيح؛ لكن.. فسَّروه هم هكذا؛ لأنه ما عندهم شيء الذي يقومون به للرد على هذا. ولهذا قالوا: صبرنا عليه؛ صبرتوا عليه لمّا سبَبتمُوه، صبرتوا عليه لمّا حطّيتم السَّلى فوق ظهره، هذا صبركم عليه؟! صبركم عليه لمّا تحفرون له الحفر في الطريق، هذا صبر عليه؟! صبرتوا عليه في ماذا!

ويقولون: "سفَّهَ أحلامَنا"؛ إنما دعاكم لأنْ تستخدموا العقول كما آتاكم الله إيَّاها، وأن تنظروا بها وتُبصِروا. "قالوا: سفَّهَ أحلامنا، شتَم آباءنا"، ولا شتَم واحد ولا سب واحد منهم؛ ولكن قال: مَن مات مُشركًا بالله حرَّم الله عليه الجنَّة؛ قالوا: سبّ وشتم! أين السَّب، وأين الشَّتم؟! وهم الذين يظلون يسبُّون، ويقولون: كذاب، ساحر، مجنون، كاهن.. هم الذين يقولوا هكذا، هم الذين يسبُّون، ما قالوا سبّيناه، إنما قالوا: هو سبّ؛ هكذا يفعل المُبطلون دائمًا. 

ولكنَّهم إنما اضطروا إلى قول ذلك، لأنهم لم يستطيعوا أن يُقاوِموا حُجَّته، ولا أن يَقلِبوا الميزَان عند مُواجهته؛ من نظر في وجهه علِم أنَّه ليس بِوجهِ كذَّاب.

لِذا لمّا تشاوروا أنْ اخرِجوه من بلادكم، دَعُوه يذهب حيث شاء.. نُخرِجه من البلاد؛ قال إبليس- وكان حاضر معهم-: لا، ألا تَروْنَ إلى عذوبة ألفاظه، وحلاوة منطقه، وجميل أخلاقه! يُؤثِّر على الناس، ويجتمعون ويصلّح  لكم جيش يجيء يقاتلكم إلى هنا! ما تخرِّجونه هذا؛ شوفوا كيف كلامه طيّب، وأسلوبه ممتاز، وأخلاقه -اللهم صلِّ عليه-. قالوا: ما نصنع؟ حتى اهتدى أبو جهل -بل ضلّ- إلى أن قال: نجمع عشرة من شُبّاننا، كل شاب من قبيلة، نعطيهم سيوف حادة مسمومة، يضرِبونهُ ضربةَ رجل واحد، فيتفرق دمَهُ في عشرِ قبائل، إذا أرادت جماعته -بنو هاشم- أن يقاتلوا عشر قبائل، ما يقدرون؛ يطلبون الدِّية، فنعطيهم الدية. صفَّق إبليس، وقال: هذا هو الرأي، هذا هو الرأي!

سمِعت ربك يحكي قصَّتهم ويقول: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[الأنفال:30]. طيب؛ ماذا يفعل؟ يهرب؟… اثبت محلّك! اجلس محلّك في البيت، وخلّهم يتجمعون حول البيت حتى يأتيك أمرنا فتخرج… هذا الإذن لك في الهجرة.. توجّه! وجاء إلى عند سيدنا أبو بكر، وأخبره أن الله أذن له ولكن لن يمشى إلا بكرة. طيَّب؛ والجماعة بيتجمَّعون حول البيت! خلّهم يتجمعون وأنا في البيت؛ ما يجون يقولون: ما حصَّلناه في البيت، ولو حصّلناه كنَّا فعلنا كذا وكذا..؛ حصّلتوه؛ وهذه خطتكم.. غاية ما عندكم، وصفَّق عليها إبليس معكم! ها هي.. شوفوا ايش نهايتها! روَّحت! وأيش صلَّح؟ لا صواعق ولا.. قليل نوم نزَّله الله، نعسوا العشرة كلهم؛ عشرة شبَّان هم وسيوفهم نعسوا.

وخرج الحبيب؛ انتهوا -سبحان الله-؛ وذا المكر والكيد كله! لكن شوف: (وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ). بعدين حتى عيب عليهم، تقول: ما الذي أخّر الخطة حقهم هذه كلها؟ النوم. نوم، كيف نوم؟ نوم.. ليس إلا هو! لا يوجد غير هذا.

طيب؛ أراد يدفعهم عنه وهو في الغار، أيش صلّح؟ عنكبوت!.. أيش الذي ردَّ هؤلاء بحماسِهم وشدَّتهم وغلظهم وحميَّتهم، ما الذي ردَّهم من عند الغار؟ عنكبوت! أيش عنكبوت؟! دولة كاملة تتحرَّك ويَردَّها عنكبوت! قال: (وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، هذه العظمة شوف!..

لمّا قال قائلهم: ربما أنه وسط هذا الغار؛ يقول له واحد من كبار زعماء قريش: يا مجنون ما ترى العنكبوت على الغار؟! يمكن يدخل الغار من دون العنكبوت هذا؟ هذا العنكبوت أقدم من ميلاد محمد؛ یا أبلَه، روح! راحوا؛ وهو وسط الغار يسمع كلامهم، وسيدنا أبو بكر يرى أقدامهم، يقول له: لو نظر أحدهم مَوضِع قدمه لرآنا؛ قال: "يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما"  (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[التوبة:40] جل جلاله وتعالى في علاه.

الله! كم تَبِع هذا الكيد؛ كيد بعد كيد.. إلى اليوم؟! وشوفوا.. مجالِسه قائمة، وسيرته منتشرة، وأخباره دائرة بيننا؛ هو صاحب الغار هذا نفسه، أين الخطط حقَّكم؟! من تلك السنة إلى السنة ذي؛ إلى السنة ذي.. ونحن نذكره ونتلذذ بذكره، ونذكره ونفرح بذكره، ونذكره ونهتز شوق إليه. أين الكيد حقَّكم، راح المكر حقَّهم، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ). 

فيا مَن في زماننا يمكُر! امكروا أو لا تمكروا؛ إنَّ رأسنا قد استند إلى الأحد، وإنَّنا من ورائه لا نستند إلا على ما عليه استنَد؛ فمكرُكم يبور (وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ)[فاطر:10]. قد لكم من أيام نبينا إلى الآن ألف وأربعمائة سنة وأنتم تمكرون؛ فما يزداد إلا رِفعًة في ذِكره، وعلوًا في قَدره، ومحبًة في قلوب أتباعه. 

قال بعض الذين أسلموا قريب قالوا له: ماذا دعاك للإسلام؟ قال: شفت كل فكرة في العالم تقوم و سنوات يبدأ ينقص الحماس لها، وتنقص المحبة لأصحابها شيء فشيء حتى يتنكَّروا لهم! قال: جاءت الاشتراكية وكان أول فكرة أنه هو الذي بينقذ العالم! وحماس، وتصفيق، وثورات.. ونقص نقص نقص  قال : خطأ؛ فكرة خطأ! هذه خرَّبت علينا الاقتصاد، خرَّبت علينا العالم، جابوا الصور حقَّهم حرَّقوها، قال: وفكر قبله وفكر قبله، وفوق.. كله روحوا أصحابه. هؤلاء الذين آمنوا بمحمد يزيدون ويزدادون محبّة له؛ والقرون تمُر، ومحبته تزيد وتبقى وتنتشر في العالم. قال: عرفت أنه هذا ليس إنسان عادي، هذا ليس صاحب فكرة هذا؛ هذا ليس صاحب نظرية ولا صاحب تجربة؛ هذا من فوق جاء، هذا واحد جاء من عند الله، صلّى الله عليه.

وبعد ما خرج النبي؛ فتح الباب وخرج.. والعشرة بسيوفهم نائمين؛ هكذا مكبّين رؤوسهم، التفت إليهم؛ ما جرى، ما راح بسرعة! وقف يقرأ قوله تعالى، فكان يقرأ أول يس حتّى وصل: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)[يس:9]، شلّ التراب فوق رأس ذا، وفوق رأس ذا، وفوق رأس ذا، ودار على العشرة كلهم يضع التراب فوق رؤوسهم، أيش القوة هذه؟ أيش العظمة هذه؟ أيش الثقة هذه؟ أيش اليقين ذا؟! الجماعة معهم سيوف بيضربونك وعادك تحارشهم، تحطّ التراب فوق رؤوسهم، إهانة هذه! وإنسان عادي بيقول: فرصة ما دام نیام.. رُح! يمكن  أحطّ التراب فوق رأسه يفتح عيونه، يقوم عليّ، ينبِّه أصحابه!.. آمن، مُطمئن؛ دَار عليهم كلهم. 

واحد من البادية مرّ في الطريق يشوف النبي يحط التراب فوق رؤوسهم، يتعجب. ومشَى النبي في طريقهِ، هؤلاء في نومهم ما عاد حسّوا! حتى أن الشمس أشرقت ومع حر الشمس، فلان..! بن فلان..!  أين محمد؟ مرّ صاحب البادية قال: أيش تسألون؟ قالوا: محمد! 

قال: محمد! أنا رأيته يحط التراب فوق رؤوسكم. قالوا: ها! كل واحد يشوف يحط يده على رأسه يحصِّل التراب! ها، هكذا فعل فينا قال: أنتم مجانين أنتم؟! وقال: مرّ وحطّ التراب فوق رؤوسكم ومشى في طريقه! فتحوا الباب، إلا قالوا: لا، لا، نائم محلّه؛ و سيدنا علي، والبردة حقه كان بُرد أخضر-نسج حضرمي- متغطي به سيدنا علي؛ قالوا: هذا برده؛ رموه بحجر؛ تحرَّك، قالوا: ما هي حركة محمد، محمد نضربه أشد من هذا ما يتحرك! دخلوا، رفعوا الغطاء.. عليّ! أين محمد؟! علي، أين محمد؟ ما رد.

خرجوا مغتاظين، وجاء أبو جهل يصيح؛ والخطة فشلت! قالوا: خطة ثانية.. تابِعوه، تابَعوه في كل مكان. وحطوا له خطة ثالثة.. إعلانات؛ مَن يدلنا عليه أو يأتي به حي أو ميّت مائة من الإبل. مائة من الإبل؛ وفشلت! وكلها تفشل، تفشل، تفشل؛ خطط بعد خطط تفشل سبحان الله.

خطة نشَروها، وصلت إلى البوادي وإلى كل مكان. يجيء واحد يرقبهم ويتوقع أنهم هم، فيجيء لجماعة مجتمعين في البادية، مشى في هذا الطريق وجوه عليها كذا وكذا؛ وما أظنه إلا هذا صاحب قريش؟ بسرعة بسرعة سراقة بن مالك وقع في قلبه أنهم هم ، ولكن المائة من الإبل يريدها له. قال: لا، لا، فلان وفلان الصبح مشوا من هنا عندنا لما راحوا في حاجة في الطريق هذا، ما هؤلاء أصحاب قريش. خلاص صدَّقوه.

تغفّلهم وقام ودخل إلى بيته وخرّج فرسه وسيفه، وراح يجري في نفس الطريق. وسيدنا النبي يمشي وسيدنا أبو بكر. انظر إلى أين تصل الخطط حقهم خلاص قده قريب  يسمع قراءة النبي. النبي يمشي يقرأ! ما كان يعرف الغفلة، ما كان يعرف اللهو، في سفر، في إقامة، في حرب، في سلم. ذكَّار لله، شكَّار لله ﷺ. كان يقرأ.. هو وسيدنا أبو بكر يتدارسان القرآن.

سيدنا أبو بكر: أدركنا الطلب يارسول الله! سيدنا أبو بكر يقول: أدرَكنا الطلب، الرجّال وراءنا فارس معه سيفه، والنبي يقرأ.. أدركنا الطلب يارسول الله! (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، يقرأ؛ وهو قده يسمع قرائتهم قريب منهم، وإذا بالفرس تغيص قوائمه في الأرض، اشتد أمر الفرس؛ فقال: دعوتما عليّ! هو يقول: دعوتما عليّ، ادعوا الله لي أن يفك  الفرس، التفت النبي؛ قام الفرس. راح يمشي قال لنفسه: ذا الحين تضيّع مائة من الإبل مقابل أيش؟! ارجع! رجع، قرُب منهم غاصت فرسه أكثر من المرة الأولى؛ وثالث مرة قال: خلاص تبت، تريدون حاجة في الطريق؟ تحوّل خادم ذا الحين!.. شفت الخطة إلى أين وصلت؟!

قال: تريدون حاجة في الطريق؟ هناك بتمرُّوا في الطريق في مزرعة لي..؛ قال ﷺ: ما نريد شيء من هذا. ما تريدون؟ قال: رُدّ عنا الطلب! الذين تحصّلهم وراك  قل لهم لا أحد هنا، روحوا. قال: علمت أنه سيظهر، اكتب لي كتاب! قال: اكتب يا أبا بكر. كيف بك يا سراقة وأنت تلبس سواريّ كسرى وقيصر! تشوف ذا الذي الآن يمشي في البوادي والجبال والصحاري مُطارد من قومه، دينه سيصل إلى الشرق والغرب، وكبار ملوك الأرض ستجيء أسوِرَتِهم إلى هنا! وأنت البَدوي صعلوك يعيش في الريف في البادية بيلبسونك السوار حق كسرى وقيصر! وهو قال: خلاص! بعد الآية علمت أنه سيظهر، علمت أنَّه منصور من الله؛ اكتب لي كتاب! قال لأبي بكر: اكتب كتاب! كتب له الكتاب. رجع حصل ناس يمشوا في الطريق يدورون في الطريق قال: لا تتعبوا أنفسكم هذا الطريق ما حد فيه  خلاص.. إلى النهاية.. أنا قد جئت.

قال: كان في الصباح يُدّوِر لهم، وفي المساء يَرُد عنهم! مشت خطة مَن؟ خطة فاشلة حق الجماعة؛ لكن خطة الله تمشي، هي تمشي، الله! (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)[الطور:48]. وهو يمشي، وسيدنا أبو بكر ساعة قدامه، وساعه وراءه، وساعة يمينه، وساعة يساره، ويتلفت؛ ولا يلتفت ﷺ. صلوات ربي وسلامه عليه.

في يومِ فتح مكة، وصلَ سُراقة بكتابِه -يوم الغنائم حق حُنين- جاء بالكتاب. قال: "نعم، هذا يومُ وفاءٍ وبِرّ"؛ خذ وأعطاه ﷺ. جاءت خلافة سيدنا عمر، وجاءوا بأسوِرَة كسرى وقيصر إلى المدينة، قال للناس سيدنا عمر: أين، أين سراقة؟ أين سراقة هذا اللي كان يدوّر للنبي ذاك اليوم؟! جاءه سراقة، قال له: تعال.. هذا سِوَار كسرى وهذا سِوَار قيصر؛ دُر بها في المدينة! قل للناس: هذا كلام محمد، هذا كلام صادق الوعد.

أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا *** بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ *** إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشرِكِينَ الْمَضَاجِعُ

وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ *** إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجرِ سَاطِعُ

يا رب صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وسلِّم، وهيِّء لنا لِقاؤه في العُقبى. ها هنا جمَعتنا على ذكره، فاجمَعنا غدًا على حوضه. كما جمَعتنا على ذِكر أخباره وسيرته، فاجمعنَا مع ذاتِه الشريفَة وهو راضٍ عنَّا في الدنيا والبرزَخ والقيامة والجنَّة؛ آمين.

 

"وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يستعرض الجِيوشَ ويُنظم الصفوف ويقف وسط المعارك يُقاتلُ إلى جانب أصحابه يشاطرهُم الأذى ويُشاركهم الآلام، ويقول: "لأن أُقتل في سبيل الله أحب إلىَّ من أن يكون لي أهلُ المدر والوبر" -أي الحواضر والبوادي- أخرجهُ النسائي."

 

  • أهل المدر: أهل الحواضر لأنهم يبنون بيتهم بالمدر.
  • أهل الوبر: أهل البوادي لأنهم يجعلون مساكنهم من الشعر؛ من الوبر.

 

"ويتمنى ألا يغيب عن مشهدٍ ولا تفوته وقعَة فيقول: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ" رواه البخاري ومسلم."

 

وهذه تسع سنوات أرسل فيها سبع وأربعين سريّة، وحضر فيها سبع وعشرين غزوة؛ المجموع أربعة وسبعين؛ أربعة وسبعين في تسع سنين! أيش الجهد هذا وذا البذل… ومع ذلك قال: لولا أنَّ رجالًا يشقُّ عليهم أن يتخلَّفوا عنَّي، ولا أجد ما أحملهم عليه إذا خرجت؛ ما تخلَّفت عن سريّة قط، "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ"، اللهم صل عليه وعلى آله.

وفيه: رعايته لأهل المحبة الصادقين في الإيمان، الذين يشقّ عليهم ألا يُرافقُوه وألا يكونوا معه؛ إن خرج وهم في البلد تعبوا.. تعبوا في نفُوسِهم، في أذواقهم، في وجدانهم، تعبوا فراعاهم في ذلك. وفيه أنّ أهل المحبةِ الصادقة والذوق بمكانة عند الله ورسوله ولهذا رُوعُوا هذه المراعاة. 

ومن أجلهم ترى كثير من الخروج ووصف الله منهم طائفة قائلاً: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) [التَّوۡبَةِ:92]. يبكُون لأن ما عندهم قُدرة يخرجوا مع النبي.. فيخلِّفهُم وهم يبكون؛ فراعاهم في ذلك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم...نعمَ القدوة قدوتكم. 

 

"هذا هو النبي العابد الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه والذي كان في كثير من الأحيان يواصل الصيام، هو المكافحُ المُجاهد الذي لم يتراجع في غزوة قط إذا تراجع الأبطال، وفرَّ الصناديد، ولم يتزحزح عن موقفِه إذا لم يثبت الفرسان. 

وهذا عليٌّ يقول: كنا إذا حميَّ الوطيس -أي الحرب- اتَّقيِنا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -أي احتمينا به- وفيه.. فيكونُ أقربُنا إلى العدو."

 

يقولون: نحتمي به كما نحتمي بالجدار؛ من هؤلاء؟ كبار الشجعان! مثل سيدنا علي وأمثاله.. هم الأشجع. كانوا يقولون عمرو بن عبد وُد أشجع قريش، لمَّا قتله سيدنا علي خلاص راحت وصار الأشجع علي بن أبي طالب، وهو صغير في السن. 

مضيق من الخندق -مقدار ثلاثين ذراع- قفزه بالفرس حقه؛ ثلاثين ذراع قفزة، وهو إلى بعد الثلاثين ذراع جاء يجري من بعيد على الفرس، فاقتحم الخندق بقفزة من طرف الخندق إلى الطرف الثاني؛ محل كان من أضيق أماكن الخندق.. لكنَّه ثلاثين ذراع! وأكثر الخندق كان أربعين ذراع، وعمق تسعة أذرع. فذا شاف الذي محلّه ضيّق، ومن شجاعته وقوة فرسه راح يجري عليه من بعيد حتى يقفز، فقفز ثلاثين ذراع. أراد واحد ثاني أن يقفز.. سقط في الخندق ورموه ومات محله، اندقت رقبته ومات؛ وهذا وصل إلى الجنب الثاني.

قالوا: من يقومُ له؟ سكت الصحابة، وقال سيدنا علي: أنا يا رسول الله، فمن يقوم؟  قال: أنا يا رسول الله. 

فمن يقوم له؟  قال: أنا يا رسول الله، قال: إنه عمروٌ! قال: وأنا علي يا رسول الله! ولمّا عمَّمَهُ بيده، ناوله سيف وقال له: اقدم، أقبَل ماشي معه فرس؛ وهذا علَى فرسه، قال: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: بيني وبين أبوك صُحبة ما أريد أقتلك، قال: لكن أنا أريد أن أقتلك! هكذا! خرج من الفرس وعقل الفرس، وتقابل مع سيدنا علي، ثار الغبار بينهم حتى ما يُرَوُن، حتى تمكّن سيدنا علي فضربه على مِفرَق رأسه فَقدَّهُ نصفين -سبحان الله- فسمعوا من وسط الغبار التكبير -الله أكبر- فعرفوا أن سيدنا علي قد انتصر، أين عمرو؟! كان يسمى أشجع قريش، روّح…

له يد ما مثلها لي شلّت السيف الأبتر  *** ضربة بهـا ما تزيـــــــد 

يَهْلَك بها من ضُرِب منها مع الضرب يُدمَر  *** ذه إيد يا خيـر إيد

قد شقّ مرحَب بها واقلع بها باب خیبر *** سدَّتُه صبّ من حديــد 

رمى بها خلف جيش المصطفى أحمد وكبَّر *** وأهل خيبر شريد

وبعد ما انتهت المعركة في خيبر، هو قلع الباب حق الحصن حقهم، زعزعه وأخرجوه ورمى به وراء الجيش. بعد ما انتهت المعركة -جاء في الحديث الصحيح- جاؤوا تسعة أو اثنا عشر من الصحابة ليحلمون الباب هذا.. ما حرَّكُوه، لا أنهم ما حملُوه، بل ما حرَّكوه! ما قدرُوا يُحركُونه من ثقله؛ وهو وحده شلّة بيده، ومعه اليد الثانية فيها السيف، سبحان الله! قوة من الله تعالى جاءت. رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.

وهؤلاء الشجعان يقولون: إذا حمي الوطيس واشتد الحرب، اتٌّقيَّنا برسول الله كما نتَّقي بالجدار، فيكون أقربَنا إلى العدو، صلوات ربي وسلامهِ عليه.

 

"كل هذا له كان أعمق الأثر في نفوس صحابته -رضي الله عنهم- فنهجوا منهجه وتحمّلوا في سبيل عقيدتهم ما تَشِيبُ لهَولِه الوِلدَان. 

فلم يَهِنُوا ولم يحزَنُوا ولم يَملّوا ولم يَلِينُوا، واستمدوا من روحه العظيمة ونفسه الكبيرة ما هونَ عليهم كل ألم، وحبَّب إليهم كل تضحية فطابت نفوسهم بما يلقونه في سبيل الله أملًا في مغفرته وطمعًا فى نصره. 

فكانوا في تضحيتهم وثباتهم واستبسالهم وتمسكهم بعقيدتهم المثل الصادق الكامل الذي جذب أنظار المشركين واستولى على قلوبهم وأثار دهشتهم وإعجابهم."

 

مثل بعد بكرة في رمضان؛ في اليوم الثاني عشر، خرج من المدينة معه الصحابة إلى بدر، من أجل بدر. مثل أيامِكم هذه في رمضان، وأول سنة فُرضَ الصوم، وكان وقت حر أيضًا.. صيف مثل هذه الأيام؛ خرج من المدينة ومعه ثلاثمائة وبضعةَ عشر من الصحابة يتعرّضون للعِير، فكانت وقعَة بدر، (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) [الأَنفَالِ:8-7]. 

فوقعت المعركة الكبيرة، وقعَة بدر.. وأنتم في أيامها. اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه.. . كان يرجع من الغزوة، يجلس شهر، شهرين، نصف شهر، أحيانًا خمسة أيام، عشرة، يخرج ثاني مرة، صلى الله عليه. 

 

"فكان من أسباب إقبالهم عليه وانطوائهم تحت لوائهم وهذا بلا شك أثر إيمان القائد في نُفوس جُندِه.

ومن هذه المدرسة ظهرت مواقف الأبطال وكانت مصارع الشهداء ومن هذه القدوة الحسنة استمد بلال القوة في صبره على العذاب حينما ألقاه أميةٌ على الرمضاء الملتهبة في أشعة الشمس المُحرِقَة وقد أُثقِل صدره بحجر يزهق أنفاسه فلا يفتأ يُردد  كلمةٌ التوحيد أحدٌ أحد.."

 

يُغنِّي يُغنِّي.. لأنه له صوت حَسن، وكان يقول أحدٌ أحد، غِناء يطرِب فيها لتَذوُقُه لِحلاوة التوحيد. رمضاء وشدة وحجر وحر وضرب وهو يُغنِّي! له صوت كان طيِّب شَجِي يقول: أحدٌ أحد.. أحدٌ أحد، وذا عذاب شديد يُؤذُونَه وهو يقول: أحدٌ أحد .. أحدٌ أحد.. سبحان الله  حلاوة الإيمان! 

ومرّت السنوات وجاء إلى فوق الكعبة ينادي "الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله" هو بلال هذا، والذي كان يعذبه قد مات، وصوته وسط فوق الكعبة  (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:30].

 

"وهؤلاء هُم آل ياسر يَصِبُ عليهم المشركون أشد العذاب فيستعذِبُونَ الهلاك."

 

"صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"، وقُتِل أبوه قُدامه وأمُه قُدامه، كلهُم قُتِلُوا قُدام عمار بن ياسر؛ ومع ذلك خرج بِقُوة.. غريب على هذا التعذيب والأذى! وصلُوا لِلمدينة كان قوي؛ كانوا يبنوا المسجد يحمّلُونُه من حَجَرتَين، كلهُم يحملوا حَجَرة لكن يُحمِّلُون عمَّار حَجَرَتين كان يحملها،  جاء من تحت التعذِيب وكيف هو بالقوة هذه!! يمشي حتى يتكلم مع النبي ويضحك قال: ألا ترى يا رسول الله إنهم يحملون حَجَر حَجَر ويُحمِّلوُني حَجَرين يريدون يقتِلُوني، النبي يضحك قال: لا، ما هم بقاتِلِيك، إنما تقتُلُك الفئةٌ الباغية؛ قال: عاد سِنين بعدي بتجِي فِئة تُبغِي وبيقتِلُونَكُ؛ ليس هؤلاء الذين يقتِلُونك، فعَمَّر من ذِيك السنة أربعينَ سنة، حتى جاء الوقت، وقتَلَتُه الفئةُ البَاغِية. 

 

"ومن هذه المدرسة انبَعثت اسمىٰ معانى الفداء الحقة وأقوىٰ بواعث التسابق في التضحية، ولاشك أن المسلمين في أي عصر من عُصورِهم قبل هذا العصر المظلِم الذي ماتت فيه نخوتُهم لم يترِكُوا الجهاد ولم يُفرِّطوا فيه حتى علمائِهم والمُتَصوِّفةِ منهم والمحترفون وغيرهم فكانوا على أهبةُ الاستعداد. 

هذا عبدالله بن المُبَارك الفقيه الزاهد كان يتطوع في أكثر أوقاته بالجهاد."

 

رتّب عُمره سنة في الجهادِ وسنة للعلم وسنة للحج؛ سنة يحُج وسنة يُجَاهد وسنة للعِلم، أعطاه الله مال فكان يُنفِقُه في الجهاد وفي العطاء، رضي الله عنه. وعنهُ تُذكر القصة أنه خارجٌ سنًة للحج، وإذا خرج إلى الحج كان يحمِل مبلغ كبير من المال تُحمَل له سفرة كبيرة يجلس الناس عليها، فيمشي الناس معه على حسابه، على نفقتُه يأكلون. فأعدَّ المبلغ وعَزم على الحج، وإذا بإمرأة تنتف لحم من ميتة، قال: ما هذا! حرام ما يجُوز.  قالت له: اسكت، قال: كيف أسكت؟ تأخذين من ميتة، قالت: أُحلّت لنا الميتة، قال: كيف؟! قالت: أنا وبنات لي في هذاك الدار ساكنين، ما حد تفقّدنا ولا انتبه منَّا أشرفنا على الموت من الجوع، فإنما أخذ ما يسد الرَّمق، فأنا أعرف الحكم. قال: خلاص، الآن حَرُم عليكِ ما يجوز، هذا الفرس وعليه المبلغ حق حج هذا العام هو لكِ صارت حرام عليك الآن خلاص؛ تركت وقامت، وكانت من نسل الأشراف من نسل السيدة فاطمة.

قال: أين بيتكم؟ قالت: ذاك، قال: خذي الفرس وما عليه لَكُم. وهذه السنة نترُك الحج ورجع إلى بيته، وذهب الحجاج على عادتهُم ورجِعُوا، وكان عادة كثير من البلدان بعضهم إلى وقت قريب من المسلمين يودِّعُون الحجَّاج عِند سفرِهِم، ويستقبلُونهم إذا رجعوا، يُخرِج أهل البلدة كُلهم يستقبلون الحجاج، تعظيم للشعائر، يَطلِبُوا منهُم الدعاء. 

فلمَّا وفدوا من الحج خرجوا يستقبلُونَهم وخرج معهم يستقبل، وكان إذا هنَّأ أحد بالحج يقول له: وأنت ايضًا ...يهنئ حج مبرور.. وأنت أيضًا حج مبرور وسعي مشكور، يقول: ما حجَجِت هذا العام يقول معنا في عرفة رأيناك وشفناك في مُنى ورأيناك….  الأول والثاني والثالث!! تعجّب من كلامهم. 

فلما رجع نام رأىٰ النبي ﷺ قال: يا رسول الله الحجاج جاؤوا وكل ما هنأت واحد يقول: وأنت أيضًا وحج مبرور وسعي مشكور يقولون إنهم رأوني، قال: يا عبدالله إنك لمَّا آثرت تلك المسكينة وهي من ولد فاطمة بمالك الذي أعددتَهُ للحج، قَبِل اللهُ ذلك منك وسألتُهُ أن يَحُجَ على صُورتِك مَلَكُ يكون حجهُ لكَ كل عام إلى أن تقوم الساعة!رجع بحجَّات كثير ذا، وليست حجةٌ واحدة قال: خلاص فذهب، فلهذا رأوك رأوا المَلَك الذي على صُورتَك هُناك في الحج، وإلى طول الأبد والمَلَك يحُج عن عبدُالله بن المبارك، لأنه قدَّم معروف مُتعلق بهذا الجناب فكُوفئ، وكان ﷺ حسنَ المكافأة لمن قدم المعروف والإحسان. 

يقول في يوم بدر نفسه لو كان مطعم بن عَدي حيّ فسألني في هؤلاء لأعطيتهُم إياه، لوهبتهم له، الأسرى سبعين أسير كامل أسروهم من حصيلة المعركة، قال: لو هذاك حيّ وطلبهُم بأعطِيهم إياه! لماذا؟ لأن له معروف، لمَّا رجع من الطائف دخل في جِوارُه إلى مكة، وكان ممن سعىٰ في نقض الصحيفة، التي فيها حبس النبي وقبيلته في الشِّعْب، فله هذين الموقفين فحفظهم له. مكافئ ﷺ مكافئ، حَسَنَ المكافأة صلوات ربي وسلامه عليه... 

 

"وكان عبد الواحد بن زيد الصوفي الزاهد كذلك وكان شقيق البلخي في وقته يحمل نفسه وتلامذتَهُ على الجهاد .

وكان البدرُ العيني شارح البخاري الفقيه المُحدِث يغزُو سنة ويُدَرِس سنةً ويَحًجُ سنة .

وكان القاضي أسد بن الفُرات المالكي أميرًا للبحر في وقته. كذلك كان السلف رضوان الله عليهم."

 

بل الجهاد الصافي الخالص بأنواعِه؛ المنسوبين للتَّصوف هم الأوائل فيه على مدى القرون؛ الذي ليس تبع سلطات، ولا فيه اعتداءات ولا فيه أخذ بغير حق، ولا فيه خروج عن الشرع الشريف؛ الجهاد الخالص ما قام بأنواعه أنواعه، سواء في العلم سواء في العبادة سواء في القتال للمعاندِين المضادِين الصادِّين المعتَدِين؛ كله الأوائل فيه هم أهل التصوّف في كل هذه الأنواع، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وشهدنا في وقتنا في السنوات الماضية الجهاد ما بين الملحِدين من أهل روسيا وبين أهل أفغانستان من المسلمين، فما قام الجهاد ولا ابتدأ ولا رسخت أقدامه إلا من قِبَل أهل الطرق الصوفية، هم الذي أقاموا الجهاد.

ولمَّا لقِينا بعض كبارُهم -رؤساؤهم- قال: خرَّب علينا الجهاد صنفان:

  • صنف: ضيق النظر والفِكر مشدِّد مُؤذي يسبُ الأحياء والأموات. 
  • وصنف: غرضَهم السلطة؛ سلطة.. سياسة في سياسة جاؤوا فخرَّبوا  الجهاد علينا هؤلاء. 

وإلا كم أظهر الله لهم كرامات في تلك الحقبة، وواجهوا أعتى قوة على ظهر الأرض عسكريًا وأسلحة، وابتدأوا الكثير منهم من لا شيء، لمَّا بدؤوا قالوا لبعضهم ممكن فيه مسدس واحد أو بندقية واحد؛ قال: ما يوجد…حتى واحد ما ييوجد، نعم يوجد عصي، حَجَر، قالوا: والآن سيواجهوا ماذا؟! سيواجِهُوا أكبر دُول العالم قوة، فبدأوا بها.. ثم صاروا يقاتلون بحقهم الأسلحة التي يغنمونها، صاروا يقاتلوا بها...... والحقيقة بالإيمان، بالإيمان والمحبة…. أصلح الله أمور المسلمين. 

كانوا في تلك الأيامِ في المحل الواحد يُقتَل ناس من هؤلاء ومن هؤلاء في المعركة، تجِيء لهم بعد يوم يومين... تحصّل هؤلاء جند الكفار مُورِمِينْ مُنتِنِين، وهؤلاء قُتِلُوا في نفس الساعة معهم جنبهم كأنهم الآن قُتِلُوا ولهم روائح طيبة! في محل واحد، وهكذا…

بعضهم واجه الدبابة ما عنده شيء يحمل حَجَرة يرمي يُكبِّر تنفجر الدبابة !! هذا ... حَجَرة وكبَّر الله أكبر وانفجرت الدبابة بالذين فيها ماتوا! وهم ما في شيء، فرِد يواجه دبابة كيف هذا؟! حصل أمثال هذا كثير في تلك الفترة والحُكم، فلمَّا دخلت هذه الأفكار والخربطة رجعوا يتقاتلوا بينهم البين...

والله يدفع شر الفُجَّار والكُفَار عنا وعن جميع المؤمنين والمؤمنات ويُصلِح الظواهر والخفيات والمقاصد والنيّات، ويرعانا بعينِ العِنايات بسِرّ الفاتحة وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

20 مُحرَّم 1434

تاريخ النشر الميلادي

04 ديسمبر 2012

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام